بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
ولعنة
الله
على
أعدائهم
إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في
أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة
التوحيد الإلهي /
الثانية / للكاملين
/ شرح الأسماء
الحسنى الإلهية
البر
النور السابع والثمانون
البر: هو الباطن والظاهر بالطاهر الحلال الطيب بكرم ورأفة ، والصادق في بذل الخير الحسن الواسع وبلطف وعناية ومحبة ورحمة ، والخالص من الغش والخداع والغل والظلم والخيانة وما يخالف المروءة والعفة . وفي روح معنى البر : الصلة لمن له حق المحبة ، والعطف والرأفة مع قصد التكريم والتشريف في العطاء .
وفي معنى البر والبار : الإخلاص في وصل القريب الحبيب الذي له حق الإحسان ، ومع التوسع بوصله وإنجاز العمل الصالح النافع له ، وفيه عرفان الحرمة لحق الغير ، و ضد الغدر والخيانة والعقوق .
والبر والبار : إن اجتمعا فيراد بالبر الذات وبالبار الظاهر ببره ، وإن افترقا فيراد بكل لفظ منهم المعنيان في صلاح الذات وعمل الخير في الظاهر والباطن .
فالبر والبار: هو الذي يكون في باطنه وظاهره كاملا طيبا طاهرا ويتصرف بحكمة وعدل وإحسان ، ومحب للخير وعالما عاملا به بكل وجوده .
والأبرار : هم أصحاب الفضائل والمكارم في طاعة الله البر ، والظهور بعبوديته بكل ما أمر ، وهم الصادقون في بذل الخير الواسع للغير مع الإخلاص في المحبة لمن يقصدون وصله ، ولهم عادة الإحسان والكرم .
والبر الحق : لا يكون إلا بما يراد به الله وعباده الصالحون ، فيكون مظهر لبر الله في الحقيقة بما بره وأرد له الظهور به ، دون إرادة غيره ممن لم يحبه الله فلا بر في وصل المصرين على العصيان والطغاة والظلمة .
الإشراق الأول :
إن الله سبحانه وتعالى هو البر الحق :
إن الله هو البر الحق : لأنه الخير المطلق والنور التام الواسع الذي لا يحد ، وكل إحسان في الوجود فهو من رحمته ، وكل ما يصلح الوجود من تجلي أسماءه الحسنى وصفاته العليا التي لها الكمال التام الفياض ، والذي يتجلى بكل خير وبركة على كل موجود حتى يوصلهم لأحسن غاية ، فيجعله متقن الوجود دقيق الصنع محكم التكوين جميل الهيئة ، وهكذا يجعله بما يناسب حاله وشأنه في الوجود ، ولا يمنع منه شيء سبحانه ولا نقص في عطائه لمن له القابلية والاستعداد لتقبل فيضه .
والله تعالى بر لأنه يحب خلقه : فأنهم أثر لكمال تجلي أسمائه الحسنى وصفاته العليا والتي ظهر نورها في الوجود فكان جميل فعله فيه ، ومادام الكائن لم يتعصى على نيل كرمه وتجلى بره وإحسانه عليه وبالخصوص الإنسان من الكائنات ، فهو سبحانه البر ينزل كرمه عليهم و يشرف خلقه بكل خير وبركة منه ، فهو البر الذي يعطي من يقبل عليه ويتوجه له بكل تكريم وتشريف ومحبه له ولطف وإحسان ، ويخلصهم من كل ما يزاحم وجودهم ويعطيهم كل ما يحتاجوه ويرفع عنهم كل نقص ، وإن ما يعطيهم فهو عن محبة لهم وتفضيل ونعيم ، لا إمهال ولا استدراج يزيله فيحوله بعد فتره فيجعله مؤقت كما لغيرهم ممن يقصدون غير الله ، بل مع التوفيق لصرف نعم الله بما يبقيها خالدة دائمة قائمة ، وهو البر الرحيم .
والله البر تعالى لا يَقصد أحد في نزول إحسانه : وتجليه بالكمال عليه لما له من الحق الذاتي له ، بل لأنه سبحانه برّ ومحسن وهو الكريم الواسع بالعطايا والنعم على كل شيء ، يكون قد شملهم بإحسانه وفضله وأنزل كرمه وبره عليهم ، وكل حق جعله لأحد فهو لكونه وعد مَن يتوجه له التوجه التام ، فيكون له الاستعداد التام فينزل عليه كرامته ويشرفه وتناله العناية التامة منه ، فيرتفع في تحصيل كرمه ومجده وكل خير وبركة ونعيم يتنزل منه ، وهدى ينتفع به ، ويصلح حاله ، فيبره بما فيه صلاحه وكماله وسعادته ، وهو البر والوفي الكريم .
ولذا يكون البر والإحسان من الله تعالى حق صادق : وهو لكل من طلبه صادقا وتوجه له بحق لم يرد إلا وجهه الكريم في كل وجوده وصفاته وأفعاله ، فينزل عليه البر من الله وكل كرامة وخير وبركة فتعم وجوده وكل آثاره ، فيأتيه من البر والكرامة من فضل الله البر فوق النعم العامة لكل موجود ، وهو عطاء وكرم ونِعم واسعة مع التشريف والتكريم ، ويريد بها الله أن يعز ويفضل هذا المخلوق المتجلي الله عليه بالبر الخاص على غيره ، بل قد يظهر الله البر على موجود حسب حاله فيكون بار ومن الأبرار ، فيتجلى بالإحسان على كل من له حق المحبة بصدق ، وبكل ما ينفعه ويزيده كرامة وتشريف ، ويخلصه من حوائجه ، ويرفع نقصه بفضل الله عليه ، فيكون بارا وظاهر بالبر على غيره بما فضله الله البر .
الإشعاع الأول :
البر من الله البر عام لكل متوجه له :
إن كل بر في الوجود فهو من الله البر : وهو لكل متوجه له لنيل إحسانه وفضله وتكريمه ، بل لكون كل شيء قدرته واستطاعته على طاعته ، منه تعالى وبمنه وفضله عليه ، فهو سبحانه البر الذي يكرم عباده المؤمنين ويشرفهم فينزل عليهم كل كرامة ، ويمنحهم كل مجد يستحقوه من قبل ومن بعد ، حتى ينزلهم بلطفه في جنة النعيم والملك الدائم الذي لا زوال له ولا اضمحلال وهو البر الرحيم والبار الكريم .
وإذا عرفنا إن الله هو البر والبار : سواء في نفس وجوده الكريم أو في صفاته ، أو في فعله البار الذي شرف كل موجود فكرمه في وجوده وبكل ما أنعم عليه ، وله سبحانه ظهور على كل الموجودات بالنعم العامة التي بها قوام كل موجود وما يوصله لهداه وغايته بأحسن صورة ممكنة ، نذكر البر الخالص للأبرار من الله البار.
الإشعاع الثاني :
البر الخاص من الله البار لمن يتوجه له بإخلاص :
إن الله هو البر الحق : وكل شيء له من بره نصيب ، وله تعالى تجلي خاصا بالنعم على بعض العباد بما لهم من خصوصية الطلب الخالص منه ، فيوصلهم لأعلى كمال ومنزلة في الكرامة والفضيلة ، وبالظهور والتجلي التام والكامل حسب حالهم وتوجههم ، فتأتيهم الكرامة والنعم والإحسان حتى يكون لهم البر والتكريم الأكمل ، وينزل عليهم بركاته ويشرفهم ويعزهم بكل خير يظهر من الأسماء الحسنى والصفات العليا ، فيخصهم بما لم ينزله على موجود آخر ليس له استعدادهم لنيل التشريف والتفضيل مثلهم .
ومن يتجلى عليه الله البر بحقيقة اسمه البر بالتجلي الخاص : يجعله بر وبار بل يصل لمرتبة عالية ومنزلة كريمة في الوجود وعند الله حتى يكون سيد الأبرار في زمانه فيكون نبيا أو رسولا أو وصيا وخليفة لنبي وإمام حق في زمانه ، وله من الله كل تشريف وتكريم وفضل ومجد جعله لعباده سبحانه ، ويتعلم منه العباد كل بر وإحسان وحرمة للغير ، وهذه منازل الأنبياء وأوصيائهم والصديقين والصالحين الذين شهد الله لهم بكل كرامة ومجد وإحسان ، وكما ذكرهم في كتابه الحسن الذي شرفنا بهداه وبين فيه كرامته عليهم ، حتى جعلهم مصلحين كل فاسد في مجتمعهم ، وكل من يقتدي بهم يصل لكل شرف ومجد ، وبالخصوص من خلال العبر والمواعظ في قصصهم وما علموه وتحملوه في جنب الله وفضله عليهم ، وبهذا جعلهم أئمة يهدون بأمره لكل طالب هدى حق ، وهو صادق في طلبه من الذين صدقهم الله وبرهم فجعلهم يظهرون بالبر والإحسان بكل وجودهم وصفاتهم وأفعالهم ، وبأتم وأكمل وجه مخلصا لله يطيقه عبدا ممكنا ، فسبحانه من بار رحيم تجلى بالبر على عباده حتى أظهره منهم .
فمن تجلى الله عليه بالبر وأنزل عليه بركاته : يكون بارا خيّرا صالحا ، معلم للإيمان بالله ومعرفته وكل ما يصلح العباد كلهم في كل أحوالهم ، ومخلصا لله صادقا في إيمانه وبكل ما يطلب به الله من سيرته وسلوكه وعلمه وتعليمه ، بل إن صدقه المؤمنون فيما يقتدون به يكونوا مع الأبرار أبرارا وحسب مرتبتهم من التوجه لنيل بر الله والتحقق بمعارفه منهم ، فترتفع درجتهم في البر ومنازل الأبرار .
فإن الله البر البار : قد ظهر بنوره في الأبرار وأنزل عليهم هداه الذي فيه كل فضل وبر منه تعالى ، وكل خير وسعادة لعبد يحب الطهارة في السلوك والإحسان والفضل في البر على بني نوعه ، فضلاً عن إطاعة ربه والإيمان به مخلصا له الدين القيم ، والذي علمه لهم وعلموه ، فيتعلم العبد المؤمن مما أنزل عليهم في كتبهم ، وبما علموه بسيرتهم وسلوكهم بكل بركة بر وإحسان ، فيحسن وجوده وذاته وتكمل صفاته فيتجلى بالأعمال الصالحة عن إيمان خالص بالله ، ولا يريد بعمله إلا الظهور بجمال آداب الله والأخلاق الفاضلة التي كرمه الله بها فيكون بارا ومع الأبرار ، و حسب طاقته يكون معلم للبر مثلهم ، وهذا بفضل ما أنزل الله البر الرحيم على الأبرار من الهدى والفضل حتى يتعلم منهم المؤمن البر والإحسان وظهر به فصار بارا .
وأهل البر الذين برهم الله : من الأنبياء والرسل وأوصياءهم على طول التأريخ ، هم الذين بما تفضل الله عليهم رفعوا المؤمنين من عالم المادة لطلب ما عند الله بكل وجودهم وصفاتهم الفاضلة ، وبالإقتداء بهم والسير وفق هداهم والتأسي بأعمالهم الصالحة يكون الناس محسنون صادقون لا يطلبون إلا الله بأنفسهم فضلاً عن أموالهم ، فيتعلموا منهم الإنفاق في سبيل الله تعالى ولا يرجون إلا فضل الله ورضاه عنهم ، وذلك بعد ما كان بين الناس قبل نزول هدى الله على الأبرار الربا أحل من البيع والشح متأصل ، والكرم إسراف إلا من ندر فعٌرف به ظاهراً دون حقيقية لأنه لم يكن في سبيل الله ، وكان لا معنى للصدقة والزكاة عندهم تعرف بحقيقتها من غير مَنّ وأذى ، وإن أنفق فكان لكي يُعرف ويشهر وليفتخر لا قربة به لله ولا توجه بما يسعده في الآخرة ، بل ولا يعتبره دين يدين به لله من دون قصد نفسه أو رفع الألم الذي يقع في نفسه من رؤية حالة المحتاج التي تدفعه لمساعدته والتي جعلها الله في فطرته ، وأين من يطلب الله وثوابه ممن يطلب نفسه ومدح الناس .
فالله البر والبار ذو الفضل والإحسان سبحانه : ببره على الأنبياء وأوصياءهم وعباده الصالحين على طول الزمان رفع الله العباد كلا حسب حاله لأكرم مقصد يقصده إنسان ، وهو طلب وجهه تعالى والقربة لديه حتى ينزل عليه الله الوفي المحب للأبرار كل بره ويزده من فضله وتشريفه وتكريمه ، وبفضل الأبرار الذين ظهرت حقيقية اسم البر بهم عرف الناس للبر حقيقة وتحلوا به وظهروا وكان البر دين لهم يقصد به الله ويطاع به سبحانه ، ويكون البر له وظيفة دينية يتعبد بها لله ، والله من يشكره يشكره ومن يذكره يذكره ومن بره بالإيمان والطاعة المخلصة يبره ، بل يجعله سيد الأبرار في زمانه ، فراجع قصص الأنبياء في القرآن الكريم ، ترى معاني لظهورهم بالبر جميلة ، تُعلم الإنسان البر والإحسان حتى يكون مظهر لهما بفضل الله إن كان صادقا فيما يطلبه من الله .
وخير بر تجلى وظهر لحقيقة اسم الله البر : هو ظهوره على نبينا محمد وآله الأطهار الأبرار في الوجود ، حتى تحلوا به بكل وجودهم علما وعملا وسيرة وسلوكا وصفات وقولا ، فتحققوا به بكل ما يمكن للمكن أن يتحقق به بفضل الله وبره التام الكامل عليهم ، وهم بفضل الله وبره ظهروا به بأحسن مظهر يعرفنا بر الله تعالى وهو البر الكريم وكل بر من بره سبحانه ، وقد تجلى عليهم وظهر بهم بره سبحانه وأنزله عليهم حقيقة معناه وحلاهم به بل ظهر منهم بفضله فكانوا هم الأبرار حقا ، وكل بر في الإسلام يتعلمه الإنسان من أثارهم وسيرتهم وسلوكهم وبرهم ورحمتهم ، وبالخصوص برهم بالمؤمنين الذي يستحقون التكريم والتشريف ، فكانوا المظهر التام لتجلي اسم الله البر والبار في الوجود حتى أنزل في فضلهم قرآن يتلى فلنتدبر بعض آياته .
الإشراق الثاني :
ظهور الله البار بالبر على نبينا وآله من أول الدهر إلى أخره :
إن ظهور حقيقة اسم الله البر في النبي وآله الكرام : هو في جميع مراتب الوجود من الجبروت والملك والملكوت ، وفي كل أحوال نورهم في الأرض وتقلبهم في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات من آدم ونوح حتى جدهم الكبير نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي جاء بعجل حنيذ سمين يطعم به الملائكة أو فدائه بابنه إسماعيل حتى فداه الله ، وهكذا أستمر البر فيهم حتى هاشم الذي كان يهشم الخبز في الحم ومائه ويعطيه للفقراء ، وهذا الكرم والبر ساري في جودهم ، حتى سمي آل النبي الكريم تخصيصا وتشريفا به ببني هاشم لبر جد نبينا وآله آل هاشم عليه السلام وإحسانه وكرمه ، فإنه كان بر وبار بما كان يهشم من الأرغفة وثريدها للفقراء من قريش وغيرهم ، ويطعمهم حتى يشبعهم طالبا بذلك رضا الله تعالى ، وهو على سنة جده إبراهيم وتعاليمه ، فشرف الله اسمه الكريم ولقبه حتى جعله لقب للنبي الكريم وآله ، مع أن نبينا هو أكرم بار عند الله في الوجود ، وذلك لينبهنا الله بأن البر متأصل في عروق النبي وآله كلهم لما ظهر لهم وأنزل عليهم من بره حتى صاروا أبرار على طول التأريخ وإلى يوم القيامة ، وهو مجد له وبهم يعرف البر ، وإلى الآن يعرف آل النبي والسادة كلهم ببني هاشم ، وهكذا استمر كرمهم وفضلهم وكانت زمزم لهم يسقون الحجيج الماء بفضل الله عليهم ، بل كل أهل مكة بزمانهم ، وهذا فضل الله مستمر بهم حتى أفتقر أبو طلب عم النبي لكثرة أنفاقه ، حتى قالوا ما ساد فقير قط إلا أبو طالب ، ومنه نقل البر للنبي وبعده لعلي وآلهم من أئمة الحق ، وهذا فضل الله يؤتيه لمن يشاء من عباده المخلصين في طلبه وقصده .
وهذا المجد والتشريف من الله البر : وظهور البر بكرمه في آل النبي الكريم وأجداده الكرام حتى وصل لسيدنا النبي ومنه لآله وذريته ، فكان هو وآله سادت الأبرار حتى أمرنا الله أن نطلب منه أن يتوفانا مع الأبرار كما ستعرف ، كما طلب منا أن نكون مع الصادقين وطلب الهداية للصراط المستقيم بمثل أهل النعيم من عباده المكرمين عنده ، وكما عرفت بر الله بنا ليعرفنا بهذه المكرمات الحقة عند نبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم ، وبالإضافة لبيان شأنهم لنتعلم منهم .
فنبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين : هم أفضل من تجلى عليهم الله البر الرحيم في الوجود ، وهم في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة ، فنالوا كل بر من الله البر يمكن أن يحصل عليه إنسان ، فكانوا هداة لكل البشر لما فيه صلاحهم ونفعهم وخيرهم مجتمعا وأسرة وفردا بل ودولة وحكومة ، وهذا بفضل الله البر عليهم راجع سيرة النبي وعلي وآلهم الطيبين في كل أحوالهم .
فكانت من أهل البيت خديجة سلام الله عليه : وهي جدة أئمة الحق والهدى ، حتى قالوا : ما قام الإسلام إلا بمال خديجة وسيف علي ، فكانت عليها السلام بفضل تعليم النبي وهي جدة أئمة الحق ، أبر امرأة بعد بنتها فاطمة بعد إن كانت أكبر متاجرة وأكثر الناس مالا في قريش ، وبفضل تعليم نبينا الكريم لها وإيمانها الصادق بالله وطلبه بكل وجودها ، فكانت بعد بنتها المكرمة فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ونالت بر الله بأعلى مظهر ، وذلك لما ظهر منها من البر ، إذا أنفقت كل مالها في سبيل الله تطلب به الله ، وتقصده عن محبة ، حتى كرمها بأن تكون أم فاطمة الزهراء ، وإن أئمة المسلمين من ذريتها إلى يوم القيامة .
وأما نبينا الكريم فهو البر ومعلم البر إلى آخر الدهر : فإنه مع ما ملك لكنه كان في كل وجوده يطلب الله والله تعالى يرعاه بالبر ، فبذل كل ما بره الله البر من بره به ، وبأتم مظهر للبر ظهر من إنسان قد بره الله على طول الزمان ، فكل وجوده قد بذله يطلب به الله تعالى ، إيمانا وعلما وهدى وجاها ومالا وسيرة وسلوكا وحديثا وتعليما وعملا وبكل تصرف له ، كما إنه ما بات ليلة شبعان قط مع ما ملكه الله من تجارته قبل البعثة أو مال خديحة أو مع ما فتح الله عليه من خيبر ومكة والبلاد .
فكان يظهر نبينا الكريم بالبر بما تفضل الله عليه من تجليه باسمه البر : حتى كان ينفق كل ما يصل له من أموال تجارة أو من مال أهله وكل ما يتفضل به عليه الله بفضل الإسلام وما فتح الله عليه من الحقوق التي جعلها الله له ، وسيرته كلها شواهد لإنفاقه الهدى والمال والجاه والكلمة الطيبة التي يرفعها الله ، وكل ما يمكن أن يبر به لمؤمن ويجذبه لعبودية ربه ، بل شمل بره الوجود كله وعلمهم كيف يخلصون الطلب لله ويتوجهوا له سبحانه بإخلاص لوجه الكريم ، حتى كان لا يطلبون غيره في إنفاقهم بما مكنهم الله منه من علم ومال وهدى ودين وكل شيء ، وكل حسب حاله ينفق في سبيل الله ، وسيدهم النبي الكريم وبعده آله ، بشهادة الله البر لهم ، وبشهادة سيرتهم الكثيرة الشواهد في التجلي بالبر التام وسيأتي ذكر منها .
ونبينا الكريم بما بره ربنا كان هو معلم البر وسيد الأبرار : بل بره الله حتى جعل آله معه كما عرفت وسترى وبهم علمنا الله البر ، وهم الذين يعلمون هدى الله والإنفاق في سبيله ، حتى كانت آيات الأبرار والإنفاق في سبيل الله هدى أو مال لا تعرف إلا بسيرتهم ، ولا يتحقق صدقها بحق إلى بذكر شواهد من حياتهم ، وكل ما يقال في غيرهم من البر يكثر فيه القيل والمقال ، ويستقر الحق بعد البحث والتحقيق في معرفة البر بأنه كان متحقق في تصرف نبينا وآله الكرام حيث يشهد له كل منصف ، بل يشهد لهم الله البر تعالى به ، وهو المنزل بره علما وعملا عليهم حتى ظهروا به ، ولذا كان لا يعرف البر إلا منهم ، فكانوا مظهر أسم الله البر والبار الرحيم ، وبأتم وأحسن وجه ظهر به البر في الوجود على موجود من الله البر على الأبرار ، وجعلنا الله مثلهم وحشرنا معهم فإنه تعالى هو البر الرحيم ورحم الله من قال آمين يا رب يا بار يا بر يا الله .
الإشراق الثالث :
آيات تعرفنا حقائق البر وملاكه الظاهر في المؤمنين وأئمتهم :
يا طيب : هذه بعض الآيات الكريمة تعرفنا البر وملاكه وحقائقه ، وما هي مواصفات الأبرار ومن تحقق بها واقعا بشهادة كتاب الله وكلامه المجيد ، نتدبرها لنعرف الله البر كيف علمنا البر في دينه وهداه سبحانه ، وعلى من تجلى به بأتم تجلي حتى عرّفنا الأبرار حقا ، فنتعلم منهم البر ونكون أبرار محسنين عند الله حتى يستمر علينا الله البر المحسن بالتجلي ، فيورثنا جنته بما وعد الأبرار المحسنين وعباده الصالحين ، ونكون مع نبينا وآله الطيبين الطاهرين ، وبهذه الآيات الكريمة نعرف أُسس البر وأصوله وشروطه وبماذا يجب أن يكون أوله وآخرة وما يطلب به ويقصد ، وستراها لا تنطبق إلا على نبينا وآله الكرام الطيبين الطاهرين ، والذين برهم الله وجعلهم أبرارا كراما حتى كان لا يصدق للبر مظهرا تاما ، إلا بما ظهروا به في حياتهم الكريم وسيرتهم الشريفة بفضل الله البر بهم ، ثم يأتي اسم البر وحقيقته لمن اقتدى بهم .
فنتعرف على أهم شروط البر وأسسه : والتي هي فوق الصدقة والإحسان المجرد ، بل هو الإيمان التام الكامل والعمل الصالح الخالص لله والمقصود له وحده لا شريك له مع المحبة له ، ووفق ما أمر الله به من غير خلط لغير تعاليمه بها ، ولا خلط لغير أولياءه الأبرار بهم في تعلم تعاليمهم أو التعلم منهم ، وقصد التعليم أن يكون لله ، وكل بذل يبذل يجب أن يقصد به الله ، ولذا في هذه الآيات الكريمة ننظر لأهم أُسس البر ونطبقه على بعض حياة الأبرار من أئمة الدين الأطهار ووفق ما قال الله البر :
{ وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)
وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44)
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }البقرة46 .
في هذه الآيات الكريمة نعرف : إن أول البر معرفة الحق وهو طلب ما عند الله سبحانه وينهانا عن كتم الحق أو حرف الناس عنه ، والله سبحانه وتعالى يعرفنا في هذه الآيات الكريمة إنه يجب أن نكون من أهل البر لا فقط نأمر به وننسى أنفسنا ، ونحن نتلو كتاب الله الذي يعلمنا أصول البر ، وهو التوجه له وطلب ما عنده من العز والكرامة والشرف والفضل ، وأفضل ما يوصل له سبحانه هو الصوم والثبات على الإيمان في كل المواقف ، والصلاة التي هي أكبر أمر يتوجه به لله ، والزكاة بصرف ما بر الله العبد به من العلم والعمل في طاعته ، وتكون صلاته مثل صلاة الخاشعين الذين يضنون أنهم يلاقون ربهم عند التوجه له بالصلاة بكل وجودهم وفكرهم ، وإنهم إليه راجعون بكل وجودهم وصفاتهم وأفعالهم ، فيستشعرون عظمة الله فتخشاه أرواحهم وترجوه ، وتخشع وتخضع له أبدانهم فيهيمون في طلبه والإخلاص له وحده .
وهذه المواصفات للبر : لو طلبها أي منصف طالبا للبر والحق في معرفة الأبرار الذين عرفت ما ذكره الله من الأوصاف التي مرت أعلاه ، لكي يتعلم منهم ويقتدي بهم ويتأسى فيكون مع الأبرار بارا ، بل يظهر بالبر بقدر إخلاصه في المعرفة والعلم بما علم وأيقن بفضل البر والأبرار ، وما نزل من البر عليهم من عند الله تعالى ، لعرف معرفة اليقين وبالدليل المحكم القاطع إنها مختصة بالنبي وآله فقط ، ولا تصدق على غيرهم ، وهي بيان لإمامتهم عليهم السلام ، ويكفيك التدبر في آيات البيوت المرفوعة بذكر الله التي لم يلههم مله عن ذكره كما أنه صلاة الخاشعين هي للعلماء وهم أعلم الناس كما عرفت وستعرف .
وإما الصيام : فاتلوا ما سنذكره من سورة الدهر النازلة في حق أهل البيت النبوي الطاهر ، وما فيها من الإخلاص والخضوع والخشوع والخشية في طلبهم الله ، وبكل توجه وإخلاص فيه بيان للثبات على الإيمان الكامل الذي ذكره الله وجعله نورا يُعلموه بسيرتهم وسلوكهم وحديثهم وعملهم لكل طالب للبر بحق وصدق .
ويكفيك لتعرف أين تجلت حقائق هذه الآيات الكريم : والتي تعرفنا أصول البر وتحققه في العباد ، التدبر في حياة الإمام علي وهو سيد آل النبي بعده وهو تلميذه في كل شيء من بر وإحسان أو هدى وإيمان أو غيرها من خصال الكرامة والتشريف اللهي لهم ، فقد مر عليك فيما مر في اسم الله الوارث ثناء الله له وتعريفه بالثبات وعدم التبديل وهو الموفي بعهد الله ، وفي آية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم يبدلوا تبديلا ، بل صدق الله أهل البيت وأئمة الحق كلهم في آية المباهلة وغيرها من آيات الإمامة .
وإن كنت تريد أن تعرف البر من الله البر : بحق ، وبصدق صدقه الله وشهد له سبحانه البر الذي يعرفنا بره لنا بتعليمنا وبتعريفه لأئمة الحق الذين لهم حقيقة محبة الله وقصده مع الإخلاص وبذل الروح في التوجه له بكل الوجود والفكر والعلم والعمل ، وبالخصوص بالصلاة والزكاة والخشوع والإخلاص له وحده كما كان ملاك البر التام الكامل في تلك الآيات ، وكله مجموع البر فيها في علم وعمل واحد تراها في آية الولاية : ويأتون الزكاة وهم راكعون ، فتدبرها تدلك الخصال الخاصة للإمام علي وهو يعطي الزكاة في الصلاة وهو راكع والتي مر بيانها في النور السابع والستون : للمولى ، وهي مختصة بأمير المؤمنين عليه السلام وحزبه الغالبون المفلحون الذين هم حزب الله , والذين شكر سعيهم الله تعالى وغفر ذنوبهم كما في آية مودة القربى .
كما وتكفيك لمعرفة البر : والذي ظهر بأتم مظهر لتجلي اسم الله البر على إنسان كرمه الله وشرفه ، هو ما ظهر من بر الله على الإمام علي عليه السلام في آيات النجوى والتي لم يعمل بها إلا هو حتى نسخها الله وعرف فضله فيها ، وكيف توجه لله ورسوله بخصوصية النجوى والقرب منه ولم يُشرف الله أحد غيره بهذه بعد عمله الكريم في التصدق، بل يكفيك إنه وآله آل النبي وسيد البشر أنهم هم كوثر الخير والبركة وبر الله تعالى ، وهذا التكريم يدل دليل قاطع على إنهم هم البر الظاهر بالوجود بأعظم ظهور لأفضل عباد شرفهم الله وكرمهم ببره ، حتى قال الله للنبي الكريم : وإما بنعمة ربك فحدث .
بل يكفيك لمعرفة البر من الله البر الصادق : والذي صدقه الله في آية الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ، والتي نزلت في حق الإمام علي عليه السلام يوم الهجرة والمبيت على فراش النبي الكريم ، وهو أتم وأكمل مصداق للبر من البر الذي يطلب بعمله الله وبكل وجوده ، وأستمر يظهر به البر وهو يبر الله بالطاعة والعبادة المخلصة له وكل ما بذله من علم وعمل ومعارف تعرفنا الله ، ويكفيك أن تراجع نهج البلاغة أو سيرته ، فإنه كان مخلصا لله بكل روحه ودينه وكل ما أراد به الله من الطاعة حتى قُتل في محراب عبادته عليه السلام من أجل الله الوفي البر ، وفوق كل بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الله ، ولم يخلف شيء وهو أمير المؤمنين الحق الذي يملك البلاد الواسعة بفضل الله عليه ، وهو في آخر عمره لم يبدل كما شهد الله له ، وكان يكنس بيت المال ويرشه بالماء ويصلي فيه ركعتان شكرا لله لما وفقه للبر وصرف مال الله لعباد الله وبرهم بالحق والصدق والعدل .
ولم يكن مثل غيره : يفرق مال الله على أقرباءه ومن يخاف كلامهم أو يخزن المال ويأخذ مال الله دول وعباده خولا ، فافترق عن حقيقة البر فلم يكن بارا ولم يظهر به البر حتى باسمه ، فلم يكن بارا ولا توفي مع الأبرار لأنه تفرق عنهم وفرق الناس عنهم ، فكان عليه نار وعار في يوم القيامة ، وأن كل ما أنفق طلب به تثبيت ملكه وطلب الناس وزينة الدنيا وحب الفخر والرئاسة والتسلط ، ولم يطلب به الله البر ولم يتوجه له مع أنه مال الله والعباد عباد الله وليس ماله .
والشهادة والتفاني في طلب الله : في كل بذل للنفس وللعمل والمال وبكل سيرة وسلوك هي من خصائص أهل البيت في أعلى مراحلها ، فكلهم قتلوا أو سموهم لأنهم يدعون لله بكل إخلاص ويُعلمون تعاليم الله حتى علموا الكتاب والحكمة ، وحسدهم الناس فعاداهم من لم يعرف معنى إحسان الله وبره وحقيقة القيم والمعاني التي في البر ، والتي يطلب بها رضا الله البر ، ويقصد بها بكل إخلاص في العبودية والطاعة وبتعليمها والظهور بها .
وهذا بر الله لهم : وهو ملكه العظيم من الكتاب والحكمة وهداه ، فضلاً عما ملكهم من خمس المال والأنفال وهو خالص من بر الله لهم ، وهذا هو أعظم ظهور لله البر بالبر في الوجود على أحد قد حلاهم الله به وحققهم به فظهروا به في كل وجودهم ، وهذه بعض المواصفات وتصديق الله البر للأبرار نبينا وآله الذي يجب على الإنسان أن يعرفها ويطبقها ليطلب من الله بكل وجوده أن يكون مع الأبرار كما أمرنا الله تعالى .
فهذه آيات كريمة أخرى : تبين حال الأبرار ومواصفاتهم وهي نفس ما عرفت من المواصفات السابقة ، وبها يعلمنا الله البر حتى نتعرف بها على الأبرار ونقتدي بهم ونتأسى بهم ونعرف بهم أئمة الحق والهدى ودين الله وصراطه المستقيم كله ، والذي يجب على من يطلب الله بحق ويريد أن يكون بارا لأنعم الله وشاكرا له ويؤدي جزء من حقه ، فيطيعه ويقصده في طلب الحق من تعاليمه ودينه بصدق ، فيُصدق من صدقهم الله وعرفهم لنا ، وبه نعرف ملاك البر ويُعرف أهله لنقتدي بهم ، فنكون منهم ومعهم أبرارا ، بل مع الله في أخلص طاعة وإيمان ، وعن معرفة ويقين بما يريدنا منا من هدى دينه القويم ، فنطبقه ونكون من خير البرية الأبرار ، وأنظر مواصفات البر في ما قال سبحانه وتعالى :
{ لَيْسَ البر : أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
وَلَكِنَّ البر :
مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ .
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ
ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ .
وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ . وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا .
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ .
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ }البقرة177 .
إن الله سبحانه وتعالى هو البر الرحيم : وهو الذي يعلمنا أسس البر وأصوله حتى نعرف الأبرار بحق وصدق ويقين ، وبكل المواصفات التي ذكرها الله وعلمنا بها حتى نتبعهم ونقتدي بهم وبالخصوص حين نراها بعلمهم وعملهم .
فإن أول البر : هو معرفة الحق والإيمان بالله وإن أول من أسلم بعد رسول الله أهل البيت عليهم السلام علي وخديجة ، ثم ما بينه الله في أنذر عشيرتك الأقربين لاختيار الإمام علي بعده ، ثم باقي من أسلم بعدهم وآمن ، ومنهم من أخلص ومدحه الله وكان مع الأبرار واقتدى بهم وثبت معهم كآل عمار وأبو ذر وحمزة وغيرهم من المخلصين ، ومنهم طمع أو انقلب ولم يثبت الإيمان فيه فلم يبقى مع الأبرار ولم يصرف ما بره الله في الطاعة له مخلصا فيبر ويكون بارا ، بل قصد نفسه والدنيا والحكم والتسلط والفخر والشهوات ووساوس الشيطان .
وبما عرفت كان بعد رسول الله معلم البر وأميرهم : الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي وفى بعهد الله ولم يبدل تبديلا ، وقد عرفت أمر صلاته وزكاته وهو راكع وإنفاقه وما شرفهم الله وخصهم لإخلاصهم في ما قصدوه به .
وكل ما قيل في غيرهم من البر : متناقض يحتاج لدليل ولو فيه إخلاص كما لأهل البيت لحكاه الله عنهم ، ولأنزل به آيات وبيّن لهم مواصفات خاصة لنعرفهم بالإمامة والولاية الخاصة ، ونطلب منه أن يتوفنا معهم حين نكون قد اقتدينا بهم وحببناهم ، وكما أمرنا وعرفنا به بالخصوص بمن هم أهله حقا كما في مودة القربى والصلاة على النبي وآله وتطهيرهم وموقف المباهلة وتصديقهم وحكاية جهاد أمير المؤمنين في كل المواقف والغزوات وثباته .
وإن أهم ما يبين الثبات على الإيمان : والذي هو أول البر كما في الآيات السابقة ، وبعده يبين الثبات على كل دين الله وما أراد أن يطاع به وهو بر لله الغني الحميد ، وهو الظهور للبر من الله فيهم وهو بما أقدرهم في مواقفهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو معلم البر في السراء والضراء وحين البأس ، وكل المعارك وغزوات المسلمين كان النصر والثابت فيها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، في بدر هو القائد والمبارز وهو الثابت وكان كل آية نزلت في شأن ما حمد الله به أهل بدر تنصرف له بعد النبي ، والباقي تبع له في تشريف الله وتفضيله ، وليس لهم مظهر خاص بالقيادة غيره ، وبهذا نعرف ويعلم منصب الإمامة بعد رسول الله له وحده .
وفي غزوت أحد : كان النصر الأول على يد علي بن أبي طالب ، لكونه كان القائد والمبارز وتحقق النصر وفر أعداء الله وتركوا الغنائم في ساحة الحرب حتى طمع من طمع بالمال ، وأستغل الكفار انشغال المسلمين في جمع الغنيمة فهجم الأعداء وفر المسلمون كلهم إلا من عصمه الله وبره بالثبات وشرفه بالسكينة ، وهو الذي يدور حول النبي الكريم يبذل نفسه في سبيل الله ويدافع عن دين الله بكل وجوده وهو الثابت الأول ، وبعده رجع بعض المسلين له ، وكان الله البر بهذه المواقف بالتجلي بالتشريف والتكريم البر في بيانه من قصده من أولياءه الثابتين له ، يعلمنا ويعرفنا علما وعملاً أهل الثبات من النبي وآله المخلصين الذين يقصدون الله بكل وجودهم حين البأساء والضراء ولم يطمع بمال ، مع أنه كان النصر على يده وهو سببه وبفضل الله عليه وبره به ، وهكذا من ثبت معهم من المخلصين للنبي حتى بعده وفاته قد بروه بمولاة أهل البيت وقربى النبي عن محبة وود وإخلاص في تعلم البر منهم ، حتى كانوا بحق مع الأبرار ومن أنصارهم بكل وجودهم ، ولم ينقلبوا على دين الله وأئمة الحق الهداة ولم يحاربوهم فيكونوا لم يبروا لله في رسول الله في آله الكرم .
وكل ما يذكرون : من المناقب والفضائل والتشريف لمن فر ولم يثبت ولم يوالي بإخلاص للنبي الكريم فإنها كاذبة ، ويشهد لكذبهم في ما يذكرون من المناقب للفارين عن النبي ، إنهم لم يبقوا قربه مخلصين الطاعة له ولا مسلمين لأمره ، وإنهم فد فروا عنه في أحد وحنين وكل المواقف الصعبة بل في صلاة الجمعة فتركوه وحده ، ولذا إنهم بعد النبي الكريم فروا من البر والأبرار ولم يتقربوا لآله وتفرقوا عنهم ، بل حاربوهم وقتلوهم ولم يبروا الله ورسوله بهم كما أمر الله بودهم والصلاة عليهم وحبهم وطاعتهم وفق كل آيات الولاية والقربى والصلاة على النبي وآله وغيرها من آيات الإمامة ، فلم يُبر الله في أولياء دينه وهداة الحق الذين برهم بتعليم البر والثبات والإيمان والإخلاص ، وكل ما يطاع به الله البر ويُعبد من هدى ودين ، ففرو منهم ومن كل هدى الله وبره ، فروا للدنيا وطمعوا بزينتها وبالحكومة على أنفار منها .
ففروا مما أمر الله به : من وجوب إطاعة الهداة للدين فلم يودهم ولم يتقربوا لله البر ويقصدوه بتعلم علمه ومعارفه من الأبرار فيطيعوه بها ، بل عادوا وآذوا نبينا في آله ، ولذلك لما كان لهم في أنفسهم الضعيفة في عدم التسليم له تسليما مطلقا ، فهم في زمانه فروا وتركوا النبي وعلي في تلك المواقف الصعبة وبالخصوص في أحد وحنين وغيرها ، وحين فتح الله له البلاد ومكنه في جيش قوي يغزوا به الدنيا وينشر دينه وأعد العدة له وجعله عليه أسامة وعلي معه في المدينة أمير على أسامه مع النبي ، والله البر رفع النبي إليه للمقام المحمود وهم بعد وفاته تسلطوا على ذلك الجيش وحكومة المسلمين بالخداع ولم يعطوا منصب الإمامة والولاية لأهله المخلصين الأبرار الذين صدقهم الله ، ففروا للدنيا وشهوات النفس حين تمكنوا منها ولم يخلصوا منها بطلب الله بصدق وحق وبدون أن يشركوها في طلبه وحبه ، فكانت منافعهم الدنيوية وشهوات النفس الفانية غلبت طلب الله بصدق وحق ، وكما أراد الله من المؤمنين في طلب الدنيا بحق مع الأبرار للبر لا بالباطل والظلم ، وجعلها في خدمة دينه بكل تعاليمه ومعارفه ولا يخلط بها حيل ومكر أفكارهم وقياسهم واجتهادهم .
ولذا كان البر من الأبرار : هو ما قصدوا به النبي للتعلم منه أسس شؤون عظمة الله بعد الإيمان به ، وحتى يعرف هدى الله بحق ويتوجه له بإخلاص ، وهو كان مختص بمن كان من المؤمنين المخلصين الذين اعترفوا لعلي بالإمامة بعد النبي ، ولم يتركوهم وحدهم وهم في تلك المواقف الصعبة فثبتوا معه ، فثبتهم الله وجعلهم لأخر العمر مع الأبرار يتعلمون منهم البر ويتجلون به لصدقهم ولخلاصهم مع الله في طلبه من الصراط المستقيم ، فبرهم وجعلهم مع الأبرار ثابتين في أصعب الموقف وطول حياتهم ، بل بره مستمر عليهم بأكمل وجه حتى يوم القيامة وفي الجنة نعيم مقيم حتى يقول ونقول معهم إن شاء الله إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البر الرَّحِيمُ .
فإن النبي الكريم : كان في أحد وحنين وخيبر وجيش أسامه كان ينادينهم أن يخلصوا له ويسلموا له تسليما ، كما أمرهم الله وهم في حياته فكانوا لا يستجيبون ، إلا بعد ما أراد الله فكيف بعد موته والله حكى انقلابهم وعرفت بعض قصتهم في اسم الله الوارث .
فيا طيب : راجع تأريخ الغزوات وتعرف على أشخاصها كغزوة حنين فإنه لم يثبت إلا النبي وعلي وآل علي وأنزل عليهم الله سكينته وثبتهم ، وفر كل المسلمون ولم يثبت إلا عشرة مع النبي وقائدهم علي عليه السلام وهم في حياته ، والنبي الصادق المصدق يناديهم لا اكذب ، مع أن المسلمين أعجبتهم كثرتهم وعدتهم وعددهم ، وبهذا يعرفنا الله الثابتين وأهل البر في البأساء والضراء ، وهكذا في غزوة الخندق ـ الأحزاب ـ وخيبر وغيرهن ، وفي كل موقف لعلي من الله ورسوله كل بر وتشريف وكرامة يبين بها الله فضلهم ونزول بره عليهم ، ليتحلوا ويظهروا به مع أكبر تشريف وأعظم تكريم لتُعرف منزلتهم عند الله البر تعالى ، فيكونوا معلمي للبر بأمر الله وبره عليهم ، ويقتدي بهم من يحب أن يخلص لله ويبر بالطاعة له في كل تعاليمه ومعارفه .
وبهذا عرفنا إن الظهور من الله بالبر التام : والتكريم الكامل والتشريف البين للنبي وآله الأبرار صلى الله عليهم وسلم في كل موقف مشرف ، وذكرناه بطوله وبعبارات مختلفة للأنس بمعارف تجلي حقائق اسم الله البر في الأبرار لنقتدي بهم ، و ليكون ذكرى للذاكرين وأصل وركن يعتمد عليه في معرفة الهداة للدين وأئمة المسلمين الصادقين المصدقين من رب العالمين ، وليُعرفنا الله البر الرحيم الهادي لعباده فضله وكرامته وبره المتجلي في الإيمان به عليهم ، ومع الثبات والإخلاص له وفي الإيثار والفداء من أجل تعليم دينه عن إيمان خالص ، ولا يخالطه شيء يبعدهم عن بره وإحسانه ومعرفة دينه وتعريفه والظهور به بأتم مظهر ، وفي كل أحوالهم وسيرتهم وسلوكهم وكل تصرف لهم بعلم وعمل وجهاد .
فيرينا الله البر الرحيم الحق بأن نبينا وآله الكرام : هم أئمتنا وهداتنا وهم الأبرار المنعم عليهم بحق وصدق صدقهم كل شيء بكلامه المجيد وسيرتهم وحديثهم ومواقف الدين وتأريخه ، فيعرفنا بتلك المواقف حقيقة الصلاة والصوم والجهاد وبذل العلم والعمل وكل سيرة حسنه وحديث طيب لهم ، وكل ما يظهرون به من بر الله لنقتدي بهم علماً وعملاً ، ولنتعلم منهم الثبات والإخلاص له وقصده وحده سبحانه في بذلنا لكل وجودنا إيمانا وطاعة له ، ومقتدين ومتأسين بأهل البيت ونتعلم منهم ما أراد سبحانه وأمرنا به ، وما يجب أن نطلبه به سبحانه فنتعلم البر ونظهر به بحق وصدق واقعي مرضي له ، فسبحانه رب العالمين من بر وبار رحيم ، يتجلى علينا بكل سبيل ممكن لنحصل على بره ، ولنصل لفضله وتشريفه للمؤمنين الصادقين الذي يتبعون أهل الصراط المستقيم المنعم عليهم ، فيتعلموا منهم دينه وطاعته الصادقة المنجية ، بل التي فيها كل سعادة ونعيم وبر من رب رحمان رحيم بار يُشرف عباده ويكرمهم بكل هدى ودين ، ومن معلمين صادقين يعرفهم لهم بكل سبيل وموقف مر به المسلمين ، وفي كتابه وسيرة نبيه وسيرة أئمة الحق الطيبين الطاهرين الأبرار الأخيار ورثة الكتاب بحق .
والله البر الرحيم : أظهر البر والإخلاص له بكل وجود أهل البيت نبينا وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم ، وحكاه لنا في كثير من مواقف الدين وتأريخه ، لكي لا نتبع أعداءهم ونفر من بر الله كما فر من لم يثبتوا في كثير من الموقف التي يختبر بها الله عباده ، كأحد وحنين وخيبر والخندق وغيرها ، وليرينا حالهم في زمن النبي الكريم وبعده النبي الكريم في دولة المنحرفين عن الدين.
فيحذرنا ممن فر من أهل البيت : ومن كل بر لله وتشريف وتكريم لهم ، فلم يقتدي ولم يتأسى ولم يتعلم منهم ، ويعرفنا في زمن النبي من فر ويفر عنه في حياته بأقل بلاء واختبار وموقف صعب لأنه لم يثبت فيه الإيمان ، وإنه ليس له تجلي وظهور خاص من الله عليه بالبر بل بأضعف أحوال البر ، لكونهم لم يكن لهم استعداد يُذكر ولا إيمان قوي لو كان لهم إيمان ، ولا نتعجب حين نراهم قد انقلبوا على أعقابهم بعده بل وحاربوا الأبرار وقتلوهم وأقصوهم عن تعليم بر الله ، وذلك لأنهم لم يطيقوا برهم وحسدوهم في زمن النبي وبعده ، كما ولكي يحذرنا وينبهنا بكل سبيل وحال لمعرفة الحق والدين لنعرف المتلبسين بالدين فقط دون حقيقته ، من الأبرار الحقيقيين الذين عرفنا بهم بكل سبيل .
ولكي لا نكون مثل أعداء آل محمد : قد فررنا عن بر الله وفضله وتشريفه وقصده بإخلاص كما أراد من معرفته ودينه وهداه ، وذلك عندما نتبع من حارب وقتل الأبرار فنقتل في أنفسنا بر الله والاستعداد له ولم نُحصله من الأبرار الحقيقيين معرفة ودين وظهور به ، فيخسر الإنسان لإيمان الحق بالله والعمل الصالح المرضي له ، فيكون لو أنفق إنسان كل ما في الدنيا لكان حسرات عليه لأنه لا يكون في سبيل الحق الذي يريده الله لأنه لم يحصل على بره ويظهر به ، بل يكون في تعلمه وعمله وإنفاقه قد نصر دين الظلمة وأهل الضلال عن الحق والصواب ومعارفهم الطامعة بالدنيا والتي ملئت من أفكارهم واجتهادهم وقياسهم واستحسانهم ، وكل مكر وحيلة وخداع لهم في حرف الناس عن أئمة الحق والهدى، وأنت يا طيب قد عرفت إن ظهور الله بالبر بكل مظهر تام هو في حقيقة سيرة نبينا وآله الكرام الأبرار ، وسلوكهم وحديثهم وتعاليمهم التي هي بر الله الحق لنا ، و التي بها يتم معرفة البر والطاعة والظهور بالإخلاص ، وقصد الله وحده لا شريك له بحق كما يحب ويرضى من الظهور بالبر .
فيكون مَن يتبع مَن قتل آل محمد : وحاربهم وعلّم غير معارفهم ، قد كان في الحقيقية في خدمة دين ومذهب غير دين الله وهداه ، بل متدين بدين أئمة الكفر وأتباعهم فيكون ما ينفقه حسرات عليه وآهات يوم القيامة له ، وليس له من البر شيء إلا مظهر التسمي به دون حقيقته ، وإن حاول إن يظهر بشيء منه ويدعيه ، لأنه ليس في رضا الله بصراط مستقيم ولم يقصده بطريق قويم عرفه الله البر لنا بأهله الذين اختارهم وشرفهم وبيّن تكريمه لهم وبره عليهم ، حتى تجلوا بالبر وكانوا أكرم مظهر لظهور اسم الله البر في الوجود على مخلوق حتى جعله يظهر به ، ويجب على من يحب أن يكون مع الأبرار ويظهر به أن يقتدي بهم حسب ما عرفوه لنا ، و بكل وجودهم الذي كان فيه كل معارف الله وهداه ودينه القيم بالبر والإحسان من الرب المبيّن البر البار المنان .
الإشراق الرابع :
باب بر الله وسبيله هم نبينا وآله الأبرار الكرام :
يا طيب إن ما نذكره في معرفة تجل الله البر الرءوف الرحيم بنا : وظهوره في الكون بالبر بصورة عامة، وهو إنزال خيره وبركاته ونعيمه مع خصوصية قصد تشريفنا وتكريمنا وتفضيلنا على باقي العباد بما مَن ومنحه من عطائه الكريم الجليل الواسع ، وهذا النعيم الواسع الحسن الخاص الذي هو البر للأبرار ولنا ، هو لنسلك سبيله ولندخل لمعرفة البر من بابه الحق بما فيه من ملاك البر وحقائقه من كون إنه إنفاق الوجود والصفات والأفعال وكل شيء نملكه للظهور بالخيرات عن إيمان بالله وفي سبيله ولا نريد إلا وجه وبهداه الحق بالعدل والإحسان ولمن هم أهلا للبر ، فنعرف ملاك البر وأهله ومن ظهر به بحق وقد صدقه الله وعرفه لنا سواء بملاك البر العام أو بالخاص الذي يحكيه عن أهل البر والأبرار الكرام ، وكما عرفت إنه متحقق بمعاني كريمة وظهور جليل بنبينا وآله ويصدقه الله البر وسيرتهم وكل معارف حقائق البر الظاهر بهم ، وبهذا قد تم نعيم الله علينا وعرفنا خصوصية كريمة بها يريد سبحانه أن يشرفنا ويتفضل علينا ويعزنا ويهدينا لكل ما يوصلنا لرضاه مخلصين له الدين القيم ، ولنكون من خير البرية الأبرار ومعهم في المقام الأسمى والمحل الرفيع لديه وفي مقام محمود مشكور عنده فنتنعم ببره وإحسانه أبدا ومع الأبرار وبكل بر نازل منه دائما .
وهذا البر من الله البر للنبي وآله : صلى الله عليهم وسلم ، ولكل من يحب أن يكون معهم في نعيم الهداية والتفضيل والكرامة والعز والمجد والفخر برضا الله والوصول لما يحب من طاعته ومع الإخلاص له ، هو بفضل ما بر به الله البر وتجلى وظهر بالبر لخاص لهم حتى جعلهم بحق مصداق حقيقي للبر التام الكامل في الوجود وسماهم لأبرار ، فكان لهم كل ما أنزل من المناقب والفضائل والتشريف والعز والعلم والتعليم بصورة خاصة تامة كاملة حتى ظهروا به وعلموه لنا ، ولكل من عرف تشريف الله البر وتكريمه لهم واقتدى وتأسى بهم وحدهم ، فسار على نهجهم وتعلم وعلم منهم ، فآمن وأطاع الله من خلالهم بما عرف من كرامتهم على الله وصفاتهم وأفعالهم وسيرهم وسلوكهم وعلمهم وعملهم الذي هو مظهر لبر الله التام الكامل في الوجود ، وبأحسن وجه يتحمله ممكن وموجود وعبد قد أخلص لله بكل وجوده وتصرفه وسيرته وسلوكه ، حتى ظهر به بأتم مظهر وأكمل صورة ممكنة لممكن مخلوق قد اعتنى به الله بكل بر وهدى وكرامة وشرف من تجلي أسماءه الحسنى وصفاته العليا سبحانه .
وإن أعداء نبينا وآله الطيبين الطاهرين : ومن حاربهم وقاتلهم مهما حصلوا من الجاه والمال والمنصب في الدنيا وأنفقوا ، فإنه لا يكون بر ولا أنهم ظهور بالبر ، وذلك لأنه يكون إنفاقه على غير المستحق للبر وعلى غير أهله ، بل حصلوا على ما ملكوا بغير حق أو لكونه لم يقصد به الله ، بل لم يكن مرضي له لأنه ليس من دينه وتعاليمه ومخالف لهدى معارفه عند الأبرار حتى إيمانهم بربهم وإقامة بعض مراسم العبادة لرب بر وبار تصوره يرضى بالظلم والعدوان والعصيان وعدم التسليم لولاية الله وامتدادها في الأرض لنبينا وآله صلى الله عليهم وسلم ، والتي فيها حقائق العبودية ومعارف شؤون العظمة والهدى بما يحب ويرضى به ربنا البر ، فلذا من أنحرف عن النبي وآله مهما كان وعبد بحسب فكره ودينه المنحرف عن هدى الله الحق وأنفق في سبيل ضلاله ، فهو لم يتحقق بالبر حتى يظهرا به بل يقتدي به غيره ويستحسنه على غير طريق البر الواقعي المراد لله تعالى ، لأنه هو وأتباعه حاربوا الأبرار وكل بر في الوجود وعلموا غير مراد الله ورضوا بأهل الطمع بالمناصب والدنيا والفخر الكاذب وغصب الخلافة والولاية الحقة وإعطائها لمن ليس بأهل لها ، حتى حرفوا الناس عن دين الله وما يوصل لمعارف البر من عبادته الخالصة له ولطاعته المرضية له ، وجعلوا الناس يطلبوا دين أهل الدنيا والشهوات وكل ما لم يقصد به الله وحده حتى لو كان له مظهر العبادة ويحسب به خشوع وخضوع ظاهر ، لكن واقعه راضي بالظلم ويدعوا له ويدافع عمن هم غصبوا فدك وخلافة رسوله الله حتى جعلوها ملك عظوظ لبني أمية و أمثالهم والذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم فضل عن تعليم معارفه الله البر وهداه الذي يوصل لرضاه ، وقد عرفت شيء من هذا في اسم الله الوارث ، وتشهد سيرتهم وسلوكهم الذي هو طلب للسلطة وللفخر وللدنيا والشهوات وكل مفسده وجور وطغيان وظلم يبعد عن الله ، وكل من تعلم منهم ممن نصبوه على رقاب المسلمين فهو مثلهم وتبعهم الناس ، فضاع البر وهجرت التعلم من الأبرار الحقيقيين وأئمة الدين الصادقين إلا من عصمه الله وصبر معهم ، بل واستشهد على صراطهم المستقيم الموصل لرضا الله فبر الله وجوده ونفسه فضلاً عن صفاته وفعله ، فأخذه إليه مع الأبرار وله كل نعيم وتشريف وكرامة وشكر السعي وهو البر الرحيم بعباده المؤمنين الذين أخلصوا له الطاعة بكل الدين الحق الذي علمه الصادقون المصدقون الأبرار نبينا وآله الكرام .
وكل هذا نذكره : ونؤكد مطالبه من معاني البر وخصائصه وما يوصل له وسبيله وبابه ، لكي نطلب الله بحق وندخل للبر من بابه الذي شرعه الله البر الرحيم لنا ، وهو باب وسبيل الأبرار الحقيقيين لا فقط من تسمى بالبر دون حقيقته ، وبه نعرف أول معارف البر وأخره وما يجب علينا من حقائق البر وشروطه وأسسه لنتحقق به بحق ونظهر به بصدق ونكون مع الأبرار .
وذلك لأنه لابد للإنسان المؤمن : الذي يحب أن يكون بارا ومع الأبرار وهو صادق في طلبه الذي يجب أن يكون عن محبة ، عليه أن يبذل جهده في سبيل الإيمان بالله تعالى وكل ما أمر به ويحصل على صراطه المستقيم الواقعي ، ويجعل إنفاقه كل وجوده وصفاته وأفعاله ، روحا ومالا وجاها الله وحده لا شريك له ، ويقصده بما يحب ويرضى من الهدى الصادق . ولذا كان لابد من تعلم معرفته من المعلم للبر حقاً والذي جعله الله سبيلا للبر وبابا له ، فيعرف الحق من بر الله ويظهر به ويكون مصداق حق لاسم الله البر الرحيم بالعباد والهادي للصراط المستقيم ، فيكون من أصحابه المنعم عليهم ومع الأبرار والصادقين ، وبهذا يحصل على كل تشريف وفضل نزل لعباد الله من رب العالمين البر البر الرحيم .
الإشعاع الأول : البر أن نأتي البيوت من أبوابها :
وذلك لأن الله البر الرحيم بنا : قد عرف لنا سبيل دينه والأبرار الذين جعلهم باب مدينة علم رسول الله ومستودع لحكمته والوارثين لكتابه والظاهرين به للناس ، فنتعلم منهم دين الله وهداه وبره ، وكل ما يحب الله ويرضى به ، فيعبده المؤمن ويطيعه به مخلصا له ومتوجه له بكل وجوده ، فيكون مظهر لاسم الله البر الرحيم ، وهذا ما يشير له الله تعالى في هذه الآيات الكريم ، فتدبره يا طيب ، وجعلني الله وإياك برا وبارا مع الأبرار بحق النعيم وواقعه وصادق البر وخالصه :
{ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
وَلَيْسَ البر بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظهورهَ
وَلَـكــِنَّ البر مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَ
وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }البقرة189.
نعرف في هذه الآية الكريمة : إن الفلاح عندما نطلب الله البر من أهل بره ومعلميه ، والذين جعلهم أبرار بما ظهر عليهم من بره فظهروا به ، فنكون أبرار معهم عندما نتعلم منهم ونقتدي به فنكون متقين وأهل تقى.
وهذا هو باب البر : والذي يجب أن يؤتى منه الله ويطاع ، لا كل باب علم يؤخذ منه ما يسمى تعاليم الله ومعارفه التي ليس لها من البر شيء بل هي أبواب تؤدي للفرار من بر الله وبر رسوله في حياته فضلاً عن بعد وفات رسوله الله ، ويكون الإنسان متبع لصاحب باب بيت بل باب مدينة مخادع كاذب ليس له من الله بر ، بل كان منقلب وطامع بالدنيا وبفلتة يبتدعها يأخذ منصب رسول الله من غير حق ولا الله أختاره لمنصب الخلافة لرسول الله ولا الإمامة لدينه ولا تقى واقعي له ، وبالخداع والغش كان سيطر على حكومة المسلمين ويأخذ منصب الإمامة المختص بالأبرار .
ويكون الإنسان : الغير جاد في معرفة باب بر الله المتجلي به والظاهر به وليس له دليل محكم على معرفته ولا متيقن من بر الله له ولمن يأخذ دين الله ومعارفه التي هي أول البر الحقيقي الذي فيه محبة لله الصادقة وبدين مخلص ، فيكون منحرف عن باب بر الله وتابع لمعادي لبر الله أو محارب له ويُعلم خلاف معارفه التي فيها حقيقية بر الله بعباده وهداه للنعيم المقيم الواقعي الدائم بكل شرف وتكريم وتمجيد ، فيكون هو مثل صاحب الباب المقتدي به ، إذا كان ليس من أئمة الحق ممن كان قد ولى ظهره للبر ففر منه في زمن رسول الله في المواقف الصعبة وفي السراء والضراء كما عرفت وأنقلب بعده فلم يرجع لبره لأنه طمع بالدنيا وزينتها والرئاسة ، فيكون داخل وخارج ومتعلم ومنفق حسرات يوم القيامة وليس له من البر شيء ، وإنما يخدع نفسه وغيره ممن تبعه في أي مكان وزمان كان ، وذلك بتساهله في معرفة باب البر ومدينة علم الله الحقيقية من الأبرار الذي برهم الله وجعلهم يظهرون بالبر الحق ومعارفه الصادقة .
فإن بالدخول من باب البر الإلهي : ومن مدينته المؤدي إليها يتعلم كل شرف وفضيلة وظهور بالبر الحق الصادق الذي يرضى به الله البر ، ولو تصور أحد إن هناك من يسمى بار ومع الأبرار لإنفاق نفقه أو عبادة ظهرت منه ، ومع ذلك يأخذ معارفه من غير النبي وآله الأطهار وممن حاربهم وقتلهم وعاداهم وحسدهم وعلم غير دينهم وخالفهم في سيرهم وسلوكهم ، يكون متصورا للبر من غير حقيقة وعارف لمسمى البر ومظهرا لما يشبه البر وليس واقعا برا ، وكان صاحبه مدعي غير صادق ويتشبث بالبر ويدعيه لنفسه من غير دليل له ولا هو متحقق به ، لأنه معادي ومحرف الناس عن أئمة الهدى الأبرار الصادقين الذين يظهرون إرث الله من الكتاب والحكمة ويعلمون دين الله البر ويظهرون به بكل وجودهم ، ولا بر خارج دين الله وما يرضى به الله تعالى مهما كان من بذل وإنفاق ومهما كان ما يسمى من صلاة وصوم وخشوع ، لأنه يتعبد بدين لم يرضى به الله وفقد أساس البر بل الطاعة العادية لعامة الناس البسطاء القاصرين المستضعفين وما فيها من البر ليس له ، لأنه قصد لله بباب الظلم والجور والعدوان على الأبرار فأبتعد عنهم وعن تعاليمهم وهداهم أشد ابتعاد ، وسار بعلمه وعمله في أبواب خرج بها من الدين وهو يحسب نفسه يحسن صنعا ، ويقصد بما لم يصح ربنا المتعال البر الذي عين البر والأبرار وما يبر به بحق وصدق ، حتى يكون من الأبرار وتتم بطاعته لله البر وفق تعاليم الأبرار وهداهم ، والذي برهم وخصهم وشرفهم وكرمهم به ربنا البر .
ولذا أمرنا الله البر في هذه الآية الكريمة : وأوجب علينا أن نأتي لأخذ البر والتحلي به والظهور به من باب البر الحق الصادق المؤدي لمدينة علم الله ورسوله ، ولا يجوز معرفة دين الله ممن يبقى موليا ظهره له وخارج منه ويدخل به منافق من ظهره ، ولم يظهر بر الله له وبه حتى يمكنه أن يعلمه ، وهو يدعي المعرفة وليس له شيء من البر والتشريف من الله ، ولا له كرامة ولم يختاره الله لإمامة المسلمين والولاية عليهم بحق وصدق ، وهو في حقيقته مُحرف مؤول يتبع المتشابه ويفتي برأيه واستحسانه وقياسه واجتهاده وهوى فكره وشهوات نفسه ، وكل ما يمكنه به من التسلط والتحكم بأمور المسلمين ، وقد خسر نفسه وظلمها في عين تسلطه وحكومته وخرج عن بر الله الدائم الواقعي ، وكان مغفل له جهل مركب بما ارتكب من دين الله بحماقته بغصب منصب الأبرار، فصار كل تصرف له معصية تصدر من كبير الأشرار.
الإشعاع الثاني : نبينا مدينة علم الله وعليا باباها :
يا طيب إن دين الله ومعرفته : وما يُهل له به ويعرف ويدان له به من المناسك وكل ما يطاع به على الحقيقية ، فإنه يُعرف من باب الأبرار عندما يُدخل منه لمدينة علم الله ورسوله ودينه ، وبهذا نفلح ونكون من حزب الله ونغلب كل ضلال ومضل ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
( أنا مدينة العلم
وعلي بابها
فمن أراد العلم فليأت الباب )
وقال الرسول صلى الله عليه وآله:( أنا دار الحكمة وعلي بابها ).
وهذه الأحاديث الشريفة : هي في الحقيقة شرح وبيان لوارثة الكتاب والحكمة للنبي وآله كما عرفت في اسم الله الوارث ، وهي من مسلمات أهل المذهب الحق حتى يربى على حفظها أطفالهم ، ويضعوها دليل محكم في قلوبهم وعقولهم ، وبها يعرفون سبيل الله وهداه ومعرفته بحق ، وما يطاع به الله وسبيله وما يسلكه به لدينه القيم ، كما وقد خرجها الأميني صاحب الغدير في ج 2 ص 44 ، وج 3 ص 44، 95ـ97 ، 328 ، ج6ص80 ، وبمختلف عبارات الحديث التي كان يكررها رسول الله بكل صورة وموقف ، ومن الكثير من مصادرهم ، وكذا خرج قسم منها صاحب مستدرك المراجعات في الرقم ( 558 ) و( 559 ) عن كثير من المصادر العامة وذكر المصادرة يتجاوز الصفحات بأسانيد لمتون ونصوص يؤيدها القرآن وتعاليم الله ورسوله، ويصححها كل منصف ، ويكفيك مراجعة كتب السيد الجليل حسن آل المجدد الشيرازي التي بين فيها صحة وتواتر كثير من أحاديث الولاية والإمامة والخلافة والحب من الله لأهل البيت ، كما ويكفيك مراجعة عبقات الأنوار لتعرف حقائق عظمية فيها .
فإن عامة الناس رووا حديث الباب : فضلا عن خاصتهم ، وعرفه كل منصف ومسلم يصدع بالحق ، حتى لو لم يعرف حقائقه بكل أبعاده وما يوجبه من هدى الدين الحق من صراط المنعم عليهم الأبرار ، وإنهم وإن من لم يقبلوا أمير المؤمنين باب علم الله ورسوله وإنه وراث الكتاب والحكمة والسابق بالخيرات بكل تصرف له وصدقه الله في كثير من الآيات ، ولم يفقهوا باب البر بكل دينهم كما أراد منهم الله ورسوله وما يشير به لهم ويعرفهم مما يجب عليهم ، مع إنهم يكتبون هذه الأحاديث وأمثالها ورووها ويصححون أسانيدها ويفتخرون بذكرها بعض الفخر الظاهر فينالوا برا ظاهرا منقطعا بعض الشيء ولم يتحققوا به أبدا.
فيخلطون : باب بر البر وأمير البر بعد رسول الله صلى الله عليهم وسلم ، والذي هو باب مدينة علم رسول الله ، مع باب من عاداه وحرمه حقه وحقنا بل حق الله في تعليم معارف الله من الكتاب والحكمة ، وإن تعلمنا من آل النبي الكرام ما علمهم أمير المؤمنين من معارفه ، وانتشرت بشق الأنفس بعد ما تحملوا الصعاب وبذل الأنفس ، فظهور بالبر في سبيل الله بكل وجودهم وسيرتهم وسلوكهم ، وحتى استشهدوا في سبيل نشر بر الله والظهور به وتعلميه .
ولكن مَن لم يتبع النبي وآله الكرام : و الذين برهم الله بدينه والظهور به ومع ذلك كان في زمان أحدهم أو صحبهم ، ثم عاداهم فقد عميت عليه الباب الحق فدخلوا لقصد الله من غير بابه ، فحُرمو بره وتشريفهم الحقيقي الصادق الواقعي الذي عرفهم سبيله وأروعه وبكثير من الآيات والأحاديث المختصة ببيان إمام الحق وولي الله وخليفته الصادق بعد رسول الله ، وولوه ظهرهم ، بل ظهروا بظاهر يكون باطنه حقيقة العلماء الباغين لما يعجب له بنفسه ومن تبعه من اجتهادهم ودينهم وفكرهم وقياسهم واستحسانهم وتشريع هوى نفسهم وما يمنحهم الجاه والفخر والتسلط والتشريف الباطل من الناس دون الله ، فكانوا من الذين لم يجعل الله البر لهم حق ولم يعلمهم معارفه ولا هم أخلصوا لتعلمها من سبيل بابه الحق ومدينته الصادقة ، فلذا علموا كل ما لم ينزل الله به من سلطان ، فحرموا وحللوا وعبدوا وحرفوا الناس بما أملى لهم فكرهم وشهوات نفسهم ووسوس به لهم شيطانهم والعياذ بالله منهم وحشرنا الله مع الأبرار .
فمن هجر باب بر الله : ولم يدخل لمدينة البر الإلهية في أرضه والتي هي باب ومدينة الأبرار نبينا وآله بعده صلى الله عليهم وسلم ، لم يكن له في الحقيقية من تجلي اسم الله البر إلا اسم الإسلام والإيمان وظاهره ، لأنهم لم يجدوا ويجتهدوا ويسعوا بحق وبدليل محكم ومتقن لما يظهر به الله من الهدى والبر والعلم والوراثة للكتاب والحكمة ، وبما تجلى وينزله على عباده ليعلمهم به فيتعلموه تشريفا وتكريما لهم ، ووفاء منه لما أخلصوا له وثبتوا على محبته وقصدوه بكل وجودهم في كل زمان ومكان وفي أصعب الظروف التي يختبر الله بها عباده ، ويكونوا ممن بروا له بحق ، فإن للبر حقيقة وشروط .
فإن الله البر تعالى : هو الظاهر بالبر على المخلصين التامين في طاعته وهو الخبير الذي يعرف صدقهم فيظهر عليهم بأتم وأكمل مظهر لأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، حتى يكون العبد المخلص المشرف بتكريم الله قد صار مظهرا لبره ولتشريفه وتكريمه ، وقد عرفت إن دين الله هو عند أئمة الحق وآلهدى ، وإن الباب المؤدي للدخول لعلم الله ومعارفه وما يبر به ويتحقق به من البر والظهور به هو للإمام لعلي وآله ، والمدينة هو النبي الكريم ومعارفه ولهم كلهم تشريف من الله وكرامته ، بل ولنا حين نتبعهم ونحب الظهور بالطاعة لله وقصده بمعارف دينهم وما علموه لنا من حقائق البر ومعانية وما يكون به البر حقا حتى نكون أبرارا ظاهرين بالبر واقعا كما يحبه الله البر .
ولذا كان وما زال يجب أن يقتدي وبالنبي وآله كل مؤمن : ويحب أن يكون مظهر للبر وظاهر به متحلي ومتجلي بحق وصدق وواقعاً به ، وبعد أن يقتدي بهم ويتأسى بهم عن محبة كما ستعرف ، وبمحبة لكل ما يقصد به ويتحقق به من البذل للتحقق بالإيمان والعبودية والطاعة لله ، وعن علم و عمل و إنفاق مال فضلاً عن بذل النفس وكل جهد في سبيل تحصيل البر والظهور به ، وبأي تصرف مرضي لله كان قد عرف حقيقته من أهل البر الأبرار الذين برهم الله وجعلهم يظهرون بالبر حتى كانوا بابه ومدينته وكل ما يوصل للبر ويُعرفه ، بل ويجعل الإنسان الصادق في طلب البر متحقق به بل وظاهرا به حقا ، وكله بفضل الله وتشريفه بتعريفه الحق وأهل الدين وآله الأبرار نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم .
فمن لم يدخل من باب مدينة علم رسول الله وحده : كان قد دخل باب غيره وبالخصوص من عاداه وحسده وقتله وحاربه بأي صورة من السيف والسنان واللسان والفكر والعقيدة ، ولم يفقهوا جدية الله في تعليمه وبظهوره بالأسماء الحسنى لمن يحب ويود بعد إن عرف إخلاصهم له ، فعرّفهم وبينهم لعباده بكل تشريف بكتابه وسنة نبيه وبسيرتهم وما ظهروا به من البر ، وبكل فضيلة وشرف في الوجود والصفات والأفعال التي تجلوا بها ، وهذا البر من الله البر تجلى بالبر على الأبرار وعرفهم بكل شيء يخصهم ليقتدوا بهم المؤمنون فيحصلوا على كمال الهدى والبر التام من المخلصين في قصد الله والموصلين بحق لمن يقصد الله مخلصا محبا ، والذين جعلهم الله تعالى البر الرحيم بنا ، الباب لمدينة علمه والتي أمر أن يؤتى منهم لمعرفته بحق عظمته وهداه وكما أراد أن يعرف ويقصد منهم لمناسكه وشعائر دينه وتعاليمه التي يهل له بها ويتعبد لله بها فيخلص من كل ما يبعده عن الله وبره .
ولهذا كان من لم يجد في معرفة الله البر بنا والظاهر بالبر على أكرم عباده ، جل ما عرفه من آتوا البيوت من أبوابها بمقدار ظرف وجوده المتعلقة روحه وحقيقة نفسه وعقله بالباب المادي فقط لأنه طامع بالمادة والدنيا والجاه الكاذب والفخر الزائل الذي ليس له من الله مظهر حق ، بل متلبس بمعارف دين كله خداع وحيلة ومكر ، فجعلوا باب دينهم الفارين في زمن النبي وبعده للدنيا وشهوات النفس لكونهم صحبوا النبي وإن لم تظهر منهم صحبة ومحب واقعية تامة له ، وفروا منه في حياته وبعد وفاته فانقلبوا عليه وقتلوا الأبرار وحاربوهم بكل سبيل وإلى الآن أتباعهم يحاربون البر.
ولهذا كان من لم يطلب البر من الأبرار الصادقين : ولم يدخل مدينة العلم من بابها العلمي ، اكتفوا بتفسير الأبواب والبيوت والظهور والتولي والفرار والظاهر والباطن لدين الله ، وما يهل له به بإتيان أبواب البيوت المادية الطينية فقط ، فاكتفوا بظاهر التفسير دون روحة الذي يعرف به ما يهل لله به من معارف دينه والتي يجب أن تعرف من الأبرار ، ولم يتوجهو لهذا التعليم القيم لله في تلك الآية ، وهو بيان محكم لقانون إلهي في تعريف سبيل معرفته بحق وكيف يصل لدينه ، وليس حجر البيت وخشب الباب المادي فيتحجر العقل معه فيقسى القلب وفقه ، فاكتفوا بباب مادي فقط يُدخل ويخرج منه وثقب وكوة وشباك وما شابهها فقط ، وتركوا روح الباب في معارف الله وتعاليمه ولم يبحثوا عنه بجد فيعرفوه بحق وصدق ممن برهم الله وجعلهم باب لبره وتحصيله والظهور به ، فتركوا باب العلم والهدي والدين والحكمة التي بها يعرف هدى الله والبر وأهله وبه ينسك ويُهل له ويعبد بإخلاص فيتحقق البر منهم .
والله البر هذا الباب لمدينة العلم :لم يسده لنا لبره بنا ، بل أبقاه مفتوحا فعلمنا به إمام ديننا الحق ، وهو نفس صاحب الباب الذي بقي مفتوح لمسجد رسول الله تعالى في المدينة وسد الله كل باب شارعة للمسجد غير بابه ، وذلك لكي يُعرفنا حقيقة باب الهدى والدين والإيمان ، لا إنه مجرد تعريف خروج ودخول أشخاص من غير تشريف وبيان لقيمتهم الحقيقية الواقعية عنده ، وأنهم أكرم من أن يسد بابهم بأي صورة حل بها الدين وكانوا هم فيها ، فمنهم وحدهم يتم الدخول لدين الله وتعاليمه وتعريفه وهو ما يطلب به الله ويسجد له به بحق وصدق كما يريد ، ولكي تعرف باب البر الإلهي الذي يجب أن يؤتى فيؤخذ منه بر الله ومعرفته ليطاع ويعبد به إليك حديث سد الأبواب إلا بابه .
الإشعاع الثالث : باب أهل البيت الله فتحه ولم يسده :
يا طيب : إن حديث سد الأبواب إلا باب النبي وعلي وآلهم المفتوح في مسجد المدينة المنورة أي مسجد النبوي الكريم ، ولم يسده الله بعد أن سد الأبواب الشارعة له ، هو لحكمة عظيمة تعرفنا إنه لم يسد واقعا بأمر الله حتى لو أمر بسده ألف طاغية ومنحرف عن أهل البيت عليهم السلام ، وهو حديث تشريف وتكريم من الله البر وظهوره التام بالبر على نبينا وآله ليعرفنا الله باب البر وأهل مدينه علمه وكيف يدخل لمعرفته ودينه من بابهم الكريم وبيتهم الذي رفعه وطهره وجعله سبحانه البر بنا وبهم وكوثر الخير والبركة والهدى والدين ، وإنه باب لأهل بيت مطهرون الله طهرهم ورفع عبادة رجاله لأنهم لم يلتهوا عن ذكر الله ولأنهم مصطفون أخيار فاجتباهم وبرهم وقبل برهم فكرمهم بكل كرامة كما عرفت ، والحديث نقله الأصحاب بصور رأوها فكثرة طرقه وعباراته وقد ذكره صاحب المراجعات في الرقم 484 ، والرقم 509 إلى 512 فخرجه في مستدركه من المصادر الكثيرة ، وحققه في إحقاق الحق ج 5 / 546 .
ونذكر حديث سد الأبواب إلا بابه : وهو حديث الكرامة الإلهية والبر الرباني بنا ليعرفنا دينه وهداه ومدينه علمه وفق ما نقله العلامة الأميني رحمه الله ، وقد ذكر له ثلاثة وعشرون طريقا للصحابة يحكون به عن ذلك اليوم المشهود ، وقد حكاه كل منهم بأسلوبه راجع الغدير ج3 ص203 ، لتعرف حقائق عن هذا التكريم والتشريف الإلهي للنبي في علي وآله لبيان بره بهم ، وتعريفهم للناس بأنهم لهم المنزلة السامية عند الله والمقام الرفيع ، وليبين لنا سبحانه بره وفضله عليهم ، بل وعلينا ليعرفنا بهم ولندخل باب البر من سبيلهم فنظهر به ونكون مع الأبرار .
ونختار طرق مما ذكرها الأمين رحمه الله في كتابه الموقر الغدير : وبها نعرف بيان باب بر الله تعالى وهداه وتشريفه وتكريمه وعزته وتمجيد وشكره للنبي وآله ، وبيان شأن الإمام علي عليه السلام بالخصوص بهذه المكرمة ، لما ظهر له من الله البر بالبر الإلهي الخاص من دون عمه حمزة فضلا عن غيره من الصحابة ، بل وهو بر لنا لنعرف ولينا وإمامنا عليه السلام بعد النبي وخليفة الحق ، والله هو البر والبر والذاكر والمذكور والشاكر والمشكور بفضله وبره سبحانه وتعالى وتقدس من أن يحاط به علماً بل لا يحاط بتجلي نور صفة من صفاته وفي مخلوق من مخلوقاته فسبحانه من بار ما أبره وأرحمه بنا وبكل شيء خلقه .
قال العلامة الأميني رحمه الله في كتاب الغدير : حديث سد الأبواب :
قد أخرجوه بأسانيد جمة صحاح وحسان عن جمع من الصحابة تربو عدتهم على عدد ما يحصل به التواتر عندهم منهم :
1ـ زيد بن أرقم قال : كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب شارعة في المسجد ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم يوماً :
سدوا هذه الأبواب إلا باب علي .
قال : فتكلم في ذلك الناس .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم : فحمد الله وأثنى عليه .
وقال : أما بعد : فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي .
فقال فيه قائلكم .
وأني ما سددت شيئا ولا فتحته و لكني أمرت بشيء فاتبعته ) .
سند الحديث في مسند الإمام أحمد 4 ص 369 ،وأخرجه النسائي في السنن الكبرى والخصائص 13 عن الحافظ محمد بن بشار بندار الذي انعقد الإجماع على الاحتجاج به ، قاله الذهبي بالإسناد المذكور . والحاكم في المستدرك 3 ص 125 وصححه . والضياء المقدسي في المختارة والكلاباذي في معاني الأخبار كما في القول المسدد 17 . وسعيد بن منصور في سننه . و محب الدين الطبري في الرياض 2 ص 192 . والخطيب البغدادي من طريق الحافظ محمد بن بشار . والكنجي في الكفاية 88 . وسبط ابن الجوزي في التذكرة 24.
وهذا طريق آخر بعد عدة طرق نختاره وإن أحببت المزيد راجع الغدير:
9ـ عن عبد الله بن عباس قال :
لما أخرج أهل المسجد وترك عليا .
قال الناس في ذلك .
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال :
ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي ، ولا أنا تركته .
ولكن الله أخرجكم وتركه . إنما أنا عبد مأمور . ما أمرت به فعلت .
إن اتبع إلا ما يوحى إلي ) . أخرجه الطبراني . وآلهيثمي في المجمع 9 ص 115 . والحلبي في السيرة 3 ص 374 .
وطريق آخر وهو في كتاب الغدير برقم :
23 ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم ، فانطلقت فقلت لهم ففعلوا إلا حمزة فقلت : يا رسول الله ؟ فعلوا إلا حمزة .
فقال رسول الله : قل لحمزة : فليحول بابه .
فقلت : إن رسول الله يأمرك أن تحول بابك فحوله ، فرجعت إليه وهو قائم يصلي ، فقال : ارجع إلى بيتك .
أخرجه البزار بإسناد رجاله ثقات وغيره .
ثم بين تواتر سند الأحاديث : وما قاله حفاظهم في صحتها وقوتها ، وإنه من أحسن الأحاديث المتواترة عندهم وكثرة طرق نقله ، لأنه كان في حادثه كبيرة أراد الله أن يشرف النبي في آله ويكرمهم ، ويعرفنا بحق وصدق باب مدينة علمه التي يعرف منها ما يهل ويعبد ويطاع من تعاليم الله البر ، وبتوسط إمام الحق والبر والهدى المنعم عليهم ، والمشرف والمكرم بالصراط المستقيم بفضل الله البر الرحيم بهم وبنا ، وبكل من يطلب الحق من الله الحق الذي عرفه لنا بكل سبيل وحال كان فيه المسلمين ، وأرد الله البر أن يخص علي دون حمزة وغيره من الصحابة ، وما هو إلا ما عرفت :
أنه باب بر الله ، والباب المبتلى به الناس ، ومن دخله نجى ومن لم يدخله هلك ، وإليك فقرات جميلة من الزيارة الجامعة التي نزور بها أئمة الحق المعصومين عليهم السلام :
( ... وَالْبابُ الْمُبْتَلى بِهِ النّاسُ ، مَنْ اَتاكُمْ نَجا ، وَمَنْ لَمْ يَأتِكُمْ هَلَكَ ، اِلَى الله تَدْعُونَ ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّونَ ، وَبِهِ تُؤْمِنُونَ ، وَلَهُ تُسَلِّمُونَ ، وَبِاَمْرِهِ تَعْمَلُونَ ، وَاِلى سَبيلِهِ تُرْشِدُونَ ، وَبِقَوْلِهِ تَحْكُمُونَ ، سَعَدَ مَنْ والاكُمْ ، وَهَلَكَ مَنْ عاداكُمْ ، وَخابَ مَنْ جَحَدَكُمْ ، وَضَلَّ مَنْ فارَقَكُمْ ، وَفازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ ، وَاَمِنَ مَنْ لَجَاَ اِلَيْكُمْ ، وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ ، وَهُدِىَ مَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ ، مَنِ اتَّبَعَكُمْ فَالْجَنَّةُ مَأواهُ ، وَمَنْ خالَفَكُمْ فَالنّارُ مَثْوايهُ ، وَمَنْ جَحَدَكُمْ كافِرٌ ، وَمَنْ حارَبَكُمْ مُشْرِكٌ ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيْكُمْ فى اَسْفَلِ دَرْك مِنَ الْجَحيمِ ، اَشْهَدُ اَنَّ هذا سابِقٌ لَكُمْ فيما مَضى ، وَجارٍ لَكُمْ فيما بَقِىَ ، ..) .
وبمثل هذه العبارات الجميلة : والتي نقر لأئمة الحق عن معرفة ويقين بأنهم سبيل حق وباب صادق موصل لمعرفة الله ولدينه الحق الصادق ، نزور الأئمة الأطهار بصورة عامة وخاصة ، مقرين لله بالعبودية بما أمرنا من إتيان باب الحق والبر والهدى والدين ، والذي يرضى الله البر بنا عندما نأتيه منه فنكون أبرارا عنده بحق ، دون غيره من الأبواب والوسائل لمعرفة الدين ، لأنها منحرفة عن دين الأبرار والذي يرتضيه الله ، ومخالفة لهم ، والله البر دينه واحد وعرفنا بابه ومن أين يؤخذ ويؤتى .
وبعد إن عرفنا الأمور التي نبر بها وكيف يُتحلى بها وبعض خصائصها ، وعرفنا كيف نحصل عليها وسبيلها من باب بر الله ، والذي ندخل منه لمعارف البر الإلهية حتى نطبقها ونظهر بها لنكون مع الأبرار .
تعال معي يا طيب : لنتعرف على حقيقة البر وروحه وأصله ، وكيف يظهر الله علينا بحقيقة أسمه البر ، فيبر وجودنا بعد أن نقتدي بمن شرفنا الله بهم من أئمة البر الحق نبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين .
الإشراق الخامس :
روح البر حب النبي وآله الكرام وبودهم نتحقق بالبر :
إن الله البر والبر بنا : هو الذي كرمنا بالأبرار نبينا وآله الكرام صلى الله عليهم وسلم وشرفنا بسبيل بره من بابهم ، وذلك لما عرفت هو لكي نحصل على الحقيقة التامة لنور المعارف الإلهية الكاملة المرضية له فنعلم ونعمل بها ليظهر منا البر الواقعي ، فإنهم كان لهم الملاك الكامل لسبب التجلي الخاص والتام من نور لله البر عليهم ، والمؤمن يستعد أتم الاستعداد لتحصيل هدى الله وبره حين يقتدي بهم ويدخل لبر الله وهداه ودينه منهم ، ويطبقه بحب يطلب به وجه الله ويقصده مخلصا له الدين حتى يفيض عليه بر الله الدائم ويهتدي الهدى الكامل حتى يظهر البر في العبد المؤمن بحقيقة وجودية في تكوينه ذاتا وصفاتا وأفعالا ، فيتحلى ويتجلى بالبر الحقيقي الصادق الواقعي ، لا بر مسمى باسم ظاهري كما لأعداء النبي وآله ومن خالفهم وحاربهم وهو في الواقع لا بر به ولا له بل حسرات يوم القيامة تنتظره ، لأنه لم يتحقق بتعاليم البر ومعارفه وكيف يجب أن يبر في طلب الله وبما يجب أن يبر به وكيف يبر ولمن يبر ، لأنه لم يدخل لنور معارف البر من بابه ولا عرف روح البر وأساسه ، والذي يكون ملك وملاك أولي في كل بر وعبادة وطاعة لله فيبعث بها الروح ويجعله بحق بر صادق واقعي ونعيما ذاتيا وملكا أبدي ، فأنظر قول الله تعالى الآتي لنتعرف على روح البر ، والذي يكون به العبد المؤمن برا وبارا على الحقيقية لا مجرد ظهور بطاعة أو عبادة من صوم وصلاة وحج وغيرها من دون حقيقة وروح البر ، كما لبعض من لم يدخل للبر من بابه ولا تعلمه من مدينته فضلاً عن معرفة روحه وأسسه وتعاليمه .
ولنتعرف على روح البر وحقائقه الباطنة والظاهرة وأسسه الواقعية : نذكر آية البر وأحاديث فيه تخص أهل البيت لنتعرف عليه بما يحب سبحانه ونتحقق به :
الإشعاع الأول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون :
إن آية البر الكريمة من الله البر : تعرف إن الله البر يتجلى بالحب وهو روح البر ، وبالحب يجب إن يكون الإنفاق والبذل لكل معرفة بالله ولتعاليمه والإيمان به وبكل ما يترتب عليه من إطاعة بالأمور التي عرفتها في الآيات السابقة ، وبالخصوص في الدخول للبر من بابه والتعلم ممن علم الله البر تعالى معارف دينه وهداه وحكمته .
ويجب أن يكون الحب : من صميم النفس وجود وصفات وأفعال ولما ينفقه ويبذله المؤمن في طلب الله البر تعالى ، كما أنه يحب كل تصرف له في إنفاقه وقبله وبعده حتى يتحقق بمعنى البر ويحصل على روحه ويؤثر فيه أثره حقيقة وجودية ، فيتجلى به عليه الله البر بكل بر وكمال ويتمم بره عليه ، بعد أن بره من قبل وقد جعله إنسان مفكر باحث عن الحق ونافر من الجهل والباطل والضلال ، ولكن عرفت البعض يتساهل أو لطمع دنيا يجعل عقله وما بره الله به في سبيل شهوات نفسه ووساوس الشيطان فيشط عن الحق وينفر عن بر الله ، فلم يتبع أهل بر الله الحقيقيين الذين جعلهم أبرار حتى يقتدي بهم ويتأسى ويكون منهم ومعهم عن حب وود ، بل لدهم وعاداهم فخرج من باب بر الله تعالى ، ولم يكن له من البر إلا ظاهره ودعوى تحققه به بالاسم ، دون الحقيقة والواقع المراد لله الهادي والرحيم البر ، وحسب ما علمنا به ودلنا عليه وبكل حدوده ومواصفاته .
ولكي يكون الإنسان بارا ومع الأبرار : يجب أن يطلب باب بر الله وما ينفقه من بر الله لطاعته بالحب وفي سبيل بر الله ، فيظهر بتطبيق ما تعلمه منهم مما أمر الله به ، فصلاته وصومه تعلم حدودها منهم ، وجهاده كان معهم ومع حب وود لهم لا ضدهم ليصدق أنه بار ، فيكون قد تم عليه بر الله ودام دنيا وآخرة ، ويتجلى به الله عليه بكل كرامة وتشريف وحب فيظهر به على عباد الله وهو دائما باقيا له وبنعيم حقيقي صادق واقعي تام وكامل ، ولذا قال سبحانه :
{ لَنْ تَنَالُوا البر
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّـــــــونَ
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ }آل عمران92 .
فالله تعالى بين مختصر في ملاك البر وروحه : واسه واصله في هذه الآية الكريمة بعد تعريفه معرفة مفصلة في الآيات السابقة ، وكما وعرفت بابه وسبيله ، وهو كما عرفت إن البر روحه الحب إذا إنسان كان يقصد الله بحق وصدق ، وعن محبة له ولدينه وكل ما أمر به ، فيخلص له وحده لا شريك له ، فيبره الله ويشرفه برضاه وحبه الذي فيه كل كرامة وشرف للإنسان .
والله هو البر الرحيم : لابد أن يظهر على إنسان بشيء من الظهور من البر والحب له حتى يتمكن من الظهور بالبر والمحبة في طلبه ، ولا يجوز له أن ينفق ما بره الله وشرفه من العقل والظهور بالحب في المعصية وبر المعاندين لله وأئمة الكفر من عباده العاصيين فيشجعهم على المعصية والعناد لله ، وإذا كان للإنسان شيء وحب يريد أن ينفقه لابد أن يطلب به الله تعالى ، وعليه أن ينفقه ويبذله على من حبهم الله وبرهم وأمر بودهم من أهل طاعته المخلصين له في كل وجودهم ، وكما عرفت حال نبينا وآله وما كرمهم وشرفهم به وما ظهر وأظهر لهم من الود والحب والبر بكل سيرة وسلوك لهم ، وبما فضلهم وخصهم من بره ، فهو الذي برهم وحبهم وظهر عليهم بالود والحب والبر ، فلذا كان الإنفاق لما يجعل طلبه من بابهم وفي مدينتهم وبكل ما يتعلم منهم هو من حقائق البر ، لأنه الحق الذي يقصد به الله وحده لا شريك له حسب ما أمر من إظهار الود والحب والبر والرحمة للمؤمنين الحقيقيين ، وبالخصوص نبينا وآله الذين هم باب ومدينة الإيمان بالله وتعريفه والتحقق به .
فالله البر الرحيم : الذي يحب عباده وينزل عليهم كل بر من تشريف وتفضيل وتكريم أسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وظهورها الحسن بكل خير وبركة في الوجود ، وبالخصوص الحب للعباد وودهم والذي هو روح وحقيقة كل شرف وكرامة ومجد وعز ينزل منه على العباد وأئمتهم ، فهو الله الودود البر الرحيم وهو الذين ظهر على نبينا الكريم وآله بالبر وحبهم ، وشرفهم بأن أوجب على كل إنسان ودهم ومحبتهم ، وبهذا يجب على العبد الذي يحب أن يكون بارا ومع الأبرار ، أن يطلب الله وحده ويخلص له وأن يأتيه من بابهم وبود لهم ومن معارفهم .
وقد عرفت في تجلي اسم الله الودود للنبي وآله : صلى الله عليهم وسلم ، وكيف برهم لما علم منهم الوفاء له فشرفهم ببره وأمر بحبهم ، لأنهم كانوا في حبه ووده وفي طاعته مخلصين له ، بل في بذلهم كل وجودهم لذكره فرفعهم بآية البيوت المرفوعة وآية النور بل والولاية وطهرهم وصدقهم وأمر بودهم وجعلهم كوثر الخير والبركة على العباد هدى ودين ، فبرهم الله بكل تشريف وكرامة وفضيلة ومجد حتى جعلهم الله البر البر الرحمن الرحيم بهم وبنا وبكل والوجود ، وكلا بحسب حاله في تقبل بر الله والظهور به عند الدخول من باب الحق وسبيل المعرفة التام لكل ما يبر به العباد الله البر من تعاليم دينه ، بل بحقيقية الإيمان به وأسس معرفته وهداه وكل شيء يوصل لبره ورضاه ، فلذا كان حب السبيل لدخول مدينة العلم من بابها الحق من أسس الدين واصل أصيل لسبيل الوصول لرضا الله وبره .
فالتجلي وإنزال هذا البر الكامل التام منه سبحانه : على ن