هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / شرح الأسماء الحسنى الإلهية
 

الدَّيَّانُ

النور الخامس والتسعون

 

الدَّيَّانُ: المُمَلِكُ لنعيم كثير ويسأل عنه ومن حقه أن يُرجَع له ، وهو مبالغة من الدائن لكثرة عطائه من الملك والحقوق للمَدين وحين استحقاق الدين يرجع له ، فإما المدَين بنفسه يرجع حق الدائن عن طيب نفس ومع شكر لمن ملكه وأعطاه زمانا ، أو المَدين يتعصى على الحق فيأخذه الدائن بقدرته وبقوته .

 

الإشراق الأول :

إن الله هو الدَّيَّانُ الحق بالمعنى العام والخاص :

والله تعالى هو الدَّيَّانُ الحق : لأنه هو الغني بذاته الواسع الذي لا يحاط بوجوده علما ، والفياض بنفس نور وجوده بكل ما تسمى به من أسماء صفاته وأفعاله ، فظهر الوجود وكل الكائنات وبكل ما تقدر عليه من العلم والحيل والقوة على الفعل بفضل نور كرم أسماءه الحسنى ، فهو المالك الصرف لكل شيء وهو خالصا له ، ولا حق لأحد معه ، إذ الله لا ثاني له ولا شريك ، فيهب الوجود لكل شيء و يمنحه هداه في التكوين والتشريع وينصره لأن يتحقق بأوسع نور لمن يطلب كرمه والمزيد منه ، فيتفضل عليه بجوده فيهديه لأحسن سبيل حق له ونعيم تام له ، فإن أعطى فبجوده وكرمه وإحسانه ولأن رحمته واسعة في الدنيا وهو الرحمان المتعال وهي مكتوبة للذين أمنوا دائما أبدا ، وإن منع فلملكه منع ولمن لم يطلب منه ولم يتوجه لكرمه ولا شكر ما منحه من ملكه وهداه ونعيمه في نفسه وفي ما علمه وفيما أقدره على الفعل وفي كل ما ملكه من ملك خارجي من نعيم الدنيا وتسخير خيراتها له ، وإن لا شيء يستحق بنفسه على الله شيء حتى نفس وجود الشيء فهو مدين لله فضلا عن هداه وكل ما نعمه به ، فالله له الحق على كل شيء بالوجود وما وهبه من نعمه التي لا تحصى ، وعلى كل شيء أن يدين لله بما أدانه ويرجع حقه شاكرا له .

 فسبحان الدَّيَّانُ الشكور العظيم : لمن دان له بدينه القيم وتدين له بما شرفه من حقه وهداه الذي جعل فيه نعيمه ، فيزيد عليه كرمه مجدا وشرفا وفضلا وعزا أبديا حتى لا يمكن أن يرجع لله حقا بكل جمال أبدا ، بل يبقى في كرم الديان والمتفضل الرحيم الحنان البر الودود الوفي ، فلا يستطيع أحد أن يوفيه لا في الدنيا ولا في يوم النعيم الأكبر في يوم الدين ، وحساب الدَّيَّانُ بالشكر العظيم والفضل الدائم لمن رضي دينه ، فسبحانك ربي من ديان ومالك يوم الدين أهدنا الصراط المستقيم .

فمِن كرمه الله الخالق الدَّيَّانُ : جعل الخلق بالفطرة يطلب الكمال وبسجيته يحب الدوام بالنعيم ، فمَن رفض هذا الوجود الكريم فدنسه بالعصيان والطغيان على عدم قبول كرم الرحمان المنان الدَّيَّانُ ، وهو كلما يكرمه وينعمه يتمادى بالغي والطغيان على الله ، فالله يمنع خيره عنه بعد أن يمهله فترة يتمتع ويحذره بالنُذر فيأخذه بالبأساء والضراء وبكل سبيل لعله يرجع ، فإن أصر على العصيان أخذه الله الدَّيَّانُ أخذ عزيز مقتدر منتقم وجعل ما نعمه به غصة وعذاب عليه ، فأدانه بكفران النعم وجحود الدَّيَّانُ وبرفض كرامة الشاكر العظيم .

والله الدَّيَّانُ : استيفاء دينه أو ظهور بنور الديان بالمحاسبة والجزاء وأخذ حقه بأخذ عزيز منتقم ، ليس لحاجة له ، ولكن لكفران الإيمان به ولعدم قبول كرمه يمنع فيضه ويؤدب الطاغي على عظمته والمتكبر على مجده والرافض لعزه ، فتكون إدانته من الله الديان حرمانه من كرمه وجوده ، وجعل ما عصى به وبال عليه يكويه ويشويه بجحيم الأبد مع الغصة والحسرة .

وإن ظهور الله الديان بمالك يوم الدين : ليس أصل الظهور فيه ليكون بشديد العقاب والمنتقم الجبار بالقهر على الكفار والمشركين والمنافقين والعصاة ، لأنهم لا يساوون شيء عند الله ولا كرامة لهم وإن كان نصيبهم عذاب كبير جدا لا يطاق ولهم الويل والثبور ، لكونهم كلهم من الأولين والآخرين وملكهم من النار والشياطين وغسلين وما يعذبون به ويكوون به ، لا يساوون في مقدار سعة المساحة في ملكهم ووجودهم كلهم ، كبر قصر مؤمن مخلصا لله بما فيه من الأنهار والخيرات والنعيم حجما ومساحة ، وإن كان للمؤمن التجلي بالرحمة والكرامة والمجد ، ولهم بالعذاب الشديد والانتقام الذي لا يبيد مع الصغار والذل والخسة والضيق .

فإن أصل ظهور الله الديان الشكور العظيم :  في يوم الدين هو للتجلي بأوسع ظهور وبالملك العظيم والشكر الكبير لعباده المؤمنين وبالخصوص أئمتهم وخاتم رسله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو يظهر لهم ليشرفهم وليشكرهم ولكي يكرمهم بأعظم مجد وليعزهم بأكبر نور تجلى من نور الأسماء الحسنى على عباده في التكوين ظاهرا في كل الدهر ، فيوم الدين هو يوم الكرامة والحمد والشكر لمن خصهم الله بدينه ورضي دينهم في الدنيا ، فكانوا معلمين لدينه وهداة لعبادة وولاة لأمره ، ويحف بهم من تبعهم ويشهدوا له بالمودة والحب لهم ولله تعالى ، وإنهم أخلصوا لله بدينه الذي تعلموه منهم ، وبهذا نعرف معاني كريمة للمقام المحمود وللواء الحمد والحوض وتسليم مفاتيح الجنة والنار لنبينا ، وحكومة آله صلى الله عليه وآله في ذلك اليوم وشهادتهم في يوم الحساب والشفاعة .

فإنه في يوم الدين : يُعرف شرف أئمة الدين وما يملكهم مالك يوم الدين من ملكه العظيم وهو الشكور لمن تدين بدينهم مخلصا له  ، ويعرف كرامتهم عند الله كل ملك مقرب ونبي مرسل وعباده المؤمنين فيفرحون بهذه الكرامة ، لأنه أعلى مقام محمود مشكور هو لنبينا وآله ومن تبعهم والأنبياء ومن تبعهم معهم يحفون بهم ، ويسرون سرورا كبيرا يتسع به وجودهم لأعظم كرم لله الديان الجواد المحسن الكريم البر الودود والشكور العظيم اللطيف الشافي ، وبنفس الوقت يكون هذا الموقف من التكريم من الله الديان العظيم ، غصة وعذاب وحسرة على من عاندهم ورفض تكريم الله لهم في الدنيا ، ولم يسر على صراطهم المستقيم المتصل بيوم الدين ، ولم يستعن بالله مالك يوم الدين الديان حقيقة لمعرفه دينه من المنعم عليهم هنا ليكون معهم هناك ، فكان في غضب الله لأنه ضل بنفسه وعناده ، وبهذا نعرف معاني كريمة في زيارة الجامعة الكبير فأتلوها وتدبرها ولو بالعمرة مرة واحدة ، فإنه فيها معاني كريمة عظيمة في تجليل الله الديان لعباده الأبرار .

فمن تجلى الله الديان بتجلي خاص عليه : يجعله أكرم عباده دينا ونعيما ، بل يجعله معلم للدين ونبي أو وصي نبي أو مقرب شهد له النبي وخليفة النبي بالدين فرضي الله دينه ، ولذا خص الله الديان دينه بأفضل خلقه وأخلصهم توجه له بدينه ، وهم الأنبياء والأوصياء المحافظين على دين الأنبياء ، فكانوا أكرم عباد الله عند الله ، وأشرفهم تجلي لله الديان الرحيم الرحمان رب العالمين ومالك يوم الدين .

وإن خير من تجلى الله الديان عليه : هو نبينا الكريم العظيم الأمجد السراج المنير والبشير النذير محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فخصه بأعظم دين وأكرم دين نزل نور تعاليمه من نور الله الهادي الديان ، فكان دينه الإسلام إلى يوم القيامة هو الدين الوحيد الذي يرضى الله التدين به من العباد ، وإنه تعالى لن يقبل غير الإسلام دينا ، فكان الديان تجلي بدين الإسلام على نبينا وشرحه آله دون اختلاف فمن تدين به مخلصا خالصا سلم يوم الدين وفاز وحصل على الكرامة .

فالله الديان : كان دينه العظيم الإسلام هو أعظم دين نزل على نبي عظيم كريم مجيد وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان ورثته كما عرفت في اسم الله الوارث وغيره هم آله الطيبين الطاهرين ، فهم الراسخون بعلم كتاب الديان القرآن المجيد الذي فيه كل شيء من تعاليمه ، فهم الطاهرون المحافظون على الكتاب المطهر والدين الطاهر من الشك والريب والاختلاف ، فكانوا أئمة الدين بعده بشهادة الله لهم لأنه يدعى يوم الدين كل أناس بإمامهم ، فيتكرم من يشهد إمامه الحق وولي الله الصادق له بصدقه في قبول دينه وتوليه .

فهذا ظهور الديان : بالكرامة الكبرى لنبينا ولآله الكرام ولمن تبعهم من الأولين والآخرين ، وإن الأنبياء السابقين ومن تبعهم دينهم الإسلام وهم معهم ، ولا كرامة من الله بعدها لأحد في يوم الدين ، وهذا هو التشريف والعز والمجد في الدين ولا نور ولا عز ولا شرف لغيرهم ممن عاندهم وحاربهم ورفض دينهم وأختلف في تعاليمه عنهم ، ولذا كان الدين المخالف لدينه الحق يدينه ويُظهر عليه التصغير والتحقير والإذلال والتشديد بعذاب لا يبيد ثم إلى نار الجحيم المستعرة عليهم أبدا نكالا وخصة وحسرة .

ولذا كان الدين عند الله الإسلام : وهو الذي يرضى به الديان يوم الدين ، فيجازي به المؤمنين ويشكر سعيهم ويغفر ذنوبهم ويكرمهم بالكرامة العظيمة ، وهو دين واحد للديان الحق الذي ملكه الكتاب والحكمة وهو ملك الله العظيم في الدنيا كما عرفت ، وإن الملك اليوم هو الدين وحق الله هو دينه ، ومعارفه يجب أن تؤخذ ويتدين بها من أئمة الدين الصادقين الأخيار الأبرار الطيبين الطاهرين الذي طهرهم الله في آية التطهير واصطفاهم بآيات الولاية والطاعة والقربى والمباهلة وسورة الكوثر والدهر ، وغيرهن مما عرفت من الآيات التي تُعرف أئمة الدين حتى كان نور الله المشرق من الأسماء الحسنى كلها لا يصدق تحققه بأوسع وجود في الدنيا والآخرة إلا بهم وبمن تبعهم ، لأنهم هم المنعم عليهم الذين نطلب أن يهدينا الله مالك يوم الدين لصراطهم المستقيم ، ولا تصدق في الإسلام هذه الآيات على أحد إلا لنبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين الذين كرمهم الله الديان بدينه ، وأمر نبينا أن يحدث بنعم الله عليه ، ورفع ذكره وآله في عليين كما في آيات النور والبيوت المرفوعة والضحى ، وبهذا نعرف ظهور الديان بالقهر على المغضوب عليهم لأنهم كانوا ضالين معاندين ومخالفين لأئمة الدين الحق .

وهذا هو معنى سورة الفاتحة : للمستعينين بمالك يوم الدين ويطلبون نصره حقا فهداهم للمنعم عليه وجعلهم معهم في كل كرامة ، وإن من هجرهم كان لم يستعن بحق بالله مالك يوم الدين فلم يبحث عن الحق من دينه بجد فيتبعه ، بل هوس بدين الآباء وقلد من كان من المغضوب عليهم والضالين ، وهم أئمة الكفر ومن تبعهم من السابقين واللاحقين لأنهم رفضوا معرفة دين الله الحق من أئمة الحق ، بل كانوا أو تبعوا أئمة الضلال الذين خدعوه بما عرفوا من دينهم المنحرف عن دين الله الديان الشكور العظيم اللطيف الشافي، فتجلى عليهم الديان بالقهر والعذاب الشديد الأبدي.

والمؤمن : يستعين بالله مالك يوم الدين لكي يهديه لدينه الحق عند المنعم عليهم نبينا وآله الطيبين الطاهرين فيتدين بدين الله القيم الذي علمه له أئمة الدين الصادقين وولاة أمر الله فيدين به كله مخلصا لله وحده لا شريك له فينال حقيقة نور الكرامة حتى يحف بالنبي وآله عند المقام المحمود عند ملك مقتدر ديان حقا .

 

الإشراق الثاني :

الأنس مع الديان في معرفة دينه الحق وجزاءه ثوابا وعقابا :

يا طيب : كل ديان وإن كان صاحب حق ويشعر المَدين أمام بالجميل فيسعى لأن يشكره قلبا وظاهرا في الدنيا ، ولكن للحياء وللشعور بالتقصير والحاجة وبقلة الشأن في هذه الدنيا ، ولو كان الدائن ولي حميم وصديق كريم وعبد غير منان ، بل إنسان شريف متفضل يحب عباد الله فأدانهم بعض ماله وليس مطالب به فعلا أو لم يصل زمان حقه فضلا عن استحقاقه فعلا ، فإن العبد المُدان قد لا يحب أن يكون في هذا الموقف مع الدائن في مجلس واحد وبحديث طويل يأنس به حقا ، لأنه يشعر بأن صاحبه أعلى منه في مال الدنيا وله حق عليه لابد أن يراعيه وفضل لابد أن يحترمه ، وهو موقف قد تصعب مراعاته فيحب المدان التخلص من الدائن ويختصر مجلسه معه حتى يوفيه دينه ، وليس مقتا له بل قد يحب المدين الدائن ويحب شكره ولكن هذه طبيعة الإنسان التي تحب الكمال المطلق وتنفر من أي نقص ولو جزي مع حبيب وصديق كريم .

ولكن يا مؤمن : الموقف مع الله الدين ومالك يوم الدين الموقف مختلف جدا عما في هذه الدنيا وبالآخرة أشد اختلاف ، فإن المؤمن المتدين حقا في هذه الدنيا يحب أن يجلس مع الله الدين ومالك يوم الدين أكبر وقت ممكن ، ويجب أن يعرف حقوق الله الدين كلها ليراعيها ويحترمها ويحترمه وليشعر أمامه بالخضوع والخشوع والإستكانة ، ويحب المؤمن حقا أن يشكر الله الدين على كل نعمه كانت له عليه ، فيطيل معه الجلوس في اليوم خمس مرات في كل صلاة وتعقيباتها ومن وفقه الله له نوافل وأوراد يأنس بها معه ، ويدعوه ويعترف له بالملك ، ويقف أمام مقرا بالتقصير والحاجة والاستكانة والفقر والنقص ، ويستعين به ملحا بحاله ومقاله أن يغنيه بهداه وليسير بصراط مستقيم للتحقق بهداه الحق من أولي النعيم الذين أنعم الله عليهم بدينه ، ثم يسأله في قضاء حوائج الدنيا ويغنيه عن الحاجة لغيره من عباده حتى يكون هو من أولي الفضل والنعيم ، ولذا كلما زادت كلمات الدعاء وفنون المناجات مع الدين والطلب منه زادت الكرامة من الحنان والتفضل منه ، بل يشكر السعي وهذا الطلب حتى كأنه يكون العبد المتدين هو الديان بل هو مظهر له ، فيعرف الله حرمته وحقه فيكرمه ويقضي حوائجه ويسد خلته ويحبه ويفضله على كثر من عباده ، وله ملكا عظيما شريفا مجيدا في يوم الدين وكرامة وعزا منه بأوسع ملك أبدي ، مادام هذا حاله حتى يرجع له بأجل شأن وأعظم حفاوة حتى حين أخذ روحه من بدنه لعالم الملكوت والمجد الأعلى وبكل كرامة وحفاوة ، تدبر ما سنذكره في آخر بحث اسم الله العظيم .

ولذا يا طيب : ذكرنا في النور السابق إن الله خير ذاكر ومذكور وخير شاكرا ومشكور وخير صاحب وجليس وخير مقصود ومطلوب وخير حبيب ومحبوب ، وغيرها من الأسماء الحسنى التي تشعر بالأنس والمحبة مع الله خير الناصرين الدين الشكور العظيم ، ولذا كان الدين والتدين بدين الله الدين هو ركن الإيمان ومن أسسه المصدقة لتحققه في القلب واقعا ، وكلما كان الإيمان أقوى وراسخ حتى اليقين كلما زادت الجلسات مع الله الدين ومناجاته ، سواء بتلاوة كلام الله أو ذكر العبد له ودعاءه فضلا عن الصلاة والصوم وباقي الواجبات التي أوجبها الله الدين بدينه الحق والذين عرفه لأئمة الدين وعرفوه لنا .

ولذا يا طيب : سنتوسع في معارف الدين هنا ونذكر معارف حق نتدين بها لله تعالى وأسأله أن يقبل ديننا وكل ما نذكر من البيان ، لأنه معارف الأسماء الحسنى بحق كلها من الدين وبالخصوص هذا البحوث التي بين يدك قد فصلت بما لم يسبق له مثيل ، وإنها ليس بدع من في الدين بل أصولها موجودة في معارف الحق ، وقد عرفت تأييد البحوث بالأحاديث والآيات الكثيرة ، وقد تعرض لها العلماء سابقا ولو مختصرا بل أحاديث الولاية والأسماء الحسنى فيها أصول هذه المعارف ، وإني عن يقين أذكرها وأدين بها لله تعالى ، وهذا اسم الله الدين أرجوا منه تعالى أن يدينني بها ويأخذني بأحسن مأخذ جميل يجعلني مع نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين هنا في الدنيا مخلصا له بدينهم وحده من غير خلط لشيء لفكر ممن عاندهم وخالفهم بدين الله الخالص الذي خصهم به ، وفي الآخرة أن يجعلني معهم في أعلى مراتب الكرام في المقام المحمود وأن يشكر سعيي ويغفر لي لما وفقني إن شاء الله من حب الجلوس معه في ذكره تعالى بالعلم والعمل ، وأن يرفع عني وعن كل طيب العجب والفخر والرياء وكل ما يُبعد عنه إن شاء الله ، وبالخصوص من حب هذه الكتابة وتاق لمعارفها فانس بذكرها ولم يمل من الطول في مجالس نورها المعرف لشؤون العظمة الإلهية وتجلي نوره وتحققه في الكون ، واسأل الله الدين الشكور أن يكرمنا بدينه الآن حقا وبملكه الكريم يوم الدين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين ويا مالك يوم الدين يا ديان .

وأعلم يا طيب : إن الدين القيم أوله العلم ومعارف هدى الله وبه يدان لله الديان ، وبدون معرفة دين الله لا معرفة بالله ولا يقين ولا إيمان ولا طلب حقيقي لله ودينه ولا ظهور للأسماء الحسنى الدائم بالنور الجميل الجليل للعبد الغير عارف بشؤون عظمة الله ودينه ومعارفه وتعاليمه التي علمها المنعم عليهم بصراط مستقيم ، لأن الله الديان أنزل دين حق واحد لا يرضى بالاختلاف به ولا التخلف عنه ، فضلا عن رفضه وهجر أئمة الحق وعدائهم ورفض حق الله وحقهم في وجوب طاعتهم وتعلم دين الله الحق منهم ، فيرفض العبد دين الله وتعاليمه وما تجلى من نور عظمته بالتكريم وذلك برفض حق ولاة الله وأئمة الحق في الإمامة والولاية لكل دين الله وحقهم في تعليم دينه ، وقد عرفت هذا المعنى في مراتب التوحيد في الولاية سواء توحيد الطاعة والحاكمية أو التقنين والتشريع في الباب الثالث من أبواب التوحيد في الجزء الأول من صحيفة الكاملين .

كما عرفت في الباب الأول إن :

الدين : أصله دان أي خضع وأطاع وأقر ، ولما لا يكون الخضوع والطاعة والإقرار عن طيب نفس إلا جزاء لحق على المتدين أو المدان .

 فالدين : يكون هو الطاعة للحق والإيمان به علما وعملاً ، وهو الديانة .

والمراد بالدين هنا : أسم لجميع ما يعبد به الله سواء في ذلك أصول الدين أو فروعه .

كما عرفت : إن الدين عند الله الإسلام وإن وجوب المعرفة بالدين هي أس الدين وركنه الركين بعد الإيمان بالله تعالى ، وعرفت إن الإيمان الراسخ عن معرفة بهدى الله كله هو الدين الحق الكامل الذي يرضى به الله الديان ، لا كل دين من كل أحد لمجرد تعليمه بعض الفكر المشابه للدين ، وبالخصوص الذي يزينه بالسند الكاذب أو بالمظهر الكاذب الذي حقيقته دين نفسه وفكره وقياسه واستحسانه ، وحقيقته مخالف لدين الله ، فلا دين لله إلا واحد وهو الإسلام وصراطه واحد مستقيم عند المنعم عليهم بفضل الله الديان .

ويا طيب : عرفنا في الجزء الأول من صحيفة الكاملين بل وهنا ، كثير من الأدلة الموجبة للإيمان بالله والموجبة لرسوخ الإيمان حتى يحب العباد المؤمنون الظهور بدين الله كله حتى يكونوا في أعلى مراتب الحب لله الدين والتدين بدينه مخلصين له الدين وحده لا شريك له ، ولكن هناك معاني يرشدنا لله الدين لها ليكرمنا بعظمته ودينه وكيفية التحقق به وسبب التدين به ، ويعرفنا كيفية أخذه الشديد لمن يرفض دينه ولا يحب كرامته وعزه ، وكيف يكرم من يتدين بدينه لحق ، والخروج من كل هذه المعارف لا تتسع له هذه الصحيفة ، وإن كان كل ما نكتبه في موسوعة صحف الطيبين هو في هذا المجال ، وبالخصوص أصول الدين وسيرة المعصومين لأئمة الدين عليهم السلام .

ولكن يا أخي المؤمن : ذكر الله ليس مثل ذكر البشر وآيات قليلة موجبة لشرح كثير ، وإن كان هو من باب المعرفة والمجالسة مع الله تعالى ، وهو إما تلاوة كتابه أو ذكره بأسمائه الحسنى أو شرح لها لمعرفة شؤون العظمة والتجلي والظهور لكرمه ومجده في عباده أو أخذه لهم , ولذا سنذكر بعض الآيات الكريمة في عدة مجاميع تعرفنا ضرورة الإيمان والتدين بدين الله وكيف يحاسبنا ويجازينا الله الدين سبحانه وتعالى ، وبالخصوص في الأسماء الآتية لبيان شكره لعباده وتمليكهم عظيم ملكه ، وهي معارف جميلة جليلة كريمة في تجلي نور الله الديان وظهور عظمته في التكوين وفي مراتبه في الدنيا والآخرة ، فتدبر يا طيب ما تتمكن منها فإنها مرسخة للإيمان داعية لمعرفة الدين الحق وضرورة الظهور به كله بأعلى إخلاص وخوف ورهبة ورجاء وحب لمالك يوم الدين ، حتى حب الجلوس معه جلسة أنس وحب ، بل هذه التلاوة والقراءة هي من الجلوس مع الديان عن حب وأنس ومع فضل العلم والتعلم والتعليم ، وله أجرا عظيما جدا وكبيرا واسعا إن شاء الله ، فلا تقليه وتهجره لطوله :

 

 

 

 

 

الإشراق الثالث :

آيات ظهور الله الديان بنور أسماءه الحسنى بدينه للعباد:

 

الإشعاع الأول :

آيات الكرسي تعرفنا عظمة الله وإنه لا أكراه في الدين :

هذه آيات كريمة : تعرفنا عظمة الله الواحد القيوم وإنه كل شيء ملكا صرفا له ، لا يشفع ولا يعطي أحد إلا بإذنه وفي ملكه ، ثم تعرفنا بأنه لا إكراه في الدين وقد عرفنا الرشد في دينه وصراطه المستقيم ، فمن يتولى الله بولاية حقه كما عرفت في نور اسم المولى يدخل في نوره الأبدي ، ويخرج من كل ظلمات تحيطه من الطغاة ، وإن من يتولى الطغاة فهو منهم في ظلمات أبدية لا نور له ، وهذا ملخص لكل دين الله الدين الحي القيوم وأسس جزاء العباد من الدين :

{ الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ

فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِالله فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النور

 وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النور إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) } البقرة .

وراجع معنى نور المولى والإشعاع الآتي لتعرف مولاك ومن تتولى فعلا .

 

الإشعاع الثاني :

آيات من آل عمران تعرفنا سبب الانحراف عن الدين وكيف نخلص لله :

يا مؤمن : هذه آيات كريمة من سورة آل عمران تعرفنا حكمة الدين وحجته وتمليكه ، فتبين سبب اختلاف الناس وأنسهم بالمادة والدنيا وزينتها ، وإن الله لم يقل محرمة بل حرم الخبائث منها والتي تبعد عن الدين ولم تكن في طاعته ، ولذا نبه بأنه عنده حسن المآب ، ولذا أخذ يدلنا على بعض الكرامات للعباد المؤمنين المتدينين الذين يطلبون الحلال الطيب وثوابه الطيب الذي هو خير من كل ما في الدنيا ، فذكر لنا بعض ثواب الآخرة وبعده وصف لنا أوصاف كريمة للعباد المؤمن والمتدينين وعرفنا إن هذا الثواب لهم لإتباعهم الحق وأهله .

ثم عرفنا سبحانه : إن هذا المقام السامي من عدله وشهد له بنفسه وملائكته وأولي العلم الراسخون بكتابه ، والذين ورثوا الكتاب كما عرفت والذين عندهم علم منه ، ولذا عرفنا إن من لم يكن من أهل العلم وأختلف عنهم يكونه قد طغى و أغرته شهوات الدنيا التي عرّف أهمها في الآية الأولى ، وإن أهل الكتاب اختلفوا سواء قبل الإسلام أو ما نشاهده بعد الإسلام من مذاهبه الكثيرة حتى قتلوا الهداة وأئمة الحق .

ثم عرفنا سبحانه الحل في الدين : بأن دين الله الإسلام واحد من عند الواحد وطلب التسليم له بحق ، وأن نتبع تعاليمه في تعريف شأن الأنبياء سواء المسيح أو السابقين عليه ، فعرف إمامتهم بحق ، ثم يختم سبحانه الآية بتعريف أئمة الحق من آل محمد في الإسلام صلى الله عليهم وسلم ، وإنها ذرية طاهرة مجيدة متسلسلة مصطفاة مختارة من الله الواحد الأحد ، وبهذا عرفنا سنن دينه وأسسه ، فعرف أئمة الحق ، وبالإضافة لما عرفت .

فتدبر الآيات بجد يا طيب : فإنه فيها معارف كريمة في أسس الدين ، وإن المباهلة في أخر الآيات نازلة في نبينا والحسن والحسين وفاطمة وعلي الذي هو نفس النبي وهم آله وقرابته الذين أمرنا بودهم ، وإن قتلوا فقد قتل الطغاة والظالمين قبلهم كثير من الأنبياء والصالحين ، ولكن لهم الكرامة والحجة وملك الله الدين الشكور العظيم اللطيف الشافي ، ولا أطيل عليك تدبر حكمة الله الدين وأسس دينه وحجة الله قائمة تامة أبدا بإمام حق ندعى بهم يوم الدين ، وقد قال الله تعالى :

{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ : حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

 وَالله عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ : لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالدين فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ الله وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( 16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17)

شَهِدَ الله : أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

إِنَّ الدين عِنْدَ الله الإِسْلاَمُ : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

فَإِنْ حَاجُّوكَ : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ : بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)

أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ : يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ : فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (25)

قُلْ اللهمَّ : مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)

لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ : الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ الله نَفْسَهُ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا : مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ : مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ الله نَفْسَهُ وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله : فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)

قُلْ أَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)

إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)

 ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (60)

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ

فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ

أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ   وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ   وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ

ثُمَّ نَبْتَهِلْ     فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ(61)

إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ الله

وَإِنَّ الله لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) } آل عمران.

فهذه يا موالي يا متدين يا طيب : أسس حجة الدين ودينه وسبب الاختلاف عنه وقتل أئمة الحق ، ومعارف حبه وطاعته بدين أئمة الهدى وكرامتهم عنده وجزاءه بالثواب الجزيل لهم حقا ، وتدبر عبادتهم وتزكيتهم وتطهيرهم بفضل الله الدين الحق الذي أختار الأخيار الأبرار فعرفهم حجة نهائية له حين لا تنفع الحجج مع العباد ، وعرف شأنهم بأنهم إن أمنوا على دعاء النبي يوم المباهلة يرفع الدعاء ويستجيب الله لهم ، ويخسر أعداهم بل خسروا في يوم الدين الذي يُشرف الله الدين أولياءه ، دون المنحرفين عنهم فضلا عمن خالفهم ودعوا الناس لهجرهم فخسروا الكون معهم في كرامة الديان الشكور العظيم.

 

 

الإشعاع الثالث :

آيات تعرف مكر الناس في آيات الله وحججه في تعريف الدين :

يا طيب : بعدما عرفنا الله سبحانه إنه لا أكراه في الدين ، وهذا تكريم للإنسان ، ولابد أن يشكره ويختار الحق ، ويتولى ولاية الله تعالى فيتبع حجته التي عرف صدقها وأختارها أئمة للمؤمن يدعوهم لدار السلام والأمن والإيمان بالله الديان ، ولكن عرفت مَن خُدع بالدنيا وطلب الفخر والزينة بأي صورة كانت ، أخذ يمكر بدين الله ويحرّف كتابه عن حجته كما عرفت أو يحرف الناس عن الهدى الحق ، وهي آيات وإن كانت تعرف بعض حال الأمم السابقة ، ولكنها تنطبق على ديدن الإنسان وتصرفه المغرور بالدنيا وزينتها حتى بعد الإسلام .

فإنه في الآية الأولى : تُعرفنا إن الله رحم الناس في زمان الأنبياء كما في زمان نبينا وفتح له فتحا مبينا ، وواعده النصر لدينه لينتشر وتُفتح له البلاد ، ولكن الناس طلبوا الملك وزينة الدنيا وهجروا أئمة الحق ، لكي يحصلوا على الحرام من ملكها لأيام ، فهجروا فضل الله الدائم وملكه العظيم الأبدي .

فطبق يا طيب : هذا على حال المسلمين والأمم السابقة وبعض طبائع الإنسان ، كيف يدعوا الله ويتبع الحق حين تضيق عليه الأحوال ، وكيف يهجر الحق ويطلب الدنيا ويظهر مكره ، فيهجر الحق وأئمته ، فيهجر الله الدين ، فتدبر ما عرفت من التأريخ تعرف الحق وأهله ، ودين الله لا يصاب بالعقول والفكر من ظالم غاصب أو ممن يكون في خدمته ، بل الله عرف دينه بالأخيار والطيبين الطاهرين الذين لم تغرهم الدنيا وهم الحجة بين الله وعباده ، وبهذا يُعرف دين الله الدين :

{ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ

إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا

قُلْ الله أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُون (21)

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ : فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا   جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ

دَعَوْا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين : لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ (22)

فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ : إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا : كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)

وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)   وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) ـ

فهذا حال عامة الناس : يُذكر به الله ، لأنه ينطبق عليهم في زمن النبي وبعده ، فتدبر يا طيب ما قال الله لنبينا ولمن كان معه ومن يأتي بعده ـ

 قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي : فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله وَلَكِنْ أَعْبُدُ الله الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(104)

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ : حَنِيفًا ولاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ : قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ

وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)} يونس .

 دين الله واحد حقا : فمن يهتدي له بصراط مستقيم يكون مع المنعم عليهم ، ويتوكل الله أموره ويحكم له في يوم الدين ، ويأخذ حقه ويكرمه بفضله ، فيسلم ويشفى من كل عناء وله الحسنى وزيادة ، ومن لم يتوكل على الله له فله الضر الأبدي لا كاشف له أبدا وأنت مخير في طلب الله الديان الشكور العظيم .

 

الإشعاع الرابع :

آيات تعرفنا حجة الله تامة لدينه الواحد ولا يحق الاختلاف فيه:

يا طيب : قال الله تعالى في سورة الشورى آيات كريمة تعرفنا سبيل الدين وشرعه وأسسه ، وهي كالسابقة يعرفنا الله الدين ومالك يوم الدين ورب العالمين إنه مالك وملكه للسماوات والأرض في خلقه ، وإن الرزق قدره بين عباده يقسم ملكه بالعدل والإحسان ولكل شأنه ، ومنه شرع الدين وهو واحد من أول التأريخ حتى نبينا ، فعرفنا الله الدين المالك إن الناس يفترقون ويختلفون ، ولكن مَن يطلب الحق ويجد في تدبر آيات الله ولم يمكر بها كما عرفت ، يعرف الحق فيعرف أن الله يجتبي لهداه من يختارهم وهم خير العباد وأفضلهم ، فيختصهم بدينه أئمة دين وولاة أمر ورسل وأنبياء ، ومن يتبعهم ويرجع لله وينيب له بدينهم يكون منهم وله الكرامة معهم .

ثم يعرفنا الله سبحانه : إن تفرُق من أختلف دينه عنهم ، هو بغي على الدين وبعد ما عرفه لهم حرفوه ، والله يمكن أن يؤاخذهم حين انحرافهم عنه ولكنه أجلهم ويختبرهم ليعرف صدقهم ، فمن تبع الحق فهو في كرامة الله ، ومن هجره لا حجة له أبدا وعليه غضب من الله وعذاب شديد ، وبهذا حذر الله المسلمين وعلمنا الدين الذي شرعه لنا وسبيله وصراطه المستقيم ، وهذا يجب أن نعتبر به ونتدبره لأنه شرعنا وفيه تعاليم ديننا يؤدبنا به ،  ولا نعتبره كلام للأمم السابقة ولا يخصنا ولا ينطبق علينا ، فإن كلام الله للمسلمين لكي يُعرف الحق ومن له حجة الله وصراطه المستقيم وهداه ذو الدين القويم فيتبعوه ، وليس لهو وقصص لا معنى لها عندنا بل مضى أمرها ولا تنطبق علينا ، فهذا خلاف تعاليم الدين وشرعه في تأديبنا وإنزاله كتاب يدلنا به على ديننا وهدانا القويم من الله الخالق الهادي الديان .

فهذا شرح الله ودينه الحق وحجة الله تامة : فمن يريد حرث الآخرة وملك الديان والدين في الدنيا والآخرة ، فهذا هو ، وعليه أن يتبع الحق وصراطه المستقيم عند المنعم عليهم بهداه ، ومن يرفض الله ودينه ويريد حرث الدنيا من دون الآخرة فله نصيب في الدنيا مادي دون الدين ولا له ملك الآخرة ، ثم لا يحق له أن يطغى أكثر فيشرع خلاف ما شرع الله ، فإن الله يمهلهم لأمد ثم يأخذهم بظلمهم وبما كسبوا ، وهذا حتم في يوم الدين الذين يسألون عنه ويدخلون عذابه وأن كان لهم نصيب من دنيا منقضية يتم به حجته عليهم .

وأما المؤمنون : والذين عملوا الصالحات فهم في روضات الجنات ، ولهم فضل كبير من ربهم وكل ما يشاءون ، ولكن بشرط .

والشرط هو : ذلك الذي يبشر به عباده ليهديهم به وليعطيهم الفضل الكبير يوم القيامة ، وهو إن الإيمان والعمل الصالح الذي يُنال به الفضل ، هو أن يعملوا بما سألهم الله من أجر النبي وعلمه له ولنا ، ولكل إنسان يتلوا كتابه ، وهو أجر النبوة والدين والإمامة وشرع الله وبه يُعرف دين الدين ، وهو :

أن نود قربى النبي : والذين عرفتهم في آية المباهلة فنحبهم وبهم نقترف ونكرف الحسنات ، لأنه بشرعهم وبدينهم نعرف شرع الله ودينه الحق ، وهذا معنى لدينا مزيد من الكرامة يوم الدين للمؤمنين الحقيقيين ، لأنه الله علل هذا الإيمان والعمل الصالح الحق ذو الصراط المستقيم للمنعم عليهم باسمين كريمين من أسماءه الحسنى : هو الغفور : أي يذهب بالسيئات فلا يؤاخذ عليها يوم القيامة وهذه وحدها كرامة ، والأعظم الشكور : أنه يشكر العبد المؤمن المتدين له بدين آل نبينا الكريم وقرباه من أئمة الحق الذين عرفهم لنا وأمرنا أن نأخذ دينه منهم ، لأنه مناسب لأجر رسالة الشرع والدين وتبليغ أحكام الله .

فمن تدين بهذا الدين والشرع : وعرفه بما عرفه الله تعالى في آيات كلامه المجيد ، فهو له الغفران والشكر من الغفور الشكور ومضاعفة الحسنات وزيادة .

وإما من قال هذا مُفترى : سواء في زمن النبي أو بعد زمن النبي فهجر آله وقتلهم كما قتلت الأمم السابقة النبيين ، فيؤاخذه الله بهذا الفكر والعمل السيئ ويختم على قلبه فلا يؤمن حقا ولا يعمل صالحا مرضيا لله ، فلا ثواب له بل له عقاب شديد ، وبهذا عرفنا سبب مداولة الرزق لأنه يختبر عباده ليعرف الصادقون على كل حال والذين يتبعون الحق حين تقلب الأحوال ، ولا يخضعون لكل من ملك بأي أسلوب وليس له برهان من الله ، ويختلف عن دينه بفكره ويشرع غير ما شرعه الله من معارف الدين لأئمة الحق الطيبين الطاهرين من قربى نبينا الكريم ، والذين عرفتهم في آيات المباهلة والتطهير والبيوت المرفوعة وغيرها .

وهذه حجة الله الدين في شرعه ودينه : التي يدعو لها دين الله ، فتدبر آياتها ولا تمكر بها وتحكم في تعريف أئمة الحق بغير ما أراد الله ، فإن شرع الله واحد من آدم ونوح وبعده حتى يوم القيامة يختار ويجتبي من يكرمهم ويعلمهم أكرم هداه ودينه الذي لا يقبل غيره أبدا ، ولأنه يعلم أنهم أخلص من يطبقه ويُعرفه أختارهم له ، فأتلو وتعرف على آيات الله فإنها عظيمة في بيان شرع الله ودينه وميزانه وحجة الديان الشكور العظيم اللطيف الشافي إذ قال تعالى :

{ لَهُ مَقاليدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ :

 يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدين : مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)

وَمَا تَفَرَّقـُو إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بــَغـْيـًا بَيْنَهُمْ

وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)

فَلِذَلِكَ فَادْعُ : وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ الله مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ ِلأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ   الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي الله : مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16)

الله الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ .

وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ (18)

الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ (19)

مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ

وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ : شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ : فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ (22)

ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

 قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا

إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى

 وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ (23)

أَمْ يَقُولُونَ : افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ الله يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ الله الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِه

ِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)

وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) } الشورى .

فهذه يا طيب : حجة الله الولي الحميد الدين سبحانه ، يشكر ويغفر لمن يتبع الحق من شرعه ودينه ومن عرّفهم أئمة هدى يجب أن يتعبوا وأن يطاعوا ، لا كل من يدعي ويشرع من الدين بفكره فيبغي ويطغى بما مكنه الله وأمهله يُتبع ويطاع ، فهذا ليس من شرع الله ولا دين الديان ولا داخل في ولاية النور الإلهية ، بل له ولاية الكفر والشرك والنفاق والعصيان حسب حاله من الطغيان وتولي أئمة الكفر وهجره لأئمة الحق والابتعاد عنهم ، وعرفت ثواب الله وعقابه ، فإنه ديان بجد يأخذ حقه إما بالإكراه والعذاب الشديد للعصاة والطغاة والبغاة على حقه ولم يرضوا بحجته وشهادته وتعريفه لدينه وشرعه ، أو بالشكر والمرحمة والتولي والحمد لمن يطيعه ويعبده بما عرّف من شرعه الحق الذي وصانا به كما وصى من قبل الذين اجتباهم الله وعرفهم بأنهم رجال دينه وهداه ، وكل من تبعهم كان منهم في ملك مالك يوم الدين ونعيمه الأبدي في كل كرامة ومجد مضاعف مزاد مشكور من الله الغفور الشكور .

ويا طيب : إن آيات الله التي تُعرف سننه في اصطفاء عباده الأخيار الذين يجتبيهم ويختارهم لدينه ويحفظ بهم دينه كثيرة سواء عامة تُعرف أمر كلي لكل الأمم ، وهي بنفسها تحكي لنا ما يكون بديننا ، وتعرفنا إنه يجب أن لا نختلف فنصير مثلهم ، قسم له حجة وهو على الحق ، وقسم باطل تابع لضالين وهذه مصيبة عظمى أن يتعبد الإنسان بدين ويتعب وبعده إلى نار وغضب الجبار لا دنيا ولا آخرة ، ولذا علينا أن نطلب الحق من أئمة الحق ودين الله الديان الشكور الصادق .

 

 

الإشعاع الخامس :

آيات تعرف شرع الله الديان ودينه وسننه في بيانه:

يا طيب : سور القرآن المجيد هي كلام الله في كتابه ، وآياتها مفردة تبين معنى خاص بفقرات ألفاظها ومعانيها ، ولكن السورة ككل أو كل مجموعة منها تعرف معنى تام لموضوع عظيم في أسس الدين ، فمنها يحكي التدبر في الكون فتُعرف شؤون عظمة الله حتى نؤمن به ، ثم يعرفنا إنه له دين يريد التعبد به ويجب أن نطيعه به وهو شرعه وهو شرّعه ، وإنه له أئمة وهداه على طول التأريخ في الأمم السابقة وأنتم خلق من خلق الله ، كما كان لهم هداه فلكم هداة وأئمة حق تدعون بهم يوم القيامة والدين ، والله الدين يحاسبكم بهم فيجزي بالحسنى من تبع الحق من دينه ، أو ممن لم يؤمن أو يعتقد آمن ولم يطلب الحق من دينه وشرعه ، والذي بينه بأفضل بيان من أئمة حق فيهجرهم فله العذاب حسب بعده عن الله ومولاة لأئمة البغي على دين الله وانحرافه عن هداه الواقعي .

وهذه آيات كريمة من سورة النحل : تدبر بها تبدأ من خلق الله حتى كرامته للمؤمن بالدين وجعله للأئمة لهم ، أو في يوم القيامة ، ولكل مجموع وتعرف شأنه تجلي الدين بحال من أحوال المعرفة حتى تقيم الحجة التامة على كل العباد ، فمن آمن فبها ، ومن هجر فله الغضب والضلال والعذاب ، وأنت مخير ولم نذكر شرحها لأنه نعتمد على فطنتك فيما عرفت من الآيات السابقة وشرحها ، وهي واضحة لمن يتمعن بها ، قال الله الدين الشهيد تعالى :

{ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

وَلَهُ الدين وَاصِبًا أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ (52)  وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله

ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)

 ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)  وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56)

ـ ثم تستمر آيات سورة النحل في بيان عظمة الله وسننه وشرعه في التكوين والهدى والدين حتى يعرفنا إنها هنا شهيد من أنفسنا بل من قربى النبي الكريم ، إن صدقناه فلنا الدين والكرامة يوم الدين من الديان ، وهذا العدل في تكريم الله الديان ، وفضله الحق لمن يتدين له بدينه الحق من أئمة الدين الشهداء ، فتدبر ـ :

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا  عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ

وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَء

 وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًـا لِكُلِّ شَيْءٍ

وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)

إِنَّ الله يَـأْمُـرُ بِالْعَــدْلِ وَالإِحْسَـــانِ

 وَإِيتَــاءِ ذِي الْقُـــرْبــــــَى

وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُو الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)

وَلاَ تَكُونُو كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ   أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ    إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ    وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)

وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ
 وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93)
وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ الله ثَمَنًا قَلِيل إِنَّمَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95)

مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) } النحل .

وهكذا يا طيب : تدبر آيات الله تعالى وسور الكتاب تعرف إن الله يأخذ العباد بالأحول من نبي يمكنه ويملكه كنبينا وداود وسليمان ، وأنبياء تقتل كيحيى أو يرفع كعيسى ، أو يصب عليه بلاء كأيوب ويداول سبحانه الأيام ، ولابد أن نعرف إمام الدين الحق فنتبعه ونأخذ شرع الله منه ، فإن حساب الله قريب ، فتدبر سورة الأنبياء تعرف إن الأئمة المتخذون لهم أحوالهم و يعرفنا أنه لأئمتنا في الإسلام أحوال كثيرة ، ولولا أن يطول المقام لحببت أن أذكرها مع الشرح ، ولكن تدبر فيها تعرف كيف يعرفنا الله اقتراب الأجل والساعة مهما عمر الإنسان ، وإن الله عنده دين لأئمة حق شهداء عليهم وعليهم أن تبعوهم اليوم ليكونوا معهم يوم الدين عند الديان ، وهذا سبيل قويم قوي لحجة الله في تعرف أئمة شرعه وهداه المكرمون يوم القيامة بالشهادة لمن تبعهم ، فمن طلب الدين ودينه الحق عليه بأهل النعيم الذين عرفهم بكل سبيل ، وإلا فشرع الكفرة والطغاة كثير فأتبع ما تقلد بدون فكر والعذاب لمن يطغى ويتبع غير دين الله الواحد الأحد عند المصطفين الأخيار ، وأنت بالخيار بين أن تكون خير وتنصر نفسك فينصرك الله بنعيم الأبد أو لا .

وهكذا تدبر يا متدين : بتدبر كلي في سورة القرآن تعرف الكثير ، وبعد إن عرفنا هذا المعنى لدين الحق وشرع الديان بكلامه ، نذكر أحاديث شريفة وشروح تعرفنا معاني كريمة من شرع الله ودين الديان وأئمته ، فنؤكد معنى ما ذكرنا من الآيات بالشرح فتدبر بها يا طيب :

 

 

 

 

الإشراق الرابع :

دين الديان للعقلاء الذين عرفوا أئمة الدين الحق وأتبعوهم :

يا طيب : بعد إن عرفنا أسس الإيمان والتدين وكيف يجب أن نسلك لمعارف الدين بنص آيات كريمة من كلام الله في القرآن المجيد ، والذي هو تبيان لكل شيء فيه وما شرع لنا وما وصانا به ، حان الآن لكي نتدين بشرع الله بعد الإيمان به وعن حب لله الديان ولمن جعله قيما على دينه وإماما وحاكما ووليا لتعاليمه وهداه ، فنتعلم منهم ونسلك سبيلهم ونحب ما ظهور به من نور تعاليم الله والتي يكون العلم والعمل بها عن إيمان وحب تدين له ، ويتم التوجه لله الديان ويكون سبب لإشراق نور الأسماء الحسنى علينا بأكمل إشراق شريف مجيد تام ، لأنه نكون بحق متهيئين لنورها ومستعدين للتحقق به ، بل طلبناه بحق بوجودنا وعلمنا وعملنا وبكل صفة وسيرة ظهرنا بها .

 وحينها يكون للعبد المتدين في وجوده : ملكا نورانيا واسعا يرتفع في ملكوت الرب ويحيط به ملك نعيم خارجيا يسع السماوات والأرض ، ولو أستضاف كل أهل الأرض من أول الخلق لأخره مع طيوره ووحوشه في ملكه لأشبعهم ولما أثر فيه شيء ، وله المزيد من حلل الكرامة والمجد من كرم الله الدين الشكور العظيم اللطيف ، الشافي والسالم والخالص من كل نقص وحاجة ، والمعطي كل ما يشفي الغليل من العز الأبدي ، فهيا لنعرف بعض معارف دين الرب الديان مالك الدين ويومه يوم الجزاء ، لنتدين به ونؤمن به عن حب له ولأئمة هداه ، حتى نجلس عند الديان الشكور في محل صدق عند ملك مقتدر في أعظم مجد أعده لأوليائه .

فنذكر أولا : إن دين الله للعقلاء العلماء حقا المتبعين لأئمة الحق ، فنعرف بعض شأن أئمة الحق وضرورة طلب دين الله منهم ، ثم نذكر بعض أسس وقواعد شرع الله ودينه ، ثم نذكر ما يبعد عنه ، ثم نذكر حديث به أسس دين الله وشرعه ، والذي به يطلب نور الله الدين الشكور العظيم سبحانه وتعالى .

 

الإشعاع الأول :

أول الدين نور ملك العقل والعلم :

 يا طيب : قالوا إن أول العلم معرفة الجبار وأخره تفويض الأمر إليه ، والحق لعله يريدون حين معرفة الجبار يجب تفويض الأمر إليه ، وإلا باب العلم واسع ومدينته كبيرة فيها الأبواب الكثيرة العلم ، وقد يطول زمان معرفة كل شؤون العظمة والدين ، ومسائله التي تدخل في كل شؤون الحياة سواء أسرة أو فرد أو مجتمع وسياسة واقتصاد وغيرها ، وقد لا تكون مورد لابتلاء العبد وليست من فعله ، ولكن يراد أن يُعرف أنه يجب أن يتوجه بكل ما يُعرف من تعاليم عظمة الجبار وشؤون مجده ودينه له ، وأن يؤمن به ويرجى ما عنده ، ويخاف ويخشى حرمان الغفلة عنه وعن نسيان تطبيق شيء منه مورد للابتلاء ، فضلا عن عصيانه أو الظهور بالمحرمات والعياذ بالله ، بل نسال الله الديان ومالك يوم الدين لأن يوفقنا للإتيان بكل ما أمر وشرفنا بهداه حقا وعن معرفة ودين واقعي يرضى به حقا ويبعدنا عن كل ما نهى عنه .

ولذا كان أول العلم : أن يكون الإنسان عاقل ذو حياء وعلم وحلم ، فيعرف هدى الله الحق ويطيعه به مخلصا له الدين ، ثم ينشره بكل سيرته وسلوكه ، فيقتدي بعلماء الحق وأئمة دين الله بحق ، لا أن يقول ما لا يعمل ويعمل ما لا يقول فلا تتجاوز كلماته فوه .

وخير من بين العقل والعلم وآدابه : هو الله تعالى في كتابه كما عرفت في الإشراق السابقة بكل نور أشعته ، وهذا شرح وبيان لنبيه ولآله معلمي هدى الله ، وهذا بيان يسير منه من معارف شرع الله مع طوله ، وبه ندخل في بعض آداب الدين ومعارف شيء مهم من هداه بكلمات جامعة شاملة ، فنعرف إن نور الأسماء الحسنى يشرق على من يتدين بكل دين الله الديان حقا .

 

أحاديث في أهمية العقل في معرفة الدين :

عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال :

هبط جبرائيل عليه السلام على آدم عليه السلام فقال : يا آدم إني أمرت أن أخيرك واحدة من ثلاث ، فاختر واحدة و دع اثنتين .

 فقال له آدم : و ما الثلاث يا جبرائيل ؟

قال : العقل و الحياء و الدين .

قال : آدم فإني قد اخترت العقل .

 فقال : جبرائيل للحياء و الدين انصرفا .

فقال : يا جبرائيل إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيثما كان .

قال : جبرائيل فشأنكما و عرج[1] .

فالعقل الحي لحيائه يكون له دين ، لأنه يطلب الهدى الذي يوصله للكمال الحق الأبدي الذي يطلب به الجنة ، ولا يعصي الله بنعمه ، وقد قال أبو عبد الله عليه السلام :

من كان عاقلا كان له ديـن ، و من كان له ديـن دخل الجنة [2].

وقال الإمام علي عليه السلام : معرفة العالم ، دين يدان به ، يكسب الإنسان الطاعة في حياته ، و جميل الأحدوثة بعد وفاته .

  الدين لا يصلحه إلا العقل .

على قدر العقل يكون الدين . زين الدين العقل .

  لا ديـــن لمن لا عقل له [3].

 

أحاديث في ضرورة طلب العلم الحق من دين الله وشرعه :

يا طيب : إن العاقل يكون له الدين ، والدين هو العلم بهدى الله الحق وتطبيقه ، وقبل أن نذكر سبيل طلبه من أئمة الحق ، نذكر بعض الأحاديث في طلب العلم ، وقد ذكرنا بحث واسع في صحيفة الإمام الحسين عليه السلام في أثر العلم في العقل ، بل في وجود نور الإنسان الواسع ومدده له فراجع الجزء الأول ، وهذا بعض البيان في أهمية العلم بالدين الحق والتفقه به ليستمر العبد العاقل حقا بحياة الأبد مكرما :

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قال سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ :

أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا :  أَنَّ كَمَالَ الدين طَلَبُ الْعِلْمِ وَ الْعَمَلُ بِهِ .

 أَلَا وَ إِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ أَوْجَبُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِ الْمَالِ ، إِنَّ الْمَالَ مَقْسُومٌ مَضْمُونٌ لَكُمْ قَدْ قَسَمَهُ عَادِلٌ بَيْنَكُمْ وَ ضَمِنَهُ وَ سَيَفِي لَكُمْ . وَ الْعِلْمُ مَخْزُونٌ عِنْدَ أَهْلِهِ وَ قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَلَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ فَاطْلُبُوهُ [4].

وعن أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ : تَفَقَّهُوا فِي الدين ، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ مِنْكُمْ فِي الدين فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ ، إِنَّ الله يَقُولُ فِي كِتَابِهِ :

{ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدين وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏}.

وعَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قال سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ :

 عَلَيْكُمْ بِالتَّفَقُّهِ فِي دِينِ الله وَ لَا تَكُونُوا أَعْرَاب ، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ الله لَمْ يَنْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلً [5].

وعَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قال :

 إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدٍ خَيْراً فَقَّهَهُ فِي الدين [6].

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قال :

الْكَمَالُ كُلُّ الْكَمَالِ التَّفَقُّهُ فِي الدين ، وَ الصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ ، وَ تَقْدِيرُ الْمَعِيشَةِ [7].

 

 أحاديث في فضل العلماء بدين الله وفضل التعلم :

قال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : اعْلَمُوا : أَنَّ صُحْبَةَ الْعَالِمِ وَ اتِّبَاعَهُ دِيـنٌ يُدَانُ الله بِهِ ، وَ طَاعَتَهُ مَكْسَبَةٌ لِلْحَسَنَاتِ ، مَمْحَاةٌ لِلسَّيِّئَاتِ ، وَ ذَخِيرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَ رِفْعَةٌ فِيهِمْ فِي حَيَاتِهِمْ ، وَ جَمِيلٌ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ[8] .

 عن أبي جعفر عليه السلام قال :

 متفقه في الدين ، أشد على الشيطان من عبادة ألف عابد [9].

وعن معاوية بن وهب قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين أحدهما فقيه راوية للحديث و الآخر عابد ليس له مثل روايته ؟

 فقال : الراوية للحديث المتفقه في الدين .

 أفضل من ألف عابد لا فقه له و لا رواية [10].

وقال الإمام علي عليه السلام : إذا أراد بعبد خيرا فقهه في الدين و ألهمه اليقين . اليقين رأس الدين . رأس الدين صدق اليقين . نظام المروءة حسن الأخوة و نظام الدين حسن اليقين . ثبات الدين بقوة اليقين . سنام الدين الصبر و اليقين و مجاهدة الهوى . قووا إيمانكم باليقين فإنه أفضل الدين . الدين نور اليقين حبور[11] .

وبعد إن عرفنا إن العاقل يجب أن يكون متيقن لدينه ويجاهد الهوى ، فيكون في حبور ونور ، نذكر حرمة قياس الدين والتساهل فيه بالقول بالفكر والاجتهاد الذي ليس له مدرك حق من شرع الله ، والذي يغلب على من يهجر أئمة الحق كما ستعرف في البحث الآتي وما بعده فتدبره فإن لله الديان  دين واحد حقا .

 

أحاديث تحذرنا أخذ دين الله بالقياس وتحرمه :

عن أبي أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام قال : إِنَّ أَصْحَابَ الْمَقَايِيسِ طَلَبُوا الْعِلْمَ بِالْمَقَايِيسِ ، فَلَمْ تَزِدْهُمُ الْمَقَايِيسُ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا بُعْداً .

 وَ إِنَّ دِيــــنَ الله لَا يُصَابُ بِالْمَقَايِيسِ[12].

وعن الإمام علي عليه السلام قال :

مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْقِيَاسِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ.

وَ مَنْ دَانَ الله بِالرَّأْيِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي ارْتِمَاسٍ .

وَ قال أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِرَأْيِهِ فَقَدْ دَانَ الله بِمَا لَا يَعْلَمُ ، وَ مَنْ دَانَ الله بِمَا لَا يَعْلَمُ ، فَقَدْ ضَادَّ الله حَيْثُ أَحَلَّ وَ حَرَّمَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ [13].

قال صلى الله عليه وآله وسلم :

 إن الله أوحى إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه .

 قل للذين : يتفقهون لغير الدين ، و يتعلموا لغير العمل ، و يطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، يلبسون للناس مسوك الضأن ، و قلوبهم قلوب الذئاب ، و ألسنتهم أحلى من العسل ، و أعمالهم أمر من الصبر ؛ إياي يخادعون ، و بي يغترون ، و بديني يستهزءون ، لا يحسن لهم فتنة تدع الحكيم منكم حيران [14].

وعن محمد بن حكيم عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال : قلت له : تفقهنا بكم في الدين ، و روينا عنكم الحديث ، و ربما ورد علينا رجل قد ابتلي بالشيء الصغير الذي ليس عندنا فيه شي‏ء نفتيه ، و عندنا ما هو مثله و يشبهه .

 أ فنقيسه بما يشبهه ؟

فقال : لا و ما لكم و للقياس في ذلك ، هلك من هلك .

 فقلت : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بما يكتفون به ؟

فقال : أتى و الله رسول الله الناس بما استغنوا به في عهده .

 و بما يكتفون به من بعده إلى يوم القيامة .

فقلت : فضاع منه شي‏ء ؟

فقال : لا هو عند أهله [15].

وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال :

 من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله البتة إلى يوم القيامة[16] .

وبعد إن عرفنا : إن العاقل يعلم بدينه وشرائعه وتفقه بها بحق وله الفضل العظيم من جنة الرب ورضاه ، وإنه يُحرم التفقه لغير الدين ، أو بالقياس ، بل يجب أن يعلم شرع الله الذي ينور الوجود بكل إشراق يشرق من الأسماء الحسنى وتجلي كرامتها وفيضها من أئمة الحق ، والذين أختارهم الله تعالى ، وأهل دين الله الديان الصادقين الذين صدقهم الله كما عرفت .

 وهذه بعض المعرفة في شأنهم : وعصمتهم في تعريف دين الله وتعريفهم للحق منه ، ومن دون قياس بالإضافة لما عرفت ، فتدبر في برهان أئمة الحق من آل محمد صلى الله عليهم وسلم لتتبع دينهم الذي هو دين الله الديان ، وتتحقق بشرعهم الذي هو شرع الله ، فتنال رضا الله ونور أسماءه الحسنى بعبادتك لله ، وبالتوجه له بما يحب ويرضى ، فيكرمك بكل مجد من نور ملكه المعد لعباده في يوم الدين ، وهو الديان الشكور مالك يوم الدين .

 

 

الإشعاع الثاني :

هدى الديان ودينه وشرعه يؤخذ من أئمة الحق المعصومين :

يا طيب : بعد إن عرفنا أهمية العلم في دين الله وشرعه بسلوك سبيل الحق من أئمة الحق دون دين أئمة القياس ، نذكر بعض الأدلة التي تعرفنا أئمة الدين حقا ، والذين بهم تم شرع الله ودينه حين قال سبحانه :

{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيـنَـكُـمْ

وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَــتِـي

وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْــلاَمَ دِيــنــًا }المائدة3 .

يا طيب : في هذه الآية عرّفنا الله الديان إن دينه تم في يوم عظيم ، وهو يوم تمام النعمة بدين الإسلام ، وبإمام حق يكون مرضي لله تعالى ، وإنه في دينه دين الله وكل ما شرعه ، فإنه قبل هذا القسم من الآية وبعدها معارف كريمة ، تعرفنا إن شعائر الله في الشهر الحرام والحج وما هو مطلوب به ، يعرفه ممن طهرهم الله وهم يعرفون دين الله الطاهر ، كما عرفت إن الإمام علي طهر البيت من الكفر ومن أن يحج له مشرك في سورة براءة التوبة كما بلغها عن رسول لله ومنع غيره .

فترى في مجموع الآيات من سورة المائدة : معارف كريمة تقرن هدى الله بميثاقه للشهداء وأئمة الحق في كل آية من آياتها ، وبالتدبر بها تعرف أن هذه آيات مختصة بأئمة الدين حقا لا كل مشرع لدين الله ، فتدبر بآيات سورة المائدة وكيف تقرن أئمة الحق بالدين الحق وتشريعه وتعريفه ، فتعرف أنها آيات مختصة بإمام به تم دين الله وهو من النبي الكريم قريب وعالم بدينه الحق وشهيد للمؤمنين حقا من الذين يتبعوه ، وإنها تُعرفنا إن نقيب دين الله وولي دينه هو الذي يكون ولي الله كما في آية الولاية في الآية الخامسة والخمسون من سورة المائدة ، وهي بعد أن تعرفنا أولياء دين الله السباقون وتحكي سنن الله وسبيله في تبليغ دينه على طول الزمان ، وقد عرفت إن آيات القرآن تعرف دين الله وهداه في مجاميع من الآيات وبآيات خاصة .

 وبهذا التدبر الحق : يمكن أن يُعرف هدى الله وأئمة دينه في الإسلام وقبله ، فراجعها وتدبر بها كما ذكرنا من التدبر سابقا ، تعرف عظيم الحق لأئمة الدين من آل محمد صلى لله عليهم وإمامتهم للدين حقا ، وإنه ومنهم يؤخذ شرع الله بصراط مستقيم من غير قياس ، أو خلاف الحق كما تعرفه في آياتها .

وهنا يا أخي المتدين : نذكر بعض الأحاديث التي تعرفنا أئمة الحق بصورة عامة ثم نذكر حديث الغدير الذي كانت هذه الآية لتي تم الدين بها ، ونزلت بعد نصب الإمام علي عليه السلام إمام حق لدين الله يقتدى به بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فتدبر هذه الأحاديث لتعرف أئمة دين الله حقا فتأخذ دين الدين منهم ، لأنه تعالى لم يوحي لكل أحد ولا يرضى القياس في دينه ، وإنما يختار ويصطفي المطهرين الأخيار ويختصهم بعلم الكتاب وهداه ، فيسبحان الله الهادي الديان الولي الذي عرفنا دينه وصراطه المستقيم عند المنعم عليهم وعرفهم لنا بكل سبيل ، وهذه أحاديث تعرفنا هذا المعنى فتدبرها يا طيب فإنه من أسس معرفة دين الدين الشكور العظيم سبحانه .

 

أحاديث تعرفنا أئمة دين الله من آل محمد صلى الله عليهم :

عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أبا جعفر ع يقول :

دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطهور ، فلما فرغ أخذ بيد علي فألزمها يده ، ثم قال : إنما أنت منذر ، ثم ضم يده إلى صدره ، قال : و لكل قوم هاد ، ثم قال : يا علي : أنت أصل الدين ، و منار الإيمان ، و غاية الهدى ، و قائد الغر المحجلين أشهد لك بذلك[17] .

وعن عبد الرحمن بن كثير قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :

نحن ولاة أمر الله ، و خزنة علم الله ، و عيبة وحي الله .

و أهل ديــن الله ، و علينا نزل كتاب الله ، و بنا عبد الله ، و لولانا ما عرف الله ، و نحن ورثة نبي الله و عترته [18].

وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الله لم يدع الأرض إلا و فيها عالم يعلم الزيادة و النقصان من ديــن الله ، فإذا زاد المؤمنون شيئا ردهم ، و إذا نقصوا شيئا أكمله لهم ، و لو لا ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم [19].

 عن عبد العزيز القراطيسي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام الأئمة :

 بعد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر ، نجباء مفهمون .

 من نقص منهم واحدا ، أو زاد فيهم واحدا ، خرج من دين الله .

 و لم يكن من ولايتنا على شي‏ء [20].

 

أدلة وأحاديث تعرفنا عصمة أئمة الحق لدين الله :

يا طيب : قال العلامة الحلي جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر الحلي في كتاب الألفين في إمامة أمير المؤمنين عليه ‏السلام‏ ، في دليل من أدلة الكثيرة التي تقارب الألف :   دليل في عصمة الإمام :

قال الله تعالى : { أَ فَغَيْرَ دِيــنِ الله يَبْغُونَ

وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } .

وجه الاستدلال : أن هذه الآية الشريفة الكريمة دلت على ذم كل من ابتغى غير دين الله في حكم من أحكامه أي حكم كان ، فكل من خالف حكما من أحكام دين الله ، فقد ابتغى غير دين الله في ذلك الحكم ، و كل من ابتغى غير دين الله في أي شي‏ء كان ، فهو مذموم مستحق للعذاب .

و الإمام : إنما أوجبه الله ليعرف المكلف دين الله ليتبعه ، و يأبى إتباع غير دين الله في شي‏ء ما و مخالفة دين الله مطلقا ، و يحصل له إتباع أحكام دين الله التي افترضها على عباده و قررها لهم ، و إنما يحصل ذلك حينما يكون الإمام معصوما ، فيشترط في الإمام العصمة .

و إنما يحصل للمكلف : الوثوق و الأمن من الخوف بإتباعه ، و خصوصا فيما بناه الله تعالى على الاحتياط التام كالفروج و الدماء ، بوجوب عصمة الإمام ، فيجب أن يكون الإمام معصوما ، و إنما يعلم عصمته من النص ، فقد دلت بهذه الأشياء على مطالب خمسة .  أحده : أن الإمام معصوم . و ثانيها : أنه واجب العصمة . و ثالثها : أنه لا يكون الإمام إلا بنص إلهي على لسان النبي الصادق عليه السلام ، أو على لسان الإمام المنصوص عليه .

و رابعه : أنه يستحيل أن يجعل الله تعالى الاختيار في النصب الإمامة إلى الأمة ، و قد تقرر في علم الكلام استحالة أمر الله تعالى بإتباع من لا يأمن المكلف من إضلاله ، فيكون الإمام معصوما ، و إتباعه يوجب تعيين السلامة بالضرورة ، فمخالفه بين الضلال و هذا هو مطلوبنا .

 و خامسه : أن كل زمان لا بد فيه من إمام معصوم ، و إلا لجاز إتباع بعض المكلفين غير دين الله في بعض الأحكام، وقد بين الكلام استحالته .لوجوب اللطف [21].

 

ودليلا أخر مختار من الألفين في ضرورة وجود الإمام :

قوله تعالى : { لا إِكْراهَ فِي الدين قَدْ تَبَيَّـــنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } .

فإما في كل الأحكام أو في بعضه ، و الثاني يستلزم المحال من وجهين .

 أحدهم : الترجيح بلا مرجح ، فإن بيان بعض التكاليف دون الباقي ترجيح بلا مرجح . و ثانيهم : أنه يستلزم التكليف بما لا يطاق ، فثبت إكراه في الدين لأنه عين تكليف ما لا يطاق ، لكن ثبوت إكراه في الدين محال ، لقوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدين ، و هو نكرة منفية فتكون للعموم .

فظهر : أن الله تعالى بيّن الصواب في كل الأحكام ، و في القرآن مجملات و تأويلات ، و كذا الأحاديث لا تفي ببيان الأحكام ، فبينها الإمام ، فلو كان غير معصوم لم يكن قوله بيانا [22].

 

ودليلا أخرا في ضرورة وجود الإمام في كل زمان :

قال الله تعالى : { وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ

وَ يَكُونَ الدين كُلُّـهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ الله بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .

وجه الاستدلال : أنه تعالى طلب من عباده أن لا تكون فتنة في جميع الأزمان ، لأن قوله : حتى لا تكون فتنة ، دل على أن المراد في كل الأوقات .

فنقول : أحد أمور ثلاثة لازم : إما أن لا يكون إمام ، و إما أن يكون الإمام بنصب الله و نص الرسول ، أو يكون فتنة .

فإن الضرورة قاضية : بأنه إذا نصب الإمام غير الله تعالى ، بل يكون مفوضا إلى الخلق مع اختلاف دواعيهم و آرائهم و أهوائهم ، و لا يتفقون على إمام واحد تقع الفتنة ، و عدم الإمام تقع منه الفتنة .

 فيجب أن يكون : الإمام بنصب الله تعالى ، فإما أن يكون معصوما أو لا ، و الثاني باطل لأن نصب غير المعصوم تختلف فيه الآراء ، و لا يحصل الوثوق بقوله ، و لأنه يمكن لزوم الإغراء بالجهل من نصبه ، و هو من الله تعالى محال ، و إمكان المحال محال ، فمحال أن يكون غير معصوم و هو المطلوب[23] .

يا طيب : بهذه الأدلة بالإضافة لما عرفت تتيقن أن لابد من إمام هادي من آل محمد صلى الله عليهم وسلم به يُعرف دين الله الديان ، ويعتصم به من الاختلاف ، وبه تبطل دعوا مدعين الإمامة والخلافة بدون حق ، لأنه إمام دين الله قد صدقه الله ، وشهد له رسوله وسيرته وعلومه وكل ما ذكر عنه ، وقد عرفت الكثير من الأدلة هنا في هذا النور للديان أو غيره ، وقصة واقعة غدير خم بنصب أول إمام بأمر الله علنا لجميع المسلمين ، وبأعظم موقف عام لا يمكن أن ينكره أحد وقد عرفت آيته أعلاه، ولمعرفة تفاصيل الحديث والواقعة راجع كتاب الغدير للعلامة الأميني ، وهذا حديث مختصر في تلك الواقعة العظيمة التي تم بها الدين وكملت بها نعمة الله ورضى الله لنا الإسلام دينا إلى يوم القيامة بإمام بعد إمام من آل محمد صلى الله عليهم وسلم ، وهذا الحديث فتيقن به ولي الدين وتعرف عليه لتعرف من سبيله وبصراطه المستقيم دين الله الديان بعد رسول الله .

 

حديث يوم الغدير يعرفنا الإمام الحق لدين الله بعد نبيه :

عن عبد الله بن الفضل الهاشمي : عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

يوم غدير خم ، أفضل أعياد أمتي ، و هو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب علما لأمتي ، يهتدون به من بعدي .

و هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين ، و أتم على أمتي فيه النعمة ، و رضي لهم الإسلام دينــا .

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : معاشر الناس : إن عليا مني و أنا من علي ، خلق من طينتي ، و هو إمام الخلق بعدي ، يبين لهم ما اختلفوا فيه من سنتي ، و هو أمير المؤمنين ، و قائد الغر المحجلين ، و يعسوب المؤمنين ، و خير الوصيين ، و زوج سيدة نساء العالمين ، و أبو الأئمة المهديين .

معاشر الناس : من أحب عليا أحببته ، و من أبغض عليا أبغضته ، و من وصل عليا وصلته ، و من قطع عليا قطعته ، و من جفا عليا جفوته ، و من والى عليا واليته ، و من عادى عليا عاديته .

 معاشر الناس : أنا مدينة الحكمة و علي بن أبي طالب بابها ، و لن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب ، و كذب من زعم أنه يحبني و يبغض عليا .

معاشر الناس : و الذي بعثني بالنبوة و اصطفاني على جميع البرية ، ما نصبت عليا علما لأمتي في الأرض حتى نوه الله باسمه في سماواته ، و أوجب ولايته على ملائكته [24].

 

<