هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / شرح الأسماء الحسنى الإلهية

الشكور

النور السادس والتسعون

 

الشكور : كثير الشكر مبالغة من الشاكر : وهو المُظهر لحسن النعمة وتحسين فعل المحسن باللسان أو بالفرح به قلبا والمظهر لها فعلا مع المحبة لها ، فالشكر : عِرْفانُ الإِحسان و نَشْرُه ، وهو كرد للجميل من الفعل أو للمعروف حتى ولو كلمة طيبة بإظهار فضله باللسان أو تعريفه حسنه بإظهار المودة له .

 

الإشراق الأول :

الله الشكور حقا بالشكر العام والخاص :

والله تعالى هو الشكور حق : لأنه تعالى غني بجمال مطلق غير متناهي ولا يوصف في العظمة واللطف في نور بهائه وسناءه ، فلا يحاط به ، فهو شكور لوجوده بوجوده وبما يظهر به على عباده من نور رحمته وإحسانه وكرمه ، فيزيد من يتوجه له ويحب نعمه ، فيكون في عين تكريمه له شكورا له وشاكرا ، ومن يشكر فعل الشكور سواء في تكوينه أو في ما يمده به من النعم ، يشكره الله الشكور ، فيمده بنور أسماءه الحسنى بما يصلحه حتى يكون حامدا له بكل وجوده ومظهرا لنعمة بأحسن الشكر له ، فسبحان الله الشكور المشكور الشاكر ، والشكر لله حقا على كل شيء من نعمه ، والحمد له على كل حال بما يصلحنا به من حكمته التي تعدنا لأكرم نعيما مقيما تاما كاملا وأعظمه وألطفه ، فسبحان الله الشكور الحميد الغفور والعظيم اللطيف الشافي .

فالله تعالى شكور : في وجوده العظيم وفيما يتجلى به من نور الأسماء الحسنى سواء بالابتداء حين التكوين أو حين مده لما خلق حتى يصل لأحسن كمال يناسبه ، فهو مشكورا وشاكرا وهو الشكور ، فيشكر سعي من يصلح نفسه لتقبل فيضه فيزيده من نعمه بأعظم نعمه له ولكل شيء يناسب شأنه في قبول شكر الله والظهور به شكرا له ، حتى يكون المخلوق شاكر بل شكورا بل مشكورا بتوفيق الله الشكور العظيم .

 

الإشعاع الأول :

ظهور الله الشكور بالشكر الخاص :

وخير من تجلى الله الشكور عليه : بالشكر هو من مكنه من معارف شؤون عظمته ومن دينه وما علمه من هداه لعلمه بالإخلاص له به تحليا وظهورا ، فجعله معلم له بكل وجوده طاعة وعبادة له وعن يقين به وبإخلاص له ، حتى كان طاهر من كل شرك ، ومتوجه له بكل وجوده وعلمه وتعليمه وفعله وسلوكه ، وهذا ما خص به الأنبياء والأوصياء كلا في زمانه ، وكان أكرمهم نعما وأفضلها هو نبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين ، حتى أمر الله نبينا وعلمنا نعمته عليه فقال له : وأما بنعمة ربك فحدث ، أو قال له : إنك على خلق عظيم ، بل طهره وآله بآية التطهير وأمر بودهم في آية المودة ، فشكر من ودهم فتبعهم في دينهم ، فكان له تجلي نور اسم الله الغفور الشكور كما علل آية المودة بالغفور الشكور ليبين الله الشكور حسن حبهم والاقتداء بهم بما يعلموا من دينه كما عرفت في النور السابق وغيره وما كما سيأتي تفصيله .

فظهور الله الديان الغفور الشكور : لأئمة الدين نبينا وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليه وآله وسلم ولمن يتبعهم بالاسم الحسن الشكور ، والذي هو عبارة عن رضا الرب وحمده لعباده المخلصين حقا بدينه الذي علمه لهم وعلموه لعباده فملكهم له في الدنيا كتاب وحكمة وعلما وعملا ، ولهم بالآخرة تمجيد وكرامة بما لا يفوقها مظهر لتجلي كرم وإحسان وفضل نور الأسماء الحسنى ، وبنور بهي وذو أجمل سناء وملكا عظيما هنيء بما لا يوصف ، لهم بأنفسهم في تملكهم في ذاتهم ومحيطهم في ملكوت الرب وجنته ، وبهذا يمكن معرفة بملكهم للحوض وللواء الحمد والمقام المحمود وأعلى وأكبر وأعظم ملك الجنة ، وذلك لشكرهم لله وحمده والظهور بدينه بكل حال لهم ، فكان لهم الملك العظيم يوم الدين ، وهم المشكورون من الله الشكور بالظهور عليهم بالنعم بأجل نور ممكن يتحمله مخلوق في ذلك اليوم العظيم اللطيف بل واليوم ، وهو لهم ولمن تبعهم حقا فشكر الله بما علموه من دينه ، وليخسئ من عاندهم وقتلهم وحارب دينهم من الأولين والآخرين .

والله الغفور الشكور : قد غفر للنبي الأكرم ما تقدم من ذنبه وما تأخر فطوى فراشه وأخذ بالعبادة أكثر من السابق ، فسؤل عن ذلك فقال ألا أكون عبدا شكورا ، وأدعية أهل البيت وتعاليمهم في التوجه لله وعبادتهم المخلصة لله بكل حال ، لدليل عظيم على شكرهم لله وشكر الله لهم ، وقد عرفت حالهم في سورة الدهر حين الحديث عن إعطائهم إفطارهم لا يبتغون من أحدا شكرا ، بل يطلبون الله فشكر سعيهم بنزول هذه السورة التي تعرف شأنهم العظيم ، والذي شكر الله الشكور بها سعيهم ونشر فضلهم بمعارف سورة الإنسان وبغيرها ، وقد مر كلام في تعريف هذه المعاني في نور الله الودود والوفي وغيره فراجع وأنظر ما سيأتي .

فسبحان الله الشكور : والحمد لله حقا ، فإنه يفعل بعباده بحكمة ولخبرة بحالهم فيوصلهم لأحسن حال لهم في كل الأحوال التي تمر بهم ، فيظهر صدقهم في طاعته وشكره مخلصين له الدين ، وفي جميع أحوال اليسر والعسر والمرض والصحة فلا فرق لهم فيحمد فعلهم ويحمدون فعله ويشكروه ويشكرهم ، بل يُنعم عليهم بالهدى والدين فيمكنهم منه فيشكرون هداه بإطاعتهم له ، وبدون النظر لحالهم في الدنيا أبدا ، فيرون أنهم بنعمة الله الأبدية فيشكرون الله الشكور ، فالشكر لله على نعمه أبدا ، والحمد له سرمدا ، وسبحان الله الغفور الشكور والحكيم الحميد والمعين العظيم اللطيف الشافي.

وسيأتي في الاسم الحسن العظيم مقام شكرهم وتسبيحهم في العوالم العالية .

 

الإشعاع الثاني :

المؤمن شاكر لله ومشكور سعيه :

والمؤمن : يشكر الله وحده لا شريك له ويشكر من أجرى على يده نعمه فيوصله بما أنعم الله عليه فينعمه معه حقا ، وبالخصوص في دينه ، فيشكر الله في أي حال كان ويحمده على نعمة الهداية لأنها بها تمام النعيم الأبدي ، فيرى نعمة الله عليه في كل وجوده من علمه لحواسه ونظره وسمعه وبصره وكل أعضائه وتصرفه وقدرته ، وما يظهر من أحوله من قدرته وعلمه بسيرته وسلوكه ، فيشكر الله الذي علمه وأقدره بكل وجوده وبكل ما نعمه ومكنه فيصرف نعمه في طاعته ومظهرا لشكره ، فيرى عظمة الله العظيم في نعيمه المعد لمن تدين له بدينه ، فيخلص له الطاعة بدين من أمر بودهم ، وشكر من كرف الحسنات وأقترفها بما علمه لهم من دينه القيم الحق الله الديان الشكور العظيم .

فيكون المؤمن : من المشكور سعيهم مع أئمة الحق الذين أختارهم الله واصطفاهم ، فيكون محب للمنعم عليهم ولكل نعم الهداية التي علموها له ، فيود الهداة للصراط المستقيم فيصير معهم بفضل الله الشكور في الدنيا والآخرة ، وفي كل مقام أعده لهم ، فيرضى بكل حال يصلحه الله به ويحمده بكل حال ويشكره على نعمه كلها .

فالمؤمن : يكون فرحا بنور الله الشكور بكل حال له ، ومظهرا لشكره بكل حال له ، فيتعلم دينه ويصرف نعمه الروحية عقلا وفكرا وعلما والمادية بدننا وزمانا وملكا خارجيا في طاعة ربه الشكور ، فيكون بكل شيء له مظهرا للإيمان وعن يقين بفضل الشكور ومنّه عليه بدينه ، وبكل ما مكنه ، فيكون علمه وعمله مخلصا له وصالحا قولا وفعلا حتى يكون من الموقنين المتقين المتورعين ، ويراه واجب حقا ودينا واقعا لابد من الظهور به ، فيكون متعرضا بكل وجوده لشكر الديان العظيم اليوم وفي يوم الدين ، فينال شكر الشكور حقا حتى ليكون مع أئمة الدين في ملك عظيم .

 

الإشراق الثاني :

الشكر لله الشكور لسبب التوحيد وأصل الإيمان وبيان له :

يا طيب : شكر المنعم واجب عقلا ، وإن من لم يشكر المخلوق الذي هو صاحب نعمة عليه حقا لم يشكر الخالق ، وكفران النعم إذا كانت نعم حقا مذموم عقلا وشرعا وجدانا وفطرتا وإنصافا ، ولذا كان الظهور بنعم الديان وبكل هدى دينه فضلا عن النعم المادية بالحق وبما يرضى سبحانه فضلا عن الإيمان به وبكل ما أوجبه ، واجبا جدا لأنه من شكر المنعم الشكور ، وهو من ظهور نور الشكور على العبد وتعريفه حرمة النعم وحقها ، وهو دين يقره العقلاء والشرع والوجدان والضمير ، وتطمئن به النفس الطيبة وترتاح له الروح الطاهرة .

ولذا بعد أن عرفنا شيء عن دين الديان : نتعرض هنا لذكر أهم موارد الشكر من الظهور به ، وبما لم نتطرق إليه هناك ، فنذكر هنا بعض البيان عن وجوبه عقلا ودلالته على الواحد الأحد الشكور الديان العظيم حقا واقعا ، وكيفية الشكر وأهميته والترغيب به إيمانا يقينيا وبروح وله ونفسنا مطمئنة ، فنذكر فضل الشكر وثوابه ، و موارد الشكر بصورة عامة على كل نعمة ، ثم نذكر أهم النعم التي يجب دائما تذكرها وشكرها ، فنذكر موارد الشكر ، وكيفية سجدت الشكر وأهم أذكاره وأدعيته لنتحقق بها إن شاء الله مخلصين الدين لله الواحد الأحد الديان الشكور العظيم .

ونخصص هذا الإشراق : لفضيلة الشكر وأهمية عقلا ووجدانا ، وبنقل بعض الكلام عن العلماء الأعلام ، ثم تأتي مشارق نور تنورنا باقي المعارف من ضرورة الشكر شرعا بنص الكتاب المجيد التي ذكرناها ، فتدبر بها يا طيب ، فإنه الظهور بالدين في أحسن وأجمل مظاهره ، والتي من تحقق بها يكون له ملكا عظيما كريما لطيفا شافيا لا ينغصه شيء أبدا في نفسه وبكل محيطه ، وهو من الله الديان الشكور العظيم اللطيف الشافي :

 

الإشعاع الأول :

تذكرة في أهمية شكر لله الشكور بعد الإيمان به :

قد ذكروا : في علم الكلام والفلسفة وبكل معارف علم الاجتماع والضمير والوجدان وما تطلبه الفطرة من الكمال ، إن شكر المنعم واجب عقل ، ويكون هو أول دليل للإيمان بالله تعالى وبرهان يدعونا لشكره وطاعته وعبوديته  ، وقد ذكرنا في الجزء الأول وفي بابه الأول بعض الشرح له فراجع .

 وإنه يا طيب : قد عرفنا إن التوحيد أوله هو التوجه لعظمة الخالق في نعمه ، وطلب الكمال التام من كلها بقدر تهيئنا لتحصيل نورها المشرق من تجلي الأسماء الحسنى ، ولذا كان الموحد والعابد المتدين من أهم الأمور عليه بعد الإيمان بالله تعالى واليقين بعظمته وبأنه خالق كل شيء أن يشكر نعمه ، لأنه يدعوه كل شيء للظهور بمظهر الشاكر لله تعالى ، وإن الله من يشكره يعني توجه له بنعمه ، وطاعته بما تفضل عليه فيزيده إن شكره ، ويمنحه من جوده بما يجعله غارق بكرمه حتى يحصل له ملكا عظيما فيعجز عن شكره ولا يتمكن أن يعبر عنه بلفظ أبدا ، إلا بالقول الحمد لله أو بالشكر لله ، أو يكون من العارفين والقادرين على الكلام فيعبر عن شكر الله بما سيأتي من أدعية الشكر وأورادها .

ولذا كان علينا أن نشكر الله : على كل نعمة لأنه نعم الله لا تحصى ، وعلى العاقل التوجه لله ويستعد ليحصل على نعمه أبدا ، لا مؤقتا فيكفر بالنعم والعياذ الله حين عصيانه به فيبتعد عن نورها ، ويجعل حاجب على نفسه فلا تتجلى عليه ، ويكون ليس له القابلية لتحصيل فيضها وبهاء سنائها وكرم مجدها وجودها ، وهذا واضح في التعرض لنعمة كل منعم من عباد الله ، فكيف بالله الشكور حقا ، وبهذا عاملنا الديان الشكور .
 فقال الله الشكور تعالى : إن تعدوا نعمة الله لا تحصوه .

 وقال : وإن شكرتم لأزيدنكم  ،    واشكروا لي ولا تكفرون .

وبهذا عرفنا عقلا وشرع : إنه بالشكر للنعم من ضرورة العقل ، وبالخصوص عند التدبر فيما سخر لنا خالق كل شيء ، فعرفنا إن الكمال منه وحده تعالى ، ومن يستعد له يحصل على الزيادة ، وإن الحرمان بالكفر بالنعم ، لأنه يصرفها في غير ما يصلحها لا بنفسها ولا مع المنعم ليتسمر عليه بنعمه ، ولذا المتنكر لنعم المنعم ولم يشكره ، ويصر على عناده يكون له العذاب والنكال والخسران والحرمان وضيق المكان في وجوده وفي محيطه حتى يحترق به ويلتهب عليه نارا أبد ، ومن يتوجه لله بنعمه ويصرف نعمه في طاعته ويشكره فيظهر حبه لها والتوجه له بها ، فله كل كرامة ومجد ونور مشرق من الأسماء الحسنى .

ولذا جاء الشكر : مرافق للتوحيد وهو عين الإيمان والتدين بدين الديان كله ، وهو ضروري في معارف الدين وبه يتوجه لله رب العالمين بالعبودية سواء بلفظ الشكر أو بغيره من الطاعات ، فيدين لله بدينه فيشكر الله ، والله يوفق من يتوجه له ويشكر سعيه فيزيده بنعمه حتى تكون أبدية له ، وهو الشكور الديان العظيم اللطيف الشافي ، فيكرمه بما يجعل نعيمه هنا محيطة به وتُنور وجوده ، وفي ملكوته أبديا له خالص من كل ما ينغصها من شوب المادة وضيق المكان ، فيتسع ملكه حتى يكون عظيما لطيفا ، وكله حبور وسرور وفرح بكرامة الرب الديان المجيد الشكور ، والحميد المتعال العظيم اللطيف الشافي .

وذكروا يا طيب : في كتب الكلام والفلسفة أدلة كثيرة على وجوب شكر المنعم وقد عرفت بيان طيب في الباب الأول من صحيفة التوحيد للكاملين في هذا المعنى ، وهذا بعض ما ذكر القوم في هذا المعنى نذكره لتطمئن النفس بمعارف النور من ضرورة شكر المنعم عقلا وشرعا فترغب به عن يقين :

 

 

الإشعاع الثاني :

شكر المنعم واجب عقلا  بتقرير العلماء :

ذكر في كنز الفوائد : قال شيخنا المفيد رحمه الله هذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف ، لأنه أول ما يجب على العبد معرفة ربه جل جلاله ، فإذا علم أن له إلها ، وجب أن يعرف صنعه ، و إذا عرف صنعه عرف به نعمته ، فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره ، فإذا أراد تأدية شكره وجب عليه معرفة مراده ليطيعه بفعله ، و إذا وجب عليه طاعته وجب عليه معرفة ما يخرجه عن دينه ليتجنبه ، فتخلص له به طاعة ربه ، و شكر إنعامه .

 

وذكر في كنز الفوائد : إن سأل سائل :

فقال : ما نعمة الله تعالى عليك ؟ فقل : خلقه إياي حيا لينفعني .

فإن قال : و لم زعمت أن خلقه إياك حيا أول النعم ؟ فقل : لأنه خلقني لنفعي و لا طريق لنيل النفع إلا بالحياة التي يصح معها الإدراك .

فإن قال : ما النعمة ؟ فقل : هي المنفعة إذا كان فاعلها قاصدا لها .

فإن قال : ما المنفعة ؟ فقل : هي اللذة الحسنة أو ما يؤدي إليها .

فإن قال : لم شرطت أن تكون اللذة حسنة ؟

 فقل : لأن من اللذات ما لا يكون حسنا .

 فإن قال : لم قلت أو ما يؤدي إليها ؟

 فقل : لأن كثيرا من المنافع لا يتوصل إليها إلا بالمشاق كشرب الدواء الكريه و الفصد ، و نحو ذلك من الأمور المؤدية إلى السلامة و اللذات ، فتكون هذه المشاق منافع لما يؤدي إليه في عاقبة الحال .

 و لذلك قلنا : إن التكليف نعمة حسنة لأنه به ينال مستحق النعيم الدائم و اللذات .

فإن قال : فما كمال نعم الله تعالى ؟

فقل : إن نعمة تتجدد علينا في كل حال ، و لا يستطاع لها الإحصاء .

فإن قال : فما تقولون في شكر المنعم ؟ فقل : هو واجب .

 فإن قال : فمن أين عرفت وجوبه ؟ فقل : من العقل و شهادته و واضح حجته و دلالته ، و وجوب شكر المنعم على نعمته مما تتفق العقول عليه ، و لا تختلف فيه .

 فإن قال : فهل أحد من الخلق يكافئ نعم الله تعالى بشكر أو يوفي حقها بعمل ؟ فقل : لا يستطيع أحد من العباد من قبل أن الشيء ، إنما يكون كفوا لغيره إذا سد مسده ، و ناب منابه ، و قابله في قدره ، و ماثله في وزنه . و قد علمنا أنه ليس شي‏ء من أفعال الخلق تسد مسد نعم الله عليهم ، لاستحالة الوصف لله تعالى بالانتفاع ، أو تعلق الحوائج به إلى المجازاة .

 و فساد مقال : من زعم أن الخلق يحيطون علما بغاية الإنعام من الله تعالى عليه و الإفضال ، فيتمكنون من مقابلتها بالشكر على الاستيفاء للواجب و الإتمام . فيعلم بهذا تقصير العباد من مكافاة نعم الله تعالى عليهم ، و لو بذلوا في الشكر و الطاعات غاية المستطاع ، و حصل ثوابهم في الآخرة تفضلا من الله تعالى عليهم و إحسانا إليهم .

و إنما سميناه استحقاقا في بعض الكلام : لأنه وعد به على الطاعات ، و هو الموجب له على نفسه بصادق وعده ، و إن لم يتناول شرط الاستحقاق على الأعمال . و هذا خلاف ما ذهب إليه المعتزلة ، إلا أبا القاسم البلخي فإنه يوافق في هذا المقال ، و قد تناصرت به مع قيام الأدلة العقلية عليه الأخبار[1] .

  

وقال العلامة الحلي في نهج الحق :

 الحق أن وجوب معرفة الله تعالى مستفاد من العقل : و إن كان السمع قد دل عليه بقوله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله ، لأن شكر المنعم واجب بالضرورة ، و آثار النعمة علينا ظاهرة ، فيجب أن نشكر فاعله ، و إنما يحصل بمعرفته ، و لأن معرفة الله تعالى واقعة للخوف الحاصل من الاختلاف ، و دفع الخوف واجب بالضرورة .

و قالت الأشعرية : إن معرفة الله تعالى واجبة بالسمع لا بالعقل .

 فلزمهم ارتكاب الدور المعلوم بالضرورة بطلانه لأن ، معرفة الإيجاب تتوقف على معرفة الموجب، فإن من لا نعرفه بشي‏ء من الاعتبارات البتة، نعلم بالضرورة أنا لا نعرف أنه أوجب .

 فلو استفيدت معرفة الموجب من معرفة الإيجاب لزم الدور المحال .

و أيضا لو كانت المعرفة إنما تجب بالأمر : لكان الأمر بها ، إما أن يتوجه إلى العارف بالله تعالى ، أو إلى غير العارف ، و القسمان باطلان .

 فتعليل الإيجاب بالأمر محال .

 أما بطلان الأول : فلأنه يلزم منه تحصيل الحاصل ، و هو محال .

 و أما بطلان الثاني : فلأن غير العارف بالله تعالى يستحيل أن يعرف أن الله قد أمره ، و أن امتثال أمره واجب .

 و إذا استحال أن يعرف أن الله تعالى قد أمره و أن امتثال أمره واجب .

 استحال أمره ، و إلا لزم تكليف ما لا يطاق[2] .

 

 

 

الإشراق الثالث  :

شكر المنعم سبحانه واجب شرعا بنص كلام الله الشكور :

إن الله الشكور سبحانه : يرشدنا بكل طريق ويدلنا بكل سبيل ممكن حق ، لمعرفة أهمية نور ظهور أسمه الشكور لنتحلى به ، ولنظهر به حقا واقعا صادقا فيحققنا به ظهورا ، فيكون المتدين بنعمة هدى الشكور ودينه شكورا بنفسه وبكل شيء ينتسب له ، فيكون العبد المؤمن مظهرا لاسم الله الشكور .

 فإنه يا طيب : بعد إن عرفنا في الإشراق الأول إن الله الشكور لكماله الواسع يُظهر نور التكوين ، ويمده ليبقى بنعمه ، ويتوسع نوره بقدر ما يتحمله عالم الإمكان بدنياه وملكوته وجبروته ، وبما ظهر من إشراق نوره المقدس والأقدس يتجلى أشرف وأتم ظهور لنوره في الوجود ، وبأحسن خلقه وأفضلهم شكرا له تحملا وظهورا ، وهذا المعنى حكاه الله الشكور في كثير من الآيات الكريمة من كلامه المجيد ، نذكر بعضها لنعرف تجليه سبحانه بنور اسمه الشكور الدائم الشكر في الدنيا وفي الآخرة العليا على أكرم عباده من الأنبياء والرسل ، وبالخصوص نبينا الكريم وآله صلى الله عليهم وسلم وعلى من تبعهم .

فيظهر نور الشكور : بشكرهم له بكل وجودهم علما وعملا ، وقولا وفعلا هنا ، حتى لا يتصور أحسن من ظهور شكرهم أبدا ، فكان نور الشكور حقا خالصا شكره لهم وفيهم ومنهم ، وبأجمل وأحلى وأحسن نور وبهاء ، وهذه بعض أشعة لنور الشاكر المشكور الشكور سبحانه في ظهور نوره بالتكوين ، وبأحسن خلقه وأشرفهم مظهرا ، فنتدبر معانية وحقائقه الواقعة في كتاب الله ، ثم يأتي تدبر أخر في ظهور اسم الله الشكور من سيرة أكرم الشاكرين في الوجود ، وبقولهم وتعريفهم في الإشراق الآتي إن شاء الله الديان الشكور العظيم اللطيف الشافي :

 

 

الإشعاع الأول :

الشكور يشكر من يهفوا ويود دينه الحق وسبيله :

يا طيب : إن الله تعالى ديان شكور عظيم : قد عرفت في النور السابق وقبله ، إنه تعالى أرشدنا لنور دينه ونعيم هداه وما يوصل للسعادة التامة أبدا ، فعرفنا كل ما يقرب له لتحصيل نور الأسماء الحسنى ، حتى كان حليم تواب وغفور شكور عظيم ولطيف شافي ، فإنه لا يأخذ على الذنب مباشرة ويمهل ولا لا يهمل ، ومن يرجع له وينيب إليه يغفر ذنوبه ويصلحه فيشفيه من كل منغص  ، وإن عمل صالحا بدينه الذي نزله حقا بما علمه الذين أنعم عليهم وشكر سعيهم فهو شاكر عليم وغفور وشكور له . فيهب الوهاب الشكور لمن يتوجه لها حقا ، وبود وحب لدينه الحق ، كل توفيق للتحقق بدينه وتعاليمه بنور أبدي ، وبملك عظيم لا ينغصه شيء كما ستعرف في شرح نور العظيم اللطيف الشافي وهنا .

 فعرّفنا سبحانه : دليل الإيمان به وسُبل الوصول لمعارف شؤون عظمته و لدينه بصراط مستقيم ، وذلك لكي نتحلى بنور شكره وعبوديته ، وعرفنا شكره لأكرم عباده ورضاه عنهم وكرامته عليهم ، فدلنا على دينه الذي يُشكر من يتحقق بمعارف من شكرهم ومكنهم منها وعلمها لهم فعلمونا بها لنشكره .

وبهذا الطريق : الواضح البين من الله الرائي العليم المبين نتعرف بحق على كيفية الحصول على شكره بدين من شكرهم وظهر شكره فيهم ، وإن لم يكن حقا لنا ولكنه شكور ، وبلطفه توجهنا له بدينه حقا ، وسرنا على صراطه المستقيم ليشكر سعينا وليغفر ذنوبنا، وهو الغفور الشكور العظيم اللطيف الشافي.

وهذه بعض الآيات : نتدبر بها لنعرف بالإضافة للدليل العقلي والوجدان الداعي لشكر المنعم ، كيف نشكره باللفظ وبكل طاعة وسبيل ذو صراط مستقيم ، وموصل لنعيم هداه وملكه العظيم بشكره لنا حين نقتدي بمن شكرهم وظهر شكره فيهم حقا ، فنود شكره ونهفو لما علموه ، فيشكر سعينا كما شكرهم . وقد قال الله الشكور تعالى : يعرفنا نعمه في الكون وعلى بعض عباده المصطفين الأخيار وأكرم عباده في الوجود شكرا له بفضل شكره لهم .

 فقال الديان الشكور : يعرفنا ما نشكره به من الصلاة والإنفاق في سبيله ، وبما كرمنا من نعمة التي لا تحصى والمسخرة لنا ، وبدين الذي عرفنا سبيله ممن شكرهم ، وأوجب أن نهفو ونهوى لهم فنود دينهم الذي علمه لهم ، فتدبر كلامه العظيم اللطيف الشافي في البيان ، وفي الحجية البالغة المعرفة لتعريف سبيل شكره :

{ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ (31)
ـ هذا دينه وما يشكر به سبحانه . وهذه نعمه : ـ
الله
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ .

وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32)

وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَار (33)

وَآتَاكُـــمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُـــوهُ

وَإِنْ تَعُــدُّوا نِعْمَــةَ الله لاَ تُحْصُوهَـا

إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)

ـ وبعد معرفة نعمه ، هذا سبيل دينه الذي يجب أن نشكره به عند من عرف شكرهم وعظمتهم حين شرفهم بدينه ليشكروه بما يحب ويرضى ـ

وَإِذْ قال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ

 أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)

 رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّـتـِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ

رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ

فَاجْعَلْ أَفْئِــدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْــوِي إِلَيْهِـمْ

وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ

 لَعَلَّهُـمْ يَـشْـكُـــرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى الله مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ (38)

الْحَمْــدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّـتِــي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) } إبراهيم .

فهذه نعم الله التي لا تحصى :  التي ذكرت في هذه الآيات وتجد غيرها الكثير كافيه لكي نعيش بنعيم حقا ، إن تصرفنا من غير بخل وتقتير ولا إسراف ولا تبذير ، ومن غير ظلم وبخس للميزان وغش ، فابتعدنا عن المحرمات وتصرفنا وفق هدى الله و أقمنا دينه ، وأنفقنا سرا وعلنا نطلب رضاه بعد أن نقيم الصلاة .

وهذا أبو الأنبياء إبراهيم : هو من أكرم عباد الله الشاكرين لله والمرضي شكره من الشكور ، فعرفه لنا وشكره وكرمه وذريته الكرام بالإمامة حتى يوم القيامة ، وكان شاكرا كل من تبع أئمة الحق من ذريته ، فكان حقا مظهرا كريما لنور الشكر في الوجود ، هو وذريته الطيبين الطاهرين من أئمة الدين ، ومن تبعهم حقا مخلصا بدينهم وشكر لله به سواء كان من ذريته أو من غيرهم ، فحمدوا الله وشكروه ، وقد جاءت آيات أخرى تعرفنا شكره إذ قال الله الشكور تعالى يعرف شكره :

{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)

 شاكرا ِلأَنْعُمِــهِ اجْتَبَـاهُ وَهَـدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم (121)

وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)

 ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْــكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفً

 وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) } النحل .

فكما عرفت في نور الله الوفي : إن نبي الله إبراهيم ، طلب أن يكون من ذريته أئمة ويكون لهم الكتاب والحكمة ، وأن لا يضلوا ولا يعبدوا صنم طرفة عين حتى يستحقوا هذا المقام من الإمامة للناس ، فيعلمهم الله ما يشكروه به بإقامة دينه الحق ، وإنه منهم يتعلم الناس شكره بدينه الحنيف كما يُعرفهم الأئمة لهم من ذريته المخلصين الذين لم يسجدوا لصنم أبدا ، وكانوا يعلمون هداه ويعلموه حقا من غير شك ولا ريب ، وعرفت إن الأئمة كانوا هم الشاكرون ولم يشركوا بعبادة صنم أضل الناس ، ولم يُضلوا الناس عن معرفة شؤون عظمته ودينه الحق الذي يُشكر من يعبده به حقا .

وهذا ما عرفنا الله تعالى في آيات المجموعة الثانية والأولى : بأنه شاكر ويرجوا أن يكون من ذريته شاكرون ، وأن يرزقهم ليشكروه ، وهذا هو ما عرفنا في الآيات أعلاه عن نبينا الكريم محمد وآله مع جدهم في دين واحد ، فهم ذرية إبراهيم الذين يجب أن نهـفـو لهم ونهواهم ، فيجب أن نودهــم ونحب دينهم وهداهم الذي نسأل الله أن يهدينا به لصراطهم المستقيم ، وهذا نعيم الله لهم من الكتاب والحكمة وتوريثه لملكه لهم في الدنيا كما عرفت في اسم الله الوارث .

 ففي الإسلام نبينا وآله صلى الله عليه وآله وسلم : هم الذين كانوا معلمي دين الله الشكور وما يشكر به من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليه السلام ، وإنهم لم يشركوا ولم يضلوا عن التوجه له وإقامة دينه حقا ، ولم يعبدوا ولم يسجدوا لصنم أبدا حتى قبل الإسلام ، وخلافهم غيرهم من ذرية إبراهيم الذين أظلهم الشيطان وكانوا تحت ولايته في الجاهلية فلم يشكروا الله حقا لعبادتهم للأصنام فلم يستحقوا الإمامة ، وإن خالفوا أئمة الحق من ذرية إبراهيم وحاربوهم فهم ليس من الشاكرين حتى لو تسموا بأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين زورا وبهتانا لغصبهم خلافة رسول الله بفلته .

والآيات من كلام الله أعلاه والآتية : لإقامة الدعاء وإقامة الصلاة والعمل الصلاح الذي يرضاه ، وبه يظهر بالشكر على من يظهر به حقا , فإنها صادقة حقا في نبينا وآله وفيهم ، أو ممن تبعهم فعرف دين الله حقا منهم ، وقد كان حقا ممن حبهم وودهم وكان فؤاده يهواهم ويهفوا لهم ، فيشكر الله على نعمة الهداية بصراط المنعم عليهم وأصحاب الصراط المستقيم كما في سورة الفاتحة التي نتلوها كل يوم ، وقد عرفت هذا المعنى في شكر الله لمن يتبع نبينا وآله في قوله تعالى :

{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

 قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْـــــرًا إِلاَّ

الْمَـــــــوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى 

 وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا  

 إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ (23) } الشورى.

فقد عرفنا الله الشكور الغفور : معنى أن نهوى ونود فنحب قربى النبي كما طلب نبيه إبراهيم وكما طلب نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فعرفنا : إن أجر الرسالة مناسب لها ، وهو يتم بتعريف دين الله وشرحه بعد نبي الرحمة ، وبه يعصم الناس من الاختلاف ، لأنه تبع أئمة دين الديان الشكور ، فكان ممن شكر الله بدين المنعم عليهم بالإسلام حقا وشكره الله الشكور ، ومن ضل عنهم كفر بأنعم الله ودينه وهداه  ولم يكن شاكرا لأنعم الله الشكور العظيم اللطيف .

 

الإشعاع الثاني :

شكر الشكور لمن يقيم دينه بدين أئمة شكرهم دون غيرهم:

يا طيب : الكلام في شكر الله تعالى لعباده وهو الشكور الحميد العظيم والغفور الشكور العليم ، هو الكلام عن توجه عباده مخلصين له الدين بصراط مستقيم ، ولهذا يشكر سعيهم سبحانه ويهب لهم ملكا عظيما من نعيم وهدى الكتاب والحكمة أو ملكوت الجنة ، فمن يتوجه له حقا بما علمه أئمة الدين المصطفين الأخيار تمكن من شكر الله الشكور بما يحب ويرضى فيشكره الله الشكور ، وبتجلي الشكور ظهر شكره عليه فكان العبد شكورا بنور الشكور.

وبهذا علمنا : إن الله يشكرنا إن أقمنا دينه الذي علمه لمن اجتباهم وأختارهم لدينه فخصهم بالكتاب والحكمة ، لعلمنا إنه لم يوحي لنا ولا لأحد إلا ممن عرّفه الله بالفضل الكبير وعرفنا مناقبه وشأنه العظيم عنده ، فعرفنا شكره لهم وتبين شكر سعيهم ، وحينها إن اقتدينا بهم يكون لنا نصيب من شكره وظاهر بنا نور الشكور حقا ، ويكون لنا ملكا في أنفسنا وفي كل ما يُحطنا في الجنة بما لا يوصف من الملك الكبير ، ومع أئمة الحق الذين أنعم الله عليهم وشكر سعيهم وشكر سعي كل من يتوجه له بدينه الذي خصه بهم .

وهذه يا متدين يا شاكر لأنعم الله : آيات كريمة تعرفنا إنه من طلب الله حقا ، وسعى بجد لدينه فعرفه بحق ، ولم يضل بضلال من أغواهم الشيطان وأئمة الكفر والنفاق ، فهو يكون شاكر قد تحقق بفضل الله الشاكر والشكور حتى ظهر فيه نوره ، فشكر الله والله شكره بتوفيقه لدينه وبإقامته بما يحب ويرضى .

ولذا قال الله الشكور تعالى : يعرفنا إنه من يطلبه ويسعى له بجد ، يجعله إمام حق لما يُعلم دينه ويشكر به بما يحب ، فيعلمه ويصطفيه بدينه فيشكر الله ويشكره الله ويهبه ولمن تبعه ملك من ملكه العظيم في الدنيا والآخرة :

{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)

 وَمَنْ أَرَادَ الآخِـــرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِــنٌ

فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُـهُــمْ مَشْكُــــــورًا (19) 

كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)

انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيل (21)} الإسراء.

وبهذا عرفنا الله الشكور سبحانه : إن نعمه في الدنيا لكل من يطلبها ، ولكنه تُحظر على من يضل عن سبيله ، ولم يسعى بجد لمعرفة دينه الحق بصراط مستقيم من المنعم عليهم أبدا ومن فضلهم تفضيلا ورفع درجتهم كما عرفنا هذا في آيات كثيرة ،  سواء آيات النور ورجال البيوت المرفوعة الذي أذن أن يرفع ذكرهم وما يشكرون الله به من دينه الحق ، فكان نبينا وآله صلى الله عليهم وسلم نور الله المشرق بالنعيم الأبدي لكل من يتحقق بهداهم ، فيشكر الله به ويشكره الله الشكور كما عرفت في نور الوفي ، وكما إنه تعالى عرفنا هذا في قوله تعالى لنبي الرحمة :

{ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }الضحى11 .

 وقال له : { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }الشرح4 .

وهذا معنى علمي وبيان عملي : لظهور الله الشكور على من يشكره فزاده بنشر مناقبه وفضائله وطلب منا في سورة الفاتحة أن نطلب صراطه المستقيم عند المنعم عليهم من النبي وآله ، لأنهم هم أهل البيت المرفوع ذكره والمنعم عليهم وكوثر الخير ، وهذا معنى الصلاة عليهم معه صلى الله عليه وآله وسلم ، وبكثير من الآيات عرفنا شأنهم العظيم الكريم ، فهذا شكر كبير من الله لهم وبيان ظهور الشكور فيهم حقا واقعا في الدنيا قبل الآخرة ولكل العباد نشرهُ ، وبهذا صار يظهر الله الشكور  لكل من تبعهم فاقتدى بهم وتعلم منهم ، فشكر الله بدينهم وبهداهم الحق ، فيكون حقا شاكرا لأهم أنعم الله وهي نعمة الهداية ، فيكون له إيمانا وعملا صالح ويظهر له الغفور الشكور كما عرفت في آية المودة لأنه قد هفا لهم وهوى ودهم وحب هداهم ودينهم وتحقق به مخلصا لله بدينه ، فشكره به فشكره الله وله الحسنى ومقام صدق عند مليك مقتدر شكور ديان .

وقد عرفنا يا طيب : إن تفاضل الدرجات وعلو المنزلة كما في الآيات أعلاه مورد الشرح ، هو إما في الرزق سواء رزق مادي أو رزق دين وهدى ، فإن الرزق المادي لمن يطلب الدنيا والآخرة مقسوم وحسب الطلب يزاد ، ولكن رزق الهدى والملك العظيم هدى ودين ، وملك نعيم ملكوت الجنة بملك ونعيم تام كامل أبدي فهو فقط للمهتدين الشاكرين لله حقا بدينه الحق ، والذي خصه بالشاكرين حقا والمنعم عليهم بالكتاب والحكمة هنا ، ولم ينقلبون عنه ، ولذا جعل سبحانه دينه عند أئمة الحق وعرفنا بعد آيات كريمة خواص من يتوجهون له مخلصين ، فجعل منهم أئمة إلى يوم القيامة وهم نبينا وآله الكرام ، فتدبر هذه الآيات الكريمة تعرف سبيل الله الشاكر وكيف يظهر بالشكور ، لتشكره بكل وجودك ، وبما يحب ويرضى من شكره الواجب على كل العباد ، فوهبهم شكره ونعيمه الأبدي إذ قال الله الشكور :

{ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)

 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً

لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَــذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُــكُـــورًا (62)

ـ فهذا نعيم الله مسخر لمن أراد أن يشكر الله فيذكره بدينه الحق فكان من عباد الرحمان ، وهذه أوصافهم ، وهم أئمة حق محققون في الإسلام ، لأنه الله أمر نبينا وكل المسلمين بالدعاء ، وعرفت خص بأولي الفضل وكوثر الخير نبينا وآله صلى الله عليهم وسلم ، ومن يدعوا بهذا الدعاء يكون معهم ويصح عليه من عباد الرحمان الذي تعلم دينه حقا ممن خصهم الله وأصفاهم بدينه ، فيشكر الله ويتعبد به فيكون معهم وله شكر من الله الغفور الشكور وإلا فل ، ولذا قال ـ

وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قالوا سَلاَمًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) والَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)

إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)

وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانً (73)

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ

رَبَّنَا هَـبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُـــرَّةَ أَعْيُنٍ

وَاجْعَـلْنَا لِلْمُتـَّقِــيــنَ إِمـــَامــًا (74)

أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا (75)

خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)} الفرقان .

وبهذا علمنا : الله الشكور إن الفضل والتفضيل العظيم لمن اصطفاهم وجعلهم أئمة ، ومن تبعهم يكون شاكر ، وعلما أنه لا أحد يمكنه أن يزكي نفسه مطلقا بالتقوى فضلا من دعوى أنه إمام المتقين حقا وله بينه ، إلا نبينا وآله سادت أهل الجنة والمطهرون بفضل الله تطهيرا ، ويشهد لهم كتاب الله ورسوله وعلمهم وسيرتهم وعرفت كثير من الآيات في حقهم ، وهذا ذكرى لمن أراد أن يتذكر فضل الله الذي عرفه بفضلهم ، وجعل أعظم خصائص دينه لهم ، ومن يقتدي بهم يكون من عباد الرحمان معهم لأن إمام الحق واحد في كل زمان كما عرفت في قوله :

 { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّـلْنَاهُـمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)

يــَوْمَ نَدْعُــو كُلَّ أُنــَاسٍ بِـإِمَـامِـهِــمْ

فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71)

وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيل (72)}الإسراء .

فإنه في هذه الآيات لكريمة : من سورة الإسراء وهي تابعة لآيات المجموعة الأولى ، تعرفنا وإن كان الإنسان مفضل لكن هناك فيهم أئمة يدعون بهم يوم القيامة ، وهم أعلى درجة وفضلوا تفضيل على الإنسان المفضل كما عرفت في آيات المجموعة الأول التي كان التفاضل فيها بين العباد ، وهنا تفضيل الإنسان على كثير من خلق الله بإمامه الحق الذي يدعى به يوم القيامة ، وكان عبد الله الشكور وشكره بدينه ، وبشرعه الحق توجه له وشكره ، فشكره الشكور وفضله ، ولم يكن ضال أعمى عن هدى أئمة الحق.

 وكما عرفت في الآيات : قبل هذه ، والتي عرفنا بها كيفية التوجه له من عباد الرحمان الذين فيهم أئمة ، وهم كوثر الخير وقرة عين للنبي الكريم الذي يدعو ويعلم الدين ولم يمر على آيات الله صما وعميانا وهو معلمها والظاهر بها .

 وبهذا عرفنا الله الديان الشكور : سبيل دينه وعرف إنه في الدين قرة عين وإمام للمتقي من تلك الذرية الطاهرة للنبي وآله بما صبروا ، و إن الإمام الحق لم يعبد صنم ، ويكون حقا شاكر لأنعم الله وذكره مرفوع ، وأمر أن يحدث بنعم الله عليه والصلاة عليه وعلى آله ، وباهل بهم ، وطهرهم ورفع ذكرهم ، وجعل نور الكتاب والحكمة وذكره يشرق منهم ، كما عرفت .

وهذه شعائر الله التي يشكر بها : تؤخذ من نبينا وآله أئمة الحق ، فإنها شعائر الله التي لم تبدل وهي كما علمها الله لنبيه إبراهيم وحافظ عليها بالأخيار والأئمة من آله الذين عرفهم أئمة في طول الزمان، وتحقق بها التابعين لهم فعرفوا منهم مناسكهم وشرعهم ودين الله الشكور الذي عرفه لهم ، و الذي يشكروه به كما في قول تعالى وهو الشكور لإبراهيم ولنبينا ولآله ولكل من تبعهم حقا ، فقال سبحانه يعرفنا أئمة الحق ومنصبهم العظيم الطاهر في تبليغ الدين وتعاليمه التي بها تعرف مناسك الله ، وشرعه الذي يعبد به ، ويشكر حقا بما يحب :

{ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ

قال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا

 قال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي

قال لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)

 وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى

وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي

لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

وَإِذْ قال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ

قال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ

رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ

وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ

يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ

 إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)} البقرة .

فهذه الإمامة والكتاب والحكمة والشعائر ودين الله في الإسلام : يعرف من نبينا ومن كان إمام حق عرفه الله من ذرية إبراهيم ، ولم يظلم نفسه ولم يسجد لصنم أبدا ، لأن الإمامة منفية عمن سجد لصنم وظلم نفسه ، فلا يكون إمام أبدا ، وكما عرفت في دعاء إبراهيم إذ نفى أن يدعوا للعاصي سواء فعلا أو في أخر عمره ، والله لأهمية الإمامة منعها ممن ظلم وكفر وأشرك بعبادة صنم ولو زمانا في حياته ، ولذا خصت تخصصا بعلي ابن أبي طالب كرمه الله وجه الذي لم يسجد لصنم وهو خليفة رسول الله وولي دينه ، وآله المطهرون سادت أهل الجنة ونعيمها ، فهم أئمة الحق والهداة للصراط المستقيم حقا صلى الله عليهم وسلم .

فخصت الإمامة : وتعريف دين الله على طول الزمان بالطيبين الطاهرين الذين طهرهم وطهر بيته بهم من الأصنام ، وطهر كتابه فجعلهم معلمين له ومعلمين شعائر الله ودينه الحق ، الذي به يشكر وبه يتجلى نور الشكور ، إذ عرفه العبد المؤمن وتولاه وشكره فظهر به نوره .

 وهذا هو في الإسلام : مختص شكر الله الشكور لأئمة الحق ولمن تبعهم بحق ولم يضل بمن خالفهم أو أضله عنهم المبعدون عن شكر الله حقا ، لأنه شكر الله بدينه الواحد والمختص بالطاهرين الطيبين نبينا وآله ولمن أخلص لله بدينه الحق ، فتعلم منهم فشكر الله الشكور به ، ولذا قال الله الديان الشكور العظيم اللطيف يعرفنا شعائرنا التي نشكر بها :

{ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ الله شاكر عَلِيمٌ }البقرة158 .

وقد عرفت يا طيب : كيف طهر الإمام علي عليه السلام الكعبة من الأصنام حين فتح مكة ، وكيف بلغ سورة براءة في مكة في زمان رسول الله فطهرها من المشركين بأمر الله ، ومنع الله ورسوله غيره ممن عبد صنم من تبليغها ليعرفه للناس بعدم الأهلية لتبليغ شعائر الله حقا ولا دينه الذي يشكر به ، فلم يكن إمام حق ، وعرف الله إمام المؤمنين حقا الذي يُعلم شعائر الله ودينه ومن يستحق الإمامة في تبليغ شرع الله الشكور فيشكر من يشكره بإطاعته به .

 وإن الإمام علي عليه السلام : مُطهر بآية التطهير مع النبي وآله بنص الآية وبيته المرفوع ذكره مع النبي ، وهو نفس النبي الذي باهل به يوم المباهلة ، وإنه لم يسجد لصنم أبدا فلم يظلم نفسه ، فخصه وآله آل نبينا من ذرية إبراهيم صلى الله عليهم وسلم بالإمامة بعد نبي الرحمة ، وأمر بودهم فشكر سعيهم وسعي من يقبل تبليغ دين الله منهم فشكره به ، لأنه قد عرفت إن بدين الله الديان يشكر ، وإن أجر المودة والهوي لهم وحب دينهم كان أجر لرسالة النبي ، وهو مناسب للتبليغ لدينه ولتعاليمه ولتعريف الحكمة في شؤون عظمة الله تعالى به ، وبه يتجلى اسم الله على من يؤمن بتعاليمهم ويعمل صالح بها فيتحلى باسم الغفور الشكور كما عللت آيات المودة للقربى ، لأنه حقا عبد الله الشكور وشكر بشرعه ودينه الذين بلغه من عرف فضلهم وأمر بودهم والهوي لحبهم .

وإن حكمة الإمام علي ومعارفه في شؤون عظمة الرب : عرفها الداني والقاصي ، وإن معارف شؤون عظمة الله ودينه الحق يعرف به تحققا وبتعاليمه قولا ، فراجع نهج البلاغة أو ما ذكرنا من كلامه في الجزء الأول في أدلة التوحيد ، وهو العالم بعظمة الله والمعلم لها بعد نبي الرحمة ، ولم يوجد لأحد مثله مثل معارفه وزهده حقا ولا في فضله ومناقبه ، ولا في علو سيرته وسلوكه المشكور ، وسيأتي شيئا منها ، والله خص معارفه وخشيته لمن شكره حقا بعد معرفته بعظيم المعرفة .

 ولذا قال الله الشكور تعالى :

{ أَلَمْ تَرَى أَنَّ الله أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ

 إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) } فاطر.

فهذا يا شاكر لأنعم الله : شرع الله الذي يشكر به بما يحب ويرضى عند العلماء من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو مستمر إلى يوم القيامة إمام بعد إمام عالم بشرع الله ومعلم له ولشؤون عظمته وما يشكر به ، فمن تحقق مؤمنا وعمل صالحا بشرعه كان الله غفور شكور له ، فيهبه مع أئمة الحق المصطفين ملكا عظيما لطيفا شافيا فيتجلى فيه الشكور في الدنيا والآخر ، وبه كل نعيم أبدي يُفرح القلب وتقر به العين ، فسبحان الله الشكور الغفور العظيم اللطيف .

وعرفت أن نبينا : هو معلم هدى الله ، وكل من تعلم منه كان له أجره ، وكان أجمل أجر لنبينا الكريم لما علم وظهر به من علم الله أن أمر بمودة قرباه والاقتراف من حبهم ، لنزداد بالحسنات وتضاعف لنا كلما كرفنا من الاقتداء بهم فنقتبس علما وهدى يُشكر به الله ، وبهذا يتجلى علينا الله الشكور بالشكر ، ويكون أجر مودة القربى وأجر الرسالة والعلم والعلماء والمتعلمون منهم والمقتدون بهم كله تعليله باسم الله الغفور الشكور ، سواء في آية مودة القربى أو هنا في أية العلماء الشاكرون لله بهداه ويخشوه ويخافون القصور من عدم شكره بما يحب ، فضلا عن التقصير والمعاندة وعدم قبول الحق حين علمه لنا بأئمة حق عرفهم لنا بكل سبيل ، لنشكره به فيشكرنا .

 

الإشعاع الثالث :

شكر الله الشكور لمن يقيم معارف دينه الحق :

يا طيب : إن الله عليم وغفور شكور لمن يقيم دينه فيهب له ملكا عظيما شافيا في يوم القيامة كما هو ترتيب الأسماء الحسنى في الحديث مورد الشرح ، ولذا هنا نركز على معارف اسم الله الشكور الذي يظهر بالعبد الشاكر لهدى الدين ولنعيمه بأي نوع كان في شكر الله بحق ، فيكون شاكر لأنعم الله سواء بمقاله أو بما يظهر عليه من نعيمه الحق ، وهو ملك الدين من الكتاب والحكمة أو بالمادة في البدن والمحيط مما سخر له من الكونيات التي تحيطه ليستطيع بها عبادة الله وشكره ، وعرفت إن أعلى نعيم يتوجه به لله الشكور هو بشكر أئمة الدين لأنهم علماء ، وأقاموا شكر الشكور مطهرون من غير شرك ولا شك ولا ريب أبدا فكانوا شاكرين حقا ، وهكذا يتجلى الشكور على من يهوى دينهم ويحبه ويودهم لما عندهم من المعارف الكريمة لنور الله المتجلي في خلقه نعيما وملكا عظيما فيشكره بإقامته .

وقد عرفت معارف كريمة عن علم الإمام علي في اسم الله الوارث : بل في الاسم الأعظم الله في أول شرح الأسماء الحسنى ، وعرفت أهمية العلم بالكتاب وبعض آثاره في توفيق الله للعالم به ، وإنه بهداه يكون متحقق بشكر الله والله يشكره لسعيه ، وإن كان بما مكنه الله الشكور شكر الله بأعلى وأعظم شكر ، وهذا كان لمن عنده علم الكتاب تبليغا أوليا كنبينا ، أو علم شرح وتبليغ لإمام بعده من آله كان راسخ بعلمه فيكون هو موردا لشكر الله بتطبيقه ، فلذا كان ود أهل البيت سبب لمعرفة علم الكتاب ودينه الله وشؤون عظمة الله والعلم بالكتاب ، وبهذا يقام دين الله فيشكر الله به والله يشكر سعيهم ولمن تعلم منهم ، وهذا ما عرفته في الآيات أعلاه من سورة فاطر ، والذي تمامها الآيات التالية وهي في توريث الكتاب لمن فضلهم الله تعالى كما في قول الله الغفور الشكور :

{ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا

لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ

 أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ : الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا

فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ

وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)

 جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)

 وَقالوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ

إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)

الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير (37) } فاطر.

وبهذا عرفنا الغفور الشكور : الذي علل شكره لمن يعمل صالح بدينه الحق فضاعف لهم الحسنات فشكرهم حقا وغفر ذنوبهم بل يبدلها حسنات ، ولكن بدين أئمة الحق الذين ورثوا الكتاب وكانوا سباقون بالخيرات ، ولذا خصهم بدينه فبلغوه كما في آية المودة كان اسم الغفور الشكور تعليل لسبب ود قربى النبي وأهل بيته ، كأجر لما بلغ من الكتاب ، وفي آية العلماء وتوريث الكتاب كان التعليل بالاسمين الكريمين الغفور الشكور وإنهم يرثون الكتاب حقا بأعلى مرتبة لأنهم السباقون بالخيرات وهم يصبحون أئمة ومعلمين وشارحين لعلمه ، ليُشكر الله بهداه الحق للقسمين الآخرين ممن ورثوا الكتاب : أي للمؤمن المقتصد ، وللظالم نفسه وإن هجر الكتاب ومعارف أهله ، مع عناية الله به وطلبه منه التحقق به لأنه نزل في بلده أو على عشيرته أو وصله علمه ومعارفه فعرف العالمون به ، ولكنه رفض الانقياد لهم وإطاعتهم أو أنقلب على الدين بعد وفاة رسول رب العالمين .

وإن الغفور الشكور : يشكر السعي الذي يرضاه ، وهو لمن إقام دين المنعم عليهم ومن تفضل عليهم بملك الكتاب والحكمة حقا فكانوا علماء به وراسخون به علما طاهرا من أي خلاف وضلال ، وظهرت في معارفهم معاني حقة لشؤون العظمة وفي تعريف علو الله ومجده حقا ، وفي تعريف هداه الصادق بعلمهم وعملهم وسيرتهم وسلوكهم شكرا له وبكل عبودية تحققوا بها فعلموها علما وعملا وسيرتا وسلوكا .

 ولو تدبرت حال كل المسلمين : لم ترى لهم علم مع زهد حق فضلا عن الثبات والشجاعة في الدفاع عن الدين بكل وجودهم وبأصعب الأحوال ولم يفروا فيها ، كما للإمام علي وآله بعد نبي الرحمة صلى الله عليهم وسلم ويكفي التدبر ما لاقوا بجهادهم في سبيل تعريف الحق من دين الله الذي يجب أن يُشكر به ، وبهذا نعرف إنهم أئمة الحق الذين كانت تلك الآيات أعلاه تعرفهم بالذين يقيمون الصلاة وبوفاء النذر والخوف من الله وإنهم علماء حق يخشون الله ويرجون فضله بكل وجودهم ، وإنهم هم السابقون بالخيرات لما عندهم من علم حق بالخير ومورده ، وكيف يتوجه به لله بإخلاص يشكر الله به السعي ، ويغفر أي تقصير فلا يجعل لهم تقصير أصلا .

وبهذا عرفنا الله الشكور أئمة الحق : وكيف نود دينهم الذي عرفه لهم ، لنشكره به وننال رضاه ، وهذا نفسه عرفنا شكره لهم في الدنيا والآخرة في سورة الدهر الإنسان النازلة في حقهم باتفاق المسلمين .

إذ قال الله الشكور الغفور :

{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكرا  وَإِمَّا كَفُورًا (3)

إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاً وَأَغْلاَلاً وَسَعِيرًا (4)

إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)

عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورً(9)

وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جزَاءً

وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُـــــــــورً }الإنسان22 .

 فعرفنا الله الشكور : شكر نبينا وآله له وطلبهم له مخلصين له الدين وسباقهم بالخيرات ، وإن ميراث الكتاب لهم وعرّف شكره لهم ، وإن من يقتدي بهم يشكره الله كما في آية المودة وهنا أيضا طالبنا بشكره بحق كما يشكره أحسن خلقه الأبرار الطيبون الطاهرون المخلصون له الدين ، لأنه منهم يعرف شرع الله ودينه الحق فيشكر به ، والله الشكور يشكر من يتحقق به ويسعى بجد لمعرفته ولتطبيقه فيشكر الله به ، فيُنعمه أبدا بأجمل نعيمه وهو شكرا لما ظهر بالشكر له .

والله شكور : ويجزي الشاكرين الثابتين على دينه والصابرين في هداه ، ولكن من يكفر فعليه كفره ويكون من الطواغيت الذين كفروا بأنعم الله ، وإن من يثبت وثبت مع النبي وبعده مع أئمة الحق الشاكرين ، يشكره الله وسيجزي الله الشاكرين الذين يودون الشاكرين فيهوهم ويحبوهم ويحبون دينهم ويوده ، وبتعاليمهم يطيعون الله وينفقون على من تولى الشاكرين ، وينشرون دينه بكل وجودهم سيرة وسلوكا وعلما وعملا بما علمه الشاكرون ، ومقتدين بهم ومتأسين ، ولم ينقلبوا عن دين الله الديان الذي يشكر به ، والذي هو عند أئمة الدين الشاكرين للشاكر العليم ، وهذا ما أمرنا به الله وعلمنا به الشكور ونبهنا له إذ قال :

{ وَمَا محمد إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا

وَسَيَجْزِي الله الشاكريــنَ (144)

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُؤَجَّلاً

 وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَ

وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشاكرينَ (145) } آل عمران.

وبهذا الطريق البين يشكر الله الشكور : العبد ، وبه يعبد الله حقا ويذكره كما يحب ، وبقلب مسلما للحق من هداه الذي يشكر من يطيعه به ، وهو مذعن للحقيقة من تعاليم الديان سبحانه ، فيقيم دينه بصراط مستقيم حتى يشكره الله الشكور ، فتُزاد الحسنات ويشكر السعي ويغفر كل ما يمنع من رضاه العظيم وملكه المقيم في النعيم في يوم الدين ، وهنا يوفق الله العبد للتوبة إن كان حقا يطلب الله بسعي جدي غير مرائي ولا كاذب كما عرفت في النور السابق .

 وهذا المعنى نفسه عرفه الله في معارف أخرى : وهو لمن بقي مع نبينا ومحب له بعده وحفظه بحفظ أهله ودينه الذي علموه فتعلمه منهم ، ولم يعادي ذرية أنبياء الله محمد وإسماعيل وإبراهيم الطيبين الطاهرين وأئمة الحق للمسلمين ، بل حبهم وودهم ولم ينقلب عليهم ، وبهذا عرفنا سبيل كل الأمم الذين أمرهم الله بأتباع الحق والانصياع لدينه الواقعي من معلميه الصادقين ، والذين عرّف صدقهم بكثير من المعجزات ، وبفطرتهم الطالبة للكمال الحق من الكاملين في سيرتهم وسلوكهم وعلمهم ، فقال سبحانه من شكور لطيف عظيم شافي :

{ أَلَمْ تَرَى أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَــــكُــورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ

وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا  لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئً

 إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ

فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ (33) } لقمان .

وهذا كان قانون عام : في تعريف ضرورة شكر الله الشكور بدينه الحق ممن اصطفاهم ، فورثهم كتابه وسبقوا بالخيرات في تعليم دينه الله وتطبيقه ليشكر به حقا ، وإنه خسر من كفر أنعم الله وأنقلب عن دينه فعلم غير شرع الله في كل زمان كان ، فلم يتبع الحق وغر بدين من أغراهم وغرهم المنقلبون ، وبقي من رجع للحق من دين الله ولم يغتر بدين الآباء أو المجتمع ، بل طلب دين وشرع الله الشكور الحق فشكر الله به واقعا كما علموه ولذا قال الشكور :

{ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا

وَاعْتَصَمُوا بِالله

وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمً (146) مَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ

 إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ الله شاكرا عَلِيمً (147) } النساء .

وعرفت إن العصمة تكون بإمام حق منصوب من الله : والله هو العاصم بمن عرّف فضلهم وشكرهم فعرّف دينه عندهم ، وإلا المسلمون اختلفوا في شرع الله وكلا يعرف رب مختلف عن الآخر في شؤون عظمته ، فضلا عن دينه وشرعه ، وأنت أمامك دين الراسخون بعلم الله وأئمة الحق السباقون بالخيرات الذين شكرهم الله وأنعم عليهم بهداه الذي شكروه به حقا .

ولذا طلب منا في سورة الفاتحة : أن نستعين به بحق فنبحث بجد واجتهاد عن معارف أئمة الحق ، فنشكر الله بدينهم الحق ، ليشكر سعينا ، ونكون بحق شاكرين ، وقد شكرنا الله بما يحب ، فيشكرنا بملك عظيم في الآخرة بل هنا فيوفقنا ، لا مجرد الجد في العبادة بأي دين وتعليم لمجرد علمها من كان ضال وتبعه الآباء أو رأى النبي وأنقلب وغرته الدنيا وزينتها فطمع بالملك وتبع أئمة الضلال يوعظ لهم بالقياس والرأي ، وبكل ما يشجعه لأن يكون إمام لهم ولمن تبعهم فصار إمام مخالف لأئمة الحق ولتعاليم الله ، فإنهم مهما كانوا لا يغنون من الله شيء إن كانوا لم يعرفوا شرع الله حقا من المنعم عليهم ، والذي عرف الله الشكور فضلهم الكبير وجعلهم أئمة دين صادقين مصدقين عرفهم بكل سبيل .

وإن الله الشكور : لا يرضى بشكره بدين من أضلهم المنقلبون عن دين الله ، وعن معارف منحرفة عن شرع أئمة الإسلام الذين شكر الله سعيهم ، وإن شكر الله فقط لمن ودهم فشكره بدينهم ، وبهذا يظهر نور الغفور الشكور ، وبهذا يتجلى الغفور الشكور لمن يؤمن به وبدينه وشرعه وسبيله وصراطه المستقيم حقا من المنعم عليهم فيعمل صالحا به ، ولذا من كان مخلصا مستعينا بالله معتصما به بما عرفه من سبيله وصراطه المستقيم عند المنعم عليهم ، يكون قد شكر الله والله يشكره ، وإلا يكون ممن قال الله الشكور يحكي عن عدوه في قوله :

قال فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ

وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرينَ (17) قال اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) }الأعراف .

وقال الله تعالى :{ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)

 بَلْ الله فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشاكرينَ (66)} الزمر .

 ويا طيب : عرفت سبيل شكر الله وشرعه الذي يشكر به ، وأنت مخير لا إكراه في الدين وما يشكر به الشكور ، وهذا إشراق أخر لشكر أئمة الحق للشكور بالحديث ، ثم نذكر معارف الشكور لنتيقن ظهور الشكور فيهم حقا .

 

 

 

الإشراق الرابع :

شكر الله للنبي وآله في الدنيا والآخرة وشكرهم له :

يا طيب : إن ما يشكر به الله الشكور لنحصل على شكره ، يجب أن نقيم دينه الحق ، فهو ديان يدين كل إنسان بحسب شأنه في طلبه بوجوده و بهداه ، فمن كان مستعد له بما علمه وهداه فهو يشكره ، ويمكنه من ملكه العظيم اللطيف الشافي في الدنيا كتاب وحكمة فيجعله عالما بشؤون عظمته ودينه ، بل معلما له وظاهرا به بكل وجوده وتصرف له ، فيقيم دين الديان الشكور وهو يشكره حتى يشفي غليله بما يحب من الكرامة والمجد والجود عليه وبملك عظيم لا يوصف حتى يرضى ، فتكون آخر دعواه أن الحمد لله ولا حمد بعده ولا شكر يمكن أن يذكره أكثر من هذا ، لعجزه عن شكر الله وحمده بما هو أهله ، بل حتى شكره يكون بفضله وتفضيله حين الظهور بدينه وإقامة عبوديته أو حين الإيمان به وتعلم هداه أو في ثوابه في الدنيا والآخرة بالكرامة لهم بتوفيقهم لشكره .

وكل من كان مقيم لدين الله بأحسن توجه له : وأخلص عبودية يكون هو الشاكر الأكثر والأفضل ، وهذا ما حكاه الله عنى نبينا وآله وجدهم إبراهيم وغيرهم من الأنبياء ، وبهذا طلب منا أن نتعلم دينه منهم فنشكره بمثل شكرهم ، ولذا كان علينا ودهم وبهداهم ودينهم نعمل صالحا يرضاه فيشكرنا عليه كما عرفت في تعليل آية المودة التي هي أجر تعليم الدين والظهور به بالاسمين الكريمين الغفور الشكور ، بأن يصلح وجودنا وينعم عليه بنور الأسماء الحسنى حسب توجنها له بصراطه المستقيم وحسب استعانتنا به حقا بطلب دينه والتحقق به نستعد لنور شكره فيظهر فينا .

وقبل أن نذكر : أحاديث كريمة تعرفنا أهمية الشكر وخصائصه ، نذكر بعض أحوال نبينا وآله ، ولنعرف شيء من شكرهم لله وشكره لهم ، ثم نذكر تعاليمهم في الشكر لله ، بعد أن تعرفنا في الإشراق السابق كيف ظهر شكر الشكور سبحانه فيهم .

يا طيب : إن عبادة نبينا الكريم : حكاها الله في كتابه المجيد في كثير من الآيات التي تعرف شأنه العظيم ، وأنه كان في كل أحواله كان مخلصا لله ولا يسعنا ذكر كل أخلاقه وعبادته ويكفي أن تراجع صحيفة النبوة لتعرف بعض أحواله ، ويكفي أن نذكر إن حقا يخشى الله وهو أعلم إنسان في الوجود بدينه الله الشكور وتعليمه والظهور به حتى شكره الله وعرج به لأعلى مراتب الملكوت حتى شجرة المنتهى وشاهد أعظم ملكوت الرب في الدنيا قبل الآخرة ، ويكفي لمعرفة عبادة نبينا ما ذكروا من أن :

 نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : إذا قام إلى الصلاة سمع لخوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدة البكاء ، و قد آمنه الله تعالى من عقابه فأراد أن يتخشع ، و قام على أطراف أصابعه عشر سنين حتى تورمت قدماه ، و اصفر وجهه من قيام الليل ، فأنزل الله تعالى :

طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.

و كان صلى الله عليه وآله يبكي حتى يُغشى عليه ، فقيل له : أ ليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر .

 قال : أ فلا أكون عبدا شكورا . و كذلك كانت عبادة وصيه عليه السلام في مقاماته[3] .

وهذا هو شكر الله على هداه ونعيمه : بإقامة دينه والتوجه له مخلصين له الدين وعرفت حال النبي وتعظيم الله ومدحه في كثير من الآيات ، بل مدحه في آله وشكر سعيهم في سورة الدهر وفي آيات النور والبيوت المرفوعة بذكر الله أو آية الولاية للإمام علي وإيتاء الزكاة في الركوع وغيرها ، وما ذكر عن آله تجده في صحفهم إن شاء الله ولكن نذكر بعض الحالات عن عباداتهم ، ونبدأ بعبادة الإمام علي وحاله في التوجه لله ، لتعرف أئمة الحق وشكرهم ليكونوا لك قدوة في معرفة الله الشكور وظهوره في الشاكرين حتى شكروه بأحسن وجه ممكن .

 

 

الإشعاع الأول :

حالات من ظهور  الشكور في الإمام علي وشكره لله :

يا طيب : كان نبينا رحمة للعالمين وسراج منير يُريهم دين الديان وكيفية شكره ، وعرفنا حالة له وقد شكره وآله الله الشكور سبحانه بكل نعيم نشره في هداه لهم وبهم ، وما ذكره من تعريف مناقبهم وفضائلهم وتمكينهم من الظهور بها ، وعرفت حالة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .

وهذه حالات لتلميذه و وصية وخليفته إمام الحق : علي بن أبي طالب صلى الله عليه وآله وسلم ، لنعرف أئمة الحق الشاكرين الظاهر بهم اسم نور الشكور ، وذلك لنقتدي بهم متيقنين ونتعلم منهم سبل شكر الله وإقامة دينه الذي يشكر به بعد نبي الرحمة ، ونتوق لمعارف عبودية الله منهم بعد نبي الرحمة لأنهم أئمة حق ، وقد خالفهم الناس في كيفية شكر الله وإقامة دينه في كثير من الأحكام ومعارف شؤون العظمة .

والله الديان الشكور : دينه واحد قد نزل من الواحد الأحد ولا يشكر إلا ما يرضاه من الدين ذو الصراط المستقيم من هدى المنعم عليهم حقا ، وشكر سعيهم وعرف شكره لهم وعرفوا شكرهم له بكل وجودهم ، وقد عرفت بعض الآيات الخاصة بهم وهذه حالات عملية في سيرتهم ، تشرح ما عرفنا من فضلهم ومناقبهم وسبب شكر الله لهم ونشر فضائلهم وتعريفهم بالإمامة والولاية ، واختياره لهم بعد نبيه وظهور شكره فيهم ولهم ولمن ودهم وحبهم وهوى للتعلم منهم ، فتابع أحوالهم واقتدى بهم ورضي بدينهم وتعبد لله به وشكره به .

 فهذه يا طيب : بعض الحالات لآل النبي ونذكر بعض من مظاهر الشكور في الإمام علي عليه السلام فتدبر وأعرف إمامك الحق وأشكر الله بدينه ، وأهجر كل ما يخالفه فإنه لا شكر فيه ولو تعبد ألاف السنين به فقد ورد :

عن محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال :

و الله إن كان علي عليه السلام : ليأكل أكل العبد ، و يجلس جلسة العبد ، و إن كان ليشتري القميصين السنبلانيين فيخير غلامه خيرهما ، ثم يلبس الآخر ، فإذا جاز أصابعه قطعه ، و إذا جاز كعبه حذفه .

و لقد ولى خمس سنين : ما وضع آجرة على آجرة ، و لا لبنة على لبنة ، و لا أقطع قطيعا ، و لا أورث بيضاء و لا حمراء ، و إن كان ليطعم الناس خبز البر و اللحم ، و ينصرف إلى منزله و يأكل خبز الشعير و الزيت و الخل .

 و ما ورد عليه أمران : كلاهما لله رضى ، إلا أخذ بأشدهما على بدنه ، و لقد أعتق ألف مملوك من كد يده تربت فيه يداه ، و عرق فيه وجهه ، و ما أطاق عمله أحد من الناس ، و إن كان ليصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة ، و إن كان أقرب الناس شبها به علي بن الحسين ،  و ما أطاق عمله أحد من الناس بعده .

و سمع رجل من التابعين أنس بن مالك يقول : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب عليه السلام :

( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ) .

قال الرجل : فأتيت عليا عليه السلام لأنظر إلى عبادته ، فأشهد بالله لقد أتيته وقت المغرب ، فوجدته يصلي بأصحابه المغرب ، فلما فرغ منها جلس في التعقيب إلى أن قام إلى عشاء الآخرة .

ثم دخل منزله : فدخلت معه ، فوجدته طول الليل يصلي و يقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر ، ثم جدد وضوءه و خرج إلى المسجد ، و صلى بالناس صلاة الفجر ثم جلس في التعقيب إلى أن طلعت الشمس ، ثم قصده الناس فجعل يختصم إليه رجلان ، فإذا فرغا قاما و اختصم آخران ، إلى أن قام إلى صلاة الظهر ، قال : فجدد لصلاة الظهر وضوءه ثم صلى بأصحابه الظهر ، ثم قعد في التعقيب إلى أن صلى بهم العصر ، ثم أتاه الناس فجعل يقوم رجلان و يقعد آخران يقضي بينهم و يفتيهم ، إلى أن غابت الشمس .

فخرجت و أنا أقول : أشهد بالله أن هذه الآية نزلت فيه [4] .

 

وعن أبيه الربيع بن يونس حاجب المنصور ، و كان قبل الدولة كالمنقطع إلى جعفر بن محمد عليه السلام ، قال : سألت جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام على عهد مروان الحمار ، فقلت : يا سيدي أخبرني عن سجدة الشكر التي سجدها أمير المؤمنين عليه السلام ما كان سببها ؟

فحدثني عن أبيه محمد بن علي ، قال حدثني أبي علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال :

إن رسول الله صلى الله عليه و آله : وجهه في أمر من أمره فحسن فيه بلاؤه ، و عظم فيه عناؤه ، فلما قدم من وجهه ذلك أقبل إلى المسجد و رسول الله صلى الله عليه و آله قد خرج لصلاة الظهر ، فصلى معه ، فلما انصرف من الصلاة ، أقبل على رسول الله صلى الله عليه و آله فاعتنقه رسول الله صلى الله عليه و آله ، ثم سأله عن سفره ذلك و ما صنع فيه ؟

فجعل علي عليه السلام يحدثه و أسارير وجه رسول الله صلى الله عليه و آله تلمع نورا و سرورا بما حدثه ، فلما أتى علي عليه السلام على حديثه .

قال له رسول الله صلى الله عليه و آله : أ لا أبشرك يا أبا الحسن ؟

 قال : بلى فداك أبي و أمي ، فكم من خير بشرت به .

قال : إن جبرائيل عليه السلام هبط علي في وقت الزوال . فقال لي :

 يا محمد ، هذا ابن عمك علي وارد عليك ، و إن الله تعالى أبلى المسلمين به بلاء حسنا ، و إنه كان من صنيعه كذا و كذا ، فحدثني بما أنبأتني به ، ثم قال لي :

 يا محمد ، إنه من نجا من ذرية آدم بالله عز و جل ، فنجا من تولى شيث بن آدم وصي أبيه آدم ، و نجا شيث بأبيه آدم ، و نجا آدم بالله عز و جل ، و نجا من تولى سام بن نوح وصي نوح ، و نجا سام بأبيه نوح ، و نجا نوح بالله عز و جل ، و نجا من تولى إسماعيل أو قال إسحاق وصي إبراهيم خليل الله ، و نجا إسماعيل بأبيه إبراهيم ، و نجا إبراهيم عليه السلام بالله عز وجل، ونجا من تولى يوشع وصي موسى بيوشع، ونجا يوشع بموسى، ونجا موسى بالله عز وجل، ونجا من تولى شمعون وصي عيسى بشمعون ، ونجا شمعون بعيسى ، ونجا عيسى بالله عز وجل ، ونجا يا محمد من تولى عليا وزيرك في حياتك ، و وصيك عند وفاتك ، و نجا علي بك ، و نجوت أنت بالله عز وجل .

يا محمد : إن الله جعلك سيد الأنبياء ، و جعل عليا سيد الأوصياء و خيرهم ، و جعل الأئمة من ذريتكما إلى أن يرث الله الأرض و من عليها .

 فسجد علي عليه السلام : و جعل يقلب وجهه على الأرض شـكــرا[5] .

فيا طيب : هذا شكر الإمام علي لله الشكور في زهده وعبادته وجهاده وشكره بتقليب وجهه على التراب شكرا لله ، لعلم الله الشكور به أختاره إمام حق وحليفة صدقه بنشر فضله ومناقبه في كل قوة وشجاعة وعبادة وعدل ظهر به شاكر لأنعم الله في كل سيرة وتصرف به ، وبهذا يعرف شأن أئمة الحق فيقتدى بهم ، ونتيقن إنهم لإخلاصهم لله الشكور ، شكرهم الله الشكور وعرف وبين ونشر فضلهم بأحسن وجه سواء في كلامه في كتابه المجيد أو في كلام نبيه وتعريفه ، وهذا في حال كان مع النبي ، وعرّفه حاله فيما يكون عليه بعد سنوات من وفات النبي الأكرم .

وبهذا نعرف إخلاص إمام الحق وآله : في كل الأحوال ، وشكرهم لله الشكور في أصعب الظروف فضلا عن صبرهم ، بل جعلوا موارد الصبر شكرا حتى في العسر ومداولة للأيام ، وبهذا نعرف أهمية حكمة الله في عباده فنصبر ونشكر الله على البلاء وفي كل الأحوال ، و لا ننفر من قضاء الله وقدره حين البلاء ، فقد عرفت إن الحمد على حكمة الله فينا في كل حال وبالخصوص في النعم فضلا عن البلاء ، والشكر من الشكور الرضا بما قضى الله والفرح به لأنه به أجرا عظيما ، وهذا مورد كريم للإمام علي يعرفنا شكره لله الشكور على كل حال :

فعن علي بن صالح المكي ، عن