هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / أدلة التوحيد ومراتبه

 الباب الخامس
تجلي الأسماء الحسنى الإلهية  بمراتب الوجود وغرضه وغايته وكيفية التحلي بنورها

الذكر الثاني

خلق الله وأنواع نور فعله سبحانه في مراتب الوجود وغايته

النور الأول

نور الأسماء الحسنى المتجلي في مراتب الوجود

يا أخي المؤمن : ويا حبيب الله ورسوله وآله الطيبين الطاهرين وكل المؤمنين ، بعد ما متعنا أرواحنا وصفت نفوسنا في حقيقة معنى الإيمان بالله تعالى وتوحيده ، وعرفنا شيء عن أسمائه الحسنى تعالى وكيف تجليها بالعدل والإحسان حسب شأن كل موجود .

 فتعال معي يا طيب : لمعرفة مراتب فعل الله تعالى في الوجود وكيفية تجلت الأسماء الحسنى في الكون ، وما هي الغاية من الوجود الإمكاني على نحو الإجمال والاختصار ؛ فنتدبره معاً لعل الله ينفعنا به في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم ، فنقول :

 

الإشراق الأول :

عظمة الله وشأن الذات المقدسة وأسمائها للظهور :

يا طيب : عرفنا إن الله واحده له الأسماء الحسنى الصفات العليا حقيقة ومعنى ، وإن هذه العظمة والكبرياء والمجد والبهاء والإحاطة وظهور وبطون الأسماء الحسنى بالعدل والإحسان ، لابد أن يكون لها ظهور وحقيقة متجلية قادرة على الخلق والإبداع كما عرفت في مراتب التوحيد لا إنها معاني فقط ، بل هي عين الواقع نور وجود العظمة والبهاء هناك في المرتبة العليا للذات المقدسة وبركاتها في الخلق والكون المجعول بفضل تجلي نورها وظهور ، لأنه عرفت في الأبواب السابقة ضرورة الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء ومربيه وهادية لأحسن غاية له وكمال يستحقه ، ولنعرف هذا نتذكر بعض معاني العظمة لنور الله تعالى وحقائق الأسماء الحسنى ثم نذكر مراتب ظهور الكون وتجليها فيه .

يا أخي : إن أس البحث وحقيقته ، إنه تعالى وتقدس وجود عظيم و كبير غني بنفسه ، وعليم وقدير ، وخبير حكيم ، وهو عين العدل وفيض الإحسان ونور البركة والبهاء والسناء والخير ،  وواسع فوق حد التصور والإحاطة ، وله مثل ما عرفت من الأسماء الحسنى والصفات العليا ، وله كل كمال وجمال وجلال ، وغير متناهي وغير محدود في وجوده ولا في علمه ولا في قدرته ، ولا في غناه ولا في حُسن وسناء وبهاء ونوره ؛ فإنه لابد أن يكون هذا الوجود الأحد الفرد الصمد العلي العظيم فياض في ذاته متجلي في وجوده من غير جبر وقسر وإكراه من أحد ، ولابد أن تظهر كمالاته وتفيض وأسماءه الحسنى وتتجلى صفاته العليا فيتكون الكون ويوجد الوجود وكل هدى ونعمة وخير وبركة فيه .

فإنه الله سبحانه وتعالى : فعال لما يريد ولا يتعبه عمل ولا ينصبه فعل ، ولابد أن يظهر أسمه العليم والقدير والخالق والمدبر والهادي والعدل الحكيم الحي الغني المنير ، وكل كمالاته الحسنى بل كل جمال وبهاء للأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، وبهذا نعرف ما ينتزع منها من معاني بعد الخلق والفعل الإلهي .

 فلذا على الحقيقة : هو وحده لا شريك له كان كل شيء من الوجود ومن بركات فيضه ومن نور تجلي كماله في الوجود كله تكوينا إبداعيا وهدى حتى يوصل كل شيء بما يناسبه لأحسن غايته ، وبعد أن يضعه في شأنه المناسب له حسب علمه تعالى ، وإنه لا غيره تعالى ولا شريك له في الوجود حتى يمكنه فعل مثل فعل الله ، فضلاً من أن يؤثر فيه ويفيده وجود أو كمال أو صفه ، وفضلا من يجبره على فعل من أفعاله تعالى ، وفضلاً من أن يمنعه عن الفعل أو يحد فعله ويزاحمه في الوجود ، فلذا لا يوجد شيء في الكون إلا وفق أحسن صورة وأتقن هدى وأحكم غاية ممكنة بل متصورة .

كما أنه لا موجود في الوجود : يمكنه أن يخرج عن قدرت الله تعالى ويفعل بالاستقلال من غير إذنه ، بل كل موجود فعال بالإرادة أو غير فعال بالإرادة وبطبعه يستمد القدرة على فعله منه تعالى ويستفيد من سناء أسماءه وفيض جماله تعالى .

وعلى هذا : لا يوجد فاعل في الوجود مستقل في فعله إلا الله تعالى وحده ، وكل موجود يستمد العون والمدد والفيض والتجلي منه تعالى ، بل لا يفعل موجود إلا بإذنه تعالى وبالقدرة المستمدة منه .

وإذا عرفنا : ضرورة تجلي نور العظمة الإلهية للأسماء الحسنى في الوجود ، وإنه لابد من تكوين الكون لأن نور عظمته في وله كل كمال ، ويكون نقص في الكمال عدم ظهور هذا الخلق المطيع في كل مراتب الوجود المتنور بنورها ، بل حتى ظهور الجلال والعظمة لابد أن يظهر بالعدل والإحسان لمن يستحق ، وإذا عرفنا بعض المعرفة لبعض علل ضرورة تجلي الأسماء الحسنى الإلهية في مراتب الوجود ، نذكر بعض مراتب الوجود الواجب والإمكاني باختصار حتى تأتي صحيفة العارفين إن شاء الله ، وبعده ندخل في معرفة غاية الوجود وما يجب علينا فعله لنكتسي بنور الأسماء الحسنى بكل بهاء وكمال وجمال ونعيم أبدي خالد إن شاء الله  .

 

الإشراق الثاني :

مراتب الكون الظاهر ببركة تجلي الأسماء الحسنى :

يا طيب : بعد إن عرفنا ضرورة تجلي الأسماء الحسنى الإلهية فنذكر معرفة مختصرة ، ونسير بها صعودا من عالمنا حتى الأسماء الحسنى ، وذلك لكي نأنس ظهور الوجود وعظمته ومراتبه ، ولا نستغرب من ظهور الكائنات العليا ومراتبها الشريفة التي فيها كل كمال وجمال بما لا يوصف ، فضلا عن إمكان وصف خالقها سبحانه وتعالى ، وإن أنست به أتلوه مرة أخرى نازلا في المراتب وراجعا في التدبر بالبحث حتى تصل لعالمنا ، وأما البحث في مراتب الوجود وإنها كم مرتبة وكيف ترتبط به تعالى ، فهو بحث عميق قسم منه يتعلق بعالم الغيب والأخر بعالم الشهادة ، وعرفت إن شاء الله يكون التوسع به في صحيفة العارفين ، وفيه معارف أخرى كريمة في الجزء الثاني لصحيفة الكاملين في شرح الأسماء الحسنى فتدبر الجزء الآتي ، وخلاصته هنا من أدنا العوالم وأسفلها :

 

الإشعاع الأول : مرتبة عالم الشهادة :

عالم الشهادة : هو عالمنا المادي بسماواته وأرضينه وما بينها من المجرات وشموسها والكواكب والنجوم الموجودة فيها ، و التي قد يبتعد بعضها عن كوكبنا الأرضي ملايين السنين الضوئية ، وهي كلها تحت السماء الدنيا من السماوات السبع التي تعلوها ، والسماوات السبع  بمجموعها وبما فيها من المجرات وسكانها في أسفل العوالم في سلسة مراتب الوجود ، ثم أن هناك عوالم الغيب فوق علمنا المادي وأعلى منه رتبة في سلسلة ومراتب الوجود وأقدم منه في التكوين ، ومن يتكامل في عالمنا يذهب لذلك العالم الغيب في محل الكرامة فيه .

وأما عالم الغيب الذي هو فوق : عالمنا المادي المشهود فعلا ، وغير المشهود منه والذي نعرفه أو لم نصل لمعرفته بعد من أسرار الكون ومجراته الغير مكتشفة ،  فهو أي عالم الغيب : أعلى من عالمنا في رتب الوجود ، ومحيط بعالم الشهادة أي عالمنا المادي ، ومنه تأتينا بركات فيض الله حسب السلسلة التي قبله والعالم الذي قبل عالمنا ، ولنعرف هذه العوالم أنظر إشعاع النور الآتي .

 

الإشعاع الثاني : مرتبة عالم الملكوت :

عالم الملكوت : وهو عالم الأنفس والأرواح ، وهو عالم مجرد عن المادة أي ليس عالم مادي وإن كان له هيأة المادة وشكلها ، وهو الذي فيه البرزخ و الجنة والأرواح المتوفاة والملائكة في الجانب العلوي منه ، وهو عالم القدر والكرسي ، وهو محيط بعالمنا المادي ، ومهيمن عليه بإذن الله وهو واسطة الفيض الإلهي لعالمنا .

 كما ويوجد عالم سفلي لعالم الملكوت ، و فيه النار و أرواح الكفار والمنافقين والشياطين وهو عالم ضيق وفيه مراتب أشدها نقص أهل التابوت ، وإن حقيقته هو أسفل من عالم الشهادة وإن كان في ملكوت الغيب لكنه النازل الذي لا يصله إلا نور محرقة مظلمة من الأسماء الجلالية المختصة بالقهر والشدة والانتقام والتعذيب لمن لم يأخذ نور الله الجمالي ويتعصى عليه في عالم الشهادة .

كما ذكروا ويستفاد من الأحاديث : أن فوق علم الملكوت التام بالنور وفوق أعلى درجاته ، والذي يختص بالمؤمنين والطيبين المتجلية فيه الأسماء الحسنى الجمالية المفيضة لكل كمال وحسن بهاء كما عرفت ، وفيه جنة كثير من الأرواح الطيبة المؤمنة ، العالم الآتي :

 

 

الإشعاع الثالث : مرتبة عالم الجبروت :

عالم الجبروت : أعلى من عالم الملكوت ومحيط به ، وهو عالم النور ، وهو عالم عرش الرحمن ، وهو عالم العقول المجردة عن المادة وهيئتها ، وهو عالم القضاء الإلهي ، ويسكنه الملائكة المقربون والكروبيون ، وهو عالم النور الأول ونون والقلم واللوح المحفوظ ، وهو مهيمن على علم الملكوت وعالمنا والله من ورائهم محيط .

 

الإشعاع الرابع ولخامس : مراتب نور الأسماء الحسنى الإلهية :

يا طيب : إن فوق علم الجبروت وعلته عالم واجب الوجود غير كائن ولا مخلوق ، ولا كثرة فيه بالمصداق ، وهو نور واحد وتجلي فارد ، و فيه تجلى كل كمال وجمال أبدي وأزلي ، وبطن فيه كل قهر وجلال ، وهو ظاهر في بطونه وباطن في ظهوره ، وهو مرتبة الأسماء الحسنى الإلهية ، وإن كثرها المفهوم لبعض أوصاف نور تجليها الظاهر ، وهو محيط بالجبروت والملكوت والشهادة ومنها يتنزل بركات الله تعالى ، وإن فوق عالم الجبروت .

علم الواحدية : والمقصود به عالم أول ظهور للأسماء الحسنى الإلهية وحقيقتها ، وهو فوق عالم الجبروت ومنه ظهر كل شيء بهاء ونور وسناء ، وفوقه وأعلى منه وإن كان متحد معه .

عالم الأحدية : هو ظهور عالم الاسم الأعظم الله المتوحد البسيط وتبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام ، وعنده ينقطع الكلام لا يُعرف فضلا من أن يحاطة علما بمرتبة العالية ، وهو بحقيقته المعبر الأول عن الذات المقدسة لله سبحانه وتعالى العزيز الجبار المتكبر الذي له الأسماء الحسنى ، وأولها تجليا بالعدل والإحسان في كل مراتب الجمال والجلال والظهور والبطون على حد العدل والاستواء ، وبأمره تظهر الأسماء الحسنى في الوجود وهو الاسم الأعظم الله .

وعرفت يا طيب : أنه لا يمكن أن نعرف الذات المقدسة فوق ما عرفنا من تجليها في مراتب التوحيد في الباب الثالث والرابع ، وإنه الإيمان بالمجد والعظمة المتجلي منه تعالى ، فيظهر ما عرفنا من مراتب النور الإلهي من حقيقة اسم الله الأعظم ثم تجلي نور الأسماء الحسنى ، ثم يبدأ التكوين والخلق في الجبروت والملكوت وعالم الشهادة ، ويظهر نور الكون كله بهاء وسناء بالعدل والإحسان ، وبه تتم كلمة ربك صدقا وعدلا لا بمدل لكلماته ، ومعارفه العالية في الصحف الآتية للتوحيد ونكتفي بهذا ، وندخل إشراق الإحاطة له تعالى على كل شيء .

 

 

الإشراق الثالث :

العوالم قائمة بنور الله ومدده المتجلي والمحيط بها :

 يا طيب : إن بما عرفنا من هذه العوالم ومراتبها ، نعرف إن بينها علاقة علية ومعلولية ، ولذا صارت مرتبة أعلى من مرتبة ، وإن العالية أشرف من السافلة وفوقها في المرتبة ، وإنها سبب لها ومسببة للأعلى منها ، حتى ينتهي الأمر لله الواحد الأحد الفرد الصمد والعالم القدير الحكيم الخبير العدل القهار .

 ولذا صار يا طيب : بعض المراتب محيط ببعض ، العالي محيط بالنازل منه ، والله محيط بهم ، وممد لكل مرتبة وكائن فيها ، وجوده ونعيمه وهداه والقدرة على الفعل والفيض والتجلي والظهور بالعالم النازل عنه ، لأن العالم السافل لا يطيق فيض الله مباشرة ولا يسعه ظرفه ولا له القدر على تحمل نور الله العظيم بالمباشرة حسب شأنه ، لا أنه نقص في فعل الله وقدرته .

ولكن شاء الله سبحانه : أن يجعل لكل شيء سببا ، ولكل معلول علة ، وهو تعالى مسبب الأسباب وعلة العلل ، ومنه المبدأ وإليه المنتهى ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، وتعالى الله عن الأفعال المادية بنفس وجوده الكريم ، بل تعالى وتقدس عن أفعال الملكوت والجبروت وعن كل العوالم .

فتبارك اسم رب ذو الجلال والإكرام : الذي قهر كل شيء ، ومنه فاض الوجود بجميع مراتبه ، وبعدل القضاء وبتقدير محكم بالإحسان من الرب المنان يتنزل ويظهر نور اسم الله الأعظم في الأسماء الحسنى حسب العلم الأزلي ، فيظهر تجليها بأنور كمال في عالم الجبروت وبما عنده من القدرة والاستطاعة والعلم ، ويستفيد منه بعده أي عالم الملكوت ، كل شيء بحسب رتبته وبما فيه من الكائنات وشرفها في درجاته وكل نعيم وهدى لها ، ومنه بعده يأتي عالمنا عالم الشهادة بكل مجراته وكواكبه ومجموعتنا الشمسية والأرض التي نحن فيها بما في ذلك الإنسان وما سخر الله له من نعم الكون ليترقى في مراتب المجد والنور والبهاء والكمال ، ويحصل إن استعد وتهيأ لكل كمال حتى يصل لغايته في عز المجد والعظمة ، فإن هذا معبر عن حقيقة ظهور ، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين .

فإنه يظهر الوجود بظهور حقيقة اسم الله الغني الرحمن : المتصف بكل الأسماء الحسنى والصفات العليا بأعلى كمال وبعموم الفيض ، فيتجلى فيوجد بالعدل نور الأسماء الحسنى أزلا أبدا ، ثم يظهر الكون كله منها بكل أفراده .

وأما اسم الله الرحيم : فهو بالتجلي الخاص على من يستحق ، وبالعناية يعطي لمن يشاء الإحسان وحصلت له القابلية نور فيضه ، فهو رب العالمين يربيه ويصله لغايته وبما يمده من رحمته وعن دقة اعتناء بما يستحق حاله ومقاله وغايته وسبب خلقته ومحله وزمانه وسعته ، وبالخصوص في الملك الخالد في يوم الدين الذي هو الفيض الأكبر للمؤمن والحرمان للمتعصي عن قبول رحمته فكان من المغضوب عليهم الضالين أبعدنا الله منهم ، ولذا يجب في كل حال علينا أن نستعين به ، ويجب أن نطلب العون منه ، وبالخصوص على الهداية التي هي أس جلب الفيض ، وسيأتي تدبر ظاهر في سورة الفاتحة  ـ سورة الحمد ـ فأنتظر .

فتحصل يا طيب : إن جميع العوالم : عليها وسافلها غير مستقلة بوجودها عنه سبحانه ، والله تعالى قيوم عليها ، وهو ممدها في وجودها في كل لحظة ، ومفيض عليها وجودها في كل آن ، ومن سببها الخاص الذي أقدره على الظهور بها ، ولو قطع فيضه ومدده عنها لفنيت وعدمت .

وعليه يا طيب : نعرف إنه تعالى لم يكن قد فرغ من الخلق وأوجد الوجود وأنعزل عنه مثل البناء للبناء ، فيبقى الحائط والجدار بعد البِناء وموت البناء ، بل سبحانه بالنسبة لخلقه مثل : الشمس للنور بل هو النور المحيط بكل شيء في الوجود وإن كان له شأنه العظيم من غير مماسة ، أو فقل مثل : النار للحرارة والكهرباء للمصباح ولكن من غير انعزال ، بل هو مثل الروح بالبدن سيطرة تامة بل هو واهب الروح والبدن وأقدرها عليه وعلى كل تصرف باختيارها فيه ، بل هو سبحانه محيط بالوجود وملكه له ملك حقيقي أقوى وأشد من ملكنا لأعيننا ومن سيطرتنا على أعصابنا وأعضائنا وجوارحنا : أي أرجلنا وأيدينا وبصرنا ونظرنا ولساننا .

 بل هو سبحانه : ما أعظم شأنه أقرب إلينا من حبل الوريد ومحيط علينا ، وأقوى منا على إرادتنا من إرادتنا لأفعالنا ، وقد يحول بين المرء وقلبه ، وإذا قطع فيضه وتجليه عن موجود يفنى وينعدم ، وإذا منع كرمه وفضله عن موجود ينقص من نوع جهة المنع .

ويا طيب : قد تعرضنا لقسم من هذا البحث بأسلوب آخر في صحيفة الإمام الحسين عليه السلام فراجع ، وسيأتي بحث أكثر تفصيل إن شاء الله في صحف التوحيد للأسماء الحسنى فاسأل الله لنا التوفيق ولكم ، إنه ولي حميد سميع بصير .

وإما بحث الجبر والتفويض : والاختيار والإكراه في فعل الإنسان والتكليف والثواب والعقاب له ، والبحث في فعل الموجودات والخير والشر في الوجود ، فهي يبحث في صحيفة العدل الإلهي الأصل الثاني للدين وإن تذوقت حلاوته هنا بتجلي الأسماء الحسنى بالعدل ، فقد كتبنا منه مختصر بأسلوب أخر فإنه جميل لا يقل عن بحث التوحيد الذي به تطمئن النفس وترنوا لراحته الروح وتصفوا لمعرفته ولأنس به النفس ، فإن راقك هذا البحث فراجع ذلك في كتاب هذه أصول ديني وإن شاء الله نكتب صحيفة تامة في كل بحوث العدل الإلهي ، وستأتي بعض المعارف العامة في الذكر الآتي .

 

وهذه خطبة جامعة للإمام علي عليه السلام في التوحيد : مناسبة للبحث وإن ذكرنها سابقاً ولكن للذكرى فإن الذكرى تنفع المؤمنين :

( الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الاَُْمُور ِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ الظُّهُورِ ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ ؛ فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ ، وَلاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ ، سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلاَ شَيءَ أَعْلَى مِنْهُ ، وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ ،

فَلاَ اسْتِعْلاَؤُهُ بِاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ في المَكَانِ بِهِ .

 لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ ، ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ معرفةِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُود ِ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ ، تعالى اللهُ عَمَّا يَقولُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلوّاً كَبِيراً ! ) [1].

 

النور الثاني

غاية فعل الله سبحانه وغرض الوجود

 

إشراق يتقدم : جواب إجمال عن غرض الوجود وغايته :

يا طيب : لما أمنا بالله وعرفنا شيء عن أسماءه الحسنى من الاسم الأعظم وظهور أسماء الجمال والجلال الأزلية الأبدية ، وتجليها وظهور عالم الخلق وعالم الكون الفسيح في جميع مراتبة الكونية : من عالم الجبروت والملكوت وعالمنا المادي بسماواته ومجراته ، والذي هو أخر العوالم الكونية وأسفلها وما فيه من المجرات والكواكب المتباعدة بما قد يكون بملايين السنين الضوئية ، وما فيها من الخلق العجيب في السعة والعظمة والدقة والنظم المتقن الذي يدل على خالقه البديع والعظيم المكون الذي له الأسماء الحسنى . فلا كلام بعد الإيمان والتسليم لله تعالى في قضاء الله وقدره وإيجاده وتكوينه وخلقه بالعدل والإحسان .

 ولكن يقد يسأل الإنسان عن غرض الخلقة والوجود ، وما هي أهداف الكون وغايته ولماذا خُلق وإلى أين يسير ؟

وقد عرفت يا طيب : الجواب الأولي : هو أن الله تعالى بما له من الكمال والجمال يكون الخلق نتيجة وظهور لكماله وجماله ، وهو أثره سبحانه وتعالى ، وإن ما يظهر من الأسماء الحسنى في الوجود أو تجليها يظهر بالرحمة والجمال وإن بطن الجلال فيها ، وإن ظهورها بالعدل والإحسان حتى ينال كل شيء في الوجود نصيبه ، ويحصل على هداه حتى غايته بأحسن صورة ممكنة .

ولو لم يكن لهذه الأسماء الحسنى : ولهذا الوجود المتعالي خلق وأثر وفعل لكان نقص لظهور الكمال المطلق له تعالى ، وحرمان من تجلي وفيض ذلك الجمال العظيم وعدم الظهور للمراتب العالية وما لها من البهاء والنور والسناء في الخلق العالي ، بل حتى النازل ليرتفع في مراقي النور حين يستعد ويحصل على كماله بفيض نور هدى الله وشكره ورضاه ونعيمه الأبدي بصراط مستقيم .

وأما الجواب ووفق تفصيل أكثر : فإن غرض وجود الكون وبالخصوص الإنسان ، فالله تعالى خلقه بالحق ، وهو أعلم بغرضه وغاياته ، والله سبحانه وتعالى أشار في كتابه العزيز القرآن المجيد لغرض الوجود ، فنستفيد من القرآن لبيانه ، وبالخصوص الإنسان وغاية خلقته حتى نتوجه لأنفسنا ونطلب الله بمعرفة حقيقية صادقة وبجد وإتقان ورسوخ في الإيمان حتى اليقين .

وخلاصته : إن الله تعالى سخر للإنسان الكون وجعله في خدمته لكي يقيم لله تعالى العبودية التشريعية باختياره من غير إكراه ، وبجميع ما أنزل سبحانه من التعاليم الحقيقية حتى يصل لكماله ، وليسعد في أخرته ودنياه ، وليصل لرضا الله ونعيمه ويرتفع في عالم الملكوت الأعلى ، فيكون أبدا في جنة الخلد والنعيم الدائم ، وهذا كمال فيض وتجلي لابد من ظهوره ونعيم واقعا لا نقص فيه فلماذا الإباء عنه وطلب منعه عن الكاملين والمؤمنين الطيبين .

ومن أبى عن العبودية التشريعية فقد عصى الله ، بما جنى بنفسه يستحق عذابه ونكاله في الدنيا والآخرة ويتنزل إلى عالم الملكوت السفلي ونار الخلد .

وعلى هذا يأتي البحث : أيضاً في باقي الأصول الدينية والعقائدية الإسلامية من بحث العدل الإلهي في الخلق والثواب والعقاب وتفاوته ومقداره ، وضرورة وجود الأنبياء والأوصياء خصوصاً بعد ختم النبوة لتعليم الناس معالم دينهم ، وليصلوا لحقيقة العبودية المرضية لله تعالى ، وضرورة وجود المعاد والحساب الأخروي ، وليستقر الناس أما في النعيم أو في الجحيم حسب أعمالهم ، وهذا البحث مختصر وتمامه في صحيفة الثقلين الجزء الأول من الموسوعة.

 

 

الإشراق الثاني :

 جواب مفصل عن غرض الوجود وغايته :

يا طيب : هذا بعض البحث المفصل بعض الشيء ، نذكر به غرض الخلقة وغاية الوجود ، وهو من مباحث توحيد الله في فعله تعالى ومعرفة نور كماله بعد إن عرفنا بحث الأسماء الحسنى في الباب السابق والتوحيد فيها ، وبه وبأمثاله تطمئن النفس في أيمانها ، وتعرف شيء عن غرض وجودها ، ولتطلب تعاليم دينها وأصوله ، وبجد باحثة عن البرهان الموصل لليقين الحق المرضي عند الله تعالى من بين المذاهب والأديان ، فنقول بيان ذلك في أشعة تنورنا يقينها إن شاء الله :

 

الإشعاع الأول : كل شيء خلقه الله حسن ومتقن :

يا طيب : لقد أنعم الله تعالى على جميع خلقه بحُسن الخلقة و إتقانها ،  وأنعم على خلقه نِعم لا تحصى ، وكل موجود يتنعم بوجوده ويفيد ويستفيد من غيره ليصل لكماله اللائق به وللغرض من خلقته :

قال تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  } النحل 18.

وقال سبحانه : { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ } السجدة7.

وقال عز وجلّ : { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } النمل88.

فهذا خلق الله : متقن حسن وقد عرفت إنه خلق بالعدل والإحسان .

 

الإشعاع الثاني : الوجود خُلق بالحق وله أجل :

يا طيب أن الله سبحانه وتعالى : خلق الخلق بالحق وله غاية و أجل ، ولم يخلقه بالباطل وللهو أو للعبث ، و تعالى عن ذلك علواً كبيرا :

قال سبحانه وتعالى : { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ  }الروم8.

وقال سبحانه :  { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ  }ص27ـ28 .

وقال عز وجلّ : { لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ

إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  }  يونس 49 .

 

الإشعاع الثالث : ربنا يدبر أمر كل شيء ويهديه ليصل لكماله المحدد بأجله:

يا طيب : لما كان هذا الخلق خلق بالحق وليس بالباطل ؛ فلابد أن يدبره خالقه ويربيه ويهديه للغرض الذي خلق من أجله ووفق ما يستحقه  وجوده ، وحسب استعداده الذاتي ، أو بالإضافة لاستعداده الاختياري بالنسبة للإنسان والجن :

قال الله سبحانه : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }طه 50.

وقال عز وجلّ : { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى }الأعلى2،3.

و قال تعالى : { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ

إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ

 لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ

 وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}يونس2ـ4.

 

الإشعاع الرابع : الغرض من الوجود تسبيح الله تكويناً وهو عبدا له :

يا طيب : وجود الكون بما فيه من العظمة والكمال والنظم والجمال مظهر لأسماء الله الحسنى ولكماله المتعال ، ودليل على قدرته وعلمه وحكمته ، وكل الوجود بجميع مخلوقاته وكل موجوداته تسبح لله في ذاتها وتظهر عظمة الخالق وكبرياءه ومجده ، وهي في عبادة ومسبحة شاكرة له بوجودها وما تظهره من عظمته وبيان لقدرته وعلمه ، وبكل بيان ترينا به تجلي الأسماء الحسنى فيها بالعدل والإحسان والحكمة والإتقان ، سواء في ذلك المجرات والكواكب أو الإنسان والحيوان والنبات والجماد ، وكل ما في السماوات والأرض وقد عرفت الأدلة فيها في براهين التوحيد :

قال تعالى : { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } التغابن 1.

وقال سبحانه : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا  } الإسراء 44.

وقال تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } الرعد  15 .

وقال سبحانه : { أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } الحج18 .

وقال تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } النحل49.

وقال تعالى : { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } مريم94.

وإذا عرفنا يا طيب : إن الخلق قد هُدي بنور الله ، وإنه يسبحه بوجوده حتى يصل لغايته بأحسن نور وبهاء وكمال يستحقه حسب شأنه ، فيخلق في نفسه الاستعداد الكامل لينال نوره وكمال شأنه ، نذكر ما المطلوب من الإنسان من التسبيح والشكر والعبودية الإضافية .

 

الإشعاع الخامس : يجب على الإنسان تسبيح وعبودية تشريعية إضافية :

يا أخي : الإنسان بالإضافة للتسبيح و للعبودية التكوينية لله مع خلق الكون كله ، وإنه يظهر نور الله بوجوده ويعبر عن عظمته وقدرته ، فيكون مظهر لحميد فعله وحُسن الخلق ودقة التكوين الذي جعل فيه هذا الموجود العالم المفكر المتحرك بالإرادة ، وإنه يمكنه أن يترقى في مراتب الكمال ويحصل على نور البهاء والجمال ، وإنه الله تعالى شرف هذا الإنسان وكرمه بوجوب عبودية وتسبيح آخر تشريعي يتعبد به لله تعالى ، وبه يتم غرض خلقته ، ويحصل حسن وجوده المتقن ، ويحصل به على حقائق كريمة من نوره تعالى ، وبه تتم سعادته الدنيوية والأخروية باعتباره وجود عاقل له شعور به يتميز عن باقي الموجودات الكونية :

قال تعالى : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى  } الأعلى 1.

وقال سبحانه : { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ  } الواقعة 96 .

وقال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } الذاريات 56.

وقال الله العلي العظيم : {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  } البقرة 21-25.     

وقال الله الغني الحميد : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا  } الفرقان 77.

وقال الله تعالى : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } الأعراف 29 .

 

الإشعاع السادس : يجب على الإنسان أن يقيم العبودية لله باختياره :

يا طيب : إن الإنسان وأن كان بوجوده التكويني يسبح لله تعالى بالعبودية التكوينية أراد أم أبا ، حسب ما عرفت لأنه بتكوينه موجود خاضع لله تعالى وعبد له ، وهو مظهر لقدرته وعلمه ودقة صنعه وجمال خلقه وحسن فعله تعالى ، وجميع زمامه بيد الله وليس له الخيرة من أمره تكويناً .

 إلا أن الله أراد من الإنسان باختياره أن يقيم العبودية لله تعالى : ومختار من دون إكراه وإجبار ، بما مكنه الله و أعطاه من قوة واستطاعة إذ لا حول ولا قوة إلا بالله ، والإنسان مع أنه غير مستقل في وجوده وجميع أفعاله التي يأتي بها بمدده سبحانه ، إلا أن الله أعطى  للإنسان قدرة على الاختيار في أن يأتي بالأفعال بإذنه ، والله يرشده للطريق الصحيح بتوسط الأنبياء وأوصيائهم وللإنسان أن يطيع فيسعد أو يعصي فيشقى :

قال تعالى : { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن

وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا *

 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } الكهف 29 ـ 30 .

وقال سبحانه : { إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ

وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى   ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  } الزمر 7.

وقال عز وجلّ : { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ   إِمَّا شَاكِرًا

وَإِمَّا كَفُورًا } الإنسان 2 ـ 3 .

وقال الله العظيم : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } الشمس 7-10.

وقال الله العلي : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ

فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ

 فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } البقرة 256.

وبهذا نعرف إن الله سبحانه وتعالى : لم يجبر عباده على عبادته ولا على الإيمان برسله ، ولا يمنع رزقه عن العاصين والكفرة والمنافقين ولا غيرهم بل يمد الطرفين كل واحد بما يحتاجه قال تعالى :

{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)

كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} الإسراء 21 .

يا طيب : إن هناك آيات كثيرة دالة على أن الله طلب من الإنسان عبودية تشريعية كما عرفت وبالاختيار ، ولا يمنع فيض عمن يستعد لنيله بأي صورة كان الاستعداد ، فينال نصيبه سواء طلب للدنيا ، أو طلب للآخرة ، والله يعطي ويمد ولا حظر من جانبه ، ولكن عرفت فرق إن العارف بالله يطلب الكمال الدائم لا الزائل ، وهو لا يكون إلا للمؤمن ، وإلا الكافر مهما طلب وحصل على النعيم فهو استدراج وينقلب عليه فيكوى به ويضيق الخناق عليه حتى يجعلهم في سجن جهنم الحرمان ، ولا خلاص له ، وهو مدحور مذموم من كل ما يحيط به حتى من نفسه لأنه عصى الله بنعيمه وكل ما مده تمادى بالطغيان والعياذ بالله ، والمؤمن له نعيم وتفضيل الله ورضاه أكبر وهذا الذي يجب أن يُطلب بمعرفة محل النعيم الحقيقي والهدى والخير الحلال والصالح .

يا طيب : طلب الله العبودية من العباد ليتنور الإنسان ويصل لغاية كماله وليشتد في نعيم نوره ، وهو كما كان التسبيح الذاتي للموجودات ينورها ويرفعها في مراقي الكمال ، وفي ذكرنا يا طيب كافي لمن يؤمن بكتاب الله ويتدبر ما ذكرنا من آياته ويعرف شأنه وغرض وجوده وغايته ، على أن تمام بحث الاختيار وعدمه في صحيفة العدل الإلهي إن شاء الله .

 

الإشعاع السابع : نعم الله التي لا تحصى للإنسان ليتنور بما يقيم من هداه:

يا طيب : إن نِعم الله على الإنسان لا تحصى ، وقد عرفت بعض آياتها وبكل ما مر من التدبر بتجلي الأسماء الحسنى ، وهي للإنسان بالخصوص تبدأ من البدن المستقيم والبشرة البادية للأعضاء والجوارح وللإرادة والحب والبغص و العقل والشعور الحواس ، وقد عرفتها في أدلة آيات الأفاق والأنفس ومنع الصدفة ، وإمكان استخدامه ما في السماء والأرض لمصالحه إلى نعمة استواء خلقه وجعله خليفة لله في أرضه ، وأعطاه كل ما يمكنه به أن يتصرف في الكون والتدبير للفعل ليستفيد منه بأحسن صورة ممكنه ، وحتى يتمكن من غرضه التشريعي ، فيقيم عبودية الله ويصل لنور هداه فيتحقق به عبودية خالصة لله ويستعد الإشراق نور الأسماء الحسنى والصفات العليا عليه ، وحسب قابليته وظرف وجوده الذي أعده لأن يستقبل به نورها :

قال تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً

يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  * وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } الإسراء 70 ـ 72 .

وقال سبحانه : { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } إبراهيم 34 .

وإن الوجود : وإن كان يسبح الله في وجوده ويدل على عظمته تعالى ، إلا أن له غرض ثانوي وهو أن يكون في خدمة الإنسان ومسخر له :

قال تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الجاثية 13.

وقال سبحانه : { اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَار} إبراهيم33

وقال عز وجل : { أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } الحج 65 .

وقال سبحانه : { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ } لقمان 20 .

يا طيب : بهذا الإشعاع لنور كتاب الله المجيد في آياته ، عرفنا إنه لا عذر لمن يأخذ نعم الله ويستفيد منها ، ثم بها يعصي الله ولا يطيعه في أشرف أمر يكمل نوره ، ويتمنع من كرامته ، فإنه طلب الله من كل الكون تسبيحه وقد سبحه ، ثم كرم الإنسان بأن سخر له كل شيء ليتمكن من عبودية وليحصل على نعيمه الأبدي ، وهذا غرض خلقه وغايته لتكامل في مراقي الكرامة والنور ، فمن أطاع فقد هدي للصراط المستقيم وحصل على كل نعيم ، ومن ضل وطغى وأبى نور الله فإلى الجحيم والعذاب المقيم والحرمان فجنى على نفسه وأدخلها في جهنم النقص والحاجة الأبدية التي لا تقضى .

يا طيب : بعد إن عرفنا غرض الخلق من تسبيح الله ليتكامل ، وغرض الإنسان ليكون في أكمل مراتب النور ، نذكر بعض التفصيل في الإشراق الآتي فتدبره لتعرف معاني كريمة مترتبة على ما عرفت من هذا الإشراق وما شع علينا من نور هداه ومعارفه فتدبر .

 

 

الإشراق الثالث :

 الحاصل نور الله التام في غرض الخلقة وغاية الوجود :

يا طيب : وفق ما عرفت من هذه الآيات الكريمة والبحوث السابقة إنه بالهداية التشريعية بالإضافة للتكوينية ، ووفق تعاليم الإسلام يصل الإنسان لغرض خلقته ، ويُعرف أهم غرض للكون ونعرف حُسنه وجماله وتمام كماله وحكمته ، وبالخصوص العالم المادي وعالم الشهادة الذي فيه الإنسان ، وإلا العوالم العالية لها شأنها ، ولا يساوي ولا تقاس فيها شيء من موجودات هذا العالم .

إلا المؤمن : فإن له شأن قد يفضل به على الملائكة ، ويكون أفضل خلق في الوجود في كل مراتبه الكونية ، وحسب وجوده وشرفه وشأنه العظيم فيها كنبينا الكريم محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، فله عرش الرحمان ولآله والمنتجبين من صحبهم يحيطون بهم ، كما أن الأنبياء مقامهم محفوظ في السماوات العلى ، بل المؤمن العادي والبسيط في معارفه و بإخلاصه وصفاء نيته مع الله تعالى ينال درجة عالية في مراقي الكمال وقد يتعدى الملكوت فيسكن الجبروت ، وهكذا أنبياء ومؤمني الأمم السابقة قبل الإسلام ، لأنه الآن لا يقبل الله تعالى غير الإسلام وتعالمه الواقعية دين .

فبما مرّ عرفنا : إن الله يهدي الكون هداية تكوينية ويربيه ليوصل لكمال وجوده ، كما عرفنا إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بالحق وهداه هداية تشريعية ليقيم له العبودية ، ووفق ما يريد من تعاليم التي تسعده وتهيئة لأن يستقبل نور الله حين إقامتها ، وهي التي أنزلها وعلمها لأنبيائه سبحانه ليصل الإنسان بالاتصال بها عن طريقهم لسعادته في الدنيا والآخرة ، وبها يحصل على تجلي جمال وخير الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية .

وكما عرفنا أنه سبحانه : لم يهمل الإنسان في متاهات الحياة الدنيا وخضم الكون حيران ، بل جعل بالهداية التشريعية وبإقامة العبودية له تعالى ، معنى جميل لحياة الإنسان ، وانتشله من فكرة ما الفائدة من وجوده حيث يموت ويحيى كالحيوان ، بل الإنسان أكثر تأثر من الكون الذي نتصوره جماد حيث يشعر بشدة بمشاكل الحياة ومصائبها بعد نعمها فيدفعه للبحث عن كماله حقا .

 بل بوجود الإنسان : وبما كرمه الله وبما أراد الله منه من عبودية تشريعية ودله عليها ، كمل معنى وجود الكون في الحياة الدنيا وعالم الشهادة ، وحصل الخلق على غاية عظمى لا يتصور أحسن منها ولا أجمل من هدفها .

ولهذا جاءت الأديان السماوية : وفي كل زمان لهداية الإنسان لغايته حسب زمانه و قدرته على العبودية ، وحسب  مصلحته وفق تكامله في الوجود ، و كلما ارتفع الإنسان في الكمال وتطور في الحياة في مرتبة أعلى جاءت شريعة أخرى مكملة ومتممة لشريعة الرسول السابق ، هذا كان جاري في جميع العصور و أُرسل أنبياء كثيرين لهذا الغرض ، حتى جاء دور وزمان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

فانزل الله على نبينا محمد : صلى الله عليه وآله وسلم ، قرآنا فيه من التعاليم الخالدة النافعة للبشرية على طول الزمان ، وبها وجود الإنسان وأعماله تبقى في نعيم الحياة الخالدة ، وبما شرحه نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووضحه وبينه ؛ يصل الإنسان لغايته بعد امتثاله لهذه التعالم الربانية من إقامة العبودية الحقيقة لله ويصل لسعادته في الدارين  ، فيترقى في مراتب نور الوجود الأعلى ، وقد يصل للجبروت فضلا عن الملكوت .

ولما كانت هذه التعاليم الإلهية : المبينة لأحسن نعيم ينور وجود الإنسان المؤمن ، وهو هداه تعالى لعبادته ، والذي فيه نظم البشر بأحسن صورة وأجمل معنى ، وهي آخر ما أراد الله بيانه للإنسان ، وهي أعلى المعارف الإلهية ؛ فالله اخذ على نفسه المحافظة عليها بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكي يوصل عباده لغرض خلقتهم ولكمالهم بالعمل بتعاليمه ، والتي يحافظ عليها بأوصياء نبينا الأكرم الحقيقيين من آله الكرام صلاة الله وسلامه عليهم ، وذلك ليعدل بين عباده في الهداية التشريعية كما عدل بالتكوين على طول الزمان ، بل هذا شأن عظمته وظهور الأسماء الحسنى الدائمة التجلي في نور العظمة والكمال ، وبغير العدل في تجليها الدائم والحكمة في ظهورها المحافظ عليه بأكرم خلق الله ليهدوا عباد الله على طول الزمان حتى يوم القيامة ؛ لما كان معنى للحُسن فيها مجال ، ولا بما يسمى بها سبحانه من العظمة والجمال .

 ولذا حسنت فعاله سبحانه أين ما تدبرت في خلقه وحكمة تدبيره : وبهذا أتم إتقان صنعه وظهور تجلي الأسماء الحسنى والصفات العليا بالهدى التكويني والتشريعي الدائم ، لا أنه خلق الخلق وتركه يموج ببعض ، ويُفسد بعضه بعض ، ويطغى ويتجبر ولا من حامي ومحافظ يعدله ويعدل به الوجود ، ويصلح ما يفسد منه عند تمام طغيانه بل في كل وقت فيرجع له الطيب ويستقيم ويأخذ نصيبه من النور والبهاء ويستعد لتقبل المزيد منه .

وأعلم يا طيب : حين قرب خراب وجود الإنسان بظهور الفساد في البر والبحر والطغيان ،  بما يقرب فساد الوجود كله ، يتقدم برحمته فيصلحه ويملأه عدل وإحسان ويبقى حسن متقن في أعلام مراتب الاتزان والإتقان ، ولهذا لم يخلي عباده وهداه التشريعي من حجة له تعالى قائمة بإذنه ظاهر أو غائب يهدي بأمر الله ، وعنده سلطانه وولايته وحاكميته وتشريعه وناموسه الأكبر وسببه الأعظم الأكبر ، والذي يقود العباد المخلصين للصراط المستقيم وللهدى القويم الدائم النعيم بأتم نور .

ويا طيب : إن ما ذكرنا هنا ، هو من التوحيد الأفعالي في الهدى التشريع ، والذي عرفناه وآمنا به في الباب الثالث ، فهو نفس ما ذكرنا من المعنى في آخر مراتب التوحيد الفعلي التشريعي في الولاية التشريعية والحاكمية والطاعة والتقنين.

 وبالتدبر يا أخي : بما ذكرنا ترى إن إحكام الهدى التشريعي للبشر ، وهو غاية الوجود ، وأكثر أهمية من الهدى التكويني ، والذي يخص الجماد والحيوان والطبيعة ، بل هذا هدى روح وشموخ معرفة ، ودين قيم وعبودية الله ، وإطاعة له تعالى بما يحب ويرضى من عباده ، فلذا تكون وضيفة المصلح للهدى التشريعي أهم من الإصلاح في الهدى الكوني بل هو عينه ، لأنه بصلاح الإنسان يصلح له الوجود ويترقى في نوره أبدا ، فإنه لديه تعالى المزيد ، وعرفت ولاية الله التشريعية بكتبه وبالأنبياء وأوصياءهم وأخرهم نبينا وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، والذين بهم حفظ القرآن المجيد وتعاليمه.

فإن الله حكيم عادل في ظهور أسماءه الحسنى : وبأحسن صورة ممكنة للخلق ، وخلق كل شيء لأجل وغاية حقة وهدف حسن ، وإن الخلق متقن الهدى التكويني والتشريعي ، ومحكم دقيق يوصل كل طالب صادق لهدايته الحقة بصراط مستقيم ، ويكون من المنعم عليهم ولا يضل من يطلب الله صادقا وجادا وباحثا عن الحق ، وهذا عرفنا أسسه أيضاً في ضرورة المعرفة في الباب الأول.

ولذا الله الحكيم العليم العادل : لم يترك عباده همج يقتل بعضهم بعض على الحكومة ، وعلى الولاية ، وكل واحد يدعي إنه خليفة الله بالحق ، وهو الإمام الصادق ، ولم يجعل علامات للصادق منهم ولم يُعرفه ولم يبينه بكل سبيل  ، بل أحدهم ولي الله صادق يجب أن يتبع ويطاع لأن هدى الله عنده ، والآخر كاذب ظالم له وليس عنده من هدى الله شيء ، لا أنه يجب أن يتبع من يغلب ولو بالظلم والخداع والمكر والحيلة ، وقد أقدره الله ليختبر عبادة وجديتهم في طلب معرفته والبحث عن دينه ، لا أنه مجرد أن يغلب الظالم والمكار والمخادع ويفتي ليضل الناس كلهم يطاع وتبع دينه وهذا معرفة الجهلة بالله وحكمته .

 ولذا كان لله الحجة في بيان هداه التشريعي في كل زمان : وهو كالهدى التكويني حق ومحكم ومتقن ، ولذا عرفت في بعض الآيات السابقة إن الله يوم القيام يدعوا كل أناس بإمامهم ، ولا أنساب بين البشر يوم القيامة ، ولا يتساءلون إلا بما يدعى كل إنسان بإمامه ، ويكون في المعاد والحساب الحجة البالغة لله على جميع خلقه ، ولذا لابد على كل إنسان أن يطلب أئمة الحق ويعرفهم بجد ويقين ، وتمام الكلام كما ذكرنا في صحيفة الثقلين ، والذي كان هذا البحث من مقدماتها ونقلناه مع الاختصار ، أو راجع صحيفة الإمامة الأصل الثالث للدين وغيرها من صحف الطيبين .

وإذا عرفنا هذا : نعرف به إن الإنسان من أين في الخلق بدأ ، وفي أي مراتب الوجود بتجلي الأسماء الإلهية الحسنى حصل وجوده ويرتفع ويتكامل أو لا ، وعرفنا ما غرض وجوده في الكون وإلى أين وما هي غايته ، وعليه على كل إنسان لابد من معرفة في أين هو الآن بتفصيل أكثر وما المراد منه ، فلابد أن يتم التدبر في بحث العدل الإلهي والنبوة والإمامة ، ثم يختمه بالأصل الخامس للدين ، وهو الذي يعرفنا إلى أين يسير الإنسان حين يختم له في معاده وأخرته ، وعليك بكل البحث بطوله في باقي صحف أصول الدين ، أو بالمختصر منها في صحيفة هذه أصول ديني ، أو راجع ما كتب في الإلهيات والعقائد الحقة من أتباع المذهب الحق لتعرف الهدى الكامل في أصول الدين .

ولما كان : ما لا يدرك كله لا يترك جله ، والمفصل يمكن أن يجمل وينتخب منه جمل جميلة ، نختار لك بحث عاجل وهو مترتب على هذه المعارف الطيبة التي عرفناها في هذه الصحيفة المباركة صحيفة التوحيد ، وهو كثمرة آن أوان قطفها للمؤمنين ليلتذوا بهداها ، وليتذوقوا نعيم معرفتها ، وهي معرفة علمية بالتدبر في تطبيق بعض الآيات على ما مر ، وعلى تجلي الأسماء الحسنى ، وبعدها تأتي معرفة عمليه ، وهي كيف ندعو الله بالأسماء الحسنى ونطلب فيضها وبركاتها فتدبر بها يا مؤمن .

وهذه وهي المعرفة القريبة : و المترتبة على ظهور الأسماء الحسنى بالعدل والإحسان ، فإنها تمس صميم حياتنا اليومية بل في كل لحظة وآن ، هي ثمرة الإيمان والمعرفة بالله وتوحيده بكل مراتب التوحيد بل ثمرة معرفة الأسماء الحسنى .

ونجعل هذه المعرفة : التي هي غاية أرباب القلوب وطالبي الرب المحبوب في نور الذكر الآتي ، فتابع البحث يا طيب ، وجزاك الله خيره وأفضل ثوابه ، فتمتع بها فإنها جميلة المعرفة والهدى ، وتنتظر طلعة نظراتك البهية بالإيمان ، والمحبة لمعرفة شئون العظمة والتجلي لربنا الرحمان ، وحشرنا الله وإياك مع أئمة الهدى وجزانا بركات أسماء الرحمة والإحسان ، إنه هو ربنا ومولانا وهو الرءوف البر بعباده ، وهو هادينا الولي الحميد المنان المستعان ، وأسأل الله لك لي نورها وتهيئة الظروف والأحوال والزمان لقبولها والتحلي والتجلي بها بما يحب ويرضى ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة توحيد الله العام طيبك الله وطهرك بالإسلام