هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
الأصل الثالث للدين صحيفة النبوة العامة   والخاصة  لنبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم

النبوة الخاصة

لخاتم الأنبياء والمرسلين وأشرفهم

نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم

هذه صحيفة النبوة الخاصة

 لسيد المرسلين والسادات ، وملتقى رحمة الله والمكرمات ، نبي الأنبياء ، وصفي الأصفياء ، نجي الله ونجيبه ، وخليل الله وحبيبه ، صاحب المقام المحمود ، وغاية إيجاد كل موجود ،  شمس سماء العرفان ، واس بناء الإيمان ، شرف الأشراف ، وغرة عبد مناف ، بحر السخاء ، ومعدن الحياء ، هادي العباد ، وربيع البلاد ، الذي به اكتسى الفخر فخرا والشرف شرفا ، أفضل مخلوق في كل مراتب التكوين  ، وشفيع العباد هنا و يوم الدين ،  ونور الله الساطع ومصباح الهدى وسفينة النجاة ، والذكر الحكم ، والهادي المستقيم ، والصراط للنعيم ، البشير النذير  ، والسراج المنير ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، المصطفى الماجد الأمين ، المعروف بالسماء بأحمد وبالأرض

أبو القاسم محمد بن عبد الله
صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم.

 

الباب الثاني

براهين ضرورة نبوة وبعثة نبينا محمد الأمين

صلى الله عليه وآله وسلم

في هذا الباب : نعرف أول تطبيق لما ذكرنا من أسس وأصول تطبيق معارف النبوة العامة في النبوة الخاصة لكل نبي ، فهنا إقامة براهين وشواهد الصدق على ضرورة بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

تمهيد : سُبل البحث في النبوة الخاصة وضرورة البعثة:

يا طيب : قد وضح الأمر في مسألة ضرورة النبوة في التكوين والتشريع والمجتمع في الباب الأول وبان لنا أهمية بعثة الأنبياء في النبوة العامة ، وكان بصورة تكفي لاطمئنان المؤمنين ببعثتهم ، وتقطع لجاجة المعاندين لهم ، وترفع الشك من المشتبهين بعدم أهميتهم ، وبه يكون لدينا دليل مقنع على اعتقاداتنا بالأنبياء وبرهان قوي لسبب أيماننا بهم ، وبه نعرف أصلا ثالثاً من أصول الدين ، وواجب معرفته بالبرهان والدليل لتطمئن القلوب الطيبة وليزداد إيمان الخيرين .

 ولذا يا طيب : هنا نحاول أن نشبع بحث ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وبأسلوب آخر وبمعنى أوسع ليكون ذكرى لنا ويرسخ في قلوبنا .

وقد عرفت يا أخي : في الباب الأول لبحوث النبوة العامة أهم الأصول التي يجب طرحها في البحث عن نبوة كل نبيا من الأنبياء ، وإن تطبيق هذه البحوث في النبوة الخاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمها والإذعان لأدلتها ، كما يثبت ضرورة التصديق بنبوة نبينا الأكرم ، كذلك يثبت وجوب التصديق بنبوة جميع الأنبياء ، بل وأئمة الحق بعده إلى يوم الدين ، وبنفس الضرورة يكون وجود كلا في زمانه .

فلذا نقدم هنا : بيان لأهم ما يدل على ضرورة نبوة نبينا الأكرم وضرورة بعثته لكافة البشر بالإضافة لما عرفت ، وبنفسه يعرفنا أهميها وخواصها وكثير من المعارف المرتبطة بتكريم الله له ولنا به ، بل للأنبياء وأممهم قبله بما شرفهم ببعثتهم وهداهم الذي فيه سعادة المؤمنين وكل عباد الله المطيعين .

ولذا يكون بمعرفة ضرورة بعثة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله بمعرفة كريمة وفق الدليل والبرهان ، معرفة لأمور مهمة عرفنا أصولها في النبوة العامة ، وهي : ضرورة بعثة نبينا الكريم للحاجة الملحة لحضوره في المجتمع في زمانه ولكل زمان بعده إذ ختمت به النبوة والرسالة الإلهية ، فضلا عن ضرورة وجود النبي بأكمل هدى هو من الضرورة الكونية التشريعية في الوجود لما فيه من إتقان الصنع والهدى ، وببعثته يرفع الله سبحانه العباد من الكفر والظلم والعادات الخسيسة التي تخالف الكرامة الإنسانية ، ويجعلهم في أرقى معارف تسعدهم في كل شيء من النعيم الحق ، سواء في الروح أو البدن أو الأخلاق الكريمة والآداب الحسنة الراقية ، وفي العدل والإحسان والحلال الطيب وكل ما يُعبد به الله تعالى من طاعته وشكره ، ولهذا البحث براهين عدة .

وهذه البراهين والأدلة هنا : هي كشاهد حق لبنوة وبعثة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأتي في الأبواب الأخرى بحوث لشواهد عدة تعرفنا صدقه وعناية الله به وتكريمه ورعايته في كل أحواله وتأييده ونصره في كل ما ينشر دين الله ويُعرف هداه الحق ، وتوفيقه بفضل الله وكرمه للظهور بكل نور هداه علما وعملا وتبليغا ، ولكل البشر فضلا عن مجتمع وزمانه ، وحافظ على هداه بما يُعرفه وجود دينه القيم بحق عند المنعم عليهم من آله صلى الله عليهم وسلم ومن سار على صراطهم المستقيم لمعرفة عظمة الله وهداه ، فنسأل الله التوفيق لبيانها والانتفاع بها إنه ولي حميد :

 

البرهان الأول

بالتفكر نعرف ضرورة بعثة الأنبياء ونبينا

يا طيب : التفكر والتدبر في هذا الوجود الواسع والمترامي الأطراف بوجوده المتقن والمحكم والذي يسير لغايته بأحسن نظم دقيق وهدى متقن ، وبكل مدد نور يصلحه ويجعله بأجمل تكامل وبكله المجموع وبما في ذلك الإنسان فيه ، كما يدل الإنسان الواعي والمتفكر على وجود خالق له ، نفس هذا التفكر والتدبر يدل الإنسان الواعي إن خير من يسد النقص ويعطي كل حاجة وكل أمر ضروري وغير ضروري سواء من الأمور المادية أو المعنوية ، هو الطلب من خالق الكون والتضرع له والسير لما يوصل لوده ورضاه وبالدعاء والعبودية وشكره على نعمه سبحانه ولطلب المزيد من كراماته وهداه ونعيمه الطيب الذي يسعد العبد به ويرتاح بالتصرف به والكون فيه .

 ولما كان الإنسان : بعد النعم المادية ، باحث بطبعه عن النعم المعنوية التي بتطبيقها كقوانين ينعم بالنعم المادية فضلاً عن المعنوية ، ويسير بها في حياته بأمن وسلام وسعادة ، ويتكامل وجوده بفرح وسرور ، وباطمئنان قلبي بما قسم له .

 ولما كان الإنسان العادي : يقصر عن الوصول لما عند الله تعالى من التعاليم ، يسعى للبحث عن مَن عنده تلك التعاليم ، ومَن تمكن مِن الوصول للحصول عليها وأخبر إنه منبئ عنها وعن هدى معارفها ، فيبحث عن الأنبياء وأوصياءهم لأخذ تعاليم الله تعالى منهم ، ويجد في تطبيقها العاقل وذو اللب المتفكر في طلب حقيقة سعادته وروحه .

 وبعبارة أخرى : إن الإنسان بوجوده ونفسه و في طبيعته وفي ذاته يحب الكمال ويسعى إليه ويحاول أن يحصل على كل ما ينفعه ويُكمله ويسد نقصه ويرفع حاجته المادية والمعنوية ، فيتجه إلى من عنده الكمال المطلق وهو الله تعالى فيحاول الاتصال به بنفسه ، وإذا عجز بحث عمن قد ساعدته العناية الربانية وأتصل بخالق الكون ليأخذ منه كل ما يُكمله ويوصله للكمال المطلق وما أنزل إليه من المعارف والتعاليم الربانية .

 ونفس هذا التفكر : يدعوا الإنسان الباحث عن الكمال الحقيقي بأن يبحث عن آخر تعاليم الله من غير تحريف واختلاف ، ويجب أن يؤمن بآخر الأنبياء ، وإذا اخبر بختم النبوة يجب عليه البحث عن أوصياءه الحقيقيين وبالدليل المحكم وبالبرهان الواقعي القطعي ليتصل بهم وبمعارفهم فيأخذ هدى الله منهم .

وإذا عرفت هذا يا أخي الكريم : تعرف أن النبوة ضرورة فطرية مغروسة في فطرة الإنسان السليمة ، وهي تبع للفطرة الباحثة عن إله والطالبة للكمال منه والساعية لرافع النقص والحاجة عند الإنسان ، وبالوصول للنبوة وعند معرفة ختمها ، يدعوه الوجدان والعقل للبحث عن الأمام والخليفة الحق بعد النبي .

 وأما من فسدت فطرته : واتبع هواه وأغواه الشيطان فهذا له كلام أخر ويكون في الغالب يرى كماله في المصالح الشخصية الآنية دون المستقبلية ، ويتهرب من المسؤولية الدينية والعبادية ، ولهذا يكون أيضا ممن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ، وبالخصوص إن عرف الله ولم يطلب هداه بحق .

 والله تعالى : قد أرشدنا لما ذكرنا في القرآن الكريم في مواطن متفرقة :

فقال تعالى : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }طه50.

وقال سبحانه : { اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ  } إبراهيم  32 ـ 34 .

وقال عزّ وجلّ : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } النحل 36 .

فإذا عرفنا : أن الله أعطى كل شيء خلقه ثم هداه الهداية التكوينية ، نعرف أن الهداية التشريعية هي غاية وجود الإنسان الذي هو خلاصة الوجود وثمرته ، والتي بها سخر الله تعالى له كل شيء وأعطاه كل ما سأله في وجوده وحاله ومقاله ، فبعث سبحانه في كل أمة رسولا يهدي العباد الهداية التشريعية ويُعلم المعارف والتعاليم الربانية ، وهذا مشهود لكل من يسير في أفاق وجود الكون ونفسه ليشعر أن الله تعالى كما خلقه بعث له هداة يعلموه ما يجب عليه سلوكه في مسيره في هذه الحياة وما هو المراد منه فيها وما يوصله لنعيمه الآن ويكون خالدا فيه ، ونفس الشيء يحصل لكل من يسير بتفكيره السليم في أفق التأريخ الديني للأمم الماضية ، فيرى كل البشر طالبين لهادي من رب العباد ولكن بعضهم قد يجد ويصيب ولي دينه ، وبعض قد يقصر أو يُقصر أو يعاند لطمع بالدنيا أو لكسل في تحصيل مصلحته الحقيقة ونعيمه الأبدي فيضل .

والله تعالى : أمرنا أن نسأله في كل يوم الهداية مع أنا مهتدون لدينه مسلمون له ، وما ذلك إلا لنبحث عن الحقيقة الإيمانية التي يجب تعلمها من خاتم أنبياءه و ببيان أوصياءه وخلفاءه الحقيقيين ، فقال تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَـــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } الفاتحة 5 ـ 7 .

فمن هذا الجانب يا طيب : بأن وجود الإنسان يستلزم الهداية التشريعية المستلزم لبعث الأنبياء ، وجب البحث عن التعاليم الربانية منهم بعد معرفتهم بالدليل والتحقيق لا من كل مدعي لوجود التعاليم الربانية عنده .

وقد عرفنا : إن الله ختم دينه بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله عز وجل : { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } الأحزاب 40 .

وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } الفتح 48 ، وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } التوبة 33 . ولذا قال سبحانه وتعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران 85 .

 فأراد الله بعد ما ختم النبوة أن يظهر دينه برفع راية الإسلام وينصر رسوله ، وقد وفي الله بوعده كما يشهد لهذا تاريخ الإسلام وكثرة من اسلم ، ففاق المسلمون كل مذهب ودين ، وأن كان المطلوب منهم بعد الإيمان ومعرفة النبي الكريم ، وهو البحث عن حقيقة التعاليم الإسلامية التي عند أهلها من أوصياء النبي الحقيقيين وبالخصوص حين يعرفوا وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ، حيث أمرهم سبحانه وتعالى بطلب الهداية للصراط المستقيم من المنعم عليهم بتعليم هداه ولهم خصوصيات وملاك عرّفه لنا الله بسنة نبيه ، وفي كتابه ، وفي كل يوم عشر مرات طلب منا أن سأله هذه المعرفة والتوفيق لمعرف المنعم عليهم بحق لنكون معهم ومنهم لا من المغضوب عليهم ولا الضالين ، ولله الحجة البالغة ، وعلى الناس معرفة الهداة الصادقين والحقيقيين بالدليل والبرهان للصراط المستقيم بعد النبي الكريم ووجوب إتباعهم  وعدم الانحراف عنهم ما داموا مؤمنين بالله.

 

 

البرهان الثاني

بعثة الأنبياء ونبينا الأكرم ضرورة تكوينية وتشريعية

 

في الحقيقة ضرورة بعث الأنبياء وتجديد عهد التعاليم الربانية لهداية البشر التشريعية في كل فترة حسب استعدادهم لتحملهم المسؤولية الدينية ، ضرورة لا بد منها ، ومسيرها مرافق لمسير الهداية التكوينية بل هو منها وإن سميت بعثة الأنبياء ورسالتهم هداية تشريعية ، فكما أن الوجود محتاج في كل آن لربوبية الله وهداه وقيومية التكوينية ليسير الكون بكائناته إلى غايته وغرض وجوده ومستقره الذي أعده له الله تعالى بأحسن صورة ممكنة للخلق ، فإنه لابد لبقاء الكائنات من مدد نور الله وفيض رحمته ليستمر وجودها وليتكامل وإلا يفنى وينعدم .

كذلك البشر وكل وجود مُشرف بالهداية التشريعية والواجب عليه إطاعة التعاليم الربانية والتي بها صلاحهم ونعيمهم ، يحتاج لربوبية الله وهدايته وقيومية التشريعية ، ويجب أن يكون سيرهم لتطبيقها وفق صراط الله المستقيم الذي أعده الله تعالى لهم بكل معارف دينه القيم ، وبه يصل العباد لحقيقة عبوديته سبحانه ولسعادتهم بنعيم في الدارين .

ثم إن الهداية التكليفية : متعلقة بأفعال العباد لتسلك بهم وتهديهم وتربيهم لحقيقة التعاليم الربانية في نعم الأخلاق وطلب الحلال والعبودية وفي جميع شؤون الحياة ووفق آخر استعداد لهم ، كما كانت ولا زالت الهداية التكوينية متعلقة بذواتهم ونفس وجودهم ، وتنعم عليهم بالبقاء والاستمرار بالحياة وفق أحسن الظروف والأحوال المناسبة لهم ، وهذا غاية التكوين كما عرفت .

وبعثة الأنبياء وتواترهم : واحد بعد الآخر ، ضرورة وجودية تشريعية ملازمة للهداية التكوينية ، ومكملة لمسير تكامل الكائنات في كل مرحلة ومرتبة وجودية وفي نفس الزمان الأرضي .

 بل الهداية التشريعية : هي غرض الهداية التكوينية وغايتها ، وبها يتم حسن وجود الخلق وجمال فعل الله تعالى وبه تمام الكمال الكوني ، ويمكن أن يقال لا معنى للهداية التكوينية بدون وجود الهداية التشريعية.

ونبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته في آخر وأعلى استعداد للبشر لتلقي وتعلم المعارف الربانية ، كان ضرورة تشريعية لابد منها لتتم به هداية الله تعالى وربوبيته وقيومية التكليفية التي ينزلها للبشر وليوصلهم بها لسعادة الدنيا والآخرة ، ولو كان بعد يوجد هناك تطور واستعداد أعلى للبشر لتعلم المعارف الربانية لما ختم الله تعالى النبوة به .

 ولكنه سبحانه ختم النبوة : وجعل لنبينا الأكرم أوصياء وخلفاء أوجب حبهم ومودتهم وطاعتهم بنص كتابه المجيد ، وكما قام سبحانه باختيار الأنبياء وجعل لهم أوصياء و خلفاء وأئمة مختارون ومصطفون من قبله تعالى ، فإنه بعده يقومون مقام الأنبياء في المحافظ على الدين وتعاليمه الربانية ولكن من غير تشريع جديد ولا يحتاج لتنزل معارف أخرى بالوحي كما كان في السابق للأنبياء .

فسبحانه أتم علينا نعمة الهداية التشريعية وفق أخر استعداد للبشر ، وأنزل تعاليمه في خاتم الأديان لكل العباد ولكل الناس في كل البلاد وإلى يوم الدين ، وإلا يكون ختم الدين مع عدم نصب من يعتصم به المسلمون من الاختلاف في تعاليم الله والمعارف التي أنزلها لهداية البشر هداية تشريعية ، خلاف غرض الخلقة والهداية التكوينية والتشريعية .

وبهذا نعرف : إن الله تعالى جعل أنبياء على طول التأريخ والزمان وختم النبوة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، لأنه لا استعداد للبشر أفضل في تلقي معارف جديد غير الدين الإسلامي ، وحافظ على تعاليمه وهداه بكتاب أنزله ، وحافظ عليه بتعليمه بكل معانيه بما يحب ويرضى بأوصياء للنبي الخاتم ، وهم يبينون تعاليمه ومعارفه وحقائقها وشرحها وفق ما أنزلت على خاتم الأنبياء ، ومن دون أي تحريف واختلاف وتخلف ؛ وبهذا تتم نعم الله ويكمل دينه وتختم النبوة ويحصل بمتابعة الأوصياء رضا الرب .

 وهذا دليل عقلي عرفت أصله في الباب الأول وهنا ، ويؤده الله في كتابه الكريم ، وتبرهن عليه السنة المطهرة لخاتم الأنبياء ، ويقر به كل منصف ومتتبع لتعاليم الله تعالى وسنة نبيه وتأريخ الديانات ، ويقنع به كل من له إلمام بسيط بالثقافة والتعاليم الربانية ومؤمن بمعارفه ، وهذا بنفسه يثبت ضرورة بعثة نبينا الأكرم لاحتياج البشر لرسالته وختم النبوة به وجعل الأوصياء له .

والآن يا طيب : في البرهان الآتي ندعم ما ذكرنا هنا وهناك بالآيات القرآنية والشواهد الأخرى تيمنا وتبركاً ، وليطيب قراءة البحث للمؤمنين ، ويحسن تكامل شرح البرهان للخيرين ، والطالبين بحق لمعارف الهدى من أصول الدين ، وبالخصوص معارف النبوة وتكاملها بتمام معناها وخواصها.

 

 

البرهان الثالث

ضرورة بعث نبينا الكريم بنص كلام الله ولطفه

 

قد بينا في بحث النبوة العامة وأشرنا هنا بأن : أهم الأمور لبعث الأنبياء هو هدايتهم لمعارف الله ، وهذا معناه احتياج البشر للنبي ولتعاليمه التي فيها حقيقة العبودية الله والموصلة لنعيمه في الدارين ، وبالخصوص حين تتغير معارف الله المنزلة على الأنبياء السابقين والرسل من أولي العزم الماضيين ، فضلا عن كون البشر قد استعد لتحمل معارف رسالة جديدة وفق ظروف زمانه الجديد وتطوره العقلي والبشري ، فيكون بحاجة شديدة لنبي مرسل به تُعرف معارف هدى الله الحق والذي به سعادة البشر وما يحب الله سبحانه أن يعبد به وفق أخر تكامل لهم وتطور في وجودهم فضلا عن فقدانهم لمعارفه الواقعية والصادقة .

 وحينها : بعد أن يُحرف دين الله تعالى وتفقد تعاليمه ومعارفه من الأرض بالتحريف ، فيعم المجتمع والبشر الضلال عما يرضي الله وعما به سعادتهم وينتشر الكفر ، وهم في أنفسهم تكون عندهم الطاقة لمعرفة أكمل معارف لله التي يمكن أن تسعدهم .

 يكون من لطف الله ورحمته : أن ينزل معارف دينه القيم الذي يهدي به عباده بأفضل أهل الأرض في ذلك الزمان ، وأحسنهم قدرة وطاقة لتعلم وتعليم وتطبيق معارف الله مع طهارته في نفسه ، فيقوم النبي المرسل صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ دين الله تعالى بكل طاقة وسعة ممكنة له ، وينشر بها دين الله تعالى وهداه ، ويكون مُجد له همة عالية في نشر دينه وتعليمه فضلا عن تطبيقه في نفسه ، وهذا ما تشهد له معارف نبينا محمد صلى الله عليه وآله وحال مجتمعه ونفس همته وجديته في تطبيق معارفه ، كما ستعرف .

 

وهذا البرهان : يشهد له الوجدان الحق والفطرة الطالبة لنور هدى الله ، والتي يراها بحق متحققة بتعاليم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويؤيده بكل يقين تأريخ الدين وتعاليم رب العالمين في الأمم السابقة ، وما سنعرف من تأريخ سيد المرسلين .

فإنه باليقين : بمعرفة ما عليه الناس في زمان النبي من التوجه للبلاغة والشعر وكل ما يلهم الفخر وحب الظهور ، فضلا عن جهلهم التام بمعارف الله حتى عبدوا الأصنام ، فقام سبحانه بإنزال أحكم تعاليم وأبلغ كتاب هدى ، وبه عرفنا بحق المعرفة العظيمة لحُسن هدايته ، والتي تصلح لكل البشر وفي كل زمان ومكان ، حتى لتوجب علينا إطاعة نبينا وحبه وحب معارفه لما فيها من البركة والخير في كل شيء من معارف الحياة والعبودية لله ، وشكره على نعمة الهدى الكبرى ، كما ويوجب علينا تعلم هداه وتطبيقه بكل جد ، وكما يحب الله ويرضى بوجوب تعلمه من الصادقين المصدقين .

 

وبعبارة أخرى : أن الهداية الربانية ضرورة وجودية كالهداية التكوينية لتصل بالبشر لسعادة الدنيا والآخرة ، وهي موافقة لأخر استعداد لهم ، وذكرنا في البرهان الأول آيات من القرآن الكريم تبين ذلك للمتدبر بها ، فإنه وإن كان البرهان الأول : أعد للنظر في نفس الكون وحكمة الله في حسن تدبيره ومن خلال تفكر الإنسان الفطري فيه ، والبرهان الثاني : ناظر لتكامل الوجود بالهداية التشريعية وهي غاية له من جهة عليا موجبة لوجود النبي في كل زمان ومكان أو من يقوم مقامه من الأوصياء ، وهذا البرهان الثالث : ناظر للطف الله حين ينحرف العباد عن الهدى الحق ،و مع وجود استعداد لهم لتقبل معارف أعلى وهدى أكمل لإصلاح حالهم ومآلهم .

 لكن التدبر : في الآيات السابقة نفسه يرينا حيثية هذا البرهان كما يرشدنا للبرهانين السابقين ، وهنا نذكر آيات سورة الجمعة الدالة على ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لما كان عليه حال مجتمعه بل دين الله في كل بقاع الأرض من الاختلاف فيه بين الأمم ومن الانحراف عن واقع تعاليمه ، فتفضل على العباد بدينه القيم وهداه الجديد المنزل بمعارف خاتم الأديان ، وبه تعرف لطف الله ببعث نبينا الأكرم وتفضيله بالنبوة والرسالة ، وتعريفه لنا بما علمه وما أقدره على تبليغ هداه .

فقال الله تعالى : { بسم الله الرحمن الرحيم

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ  ،  هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ    وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الجمعة 1-4 .

فهذه آيات من سورة الجمعة : تبين أن الله برحمانيته ورحيميته وبحكمته وعزته التي لا يحتاج بها لمساعد ، جعل معنى للوجود المخلوق وقيمة حسنى وجمال أكمل حين جعل كل شيء يسبح بحمد خالق الكون ويقدسه بتكوينه ووجوده ، ويظهر علو مقام موجده وعظيم علمه وقدرته ، كما إن الكون بعجائب موجوداته ودقت صنعها وسعة كونها وكثرتها يدل على جسيم نعمه التي لا تحصى ، وهي كلها مسخرة للإنسان لكي يقيم هدى الله تعالى ، فجاء دور عصارة الوجود والمفضل على كثير من الخلق أقصد الإنسان بعد أن أصبح ضالا عبد الأصنام وأشرك بالله ، و لا يعرف شيء من تزكية النفس ولا من التعاليم الله الحقة ولا معارفه الواقعية التي تسعده ، ولو بقي هكذا لفقد حكمة وجوده.

فبعث الله العزيز الحكيم : من نفس هؤلاء البشر الأميين رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، وهو سبحانه المتفضل عليه وعليهم ، فعمهم خيره وفضله بتعاليمه لتشمل جميع جوانب الحياة و لكل من يطلب الحق سواء كان في زمن النبي الأمي الأمين ، أو لمن يأتي بعده ، لأن الله ختم بتعاليمه التي أنزلها عليه النبوة ونزول الوحي منه ، وذلك بعد أن جعل عليها محافظ من أوصياءه وآله الطاهرين أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وذريته من بعده ، الذي بقي خلفه يصلي في تلك الجمعة المشهودة ومن أقر له بعد رسول الله بالخلافة ولم يتبع اللهو  والتجارة كما عرفنا سبحانه في باقي السورة ، حيث أنفض المسلمين من حوله.

فإن الباقين وإن كانوا يصلون خلفه نبي الرحمة: في تلك الجمعة لكن لنداء بيع وشراء لشيء من زينة الحياة الدنيا ، تركوا النبي يصلي بهذا الرهط المختار لتحمل تعاليم الله ، فصلى بهم تلك الجمعة المشهودة التي نزلت بها هذا السورة.

وبهذا السورة الكرية: شبه الله تعالى الحادثة بمن يحمل علم الله ولا يعمل به مثل اليهود والحمار الذي يحمل أسفاراً لا يعرف ما يحمل ، تدبر سورة الجمعة إلى آخرها تعرف ما ذكرنا واستعلم حال من بقي يصلي خلف رسول الله من العلماء بالله تعالى وتعاليمه ومن تبع اللهو التجارة تعرف الأمام والخليفة الحق بعد رسول الله من غيره .

 

ويا أخي الكريم : الآيات كثيرة في ضرورة وجود نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وضرورة بعثته وحاجة الناس له بعد فترة من الرسل ، والله  هو اللطيف الرحيم والبر بعباده لم يتركهم سدى بعد إن خلقهم ، ولكن كرمهم بهداه وبتعاليمه الكريمة التي تهبهم معنى الحياة الراقية في كل أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية في تعاملهم وملكهم وزواجهم وكل شيء من سلوكهم ، فضلا عن التوجه له تعالى والاطمئنان بذكره وفضله ووعده ووعيده ، كما في قوله تعالى :

{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } المائدة19.

وفي قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } الأحزاب46 .

وفي قوله تعالى : { وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }الحديد9.

وفي قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} سبأ 28 .

أقول : القرآن كله هو نور هدى الله لعباده ليهديهم للصراط المستقيم وليخرجهم من الظلمات إلى النور ، وكذا خُلق النبي وسيرته وكل تعاليمه ، وحاجة البشر للنبي الكريم وتعاليمه صلى الله عليه وآله وسلم هي اشد من حاجتهم للماء والهواء والغذاء ، ما قيمة الإنسان أن يكون عنده كل ما يحتاج من المادة ولوازم زينتها ، وهو يتعلم ويعمل بها بكل ما مكنه الله ليظلم أبناء جنسه ويعتدي على آخرين ويتسلط عليهم ، ويفسد في الأرض بكل ما آتاه الله من قوة ، فضلا عن ارتكاب الفسق والفجور وكل ما يخالف شأن الإنسان الكريم في نفسه وفي أسرته وفي مجتمعه وفي تعامله ، فضلا عن الكفر بالله وعدم شكره على نعمه التي لا تحصى ، ويفقد كل ما تطمئن به نفسه من القيم وكل ما يريح بها باله من مكارم الأخلاق والآداب الحسنة ، إذا لم يكن له وازع ديني يحثه عليها ولا أيمان بالله يدعوه للتمسك بها ، ولا فطرة سليمة تجعله يتوق للتحلي بها .

فيا أخي الكريم : لولا تعاليم الله تعالى المنزلة على الأنبياء وبالخصوص خاتمهم وسيد المرسلين ، لكان الإنسان أضل من الحيوان ، بل الحيوان ليسموا عليه ويكتفي بما يسد رمقه ووحش الغاب لا يعتدي بعد الشبع ، والإنسان طماع لا يشبعه ملك الدنيا ، ولو ملكها لطب الفضاء وطرق السماء ليحب أن يتسلط عليها ويتملكها ولو لأيام قليلة في حياته الدنيا وبكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة ، ومع علمه إنه سيفارق كل ما جمعه مع حسرة وندامة مادام لم يتفرغ للتمتع به بحق ولأيام تستحق هذا التعب وألم الحرب والغصب ومنغصات المقاومين من المظلومين وتأنيب الضمير إن بقي عنده منه شيء يذكر .

ولكن بتعاليم الله تعالى : يسموا الإنسان ويكون لحياته قيمة ولوجوده معنى ، وكم من التعاليم التي بثها الإسلام حتى في المعاندين له وألزم بها أشد أعداءه وجعلهم أناس يحترمون الأخلاق الفاضلة وينادون بها ، ويتشبثون بأنهم يطبقوها ويتظاهرون بها ، وإن كانوا في الداخل من وجودهم يشم الفطن منهم كل مكر وحيله وخداع وحب الوعد والوعيد والتسلط من غير حياء ، وترى بأقل تدبر في سيرتهم إن في فكرهم وعلمهم وعملهم غير ما يذكرون .

فإن الإسلام وتعاليمه الكريمة : هي التي تملئ عقل الإنسان وقلبه معنى واقعي لحب البر والإحسان وطلب المغفرة من الرب الرحمان ، حتى جعل الإنسان الآن بما عرفنا من تعاليمه فيه بعض الخير والصلاح واحترام للحقوق ولو ظاهرا ،   وهذا كافي لأن يسير الإنسان بسلام بعض الوقت ، حتى يقيم الله دولة الحق في اليوم الموعود ويمكن عباده ، إذ قال الله تعالى : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } القصص5 .

فنسأل الله أن يظهر دينه بوليه الحق ويجعلنا معه إنه أرحم الراحمين .

 

البرهان الرابع

الإمام علي يبين ضرورة بعثة نبينا الأكرم

 

كان في زمان بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : المجتمع البشري بصورة عامة في جميع بقاع الأرض وبالخصوص في شبه الجزيرة العربية ؛ بحاجة ماسة وضرورة قائمة لنبي كريم يقوم بأعباء الرسالة والتبليغ لأحكامه الله تعالى وتعاليمه ، ولكي يرفع الناس إلى العدل والإنصاف والإيمان بالله تعالى ويدلهم على مكارم الخلاق والصفات الحميدة ، وبصورة صحيحة ليصل بهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وذلك بعدما ساد الجهل والظلم و انحطوا في الكفر والشرك والنفاق وتعاملوا بالخيانة والغدر والمكر والحيلة  ، و بدلو أكثر الناس نعم الله كفرا ، وضلوا عن سموا معرفته وعبوديته ، وآياته الحكيمة لتربيتهم وتهذيبهم وعن أحكامه الطيبة وتعاليمه المطهرة للروح وللبدن ولكل شيء في المجتمع .

فبعث الله سبحانه وتعالى : نبي كريم في ذاته ونسبه وصفاته و شريف في جمع خصائصه وحالاته ، سيد المرسلين وخاتم للنبيين وحبيب لقلوب العالمين ، آلا وهو نبينا محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أجمعين صلاة الله وسلامه ، وأيده بنصره بالنبوة ومعارف الكتاب والحكمة ، فأنزل عليه كلامه الكريم القرآن المجيد بعد أن نص عليه بالتوراة والإنجيل الغير محرفين ، وعرّفه الأنبياء السابقين لأممهم وبشروا به مجتمعاتهم ، فضلا عما أختص به صلى الله عليه وآله وسلم من خُلق عظيم يفوق جميع من سبقه ومن لحقه من الأولين والآخرين .

وهذه وصية لوصي النبي وخليفته بالحق : علي بن أبي طالب عليه السلام يبين حال الناس في زمان بعثة نبينا الأكرم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويبين ضرورة بعثته وحاجة الناس إليه ، وكيف إنه مختار مصطفى على علم بإخلاصه في تبليغ دينه ، وهي تعرفنا شرفه وكرامته عند الله وتكامل هداه لكل البشر فيسعدهم تطبيقه ، ولكي لا أطيل عليك الكلام يا طيب ،  نذكر كلام سيد البشر عليه السلام بعد نبينا ، وقد ذكرنا قسمه الأول في النبوة العامة ، وهذا القسم الآخر في النوة الخاصة ونتدبر فيه :

قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : (( ....  إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله لإنجاز عِدَتِهِ وَتَمامِ نُبُوَّتِه ِ.

 مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ كَرِيماً مِيلادُهُ.

 وَأهْلُ الأرض يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ للهِِ بِخَلْقِهِ ، أَوْ مُلْحِدٍ في اسْمِهِ ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرهِ .

 فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ .

 ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمحَمَّدٍ صلى الله عليه لِقَاءَهُ ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ ، فَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا ، وَرَغِبَ بِهَ عَنْ مُقَارَنَةِ البَلْوَى ، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأنبياء في أُمَمِها ، إذْ لَم يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً ، بِغَيْر طَريقٍ واضِحٍ ، ولاَ عَلَمٍ قَائِمٍ )) . نهج البلاغة ، الخطبة الأولى .

  وقال عليه السلام في خطبة أخرى له : (( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أرْسَلَهُ بِالدِّينِ المشْهُورِ، وَالعَلَمِ المأْثُورِ ، وَالكِتَابِ المسْطُورِ ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ ، والأمر الصَّادِعِ .

 إزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ ، وَتَحْذِيراً بِالآيَاتِ ، وَتَخْويفاً بِالمَثُلاَتِ .

 وَالنَّاسُ في فِتَنٍ انْجَذَمَ ، فِيها حَبْلُ الدِّينِ ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي ، اليَقِينِ ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ ، وَتَشَتَّتَ الاََْمْرُ  وَالمَصْدَرُ .

 فَالهُدَى خَامِلٌ ، واَلعَمَى شَامِلٌ .

 عُصِيَ الرَّحْمنُ ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ ، وَخُذِلَ الإيمان ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ ، وَتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ ، أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ .

 في فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا ، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا ، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا ، فَهُمْ فِيهَا : تَائِهُونَ حَائِرونَ ، جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ ، في خَيْرِ دَارٍ ، وَشَرِّ جِيرَانٍ ، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ ، بأَرْضٍ عَالِمُها مُلْجَمٌ ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ ))[1] .

 

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له يصف فيها العرب قبل الإسلام :

 ((  إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ .

 وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ : عَلَى شَرِّ دِينٍ ، وَفِي شَرِّ دَارٍ ، مُنِيخُونَ (1) بَيْنَ حِجارَةٍ خُشْنٍ (2) وَحَيَّاتٍ صُمٍّ (3) تشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ (4) وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ ، الأصنام فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ ، والآثام بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ ))[2]

ومن خطبة له عليه السلام  في الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وبلاغ الإمام عنه وقال فيها :

(( أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ (1) مِنَ الرُّسُلِ ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الاَُْمَمِ ، وَاعْتِزَامٍ (2) مِنَ الْفِتَنِ ، وَانْتَشَارٍ مِنَ الاَُْمُورِ ، وَتَلَظٍّ (3) مِنَ الْحُرُوبِ ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ ، عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا ، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا ، وَاغْوِرَارٍ (4) مِنْ مَائِهَا ، قَدْ دَرَسَتْ أعْلامُ الْهُدَى ، وَظَهَرَتْ  أَعْلاَمُ الرِّدَى ، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ (5) لاََِهْلِهَا ، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ (6) وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ (7)  وَشِعَارُهَا (8) الْخَوْفُ ، وَدِثَارُهَا (9) السَّيْفُ .

 فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ ، وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ(10) وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ .

وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلاَ بِهِمُ الْعُهُودُ ، وَلاَ خَلَتْ فِيَما بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم الاََحْقَابُ (11) وَالْقُرُونُ ، وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلاَبِهِمْ بِبَعِيدٍ ))[3] .

والله الكريم : إنها لمعارف قيمة وحكيمة في قصر لفظها وكبير معناها ، ولترين كل تأريخ الدين وأهل في صدر الإسلام وقبله وبعده ، وتعرفنا حال عباد الله ، وترشدنا لعظمة الله في تدبير خلقه وحبه لهم ليعلمهم ما به صلاحهم وخيرهم ، حتى ليتنعموا بعبوديته وطلب الحلال من ورزقه ، والعدل والإحسان والبر بينهم ، ويتوجهوا بكلهم لطاعة الرب والكون في رضاه .

وهي بنفسها : ترينا إن التفكر يدل على الله تعالى وهداه التشريعي حتمي وإن مجتمع النبي الكريم محتاج له بأشد ضرورة ، فكان بلطف الله بعثته وإنزال تعاليمه عليه ، ونسأل الله أن يجعلنا من المهتدين به وبآله ورحم الله من قال آمين.

 

البرهان الخامس

ضرورة بعثت نبينا ببيان فاطمة الزهراء

قالت بضعة المصطفى سيدة نساء أهل الجنة فاطمة الزهراء بنت النبي عليها السلام في خطبة لها في مسألة غصب فدك ، تعرفنا معرفة كريمة في معرفة أحوال المجتمع البشري أو قوم أبيها النبي الأكرم قبل البعثة ، وإنه كان  بعثته لهم بفضل الله ولطفه ووفق أمرا مقضيا لعلمه بثباته وطهارته في عبوديته وتبليغ رسالته ، وجده وجهاده لنشر دينه حتى يُعرف ويحلي عباده بكل كمال لوجودهم ولإنسانيتهم من هدى دينه القيم ،  فاسمعها يا طيب وهي تقول بأفصح كلام وأبلغه ، فإنها فاطمة الزهراء أم أبيها نبي الرحمة صلى الله عليهم وسلم :

(( … اشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمّن القلوب موصولها ، وأنار في التفكير معقولها .

الممتنع : من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيته ، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثالها ، كونها بقدرته ، وذرأها بمشيته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلا تثبيتاً لحكمته ، وتنبيهاً على طاعته ، وإظهار لقدرته ، وتعبداً لبريته ، وإعزازاً لدعوته ، ثمّ جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، ذيادة لعباده عن نقمته ، وحياشة إلى جنته .

وأشهد أنّ أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله ، أختاره وانتجبه قبيل أن أرسله ، وسماه قبل أن اجتبله ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونه ، علما من الله بمآل الأمور ، وإحاطة بحوادث الدهور ، ومعرفة بعواقب الأمور .

أبتعثه الله تعالى : إتمام لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنقاذا لمقادير حتمه .

 فرأى الأمم : فرقاً في أديانها ، وعكفاً على نيرانها ، عبادة لأوثانها ، منكرة لله مع عرفانها .

 فأنار الله بابي محمد صلى الله عليه وآله : ظلمها ، وكشف عن القلوب بهمها ، وجلى عن الأبصار غممها ، وقام في الناس بالهداية ، وأنقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى السراط المستقيم ......

 فجعل الله : الإيمان تطهيرا ، لكم من الشرك، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق ، والصيام تثبيتا للإخلاص، والحج تشييدا للدين، والعدل تنسيقا للقلوب، وطاعتنا نظاما للملة، وإمامتنا أمانا للفرقة ، والجهاد عزا للإسلام ، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ، ومنماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، و اجتناب القذف حجابا عن اللعنة، وترك السرقة إيجابا للعفة، وحرم الله الشرك إخلاصا له بالربوبية ، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وأطيعوا الله فيما أمركم به و نهاكم عنه فإنه إنما يخشى الله من عباده العلماء... )) الاحتجاج 1: 145 ، وذكر في الغدير 7 : 192 بعض مصادرها .

في الحقيقة هذه الخطبة الكريمة : الصادرة من بضعة المصطفي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها فلسفة وحكمة خلق الخلق وبعثة الأنبياء وأسبابها وضرورتها بكل المعاني العقلية الثلاثة التي عرفتها كبراهين في أول هذا الباب ، والمتدبر في ما ذكرنا يفهم غاية الخلق والغرض من وجود الإنسان وتكليفه وبعث الأنبياء ، وحاجة المجتمع البشري لخاتم الرسل كأمر مقضي له فضلا عن اختلاف الناس وحاجتهم لهداه في كل زمان حتى الآن ، وبالخصوص يعرف المتابع للخطبة في خواص العبادات وحال المسلمين قبل وأثناء البعثة وبعدها ، فيفهم المرام التام لضرورة بعثة النبي وأهمية وجوده الكريم ودينه القويم لكل زمان ومكان والآن بما لا مجال لإنكاره لمنصف ولكن الإنسان يعصي ولا يتحقق بهدى الله تعالى مع البراهين الجلية لدينه القويم والهادي لكل نعيم ، ومن يريد المزيد فليرج للخطبة في الاحتجاج والغدير وفي الكتب المكتوبة في فدك وحياة الزهراء عليها السلام .

 

 

 

البرهان السادس

جعفر الطيار يجعل النجاشي يقر لهدى الإسلام

 

يا طيب : إن من شواهد الصدق على شرف بعثة نبينا الكريم وخاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم ، وضرورة وجوده في مجتمعه هو ما نعرف من البراهين الحتمية لتدبير الله وإتقانه لكل شيء بما في ذلك هدى الإنسان والإذعان له عقلا ولباً ، ويدعمه ما ذكرنا من حال المجتمع الإنساني وما يصل إليه من الخساسة بقصوره وطمعه لحب الدنيا وزينتها ، وكل ما فيها من العجب والفخر والخيلاء بإقامة الباطل والتظاهر بالغطرسة والظلم ، ولكن عرفت إنه بهدى الله وببعثة النبي الكريم رفع هذا الظلم والكفر من وجود كثير من الناس ، وكان حجة على باقيهم وإن لم يؤمنوا ظلما وطغيانا على أنفسهم ومجتمعهم ، وإنكاراً لنعم ربهم مع تمتعهم بها .

وقد عرفت هدى العقل وأئمة الحق : وهذا أبن عم النبي وأخي الوصي وجعفر الطيار في الجنة يعرفنا ، حال المجتمع الضال قبل البعثة ، وما كرم الله به نبيه من الهدى الذي تحلوا به ، فنرى ضرورة البعثة لخاتم الأنبياء حتى لقد أذعن النجاشي حاكم الحبشة لفضله وكرامة تعاليمه وأحقية هداه ، فرفض هدايا الكفرة والظلمة، وأوى المؤمنين لإنصافه للحق وإذعانه للهدى في داخل وجوده .

فنذكر يا طيب : بعد ما عرفنا كلام الله في سورة الجمعة ، وأقوال الإمام علي عليه السلام ، وبضعة النبي فاطمة الزهراء عليها السلام ، التي تعرف حال المجتمعات التي كانت تسود ذلك العصر الذي عمه الجهل والأمية وحرفت جميع الأديان ولم يبقى من تعاليم الله تعالى شيء يعتد به للتقرب به لله تعالى ، أو للتعامل البشري المنصف فيما بينهم ، بل أخذ الإنسان يظلم عائلته ويقتل بنته فضلاً على غصب حق غيره أو هدم بناء مجتمعه . قال : جعفر بن أبي طالب للنجاشي : حين سأله عن حقيقة دينهم ، وذلك لما قريشا وجهت بعمرو بن العاص وعمارة بن الوليد المخزومي إلى النجاشي بهدايا .

 وسألوه أن يبعث إليهم بمن صار إليه من أصحاب رسول الله وقالوا :

سفهاء من قومنا : خرجوا عن ديننا ، وضللوا أمواتنا ، وعابوا آلهتنا ، وإن تركناهم ورأيهم لم نأمن أن يفسدوا دينك .

 فلما قال عمرو وعمارة للنجاشي هذا . أرسل إلى جعفر فسأله .

 فقال جعفر الطيار رحمه الله :

( إن هؤلاء على شر دين : يعبدون الحجارة ، ويصلون للأصنام ، ويقطعون الأرحام ، ويستعملون الظلم ، ويستحلون المحارم .

 وإن الله بعث فينا نبيا : من أعظمنا قدرا ، وأشرفنا سررا ، وأصدقنا لهجة ، وأعزنا بيتا .  فأمر عن الله : بترك عبادة الأوثان ، واجتناب المظالم والمحارم ، والعمل بالحق ، والعبادة له وحدة ) .

فرد النجاشي على عمرو وعمارة الهدايا ، وقال : أدفع إليكم قوما في جواري على دين الحق . وأنتم على دين الباطل[5] ! ...) .

من معجزات نبينا الأكرم هو معرفته بإنصاف النجاشي وعدله بفضل الله عليه وتعريفه له ولذا أمر المسلمين للهجرة للحبشة عنده ، وصدق الله ورسوله ، فإن هذا الكلام صدقه النجاشي وقوم النبي الذين كانوا يحاربوه وأذعنوا لفضله ولم يستطيعوا أن ينكروا ما عرفه جعفر الطيار رحمه الله ، وهذا بيان حق لولاية الله وعظمته وعنايته بخلقه وحبه لهداهم حتى بعث لهم أكرمهم وأفضلهم ، فنسأل الله أن يعرفنا دينه وهداه الحق ويحققنا به إنه أرحم الراحمين .

 

البرهان السابع

تبشير الرسل بنبينا يعرفنا ضرورة بعثته

 

ذكر نبينا الأكرم والتبشير به من قبل الرسل في الأمم الماضية ، تعرفنا به كثير من الشواهد ، حتى ليكون برهان حق على توحيد الله ، وإتماما لحجته بولي دينه ، بحيث يبعثه ليتمم مكارم الأخلاق،  ويرفع الاختلاف بين الأمم ، ويحل لهم الطيبات ، ويهديهم لمعرفة عظمة الله بقدر الوسع والطاقة ، فيعرفهم عظمته وأسماءه الحسنى وصفاته العليا التي لا توجد في أحد من الأديان غيره .

وهذا أمر معجز يسير في الزمان حيث يصدق الله الأنبياء السابقين ، فيبعث خاتم المرسلين بهدى كريم ، ويدل عليه كما بشر به الأنبياء والمرسلين  ويبرهن على هذا الأمر بالقطع والبت أمور منها : 

الأول : تبشير الرسل بنبينا الكريم حكاه الله كتابه :

قال الله تعالى في كتابه المجيد :

{ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (26)

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)  } البقرة .

وسكن قريش في مكة من ذرية إبراهيم وبناء الكعبة شاهد لظهور نبياً كريم يعرفهم الكتاب والحكمة وهدى الله ، وإنه يظهر لعرفهم ما عرفت وما قال سبحانه :

{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } المائدة 15.

 

وقال سبحانه وتعالى في القرآن الكريم :

{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ

وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } الصف 6 .

وقال تعالى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ

يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ .

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157)

 قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } الأعراف 158 .

 

الثاني : هجرة اليهود لشبه الجزيرة العربية :

فإنه لتبشير الأنبياء السابقين : هجر أهل البلد المبارك بالخيرات من الماء والنبات وكل ما يساعد على سكن الإنسان بنعيم فلسطين ، وتركوا بلدهم بعض الناس من المؤمنين في زمانهم وسكنوا هم وعائلاتهم عند مهاجر النبي ، وكانوا يرجون في ذلك أن يكرم الله أحدهم فيجعل فيه أو في ذرية النبوة ، ولكن بتناسل الذرية وتقادم المدة ضل عن الهدى الحق أكثرهم وحرفه بعضهم واختلفوا .

ثم لما بعث النبي الكريم من غيرهم لم يؤمنوا به ، وحكايتهم وقصصهم وحروبهم للنبي وقبله وتبشيرهم بظهوره في مكة والمدينة وغيرها وبناء معاقل في فدك وخيبر وسكن بني النضير وغيرهم ، يشهد له التأريخ والقرآن المجيد وآثارهم والوقائع التي كانت بينهم وبين المسلمين ، وكانت عندهم مواصفاته الكريمة حتى قال الله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } البقرة 146 .

 

الثالث : معرفة سلمان الفارسي والنصارى والأنصار بنبينا :

يا طيب إن معرفة سلمان الفارسي : رحمه الله به وهجرته إليه ، وإسلام بعض اليهود ، لدليل على معرفتهم ببعثته ونبوته صلى الله عليه وآله وسلم .

 وحكاية كثير من القصص في معرفته من قبل النصارى في أثناء سفره للشام بل حكيت قصص عن الرهبان في معرفته ، بل عرفوا نوره الكريم في صلب أجداده وأبيه ، ولسرد كل ما ذُكر عن معرفة أهل الأديان السابقة ببعثة نبينا الكريم وزمانها بل مواصفاته يحتاج لكتاب .

وإن هذا البرهان وحده : يدلنا بالقطع والبت على بعثة نبينا الكريم بالحق ، وإنه جاء بهدى الله الصادق ، لأنه معجز أن يبشر به من آلاف ومئات السنين ويظهر بأحسن دين كما عرفوا من صفاته ومكارم دينه ، وإنه يصدقهم ويصدقونه ، يصدقهم في كتاب الله ، ويعرفوه ويبشرون به بكل سيرتهم من سكنهم وأقوالهم وأكرم ظواهر أحوالهم لرجاء ظهوره بينهم ، بل حتى الأنصار لما آمنوا به ودعوه لأن يأتي للمدينة لكثرة ما سمعوا منهم بظهور نبي الرحمة في هذا المكان والزمان ، فطلبوه ونصروه وآمنوا به ونشروا دينه ورسالته ، وستأتي هجرة للمدينة وبقائه فيها في أبواب تالية فانتظر يا طيب حتى حين .

 

 

البرهان الثامن والتاسع

ختم هدى الله بالإسلام و شموله يثبت نبوة نبينا

 

 عرفنا بعض الشيء المهم عن حال زمان نبينا الكريم ، وبه عرفنا حاجة مجتمعه له وضرورة بعثته عليه السلام ، وكان بيان لما قبل الإسلام وحينه ظهوره ، وهنا نشير إلى عالمية الإسلام وهداه الحق وخاتميته لنزول هدى الله بعد نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا يشهد له بحق ويصدقه بواقع الوجود كل متتبع للتاريخ البشر الديني والمدني ، فيرى إن هدى الإسلام وتعاليمه تصدع بمسألة عالمية الإسلام وشموله لكل البشر ، وأنه به ختم الله معارف هداه ولا يرضى بغيره بدلاً ، وصدقه التأريخ وحكاه الله بنفس كتابه المجيد وبسنة نبيه ومعارف دينه ، وإنه للإسلام هدى شامل لجميع جوانب الحياة ، وله معارف واسعة ومحكمة متقنة تصليح لكل البشر ولكل زمان ومكان .

فإنه يا طيب : قد جاء الإسلام للناس كافة ، وهو رحمة لهم ، ويرفع الآصار والأغلال عنهم ، ويهديهم الصراط المستقيم ولحقيقة عبودية الله ويوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة وبهذا :

قال الله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } الأعراف 158. وقال عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء 107 .

وقال تعالى : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) … تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)

وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) …

 وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ

وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَء

وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }النحل 91  .

وقال الله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ

فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } المائدة 48 .

وقال الله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ } آل عمران 164.

عرفت يا طيب : إنه كانت قد فقدت قبل زمان بعثته صلى الله عليه وآله وسلم كل القيم الإنسانية ، حتى جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجمعهم على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، ونصر الله دعوته حتى عمت أهم أقطار الأرض بعد فترة وجيزة وتمت حجت الله تعالى على جميع البشر  .

 هذا ولم يأتي نبي بعد نبينا محمد : صلى الله عليه وآله وسلم ، من يدّعي النبوة وعنده شاهد صدق على دعوته ونبوته ، ولا من حجة ودليل وبرهان يدعم مقولته ، حتى عرف بين البشر جميعهم بعد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يوجد نبي صادق ، وكل مدعي للنبوة بعده كاذب ، ولكن لو تتبعت قبل ظهوره تأريخ الدين لوجدت كثير من الرسل والأنبياء وما أنزل الله تعالى من الهدى على الأمم ، ولكن بعده لم يوجد أحد .

وهذا يدل على أمرين مهمين : الأول : علمية هدى الله المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

 والثاني : هو خاتم النبوة به وبتعاليمه صلى الله عليه وآله وسلم ، وبهذا ، نعرف تمام الدين ورضى الرب به .

وإن وقوع الظلم في البلاد من الحكام ، ليس لقصور في الدين أو رب العالمين ، بل الله لا يجبر عبد بعد بيّن الرشد من الغي ، وإن الإنسان على نفسه بصير في طلب الكمال الحق والعدل والإحسان في تعاليم الرب الرحمان ، أو الطغيان ومتابعة هوى النفس والشيطان ، فيقوم من أجل كسب ممتلكات الدنيا بالظلم والعدوان ، فإن الإنسان قد خلق ومكن من الفطرة الطالبة للجمال والكمال والحق والعدل والإحسان وشكر المنعم ، وعليه أن يختار الحق وينصره ويطلب نعيمه وثوابه التام في الحياة الآخرة ، وهنا إن صبر ، أو جاهد إن كانت الظروف مناسبة فله أجر كريم عند الله في الآخرة والكرامة والعز هنا في الدنيا.

هذا وقد ذكرنا في بحث النبوة العامة : أسباب ختم النبوة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكرنا إذا تم استعداد البشر لتلقي أعلى ما يمكنهم من التعاليم الربانية ووجد من يحافظ عليها على طول الزمان المتبقي من الدنيا ، يختم الله النبوة ويتم إنزال تعاليم جديدة فراجعه إن أحببت أن تعرف التفصيل ، وبهذا المقدار نختم بحث ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وأله وسلم .

 والفوز والنجاة وراحة البال للطيبين ولهم رحمة الله وهداه ونصره ، وعند الصباح في يوم الحشر الأكبر يحمد القوم ربهم بأن تكون أخر دعواهم الحمد لله رب العالمين ، الذي جعلهم يتبوءون من الجنة والنعيم حيث يشاءون عنده مع العز والكرامة والمجد ومُلك لا يبلى ، والخزي والعار والنار لكل ظالم ومعتدي وضال لم يطلب الحق في معارف الرب الرحمان عز وجل ، ولم يهتدي للنور الذي فيه العدل والإحسان في دين الله القيم .

وإذا عرفنا هذا يا طيب : عرفنا إن نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم النبيين وهو سيد المرسلين ، وبه نعرف إن دعوة شاملة لجميع البشر إلى يوم الدين ، وإن الله تعالى حافظ على دينه بأوصياء له كرام من آله الطيبين الطاهرين كما تثبته بحوث الإمام وسيرة آله بعده ، وما عرفنا سبحانه في كتابه من ملاك الإمامة الذي حلاهم بها وصدقته معارفهم التي ظهروا بها بكل شيء من وجودهم .

وبعد إن عرفنا : إن نبينا الكريم المصطفى المختار محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قد بعثه الله ويصدقه العقل والتأريخ وهدى الدين والإنسان المنصف ، نذكر أمور من معارف أحواله الذاتية الكريمة ونتعها بسيرتها ، وبكلها نعرف حين تطبقها ، كرامته الذاتية في وجوده حين ذكر أصله وفصله الكريم في النسب ، ونذكر همته وجديته في تطبيق ما بعثه الله به ، وسعيه الكريم لتبليغه بأحسن خلق كريم ، ونعرف آدابه وصفاته ، فنعرف بهذا أمر كريم وهو معرفة النبي والنبوة ، ونتحقق إن شاء الله باليقين بهدى الدين الحق ، وإنه منزل على أشرف الأنبياء والمرسلين .

 ونسأل الله  أن يجعلنا مع نبينا وآله الطيبين الطاهرين وكل الأنبياء والمرسلين والطيبين والصالحين والشهداء والصديقين وصحبهم المنتجبين ،  نحف بهم عند الحوض وتحت لواء الحمد وتحت عرش الرحمان في المقام المحمود في جنة الخلد ولمك لا يبلى وحياة طيبة كريمة أبدية بفضله ومنه وتوفيقه ، وهو أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

 



[1] نهج البلاغة الخطبة الثانية .
[2] نهج البلاغة الخطبة 26 ، والشرح 1. مُنِيخُون: مُقيمون ، 2 . الخُشْن: جمع خَشْنَاء من الخشونة ، 3 . وصف الحيّات «بالصّمّ» لاَنها أخبثها إذ لا تنزجر بالأصوات كأنها لا تسمع ،4. الجَشِب: الطعام الغليظ أوما يكون منه بغير أدم.
[3] نهج البلاغة الخطبة السادسة والعشرون ص [89] والشرح 1ـ الفَتْرة: ما بين زماني الرسالة. 2 ـ اعتزام، من قولهم: «اعتزم الفرس» إذا مرّ جامحاً. 3 ـ تَلَظٍّ: أي تَلَهّب. 4ـ اغْوِرار الماء: ذهابه.  5 ـ متجهّمة، من «تجهمه»: أي استقبله بوجه كريه. 6 ـ ثَمَرُها الفتنة: أي ليست لها نتيجة سوى الفتن. 7 ـ الجيفة : إشارة إلى أكل العرب للميتة من شدة الاضطرار. 8 ـ الشّعار من الثياب: ما يلي البدن. ،9 . الدّثار: فوق الشّعار. 10ـ مُرْتَهَنُون : أي محبوسون على عواقبها في الدنيا من الذل والضعف. 11ـ الاَحْقَاب: جمع حُقب ـ بالضم وبضمتين ـ قيل: ثمانون سنة، وقيل أكثر، وقيل: هو الدهر.
[4] الاحتجاج 1: 145 ، وذكر في الغدير 7 : 192 بعض مصادرها .
[5] تأريخ اليعقوبي 39.

 

 

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين

 

إلى أعلى مقام الصفحة صفح الله عنا بحق سيد الأنام


يا طيب إلى الفهرس العام والخاص لصحيفة النبوة بسلام