هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
الأصل الثالث للدين صحيفة النبوة العامة   والخاصة  لنبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم
الباب الثامن

القرآن المجيد هدى رب العالمين ومعجزة خالدة لسيد المرسلين وللناس أجمعين

في هذا الباب : بيان يرينا عظمة كلام ربنا الرحمان الذي علم القرآن ، وخلق بني الإنسان فعلمهم معنى البيان العظيم البليغ الخالد المعجز الذي لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ، فيؤمنوا بالمرسل والرسول والرسالة في كل زمان ومكان كانوا فيه وبه .

 

تذكرة : أيد الله نبيه بالمعجزات وأهمها القرآن المجيد:

إن معجزات نبينا الأكرم : التي أيده الله بها ، فعرّف العباد أحقية نبوة خاتم الأنبياء وصدق سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لكثيرة ، وقد سبقت وجوده في هذا الكون ، فهو أول من أجاب دعوة الله في عالم الذر وقد عرفت هذا في كلامنا عن نوره الأكرم في باب مولده وعند الكلام عن نوره في صلب أجداده وفي ولادته وبعثته المباركة ، وباقي أدوار حياته الكريمة في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، ويكفيك أن تتصفح تأريخ حياته الشريفة لترى تأييد الله وتسديده له في كل خطوات وجوده الكريم الشريفة المبارك وإلى يوم الدين .

فكل ما ذكرنا : عن نبينا الأكرم من أحاديثه الشريفة ومعارفه العلمية وآدابه الخلقية الحسنة وسيرته العملية في كل تصرف له بالخصوص في ثباته وجهاده وإصراره من أجل تبليغ رسالة ربه ، كلها تدل على أن تعاليمه وسيرته وخلقه الكريم لم يكن من إنسان عادي ، بل لابد أن يكون له تأييد من الله تعالى وقد رباه وعنى به وعلمه فبعثه رحمة للعالمين ، حتى أشرق نور هدى الله لعباده من وجوده وبأحاديثه الشريف معارف قيمة ، وبفصيح البيان وببليغ الكلام الذي لم يكن يُعرف مثله في الهدى والنور الذي بحق يُصلح العباد ويُسعد البشر ، لا في البيان والحكمة البليغة ولا في المنطق والموعظة الحسنة ، ولا في تعاليمه العالية ولا في هداه الواقعي الصادق ، وقد عرفت حقائق عما ذكرنا في الأبواب السابقة .

فيا طيب : إن ما ذكرنا يدلنا بأن كل حياة نبينا الأكرم كانت معجزة إلهية لهداية البشر وللسلوك بهم للصراط المستقيم ولنور المعرفة واليقين ليقيموا عبودية رب العالمين ، فيصلوا للحياة السعيدة الكريمة والأخلاق الفاضلة الشريفة ، ومن خلال كل تعليم عرفه لنا وسيرة وسلوكا ظهر به صلى الله عليه وآله .

ويا أخي : تدبر أي فترة من سيرة ووجود وأحاديث نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، سوءا في أخلاقه الكريمة وسلوكه أو أقوله وأحاديثه الشريفة وتعاليمه كلها ، فإنك ستراه في كل الأحوال في السر والعلن والحل والترحال والسرور والغضب لم يخرج من الحق ولم يؤثر عليه شيء فيقول باطل ، وتقلب الأحوال لم يحرفه لحظة عن العدل والإنصاف في سيرته ولا في كل أموره ، فهو بكل شيء ظهر به معجزة لرب العالمين ليعلمنا ضرورة بعثته وشاهد حق على نبوته ، وإن الله كان اصطفاءه لأشرف الأنبياء والمرسلين بحق لعلمه بصبر في سبيل نشر دعوة الله وتبليغ رسالته وإقامة عبوديته بكل وجوده .

 ولنبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزات : كثيرة فضلاً عما ذكرنا ، وهي من الإسراء والمعراج وما أخبر عما رأى في طريقه لبيت المقدس إلى شق القمر وتكلم الحصاة بين يديه إلى إخبار الله له في كلامه بانتصار الروم بعد أن غلبوا ، إلى إخباره عن انتشار دينه وسيأتيك بيان بعضها ، وأهم معجزاته بعد وجوده الكريم هو كتاب الله المنزل عليه القرآن الكريم .

وقد كتب المسلمون في الإعجاز القرآني : كتب كثيرة وتعرض لبيان الإعجاز القرآني كل من كتب في علوم القرآن أو في تفسيره ، راجع الجزء الأول لتفسير الميزان للعلامة الطباطبائي رحمه الله في تفسير الآية 23 من سورة البقرة ، أو تفسير البيان للسيد الخوئي ، وإن أستاذنا آية الله الشيخ محمد هادي معرفت حفظه الله خصص عدة أجزاء من كتابه الموسوم بالتمهيد في بيان الإعجاز القرآني ومصاديقه ، حتى أرانا بحق إنه بحر عميق لا تفنى عجاب معارفه ولا قوة بيانه .

ويا طيب : إن البحث في معجزات نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتقسيمنا في بابين ، الباب الأول : في القرآن الكريم وهو المعجزة الخالدة والمثبتة لكل أصول الدين وفروعه ولكل تعاليم الله الدائمة ، والباب الثاني الآتي: في معجزات نبينا الأكرم الكونية والعملية بل والعلمية ، والتي نقلها المسلمون الذين عاش وقائعها في زمانه بل حكاها التأريخ بعده وعرفنا صدقها ، ونحاول أن نجعل البحث على نحو الاختصار في البابين والله ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين.

 

 

البحث الأول

معارف عامة لبيان عظمة معجزة الله الخالدة القرآن المجيد

وفيه أمور :

الأمر الأول

التدبر في القرآن يعرفنا إنه كلام الله

البحث في إعجاز القرآن المجيد : وكل ما قيل فيه يحتاج لكتاب قد تتعدد أجزاءه ، ولكن يكفي الإنسان الحر من العناد للحق ، والمنصف في وجدانه : أن يتدبر القرآن المجيد ويتعرف على تعاليمه ، لكي يعرف أنه كتاب الله الذي فيه كل حق وهدى ، وهو كلامه الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبه قد تم ختم النبوة والرسالة ، وفيه كل تعاليم الله رب العالمين و التي يهدي بها عباده لكل خير وفضيلة وكمال وسعادة ، وهو المعجزة الإلهية الدائمة لجميع عباده إلى يوم القيامة وأين ما حلوا وفي أي زمان كانوا .

فمن تدبر في القرآن المجيد : وتعرف على تعاليمه ومعارفه بعين الإنصاف وطلب الحق من غير عناد ، فإنه يرى نفس روحه لا فقط تذوب في تعاليمه ومعارفه إن كان صادق ومجد في بحثه ، بل يعشقه ويعيش تعاليمه في كل وجوده ، وتكون معارفه صفة لقوله ولعمله ولأخلاقه ، ويوقن أن كلام الله في القرآن المجيد هو المعجزة الشاملة لجميع تعاليمه ولجميع البشر على طول التأريخ وعلى طول الزمان وفي جميع بقاع الأرض ، وهذه الخصوصية غير موجودة في كتب الأديان السابقة ولا في معجزات الأنبياء السابقين ، ولذا إن الله لا يقبل غير الإسلام ديناً لمعرفة تعاليمه ، وأن نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين لأن تعاليمه خالدة وصالحة ومصلحة لكل العباد وأحوالهم في كل زمان وبلاد .

تدبر في القرآن الكريم : سترى نفسك مذعن وموقن بأن هذا كلام خالق الكون وهاديه وإن تعاليمه لعباده فيه ، وإن المنزل عليه هو خير البشر وسيدهم ، وأشرف الناس وأنبلهم ، وسيد المرسلين وخاتمهم ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس علماً وعملاً ومنطقاً وأخلاقاً وذاتاً وصفاتاً ، ومرّ عليك شيء من سيرته وأقواله وجهاده صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن يُفتخر به وبسيرته وسلوكه ومنطقه فيقال إن خُلقه القرآن وتعاليمه وأقواله نابعة منه ، أو هو عين القرآن وهو القرآن الناطق ، وهكذا يوصف آهل بيته الكرام ، وهذا فخر كل مسلم وإنسان أن ينتسب في قوله وخلقه وصفاته للقرآن ولتعاليمه وانه ملتزم بمعارفه وخاضع له ، كما وإذا أردت أن تعرف حديثه وأنه منقول عنه فأعرضه على القرآن الكريم تعرف صدقه وخلوصه من الغش والخداع والريبة والشك ، وأنه حاوي لتعاليم الله بحق وينطق عن الله تعالى بصدق أم لا .

فهذا القرآن المجيد : يهدي للتي هي أقوم ، وهو منبع كل فضيلة وخير وبركه ، وفيه تعاليم الله الموصلة لحقيقة العبودية ، وببركته كان النبي وآله وصحبه الكرام سباقون بالخيرات والعمل الصالح ورسخ فيهم الإيمان ، وكان منهم اختيار الله لأئمة الهدى والخلفاء للرسول الأكرم ، وهذا القرآن المجيد كلام الله تعالى وهو عن الحكيم الخبير بما يصلح البشر ويدلهم على كل ما يحتاجه الإنسان من تعاليمه ومعارفه ، وأنزله الله على خاتم رسله وكرم الإنسان به ليقوده لسعادته وهداه ولكل فضل وكرامة في الدارين .

 وبهذا يا طيب نعرف إن القرآن المجيد : لكل إنسان يدله على الإيمان ومعارف الرب الرحمان ، ويهديه للتي هي أقوم ولكل خير وصلاح ، فيجعله مؤمن موقن بتعاليمه ويعتقد إعتقاد جازم بوجود المرسل والرسول والرسالة ، والباعث والمبعوث والبعثة لتعاليم الله الهادية للعباد إلى يوم الدين ، ولكن بشرط أن يراعي المتدبر الإنصاف وحقائق المعرفة وأصول الاستنباط ، وبشرط أن لا يحمل عليه ما لم يبينه الراسخون بالعلم المختارون من الله تعالى للصراط المستقيم ، فيلف ويدور ويبتغي التأويل أو الفتنه والعياذ بالله تعالى .

وبتلاوة القرآن المجيد : يجد المؤمن لطف وطراوة كتاب الله في لفظه ومعناه ، فتطيب النفس عند تلاوته ، وتتعطر الروح بتنسم معانيه ، ومع تكرار التلاوة تزداد المعرفة بعلومه واطمئنان النفس بتعاليمه ، ويرى من صفت روحه وحسنت نيته عند تلاوته إنه يتذوقه بعقله قبل لسانه ، وتسري النعمة الإلهية لهداية البشر في روحه فتخشع ويتأثر بدنه تبعا لروحه ويخضع للرب الرحمان المنان ، ويشعر بكل وجوده بأعجازه القرآن المجيد الخالد ، وإنه لكل البشر ويكفي إن يكون خاتم لتعاليم الله لأنه لا يمكن أن يتصور أو يكون للإنسان أحسن منها ولا أفضل .

كما أن مَن عرف حكمة الوجود : أيقن بأنه لابد لأن يكون لله تعالى كتاب هدى فيه كل ما يحتاجه البشر من التعاليم ، ولا يوجد قوم يدعون أن لهم كتاب مثله وبمنزلته ويصدقهم ما فيه من التعاليم ، وتدبر آيات القرآن الكريم تجدها أكبر شاهد لنبوة ولرسالة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بل لكل أصول الدين وفرعه ، ولمعرفة التفصيل في الإعجاز القرآني راجع الكتب المختصة في هذا الشأن وسيأتيك بيان .

 

الأمر الثاني

الكلام في إعجاز القرآن المجيد وسببه

الاستشهاد على إعجاز القرآن : وأنه أحد الشواهد المثبتة لنبوة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنه لابد من بعثته وتأييده بالمعجزة ، أو إنه كشاهد حق لجميع أصول الدين وفروعه ولمعرفة أحكام رب العالمين الشاملة لجميع أحوال الحياة الإنسانية بكل أبعادها ، يكون بعدة طرق وأساليب كلها تبين عظمته وشموخ القرآن المجيد في العلم والبيان والفصاحة ، ولكل من العلماء حسب تخصصه يرى سبيل لبيان الإعجاز في كتاب الله ، وحسب خبرته وما يستقيه من علومه ومعارفه ، وقد قال القدماء إن سبب إعجاز القرآن المجيد أمور منها :

الأول : القرآن المجيد معجز : من ناحية البلاغة والبيان .

الثاني : القرآن المجيد معجز : من ناحية إخباره بالمغيبات .

الثالث : القرآن المجيد معجز : لكثرة ما يتعرض له من العلوم في الأخلاق والمعارف الإلهية والإرشاد وفنون الحكمة والموعظة الحسنة ، ولكل ما يصلح البشرية من القوانين والأحكام ، فهو السبب الواقعي لسعادتهم في الدنيا والآخرة.

الرابع : القرآن المجيد معجز : لكون الله تعالى صرف الناس عن معارضته : إما بسلب القدرة والبيان عن الإتيان بمثله ، أو لصرف هممهم ، أو لسلب علومهم ، فشغلهم عن المعارضة .

وعلى كل الأحوال : إن الله سبحانه وتعالى يتحدى في كتابه المجيد بأن يأتي بسورة من مثله وقد قال الله تعالى : { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ } البقرة23.

وكانت وما زالت : أسباب المعارضة أو الإتيان بمثل القرآن المجيد كثيرة ، وهي إما لاختبار النفس في القدرة على المعارضة والفخر بالمجيء بما يشابه كلام الله المجيد ، أو للعناد ولإبطال التحدي وهدم القواعد التي يبتني عليها الدين ، وهذا بالخصوص بالنسبة للمنافقين والكفار والمشركين ، حيث مصارعة القلم والبيان أهون من مقارعة السيف والسنان ، ومصارعة الكلام وألفاظه أسهل من التعرض لحد النبال والرماح ، فإن العرب في صدر الإسلام وما زالوا فيهم البلغاء وأهل الكلام والخطباء ، وهم الفصحاء ، وفي مكة كانت تعقد مجالس الشعر والمفاخرة في سوقها عكاظ ، وهكذا كان مربد البصرة ، ولم يذكر لهم معارضة لها شأن تجاري القرآن ، وهذا تحدي الفرقان جاري لحد الآن .

ولو جاءت معارضة بحُسنه ومثله : لاشتهرت وعرفناها ، لأنها مهمة وفيها قيام دين كبير وله أنصار في مشارق الأرض ومغاربه ، أو عدمه وبطلانه إن تمت المعارضة والإتيان بمثل قرآنه وكتابه الذي يعتبره لا يعارض ولا تفند معارفه ، ولم يوجد إنسان استطاع بحق في كل زمان الدنيا بأن يأتي بمثل ما جاء به القرآن المجيد لا في معارفه ولا في قوة بيانه ، وقد كانت محاولات فاشلة لم تجاري القرآن في شيء بل كانت تُذكر ليسخر بمن أتى بها ، ويُعرف ضعف بصيرته ومعرفته ، وسنشير لها في آخر البحث ، ثم قد عرفت أنه لكل إنسان بيان في سبب إعجاز القرآن بما وفقه الله تعالى لطور بحثه ، وهذا بيان فتدبره يا طيب .

وفيما وفقنا الله له هو أن نذكر سبب إعجاز القرآن وكونه لأمرين :

الأمر الأول : إن القرآن تعاليمه حق وهو يهدي للتي هي أقوم :

الأمر الثاني : إن القرآن كلام فصيح موزون محكم البيان :

ولما كان لا يوجد كلام مثل القرآن محكم البيان فيه تعاليم حقة لا من قبله ولا من بعده حتى في الكتب السابقة التي يدعي أصحابها إنه نفسها الكتب التي جاءت من عند الله وتعاليمه على الأنبياء السابقين ، وإن كان الحق هي غير متوفرة بشكلها الأول في الكتب السماوية السابقة لأنها إما محرفة أو دونت ولم يراعى فيها الإحكام وحق المعارف الإلهية ، ولم يبقى إلا القرآن المجيد ، وإما ما في كلام نبينا الأكرم وآله الأطهار وصحبه النجباء وباقي المسلمين فهو كلام حق ومأخوذة تعاليمه من القرآن المجيد ، وحتى لو كان بليغ وحسن البيان وفيه معارف قيمه ، فهو لم يُدعى فيه إنه غير مستقى من القرآن ولا إنه يجاريه في البيان ، فإنه حتى ما جمع في نهج البلاغة وفصاحته ، فإنه يُعرف إنه من القرآن ولبيان هداه وفصيح لرسوخ أمير المؤمنين بمعارفه ، وهذا أقوى كلام جُمع فيه كلام العرب في المعرفة والفصاحة والبيان ، وهو لا يعارضه ولم يدعي أحد ذلك ، ولا يوجد لهم أحسن منه .

والكلام المعارض للقرآن المجيد بحسن حديثه : لابد أن يكون يعارضه في التعاليم وإحكام البيان ، وكل من عارض في التعاليم فتعاليمه باطلة ولا يفيده إحكام البيان ، بل لا يكون فيه بيان ؛ لأن الباطل غير فصيح وما صيغ بأسلوب الفصيح هو على نحو الوهم والتخيل ، ولم يكن كلام بليغ وفصيح على الحقيقة ، وهو بعيد عن الذوق الرفيع والعقل السليم الباحث عن الحقيقة والواقع فيكون ساقط عن المعارضة ، فلذا كلام الله لم يشبه بالشعر والخطب والنثر ، بل وصفوه بالسحر لأنه عذب يجذب القلوب والعقول لما فيه من الفصاحة والبيان والمعنى الحق والهدى الواقعي لرب الكون والمصلح للعباد بخير وفضيلة.

ولهذا قلنا : إن ما كان مستقى من تعاليم القرآن وكونه كلام حق ككلام النبي الأكرم فهو غير معارض للقرآن من هذه الناحية ، وإن كان كلام بليغ وفصيح ، ولكنه لم يصل لمستوى علوم القرآن ، وهو متأخر عنه في المعرفة والتأثير ، وبعده يأتي في الفصاحة والبيان ، ولم يقصد به المعارضة ، وإن أفضل كلام في الدنيا وأحسنه وأتقنه هو كلام الله المجيد ، ويأتي بعده كلام نبينا الأكرم ثم بعده وصي النبي الإمام علي وآلهما الأطهار عليهم الصلاة السلام ، وما جمع في كتاب نهج البلاغة من كلام الإمام علي عليه السلام وهو أفصح كلام العرب بعد كلام الله ورسوله ، ولكنه دون كلامهما ولا يقاس بهما مع أنه كلام أهل بيت النبي الأكرم عليهم السلام لا يمكن معارضته لحسن بيانه ومعارفه ، تصفحه وتدبر معناه تعرف ذلك ، فإنهم شارحي القرآن ومطهرون مثله يعرفونا معارفه وهداه لا أكثر .

وعلى كل الأحوال : إي كلام تتدبره والمقصود به المعرضة لكلام الله فهو باطل وغير محكم ، والغير مقصود به المعرضة مع فصاحته وإحكامه غير معارض للقرآن ، وإن كان حق فهو لا يقارنه في المعارف والبيان والتأثير مهما كان ، وهو تابع لتعاليم القرآن المجيد ونابع من هدى الله في كلامه ، وكلام الله أصل له وهو فرع له ، فيكون مؤيد لا معارض ، وشارح لا معاند ، ومنه مستقى لا مثله بحيث يمنع من تحديه في إنه خالد بأحسن المعارف والبيان لها .

فلذا لم يوجد لحد الآن ، بل لا يمكن معارضة القرآن على طول الزمان ، وهو يتحد كل إنسان من يوم نزوله إلى الآن .

وبعد الذي عرفت نذكر نماذج من البيانات القرآنية الكريمة ، والتي تبين فصاحة القرآن وعلو معارفه الهادية للتي هي أقوم وبأحسن بيان وأفصح كلام وأبلغ موعظة وهدى ، فتعرفنا عظمة تعاليمه التي هي أساس الحق ، ونور الهدى الذي يرشد لسعادة الواقعية لبني الإنسان بصدق .

 فلذا يكون كل بيان يأتي يعرفنا أمران كريمان في القرآن المجيد :

الأول : تعاليمه الكريمة الهادية للبشر بحق .

والثاني : حسنه وإتقانه وإحكام بيانه .

 وعلى هذا يكون البحث الثاني الآتي : بعد هذه المعرفة العامة ، ويكون مما نستشهد به لإعجاز القرآن هو نفس كلامه الله المجيد فيه ، فيكون بحثا خاصة يعرفنا إعجاز القرآن وهو بيان القرآن للقرآن ، فهو الشاهد الصدق على نفسه والمبين لعلو قدره وعظيم شأنه ، وهذا يكون بعد ما عرفت من المعرفة العامة في هذا البحث الأول .

 ثم نثلث بالبحث الثالث : لمعرفة إعجاز القرآن المجيد ، بما ذكر من فضله وعلو شأنه بتوسط خاتم الأنبياء وآله الكرام وصحبه النجباء .

ثم نذكر بحثا رابعا : الأحاديث وأقوال العلماء أو أهل المعارضة لمعرفة كيفية دلالته على المعجزة ، ومتوخين في ذلك كل ما نذكره الاختصار والإجمال ، وهي بيانات وشواهد تكمل بعضها البعض ، وتصب في معنى وحد لبيان إعجاز القرآن المجيد ، وقدمنا هذا البحث لكي لنعرف ما نقرأ ، و لكي نسلسل البحث في شرحه وبيانه لإعجاز القرآن وبيان لعظمته ، وليرسخ المعنى في النفس الطيبة ، ونسأل الله التوفيق ، ويهبنا معارفه ودينه علما وتطبيقا لكل هداه ، إنه أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وآهل الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال أمين يا رب العالمين .

 

 

البحث الثاني

القرآن معجزة خالدة يعرفنا نفسه ببيانه لتعاليمه وإحكامها

 

وفي البحث بيانات :

 

البيان الأول

القرآن معجزة لبيانه الموزون لتعاليم الله

 

القرآن الكريم : يشهد لنفسه بأنه كلام الله أُنزل بالوحي على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويُعرّف نفسه بما فيه من الكلام المحكم الحسن ، والفصيح المتقن ، والذي ينطق بالحق والصدق ، والعدل والإحسان ، والعلم والبيان . ولكي لا أطيل عليك بذكر مقدمات البرهان : نذكر شواهد من آي القرآن المجيد وهي الحاكم ليقين وجدانك على عظيم فصاحته وعلو معارفه ، وهي الفاصل الحق للضمير المنصف والحاكم بالعدل لمعرفة أنه معجز وأنه لا يمكن أن يأتي أحد بمثل تعاليمه أو فصاحته وبلاغته ، ولهذا البيان قال الله تعالى :

{ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ

الرَّحْمَانُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآن2َ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَان (4)

 الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } الرحمن 9.

 وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } الشورى 17 .

فهذه آيات كريمة : تبين إن الله الرحمان علمنا القرآن قبل إن يبين أنه خلق الإنسان لكي يلفت نظرنا لأهمية العلم والبيان ، وكان بهذا تعالى قد بين إن الإنسان كان إنسان لأنه فُضل على المخلوقات بالبيان ، والبيان حقيقة به يعلم مكنون الإنسان وأهميته وشأنه ، طبعاً البيان للحقائق ، ووفق العدل والحق الذي يقود الإنسان لكل خير وفضيلة وسعادة ، فهذا تعليم الله البيان للإنسان في أول وجوده ، ولم توجد مثل تعاليم القرآن المجيد تعاليم في كتاب تعرف هذه المعرفة لأهمية البيان في حقيقة الإنسان وبهذه الفصاحة والبلاغة والعلم الكوني والهدى فيه لكل شيء .

وأقرأ يا طيب : تعاليم الله لنبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أول بعثته ، واهتمامه تعالى بالعلم وتعليمه تدبر قول الله تعالى :

{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)

 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }العلق 5.

 فأفضل شيء في الإنسان هو البيان : وهو أهم من خلقه وأحسن شيء في وجوده ، وهذا البيان ينبع من العلم والمعرفة التي مكن الله بها عباده من التعبير عنها بالبيان الذي أودع قدرته فيهم ، وما أحلاه أن يكون وفق التعاليم الإلهية التي تعلمه العدل والإنصاف والآداب الحسنة والخلق الكريم ، وهذا هو الذي يجعل لوجود الإنسان قيمة وقدر يرتفع به عن الحيوان ، لعالم الفضيلة والكرامة والروح المنعمة السعيد المطمئنة بما عليها وما لها وبكل أمر يوصلها لخيرها ولسعادتها وفي كل جوانب الحياة لها ، وفي الحقيقة هذا هو معنى وجود الإنسان .

 فيا طيب : إن المعارف الإلهية هي التي تقود الإنسان الحي الصاحي وفق المنطق الحق والكلام الموزون المحسوب الذي به يعرف الحديث الحسن وصدقه وحقه ، وأنه سبيل للهدى والطريق للصراط المستقيم ، كما أن العدل في الوزن وكون الشيء حُسب له كل ما يديم وجوده ويهديه لصراطه المستقيم في كل شيء في الكون ، وهو لدليل على دقة المعاملة وحسن النظم وقوة المجري للقانون الكوني وخالقه في وجوده وفي هداه التكويني والتشريعي ، سواء في الكون والوجود أو في العلم والكلام والمعاملة في نفس الإنسان وأحواله ومع غيره .

 وما ذكرنا هو ما أشارت له الآيات القرآنية الكريمة السابقة : وبها يبرهن الله تعالى أنه فعل وأوجد كل شيء موزون وبحسبان سواء في الخلق أو في كلامه ، وبكلام الله بان ووضح مكنون عمله وطريقة فعله تعالى في الخلق وغرض الوجود وكيفية بقاءه وهداه ، وأوضح آثاره في تعليم عباده وسلوكه في المعاملة معهم وكيفيتهما ، ولا يوجد بيان لأحد له هذه القوة ويدعي قدرته على صدقه بهذه الفصاحة في المعرفة الكونية والهدى وحقيقة العدل فيه والإحسان .

 وتلونا آياته عليك : وتدبر كتاب الله المجيد تعرف كثير من حقائقه ، كما تدبر الكون ترى دقة النظم في كل شيء مخلوق ، ولم يدعي غير الله في كتابه حُسن الخلق ودقته وأنه كل شيء موزون فيه وهو خالقه وهاديه بأحسن دقة وحساب لكل شيء من وجوده وما يوصله لأحسن غاية له بأحسن هدى ، وهذا البيان من الرب الرحمان كان قبل اكتشاف الإنسان لكثير من دقائق الصنع وقبل تطور العلم في المعرفة الكونية التي يحكمها القانون الإلهي الذي يتجلى فيه النظم والدقة والإتقان والحُسن من الذرة للمجرة .

وهكذا تدبر كلام خالق الكون وهاديه الموزون الذي يهدي البشر في كتابه المجيد وإحكامه مع علو تعاليمه وشموخ معارفه ترى الحق في أنه كلام الله الخالد والمعجز الدائم لهداية البشر ، وعلى طول التأريخ مع كونه على الفصاحة والبلاغة ، فتوقن إنه كلام العليم الحكيم المنزل على نبينا الكريم لكي يهدينا للصراط المستقيم وبدين قويم وهدى عظيم موزون محسوب في علمه وبيانه وفي حقيقته وبرهانه .

 

 

البيان الثاني

حُسن بيان القرآن ليحسن العباد يدل على أعجازه

 

ولمعرفة البيان الإلهي : ودقته وإحكامه وحسنه وإتقانه سواء للكون أو لكلامه وتعاليمه تعالى ؛ تدبر خلق الله في الكون وما فيه وكتابه المجيد وتعاليمه فيه ، وهذا الكلام جاء من الله ليهدي الإنسان للصراط المستقيم وليشهد أن الله نزل كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم  ، وليعلمهم كل ما يحتاجون إليه لنظم حياتهم وإقامة العدل والإحسان بينهم ، ولكي تستقيم أمورهم وتعرف إنسانيتهم وليكون الإنسان إنسان ، أنظر قوله تعالى :

 { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ

وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ

وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ : بِالْعَدْلِ ، وَالإِحْسَانِ ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى

وَيَنْهَى : عَنِ الْفَحْشَاءِ ، وَالْمُنكَرِ ، وَالْبَغْيِ

يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } النحل 91 ، هذه المعاني الكريمة يبينها الله لعباده ليدلهم على صلاحهم ، وصدق نبيه في هداه وتعاليمه المنزلة عليه التي توافق فطرة الإنسان الطالبة للكمال والخير والفضيلة بحق ، وهي وحدها تكفي لمن يعمل بها أن يعيش إنسان كريم ، وتكفي لكل البشر كقانون كلي يعملون به ليصلوا لسعادتهم وليعيشوا بينهم بأمن وآمان ، وبأحسن هدى وبر وعدل وإحسان ، تدبرها يا أخي ما أحلاها من تعاليم.

ويا طيب : إن تعاليم  الله تعالى في القرآن المجيد ، كلها تصب في معرفة توحيد الله وضرورة قبول حاكميته في القانون والتشريع ، وهي نافعة وسهلة الوصول لمن يتدبر تعاليمه ومعارفه ، ولذا كان لابد من نبي مرسل يبلغ تعاليمه للإنسان ويوصل هداه الحق بأحسن بيان وحديث ومعارف ، وهذا يا أخي تدبر في كتاب الله لنعرف حسن بيانه ، ويجب أن يكون تدبر حق لا كما قال تعالى للذين لا يؤمنون ولا يرضون بالبيان الحسن حيث قال تعالى :

{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } محمد 24 .

 بل القرآن المجيد سهل للمتدبر المنصف وذكرى تنفع الطيبين ، ولذا قال سبحانه : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }القمر 17.

فنتدبر يا طيب بحق في القرآن المجيد ، ولك الحكم والإنصاف لمعرفة حُسن فصاحته ، حيث يهدي العباد ببليغ الكلام وبيانه الحسن .

والله تعالى : هو الذي تفضل على الإنسان وكرمه وسخر له كل شيء من نعمه التي لا تحصى ليسعد في وجوده ويرتاح بحسن مكانه وغايته التي يسير إليها حتما ، وعليه أن يطلب ما ينفعه ويقيم وجوده في الخير والبركة ، وبطيب المكسب وبالعبودية لرب كريم حقيقي يكون بيده صلاحه وخالق للكون ، وبهذا قال تعالى :

{ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا:

 يُقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } إبراهيم 31  وقال تعالى :

{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ

وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ

 وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32)

وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ

وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَار (33)

وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } إبراهيم 34 .

 ظلوم كفور لنعم الله حيث يعصي ربه بنعمه وبما سخر له ، وإن إن طاب وجوده بإقامة معارفه وشكره فهو إنسان كريم وفاضل نبيل ،  وقال تعالى :

{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ

وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء 70 .

فهذا كان لبيان عظمة القرآن المجيد في العلم وبيان نعم الله على الإنسان المفضل المسخر له كل شيء في هذا الكون الواسع ليشكر ربه ويقيم العدل ، بل والإنفاق لمن يكون سميه في الخِلقة وعجز عن العيش الكريم ، وأن يطلب الطيب من الرزق والحلال لا بالظلم والعدوان ، وبحق بهذه التعاليم يكون الإنسان إنسان ويقيم وجوده بالعدل والإحسان ويطلب المزيد من الرب الرحمان .

 وهذا بيان كافي لعظمة تعاليم القرآن المجيد التي تهدي للتي هي أقوم .

 ونتمم البحث ونؤكده لنتيقن إن كلام الله في كتاب المجيد : كلام معجز نازل من خالق الإنسان ويهديه بدين قويم لأحسن دين ، و يكون للإنسان بتطبيقه حقيقة سعادته وفرحه وسروره في الدارين ، ثم تدبر بنفسك في إحكام الآيات وحسن نظمها وترتيب بيانها وفصاحتها .

 وهو من خلال : التدبر بالأسماء الحسنى للرب الكريم الخلق الوجود الحسن ، وبأحسن تكوين وأحسن هدى ، ليحسن الإنسان بكل علمه وعمله ووجوده فيصلح ويتنعم بكل خير وعدل وإحسان:

يا طيب : إنه لا يوجد كلام حسن بحق و فيه من المعارف الإلهية في التوحيد في آيات مشيرة للأسماء الحسنى الشريفة للرب الخالق الهادي للعباد بعد أن يؤمن به العقل المتنور بطلب فطرته للكمال الحق والهدى الواقعي ، وهي فيها من المعرفة الإلهية في بيان عظمة الرب وبيان لعظيم قدرته وعلمه وحكمته وكل أسماء الحسنى مثل الدين الإسلامي ،  وبالخصوص بيان الله لتعريف نفسه وهداه الحق في كتابه المجيد الخالد ، والتي تفقدها كل الشرائع ولا توجد إلا في دين نبينا محمد صلى اله عليه وآله وسلم الدال على بعثته وصدقه وحقيقة نبوته ورسالته الإلهية التامة بكل معرفة ، وبالخصوص بتعريف الرب بعد أن عرفنا عظيم نعمه وغاية خلق الإنسان ليشكر ربه ولا يظلم نفسه بكفران هداه ومعارفه .

 

 وهذا ما قال تعالى لتعريف نفسه :

{ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ

هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ

الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ

سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ

اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

 يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الحشر24.

نعم لله الأسماء الحسنى : وكل شيء خلقه حسن وليوصله لسعادة حسنه ، وكان وما يزال الوجود خلقه بأحسن صورة ممكنة ودقة متقنه فيهبه الرحمة وبسلام وأمن ، وهو الملك العزيز الجبار المتكبر على من يتعصى ولم يطعه ، ويهب هداه بحكمة لأنه بارئ وخالق بأسماء حسنى كريمة لأحسن خلقه ، فيعلم عباده بكتاب مجيد منزل منه لأحسن هدى إن سبحوه وحمدوه وشكروا ربهم .

فإنه كما ذكر عز وجل : إن كل شيء يسبحه ويحمد ربه بما يرينا من حسن خلقه وإتقانه ومسيره لغاية حسنة في الآيات نفسها ، وكما عرفت تسخير الوجود كله بنعمه التي لا تحصى للإنسان ليشكر ربه بالإضافة لحسن خلقه ـ وقد كتبنا صحيفة لشرح تجلي الأسماء الحسنى الإلهية من صحيفة التوحيد من موسوعة صحف الطيبين إن أحببت المزيد فراجعها ـ .

 فكذلك يا طيب : إن الله كان هو المسخر لكل حسن في الوجود وطيب للإنسان لكي يتنعم بها ويفرح ويسعد ويحسن وجوده ، ولكن بشرط أن يقيم تعاليم ربه العالم به وبحقيقته وبهداه وبما يصلحه ، وبكل شيء من وجوده وبجميع مجالات الحياة ، ولذا كان عليه أن يشكره .

 فبمعرفة الله وهداه : من كتابه القرآن المجيد وبشرح ولي دينه ونبيه ، يكون بحق إن العباد قد حسنت علومهم وذواتهم وصفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم ، وذلك لأن الله قد أنزل تعاليمه على نبيه في كتابه ، وعليهم إن طلبوا شكر ربهم وعبوديته أن يقيموا دينه ، وأن يتبعوا تعاليم ربهم الذي له الأسماء الحسنى التي نزلها في كتابه المجيد بأفضل بيان وأكمل تعاليم ليهداهم بدين قيم ، وهي مقترنة بالإيمان بمعارفه التي أنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، و بهذا الصراط المستقيم وهداه يكون البشر أحسن خلق الله وفعلا متحققين بنعم الله ، لا أن تكون نعم الله وبال عليهم ويستخدموها في ما ينقض سعادتهم من الغصب والظلم والعدوان والحرام وما يخالف شأن الإنسان الكريم المفضل على الحيوان ،  حيث قال الله سبحانه :

 { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ } السجدة 7 وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً

وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ

وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ

ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)

هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } غافر 65.

وهذا بيان قيم لكتاب كريم يدل على عظمته ويرينا غرض الوجود كله بأحسن تعاليم وأعظم بيان فصيح بليغ للهدى الإلهي ومحله ، فيعرفنا بحق غرض خَلقه سبحانه لهذا الوجود الحسن الطيب ، فهو لكي نعمل حسن ويطيب وجودنا ويحسن كل حالنا في كل الأحوال بحياة طيبة كريمة .

 ولذا كان يجب أن نخلص لله الدين وندعوه بكل وجودنا لأن يحققنا بالنعم الحسنة ، وهو حين نقيم هداه الحسن فيكون لنا عمل صالح لنا وحسن يحسن به وجودنا دنيا وآخرة ، وهذا ما عرفت ، و قال تعالى :

 { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ

لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} الملك 2 .

 العمل الحسن يجب أن يصدر منا لأنه غرض وجود حسن ونعم حسنه ومعارف ربانية حسنه ودين حسن كما عرفت ، وهذا كتاب الله وكلامه الحسن يعرفنا بفصيح البيان : إن من له فطرة حسنه ونعم حسنة وتعاليم حسنه وهدى حسن يحسن وجوده وغايته في الكون والهدى ويصلح علمه وعمله ويحسن وجوده كله ، فتدبر قوله تعالى :

{ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ }البقرة 138.

 ويحصل الإنسان بالعبودية وإقامة حكومة الله بتطبيق تعاليمه : على الأمن والاطمئنان والجزاء الحسن الآن وفي كل حين وبحياة طيبة ، لأنه له دين حق يعرفه كل ما يسعده ، فإنه دين من العالم بحقيقة الإنسان وتكوينه وهداه بحق ، وهذه غاية الإنسان وما يطلبه على الحقيقة بكل وجوده ، وهو أصل الكمال ومنتهى النعمة ،، وهذا لا يحصل إلا بالإقرار لهدى الله وقبول تعاليمه كلها وبتطبيقها بكل زمان فيكون ممن يذكر الله في كل أحواله ، وله قال تعالى :

{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ

أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } الرعد 28 .

وقال تعالى : {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} الرعد 29.

وبعد هذه الباقة العطرة من تعاليم الله لآيات في كتابه المجيد : لحق عليك أن تكون من المؤمنين ، حيث رأيت ما فيها من الحُسن في البيان الفصيح والمعنى البليغ والهدى للحق ، ومن إله عالم بحقيقة الإنسان وبكتاب يعرف وجود الكون كله وهداه فضلا عن وجود الإنسان ، فيدل على معارفه الراقية وتعاليم الهدى الواقعية للإنسان فتهديه لسعادة حقيقية بها كمال وطيب حياته ويحسن وجوده ، ومنها تعلم وتعرف أن القرآن معجز خالدة وفيه كل خير لكل البشر في كل زمان ومكان وبأحسن بيان وأفصح كلام لأحسن وجود حين يؤمن بالله وتعاليمه الحسنة الراقية التي تجلى بها سبحانه وبأسمائه الحسنى التي هي مظهر لكل خير وبركة ونور ورحمة .

وحقا ترى في القرآن المجيد ومنه : أصل كل فضيلة ، وبه تصل لكل أمر حسن ووفق أحسن حديث ، ومنه يتوجه الإنسان لسعادته ولكل كرامة في الدنيا والآخرة ، ولا تكون من أصحاب الطرف الآخر المتعصي على هداه وما فيه صلاحه بعد ما عرفت من البرهان الذي يذعن له المنصف من بني الإنسان ، بل كن ممن يتبع أحسن الحديث ومن العلماء الذين يتأثرون بالبيان الحق وبالهدى الواقعي الحسن ، أنظر قوله تعالى :

{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ :

يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ

وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)

وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} الإسراء10.

وقال تعالى : { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ

 قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ

كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الزمر 23 .

{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } النحل125.

وهذا للعلماء إذ قال تعالى : { يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ

وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } المجادلة 11 .

فيا طيب أسأل الله التوفيق والهداية لي ولك وكن :  ممن يتأثر بالموعظة الحسنة ، ولا تكن من الطرف الآخر المتعصي على حُسنه وطيب نفسه فلا يرضى  بهدى الله ، فإنهم أضل من الحيوان إذ قال تعالى :

 { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي

وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (178)

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا

 أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)

وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا

وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }. الأعراف 180 .

فهذا يا أخي الكريم : أحسن البيان لتعاليم معجزة تدل على كل خير وكمال وفضيلة حسنة ووفق أحسن الحديث ، وهي ترينا واقع العلم والمعرفة لحقائق التعاليم الإلهية لهدى عباده بأحسن الحديث وأبلغ البيان ، ولا يمكن لأحد أن يفكر بأن يأتي بأحسن منها ، وكل ما جاء في تعاليم الناس والقوانين فهي مأخوذة منها وإن لم يعملوا بها وهي حبر على ورق ، وهي يدعيها كثير من المسلمين فضلاً عن غيرهم وقد عرفت حالهم عند الله ، كما عرفت أهل الله ومعرفتهم به ومقامهم عنده .

وهذا جانب واحد يا أخي : من تعاليم الله وفق دقة تعاليم الله سبحانه ، وحسنها المحسوب لكل شيء في الوجود وللعباد فيه ، والمسخر لهم كل شيء من نعم الله ، وكلاً حسب استحقاقه ينال فضل الله وكرامته الأبدية ، وإنه كلام خالد لا يمكن أن يجارى ، وحسن لا يؤتى مثل بيانه .

 وهذا هو كتاب الله القرآن المجيد في بيانه : لأحكامه وخلق الله للكون الحسن والنظم والوزن لكل شيء فيه وبأحسن صورة ممكنة في التكوين والهدى ، ولكي يصل الإنسان لسعادة الدنيا والآخرة لأحسن هدى ونعيم ، فإنه بحق لبيان عظيم وتعليم خالد معجز بحق ، ولا يوجد مثله في حسن بيانه ، ولا هدى ولا تعليم في دين ولا في بيان خلق الله للكون وحسنه مثل بيانه وفصاحته ، ومع حقيقة هداه الذي يذعن له الوجدان والكون وتعاليم الدين وفطرة الإنسان ، الدالة على أن هدى الله وتعاليمه موافقة لفطرة الإنسان وما يطلبه من الكمال الحسن في كل شيء من وجوده ونعيمه وهداه وعلمه وعمله .

فيا أخي بحق إن كتاب الله القرآن المجيد : كتاب فيه معارف قيمه : سواء في بيانه للخلق وللوجود ، أو في حسن بيانه لما يصلح الإنسان وغايته وهداه بالذات ، فإن كل شيء ذكره الله في كتابه المجيد حسن كريم وهو دليل على إعجازه وبرهان يؤيد نبوة المبعوث به والمبلغ لرسالته ، وكل أمر يعارض الحسن قبيح ، واللفظ إن قبح معناه قبح نظمه وسرى لأسلوبه فيكون مضحك يمجه العقل والنفس الطيبة اللطيفة ، وأن خدع النفس في أول وهله وحسبته حسن فصيح ، ولكن يرفضه العقل ثم تذعن النفس بقبحه كله وتسخر منه .

وعلى هذا النمط : من البيان للمعارف ونظمها الدقيق في التعليم والبلاغة والحُسن في الأسلوب والنظم المتقن الدقيق ، يمكن التدبر في القرآن لمعرفة أحكام الله وتعاليمه ، وسيأتي تدبر آخر في آي القرآن في صحيفة الإمامة فأنتظر لمعرفة جدية اهتمام الله بالإنسان وحبه تعالى لإيصال تعاليمه لعباده بأحسن صورة ممكنة ، وطاهرة من كل قبيح يمجه العقل السليم وترفضه الفطرة الطيبة .

 ويا أخي هذا البحث وسابقه : كان بيان للإعجاز في القرآن المجيد من ناحية ما فيه من المعرفة والتعاليم الرفيعة مع حُسن نظمها ودقة ترتيبها ، وكونها موزونة في اللفظ والمعنى والأسلوب مع حقائق كونية وهداية ربانية لعبادة بأحسن صورة ممكنة ، تؤيد حُسنه وفصاحته وكماله ودقته ، ولا يعارضه كلام فيه خلاف معارفه مهما كان في لفظه فصيح وتُحسنه النفس في أول وهلة لعدم نظرها لحقائقه المبنية على الوهم والخيال ، ولكن بالدقة ثم للإيمان به وقبوله في حقيقة الوجود وإطاعته فهي لا ترضى به وترفضه ، فإن شرط الكلام الحسن أن يكون معناه حسن كلفظه ومبني على واقع حسن وموصل لغاية حسنه ، واللفظ من غير معنى حقيقي يهدي للحق فهو باطل وضلال ، ولا قيمة له ولا وزن في سوق الفصاحة والبلاغة والحُسن ، ولا فيما يطلبه العقل السليم والفطرة الطيبة .

 

 

 

البحث الثالث

القرآن يتحدى أن يؤتى بسورة مثله تحمل دقة إحكامه

 

وفيه بيانان ولهما نتيجة :

 

البيان الأول

هدى الله في كتابه لا اختلاف فيه فيتحدى أن يؤتى بمثله

 

يا أخي إن القرآن المجيد معجزة خالدة : لا اختلاف في هدى الله في كتابه ولذا تحداهم ، فإن تعليم دينه القيم وهداه الحسن باق ما بقي الدهر لا يتخلف عن حُسن فصاحته وهداه ، وهو دليل لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبرهان لختم الرسالة والوحي والتنزيل  ، ودليل لكل تعاليم الله ومعارفه وشاملة لكل جوانب الحياة على طول التأريخ ولكل البشر ، فهو الصراط المستقيم الذي ينصحهم ويدعوهم ويعظهم ويعلمهم بكل أسلوب ممكن ، فهو بحق الكتاب المعرف للحكمة لكي يعرفوا الحق والهدى وليصلوا للعز والكرامة والخير والفضيلة والتزكية والتطهير والطيب في كل مجالات الحياة ، وقد عرفت إنه كلام حسن موزون للإنسان الذي هو مسخر له كل شيء في الوجود ، ومن العالم بأحواله وصلاح حاله وما فيه سعادته وهداه بحق وحُسن وجوده.

ولكن للأسف : بعض الناس إن لم نقل أغلبهم يعمى عن الحق ولا يقبل أن يتحمل مسئوليته ، ويطلب الراحة بالفرار من عذاب الوجدان فيكفر بالقيم الإنسانية ، ويفر من الفطرة وصبغة الله التي صبغ بها روحه ووجدانه لطب الخير والفضيلة والكمال الحق والعدل والإنصاف وشكر المنعم وعبوديته وطاعته ، فيراوغ في طلب المعرفة ويهرب من التعاليم التي توصله لسعادته مع البشرية ، ويطلب الدنيا بكل وسيلة فيعتدي على غيره وينفي كل دين وشريعة إلهية علماً وعملاً وخلقاً وصفاتاً ، أو عملاً وخلقاً ويدعي الإيمان زوراً وبهتاناً ونفاقاً .

ولمثل هؤلاء : جاءت كثير من آيات كتاب الله المجيد وحكت أحوالهم وصفاتهم وأسلوبهم ومراوغتهم ، وأقامت عليهم حجج الله وتدعوهم بكل أسلوب لتوصلهم لسعادتهم رحمة من الله تعالى ولطف بهم ورأفة وهو التواب الغفور ، فيقيم لهم الأدلة والبراهين ويجادلهم بالتي أحسن ليعرفوا الحق وليسلكوا الصراط المستقيم وهداه فيصلوا لكل نعيم، فلذا قال سبحانه وتعالى لنبيه الكريم :

{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}النحل125. 

ولكن عرفت هناك من الإنسان : من هو أضل من الأنعام ويتعامى عن الحق والعمل به ، ويحاول أن يتهرب من الانصياع لتعاليم الله ، والله يجادلهم بالتي هي أحسن ويبين لهم إن القرآن هو كلامه وجاءهم من خالق الكون وفيه تعاليمه الحقة الصادقة وهداه الذي يوصلهم لسعادتهم ، ويحتج عليهم بكل أسلوب ليبين لهم هداه الذي لا اختلاف فيه ولا يتخلف عن الحق أنظر قوله تعالى :

{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } النساء 82 .

 وقال تعالى : { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ

وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ

وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }يونس37 .

 ولما كان عرب الجاهلية أهل فصاحة وبلاغة : وإن من يطلب العلم ويتوجه للمعرفة فهو يطلبها بأحسن بيان ممكن ، وقد عرفت بيان الله تعالى لتعاليمه ، فالله تعالى بعد أن طلب التدبر في كتابه ليعرفوا أنه الحق منه تعالى وأنه ليس فيه اختلاف وليس مفترى من دونه ، ولو كان من غير علام الغيوب والعليم الحكيم المدبر للكون ولكل شيء فيه وبالخصوص هدى الإنسان المنزل بكتاب مجيد على نبي كريم ، لكان فيه اختلاف كثير و لوجدوا فيه ما يخالف الهدى .

 ولكن لما عرف سبحانه عنادهم وإصرارهم على الضلال ، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل سور القرآن المجيد،  تنبض بالعلم الحق مع الفصاحة والبلاغة ، وبكتاب كامل شامل لجميع جوانب الحياة ولا اختلاف فيه .

وهذا التحدي شامل لجميع سورة القرآن المجيد حتى لمثل أقلها كلمات كسورة الكوثر والتوحيد ، ويعز على الإنسان أن يأتي بجمل بليغة تعارض القرآن في تعاليمه وهداه الحق الحاكي لنور المعارف التي تحكي سعادة الإنسان وتأريخ دينه ووجوده وتكوينه ، ومع ما فيه من الفصاحة والبلاغة والبيان المحكم ، فلذا قال تعالى متحدي لجميع البشر المعاندين لتعاليمه على طول التأريخ ، والذين يقولون القرآن كلام من كلام البشر أن يأتوا بسورة من مثله تعارضه بالحكمة والموعظة الحسنة مع كونها شاملة للبلاغة والفصاحة وهدى تشريعي وتكويني حق يؤيده البرهان والدين والتأريخ وواقع الوجود والتكوين .

 فقال الله تعالى لهم :

{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ

وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}يونس38.

وذلك بعد أن قال سبحانه :

{ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ

 لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } الإسراء 88.

وتحدي القرآن المجيد وكلام الله الحسن : شامل لجميع البشر وعلى طول التأريخ وفي أي زمان كانوا ، سواء من كان معاصر لعصر الرسالة أو كان في زماننا هذا وفي أي مكان من المعمورة سكنوا ، لا يختص بزمان دون زمان ، ولا مكان دون مكان ، ولا بناس دون ناس .

 وقد حكى الله في كلامه المجيد : عن المعاندين والجاحدين والكفار والمنافقين في كثير من الآيات الكريمة ، وذكر حججهم في زمانهم ، وأبطل كل دعاواهم ، وأمر رسوله أن يحاجهم بالتي هي أحسن ، وهكذا تعلموا المؤمنون منه في نشر معارف الله وبيانها للناس .

والتحدي الإلهي : قائم إلى الآن ولا يوجد كلام ذو بال يعده الناس معارض له ، لما عرفت أن كل معارض للعلم الحق الموزون المحسوب فهو معارض للحديث الحسن ، فيكون قبيح غير معارض للقرآن ، بل هو بيان للوهم والخيال لا هدى فيه ولا حق ، وهو كلام غير فصيح على الحقيقة لأنه حاكي للباطل والضلال أو ما لا وقع له وهو خيال .

وعلى من يقدر أن يعارضه أن يأتي بمثله أو يجد فيه خلاف الحق ، ولأنه لا يمكن أن يجدوا فيه اختلاف وخلاف الهدى والعدل والإحسان وما يوجب الإيمان بالله وبرسالته ودينه القيم ، ولعدم المعارضة للآن ، فهو معجزة ، وواجب الإيمان به لأحقيته في كل ما علم وهدى له ، وهو أيضا يدل بحق على نبوة نبينا وبعثته بالحق لهدى الناس أجمعين من الرب الرحمان الرحيم .

 

 

البيان الثاني

علوم القرآن تهدي بحق ومتقنة فصيحة لا تعارض

 

عرفت يا طيب : في البحوث السابقة إن هدى الله العالم ببني الإنسان والخبير الحكيم نور يهدي للتي هي أقوم ، وبالبرهان الواقعي الحي وبالجدال الحسن ليهدي العباد بالدليل المحكم لأحقية معارفه وإنه بها كمال الإنسان وشرفه وسعادته ، وفيه معارف حقه من العليم الخبير لعبده المخلوق ليكون في أحسن الظروف والأحوال في كل مجالات حياته ، وعرفنا إنه لا اختلاف فيها .

 وبهذا يعرفنا الله إنه كلام مجيد ذو شرف ومتانة أصيلة من رب عزيز حكيم لا اختلاف في معارف دينه ، ولا في بيان هداه ، ولا إنه مخالف للفطرة وما يطلبه الإنسان من الكمال ، ولا إنه يدعوا لخلاف عظمة الله وحكمته ، ولا اختلاف في حُسن بيانه وبلاغته ، لأنه موزون محسوب في تأثيره في العباد المنصفين ، ولمن له ضمير حي يطلب الهدى الحق ، فلذا من كان له هذه الموصفات لا يمكن أن يؤتى بمثله ، ولا يحق لمنصف أن يعارضه ويقول خلاف هداه وتعاليمه ، فيضل الإنسان ويحرفه عن جادة الصواب .

وبهذا يا طيب نعرف : إن علوم ومعارف القرآن المجيد وحلاوته وطراوته وفصاحته وحسن بيانه ومعانية ، كان مانع من التمكن من المعارضة له ، أو الآتيان بسورة من مثل سوره أو آية من مثل بعض آياته بحيث تكون في الكلام كله فصيحة وبليغة الانسجام ثم فيها كلام حق يعارضه ، وذكرت قصص كثير في عدم تمكن المعارضة من قبل المشركين والكفار والمنافقين والزنادقة وكل من عاند القرآن المجيد وستأتي الإشارة لبعض محاولاتهم ، وهذا بيان ثاني لمعرفة نور القرآن وعدم تمكن الناس بالإتيان بمثله ومن خلال بيان أمران ونتيجة :

 

الأول : القرآن هدى ورحمة ونور وحق :

ذكرنا شيء من تعاليم القرآن المرشد للفطرة الإنسانية والمحافظ عليها من الانحراف في مهاوي الظلم والضلال والعدوان لأنه يدعوا لدين قيم وبكل بر وعدل وإحسان ، وإن العلماء لهم الجانب العالي منه وكذا كل الناس المنصفين الطالبين لهداه والمتحققين به كلا حسب حاله .

 وبهدى كلام الله في كتابه المجيد : تأنس النفس  الطيبة لأنه موافق لما تطلبه من الكمال وتفرح الروح لأنها ترتاح لدينه القيم الذي يشمل جميع جوانب حياتها فتسعدها في كل أمر تطبقه منه ، فهي بحق تعاليم كتاب مجيد يقره العقل ويؤيده البرهان ، وبما يغذي الروح من معانيه تسعد وتصل لغايتها في السمو .

 وهنا نذكر مواصفات لنفس القرآن وفق آياته الكريمة تبين إنه رحمة للعالمين ونور وهدى ، وفيه كل خير وفضيلة وبركه لأتباعه ، ومنه ينبع الحق والعدل والإحسان والكرامة، فنتوسع في البيان لنرى حقه وصدقه فأنظر يا طيب ما قال الله تعالى :

{ إ ِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ :

يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)…. وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ

مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا } الإسراء 82  فهذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وشفاء ورحمة وبشرى لمن يؤمن به لأنه هداه حق ، ومن يعارضه ويضل عنه يخسر ويزيد بعناده ومحاربته في الضلال والظلام لروحه لأنه يخالف الهدى الحق والدين القيم .

 وأنظر وقال تعالى : { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ

قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } يونس 2 .

 وقال تعالى : { الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } إبراهيم 1.

فإن القرآن المجيد : هو نور الهدى الصادق وصراطه عزيز على الطيبين حميد عند الله العزيز الحميد ، وهذه مواصفات أخرى لكتاب الله تبين إنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويبين للناس الحق فيما يختلفون فيه أنظر قوله تعالى :

 { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } النحل 64 .

 وقال تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } النساء 105 وهذا كلام الله حق ليحكم وفق تعاليمه بين الناس ولا اختلاف فيه ولا تبعيض ولا ضلال ، ويمنع من إعانة البغي والعدوان ، وهو مبارك ومصدق لنبوة الأنبياء ولجدية الله في بيان دينه ودعوته لتعاليمه انظر ما قال الله تعالى :

{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا }الأنعام 92 .

وهذا كتاب الله تعالى كتاب حق وصدق وهدى ورحمة ونور ومبارك لمن يطبقه ، ثم فصل بعلم لما يحتاج إليه البشر من الهدى في جميع جوانب حياتهم ، حتى قال تعالى : { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأعراف52 .

 فحق لمثل هذا الكتاب الماجد المنير : أن يكون مبارك لأنه فيه الهدى والرحمة ويرفع الاختلاف كما عرفنا في الآيات السابقة ، وإنه من العليم الخبير الحكيم كما عرفت ، فهو هدى ورحمة للمؤمنين ، ويجب علينا أن نتدبر آياته : لننهل من علومه ، ونرتوي من معارفه ، وننال من بركاته ، لنصل لكل خير وفضيلة .

فأنظر قوله تعالى : { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } ص 29 .

وعلى هذا إذا عرفنا إن كتاب الله حق وهدى ورحمة ، فلابد أن نقيم العبودية لله مخلصين له الدين ، ونشكره لما هدانا لتعاليمه وأنعم علينا من نعم معارفه وتسخيره الكون لنا ، ولهذا قال تعالى :

{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ }الزمر2.

وهذا بيان الله لكتابه وهو بيان حق وصدق وفيه أحسن الحديث ، ومن يتدبره بحق يشعر بنوره يسري في وجوده ، وينتفع بمواعظه إن كان طالب حق ، ويخشع في عبوديته لله تعالى بصدق وحق أنظر قوله تعالى :

 { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الزمر 23 .

وهذا كتاب الله حين يُعرف نفسه يُعرف تعاليمه وهداه  بحق ، وقد مر عليك شيء وقبس من نورها فيما ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تطبيق معارفه وفي أحاديثه في الأبواب السابقة ، سواء في سيرته الكريمة وآدابه الحسنة أو في أحاديثه الشريف ومعارفه العظيمة التي تهدي للرشد ، وهي شرح لكتاب الله وبيان له ونابعة منه وتُظهر معارفه .

 وما عرفت في الأبواب السابقة : هي معارف الله في كتابه ولكن بحديث رسوله الأكرم المبعوث بكتابه المنير ، وظهور لنوره علما وعملا ، وبها نكتفي لبيان معارف القرآن المجيد وهداه ، وإن أحببت فراجعه وأنظر في معارف الدين الإسلامي وكرامتها في هدى الناس كلها فلا ترى فيها اختلاف ولا ضلال عن الحق ، بل نور يهدي للحق من سعادة البشر وكمالهم ، وهذا ذكر لبعض معارف هداه ، فنذكر بعض الآيات وإلا كله معجز في بيان هداه الحق ونور دينه القيم ، وبه سعادة البشر وخيرهم والرحمة الإلهية الموصلة لسعادتهم بكل تمام وكمال وحسن وجمال في نعيم مقيم في الدارين ، وهذه بعض معارفه فتدبرها :

 وبعد الذي عرفت : فأنظر بعض ما قال الله تعالى لبيان المعارف القيمة للهدى الإلهي الحق الذي يصلح الإنسان ويدله على كل خير وفضيلة لتتحقق بحُسن معارف الكتاب المجيد ودينه القيم وهداه الذي به حقيقة النعيم :

{ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقّ

ِ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ

وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} الزمر41.

{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ :

وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}آل عمران164 .

{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ

وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (5)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ

وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} المائدة 10 .

وقال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ

وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ    وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

 الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (269)

وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) }البقرة .

 

وقال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)

وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)

لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الإِيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91)} المائدة .

وقال الله تعالى : { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ

وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)

هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) } غافر .

 فهذه يا طيب : بعض مواصفات كتاب الله القرآن المجيد ، وهداه الحق ونور دينه القيم الذي يدعوا له وبعض معارفه ، وإنه غيره باطل لا يعارضه مهما كان ، وقد عرفت قسم من نور هداه في الأبواب السابقة عملا وعلما من تطبيق رسول الله وتعلميه ، وراجع هداه في كل أنواع الحياة ترى إنه لم يهمل شيء ، وشامل جامع لكل شيء من حياة الإنسان الخاصة والعامة ، وببيان نوري يهدى لما يحتاجه الناس بأحسن كلام وأفصحه لا لف فيه ولا دوران ولا خلاف ما تطلبه فطرة الإنسان الطيبة والعقل الكريم السليم  ، ولا يوجد كتاب فيه معارف بسعته ، ومحكم كبيانه وبليغ بفصاحته .

 فإنه في القرآن المجيد : تزكية النفس وتنوير الروح ، وفيه تنظيم الأسرة والمجتمع في جميع مجلات الحياة ، حتى البدن وحقه وكل شيء يعطيه نصيبه بالعدل والإحسان ، والنفقة والبر وبالمواساة للإخوان وتوقيرهم وبرهم ، وهذا كله مع إتقان لما يهدي للصواب ويرشد لسعادة البشرية بأجمل وأكمل دين ، ومعارف هدى به حتى اليقين للمنصفين المؤمنين .

وبهذا يا طيب نعرف إن كتاب الله فيه هدى واقعي : وهو قول حق وصدق وإنه نور ورحمه ، وفيه كل خير وفضيلة وكرامة توصل الإنسان لسعادة الدنيا والآخرة ، وتجعله في طاعة الله وعبوديته عن حب ورغبه ، ويحس بالأمن والاطمئنان مع القرآن ومعارفه وعلومه ، كما أنه أسلوبه أفصح أسلوب ، وبيانه أعلى بيان يأخذ بالقلوب قبل الأسماع ، ويدخل في قرار العقل من قبل أن تتوانى في تأمله الروح ، فغيره لا يعارضه لأن غير كلام الله ولا هداه فيه ، أو كونه تابع له ومؤيد له لا يعارضه ، وإلا فهو يكون باطل كاذب ضلال ظلام عمى فكيف تتم معارضته ، فإذا عرفت أنه حق وصدق ونور ورحمه وشفاء وهدى من ناحية علومه ومعارفه ، الآن نذكر إحكامه وإتقانه وحسن بنيانه نورنا الله به ، وبنفس بيان القرآن المجيد .

 

 

  الثاني : إحكام القرآن وبيانه حسن فصيح بلغة العرب:

عرفنا جوانب ومن أوصاف القرآن المجيد من ناحية المحتوى والمضمون وخلاصة ما تدعوا إليه تعاليمه ومعارفه الحقة الصادقة ، ولآن نتدبر في جانب آخر وهو كون كلام الله المجيد محكم وبيّن ، وموزون ومتقن في نظمه وترتيبه وحسن في أسلوبه الذي يجذب النفوس إليه بكل وجودها ، وترتاح له الأرواح بكل ارتياح ، وتأنس به العقول وتتنور به عن يقين وإيمان ، وكل هذه المواصفات نزلت وبينت باللغة العربية ، والتي هي أوسع وأكمل لغة بالفصاحة والبيان والبلاغة وحسن الترتيب والأسلوب .

فهنا يا طيب أمران : من مواصفات القرآن المجيد يصف بها الله كلماته ومعناه وتعاليمه وبيانه ،  الأول : الإحكام والإتقان بعد أن عرفت أنه موزون حسن ، والثاني : بين باللغة العربية الفصيحة ، وبعد إن عرفت بيانات في عظيم لتعاليمه الهادية لجميع البشر .

 

أولا : القرآن المجيد نزله الحكيم ومحكم مفصل للحق :

قال الله تعالى : {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}الزمر1 .

وقال تعالى : { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ }الحجر1 .

قال الله تعالى : { وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ }الدخان2.

 وقال تعالى : { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } يونس1 .

 وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } الشورى 17 .

وقال تعالى : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} هود1.

فهنا عرفت كما عرفت سابقاً إن القرآن المجيد نزل من الله العزيز الحكيم وهو كتاب محكم في البيان والمعنى فهو أفصح كلام ، فإنك أين ما تتدبر في القرآن ترى إن القرآن المجيد كتاب حق في هداه وهو محكم في معناه موزون في أسلوبه وبيانه ، ويشهد له كل من تلاه وسمعه وهو عارف بلغة العرب ، أو تدبر معانية وله حس مرهف في قبول الهدى ونور المعارف الحقة التي تهدي للصواب وتهب الإنسان الكمال والسعادة في جميع جوانب الحياة .

 

ثانيا : القرآن المجيد فصيح وفق اللغة العربية :

قال الله تعالى : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)

 وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } النحل 103 .

وقال تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يوسف 3 .

وقال تعالى : { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا } طه 113 .

نعم القرآن المجيد : هو كلام رب العالمين لهداية عباده ، وهو محكم فصيح وفق قواعد اللغة العربية وقوانينها من البلاغة والفصاحة والنحو والصرف وكل قواعده البيان والمعاني ، وفيه أعلى تعاليم الله لهداية البشر ، تدبر نواحيه في اللفظ والمعنى تعرف ذلك .

والقرآن المجيد : مؤثر طبعاً في الأنفس الطيبة التي تحب الخير وتسعى له ، لا للمعاندين الذين يشرون لهو الحديث أنظر قول الله تعالى :

{ الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (5)

وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } لقمان 7 .

وكل كلام يخالف القرآن المجيد ويعارضه ليس فيه هدى ولا محكم ولا يبشر بخير ولا إحسان فيه ، فهو غير محكم البيان ولا موزون على الحقيقة ، فهو معدوم الفصاحة العربية ، وبيان هذا بالإضافة لما عرفت في النتيجة التالية .

 

  النتيجة: القرآن حق في تعاليمه وأفصح كلام فلم يعارض:

عرفت في الأمر الأول : إن كلام الله حق ونور وهدى .

وعرفت في الثاني : إن كلام الله فصيح محكم وفق اللغة العربية .

هذا وقد رعته العناية الإلهية فحافظة عليه من التحريف .

 فنقول في هذا البيان لإعجاز القرآن المجيد كما قلنا البيانات السابقة :

إن كلام الله : لا يستطيع أن يعارضه أحد من البشر ولو اجتمع الأنس والجن وكان بعضهم لبعض ظهيرا ، لأن الكلام المعارض للقرآن المجيد يكون كلام باطل وفيه ضلال وظلام فلا تنفعه الفصاحة مهما كانت ، لأن الكلام الفصيح البليغ لابد أن يكون كلام حق ، ولذا ترى أن الخطب الرنانة والبليغة إذا لم تكن تحكي عن الحق والهدى وتدعيه لا تكون مؤثرة .

وإن كانت مؤثرة : وتهفوا لها العقول المنصفة التي تطلب نور الرشد والهدى ، فلابد أن تكون تابعة للقرآن المجيد ونابعة من تعاليمه ، ولكنها لا توازيه ولا تُقارن به سواء في المعنى أو الفصاحة ، أقرأ القرآن المجيد وتتبع خطب العرب تحس الفرق في الهدى والمعنى والفصاحة .

وهكذا خص الله نبينا الأكرم وآله الأطهار صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين في البيان والكلام الحق ، ولذا يقال لهم أمراء البيان
، وحكماء العرب
،
ومر عليك شيء من كلام النبي الأكرم وابنته ووصيه في ضرورة النبوة وشواهدها ، ، وتتبع خطبه وخطب آل نبينا الأطهار حتى قال حفيد نبينا الأكرم الإمام جعفر الصادق عليه السلام :
( أعربوا حديثنا فانا قوم فصحاء ) .
أصول الكافي ج1ص52ح13. وتتبع خطبه وخطب آله الأطهار وانظر في نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام أو كلمات آله الكرام ، فتراها أفصح كلام ، ولكن لا توزن بالقرآن المجيد ،
فضلاً عن كلام عامة العرب مهما نودي له بالفصاحة فإنه لا يوزن بالقرآن لا في المعنى ولا في الفصاحة والبيان .

وأما الكلام الباطل أو الكاذب : أو الذي يكون فيه الوهم الخيال ، إن كان فصيح فهو يمجه العقل وإن استأنست به الروح لشهوة ما وهوى باطل ، لكن العقل لا يؤمن به ولا يأخذه عقيدة ومبدأ ودين ، ولذا قيل أحسن الشعر أكذبه ، ويقصدون به أن يكون فيه خيال واسع يحسن القبيح أو يقبح الحسن .

 وهذا أين من الكلام الحق حتى يعارضه ، ولذا الكلام الباطل غير مقبول ولا يؤمن به حتى قائله ، وإن قيل فيه فصاحة وبيان ، ولكنه مرفوض من ناحية العقل والواقع والجدان .

وفي الحقيقة عرفت : إن الله تعالى خلق كل شيء في هذا الكون الواسع متقن ومحكم وحسن سواء في الوجود المادي أو في عالم الكلام والمعنى ، وبالخصوص القرآن المجيد الذي أنزله على خاتم رسله محمد صلى الله عليه وآله وسلم  ، ونزيدك فأنظر قوله تعالى :

{ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ

صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } النمل 88 .

فهنا يبين سبحانه إن كل شيء متقن الصنع ، وإن مسير الجبال يدل على حركة الأرض وميدانها لتكون الليل والنهار والفصول ، ويعني أن الأرض تسير كلها مع الجبل لأنه خلق الله متقن ، وبحركة لطيفة كالسحاب لا تدمر شيء من التكوين بل يشعر لينعم بنعمها الإنسان ، ولذا قال تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء ، لأنه خبير بكل ما يفعل الإنسان فضلا عن فعله ، وقد كتبنا مقال في هذا المعنى فراجعه في موسوعة صحف الطيبين.

وقال تعالى : { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ } السجدة 7 ، فهذا يبين أن خُلق الوجود حسن وجميل سواء السماوات والأرض وما بينهما أو في عالم الكلام والمعنى كما عرفت ، وهدي الوجود وبالخصوص الإنسان الذي فضل على كثير من المخلوقات .

وهذا بيان يطلعك : على أن كل شيء خلقه الله تعالى هداه لغايته ولما يوصله لسعادته ولخيره المتوقع منه قال تعالى : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } الأعلى 3 .

وقال تعالى : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
 
}
طه50.

فإذا عرفت إن كل شيء خلقه الله سبحانه حسن متقن موزون محسوب ، فهو سبحانه كذلك هداه لما يوصله لخيره وغرض خلقته وأعطاه ما يديم به وجوده ، ولما كان الإنسان الذي خلقه الله وعلمه البيان والقلم وعلمه ما لم يعلم ، فالله تعالى جعل هداه التشريعي في كتابه المجيد الخالد الشامل لجميع البشر فيه ، ولذا قال تعالى :

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
 
وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
}
يونس 57 .

وقال تعالى : { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يوسف 111 .

وقال تعالى : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ
 فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
}
البقرة 2 .

وقال تعالى : { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ
 هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
}
الأعراف 52 .

وقال سبحانه : { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الأعراف 204 .

وخلاصة الكلام : قال الله تعالى في بيان إن كلامه المجيد في القرآن الكريم هو رافع للاختلاف بين الناس وهو هدى ورحمة ، فأنظر قوله تعالى :

{ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } النحل 64 .

إلى هنا عرفت يا طيب : إن هدى الله في الكون والسماوات والأرض ، وإن هداه التشريعي في كتابه المجيد ، فلا يوجد غير كلام الله فيه هدى ، وعلى وزن المعارضة قال الله تعالى أتوا بكتاب أهدى من كلام الله نتبعه ، ولما لا كتاب أهدى منه فيجب أتباعه ، فيكون غيره من الكلام باطل وضلال إن كان معارض ونافي لتعاليمه ، وإن كان كلام مستقى من تعاليمه فهو تابع له وراجع إليه ولا يوزن به ولا يقاس ولا يكون معارض له ، فلذا قال تعالى :

{ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (49)
 
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ

فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ

 إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} القصص 50 .

وقال الله تعالى : {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ

بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ } الحج 8 .

وعليه كل كلام غير كلام الله ولا تابع له في هداه ، وهو يريد أن يعارض القرآن المجيد فهو أعوج غير فصيح ولا فيه هدى ، والهدى لله ولرسوله ولمن أمن واتقى ، والقرآن المجيد لا يعارض : لا في تعاليمه ولا في هداه ولا في فصاحته وبلاغته ، أنظر قوله تعالى :

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَّهُ عِوَجَا (1)
قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } الكهف 2 .

وحقاً لو تتدبر أي كلام معارضة تعاليمه للقرآن لرأيته أعوج منحرف عن الصواب ، بعيد عن الواقع وإن زخرف لفظه ، ولو دعي لتحسينه بكل وسيله .

وخلاصة الفصاحة والبلاغة والهدى هو قول الله تعالى :

{ حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } الزخرف 4 ، فكلام العلي الحكيم كلامه عالي حكيم بأي لغة نزل ، وإن خصت اللغة العربية به فهو أفصحها ولا يقاس كلام البشر به .

وقال تعالى :{ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)
لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون
َ (79)
 تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
الواقعة 80 .
 نعم القرآن المجيد مكنون مصون عن الضلال وكله هدى وهو كتاب كريم ،
لا يمسه إلا المطهرون بالبدن لمس اللفظ أو المطهرة أرواحهم في تفسيره وبيانه ،
ولكل من يقتدي بهم وله نصيب من طهارة الروح وحب الكرامة والخير والفضيلة يرى فيه نصيب ، وبيان وشرح وعلم حسن لعمل حق ، وأولى به من طهرهم الله وشهد لهم وهم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين كما قال تعالى :

{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
 وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
}
الأحزاب 33 ، وكل من يقتدي بهم يكون له نصيب من القرآن وتعاليمه بقدر قربه منهم ، أو من لفظه بقدر تلاوته له .

ومع هذا التحدي وعجز الناس عن الإتيان بسورة من مثله ، المفروض أن يؤمن الإنسان بالله تعالى لما يرى الآية الباهرة المعجزة الدائمة والهادية لكل خير وفضيلة وكرامة ورحمة ونور ، مع حُسن الكلام وفصاحته وبلاغته .

 ولكن الإنسان : مع عجزه يتبع زخرف القول ولو كان بعيد عن الحق والهدى وبعيد عن الفصاحة والبلاغة ، وذلك لأنه فيه هوى نفسه والمنفعة العاجلة والفرار من المسؤولية كما قال تعالى :

 { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)

وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ..
 أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114)

وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً
لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 .

ويا أخي : إن فيما تلونا عليك من آي القرآن المجيد كان أكبر شاهد على نبوة نبينا الأكرم ، وإعجاز القرآن الخالد الدائم المصلح لجميع الناس ، والذي فيه بيان الله وهداه وفق أفصح بنيان وأبلغ كلام وأحسن حديث ، وعلينا أن نؤمن به وبتعاليمه وكل ما يهدي إليه ، ولا نرتاب ولا نتبع الظن الذي يكون في خلاف تعاليم الله ، ولا نكون ممن لم ينتفع بموعظة الله وهداه ومعارفه التي أنزلها على خاتم رسله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم  حيث قال سبحانه في لمعاندين : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
 فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا
}
الإسراء 89 ، وقال تعالى :

{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً
 }
الكهف 54 .

وقال عز وجل : { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ :
جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)

وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ
وَقْرًا
 وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا }
الإسراء 46 .  تدبر بيان القرآن وجديته لبينا هداه وحقه ، وظلم من لم يؤمن به لهوى وضلال ولجدال باطل ، ومن غير علم ولا هدى ، وهو بأفصح بيان نزل على خاتم المرسلين نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، والواجب الإيمان به لصدقه في هداه وعدم تمكن أحد غير خالق العباد أن يأتي بأحسن منه مهما كان .

ونسأل الله أن نكون : من أحسن مصداق لهذه الآية الكريم الآتية من بعد ما تبين لنا هدى الله تعالى ، ووفق كلامه الذي عجز البشر عن الإتيان بمثله في الهدى البليغ والفصيح الحسن حيث قال تعالى :

{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ    تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ   ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ    ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ    وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الزمر 23 .

يا طيب : هذه كانت بيانات تبين سبب وسبيل إعجاز القرآن ، ووفق شواهد من آياته الكريمة ، وخلاصتها : إنه هدى بيّن ، وما يعارض الهدى البين يكون ضلال أظلم ، ولا يعد فصيح ولا بليغ ولا بيّن ولا حسن .

ثم هذه بيانات متممه لبيان إعجاز القرآن بعضها وفق آي القرآن المجيد وبعضها حاكية عنه وعن تعاليمه وإعجازه ، نذكرها لتتم الفائدة ويعم النفع في بيان بعض المصاديق المبينة لعظمة تعاليمه وخلودها وإعجازه ، فتعرفنا بحق إن نبينا الكريم ذو كتاب كريم وقرآن حكيم وهدى مستقيم قد خصه به الله الرب الرحمن الرحيم ، وليبقى خالدا يعم نفعه لكل البشر في كل زمان ومكان ، لا يخف تأثر المؤمنين به واعتمادهم عليه ، أو لا يجارى في البيان وعدم استطاعة المعارضين له ولا يأتوا بمثله أبدا وهم محقين في دعواهم لو كان بعضهم لبعضا ظهيرا .

ونسأل الله التوفيق في بيان ما يأتي من الأمور ، ويرزقنا نور هداه كله حتى نكون خاشعين له وخاشين ، وخاضعين لنوره متواضعين ، فيحل كل وجودنا نور ويجعلنا مع المرسل به وآله الطيبين الطاهرين وصلى الله عليهم أجمعين إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

 

البحث الرابع

خص الله كتاب نبينا بالمحافظين على تعاليمه مع شمولها

وفيه بيانات :

البيان الأول

ختم الله هداه بكتاب معجز محافظ عليه

 

عرفت يا طيب : في الباب الأول ختم النبوة وعرفنا إنه إذا أستكمل الإنسان أخر استكمال له لتلقي معارف الله ، أنزل عليه قمة تعليمه ونور هداه وختم النبوة ، ولكن بشرط وجود المحافظ عليه من الاختلاف والتحريف ، وعرفنا هناك أدلة كريمة في بيان ختم النبوة والتعاليم الإلهية ولمحافظة عليها بأئمة حق طاهرين ، ومر بيان وعرفت بعض أدلته هنا بأن أهل البيت النبوي الطاهر هم أئمة الحق والراسخون بعلم الكتاب ووجودهم مستمر ليوم القيامة ، إليهم يرجع المسلمون لمعرفة تعاليمه ابتداء وحين الاختلاف ، وهناك بيان آخر لمعرفة ضرورة وجودهم ومحافظتهم على كتاب الله في صحيفة الإمامة وفي صحيفة الثقلين من موسوعة صحف الطيبين ، وكذا راجع صحيفة ذكر علي عبادة وصحيفة الإمام الحسين لتعرف كثير من البراهين على أنهم ولادة دين الله بعد رسوله .

وعرفنا يا طيب : إن رسالة الإسلام عالمية وشاملة جامعة فيها كل هدى الله وبيان لكل شيء في الباب الأول والثاني ، حين البيان لختم الرسالة وضرورة بعثة نبينا الأكرم لما كان عليه من الانحراف عن تعاليم الله تعالى .

وبهذا كانت لله أدل معجزة : تعرفنا بحق إنه تعالى له عناية بخلقه مع ختمه لتعاليمه ، وإنه تعالى أنزل أكمل هداه ودينه القيم ذو التعاليم الخالدة ، على اشرف أنبياء ورسله وحافظ عليه بآله الكرام ، وبتمام الهدى الشامل الكامل الذي به صلاح البشر إلى يوم القيامة ، وهذا بنفسه يدلنا على أنه كتاب عظيم لم يحرف ولن يحرف لا في معناه ولا في لفظه بشكل يحرف الناس عن حقائق هدى الله ، مادام البشر يسلكون الصراط المستقيم لمعرفة هدى الله من أهل الهدى وأهل الذكر المطهرون مثل كتابه المجيد .

وإلا إن الله بعد أن بين وعرف الرشد من الغي لم يجبر عباده على معرفة تعاليمه وتطبيقها بالإجبار ، بل عرف دينه والهداة له وطلب من العباد أن يقيموا هداه ويطبقوا كل معارفه ، ولهذا قال تعالى :{ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)  اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ

 وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) } البقرة .

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(149) } الأنعام .

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56)} المائدة.

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (28) } سبأ .

 {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
(7)
} الرعد .

وإذا عرفنا : إنه لن يحصل للبشر استعداد أكبر لتقلي معارف أعلى ، وإنه دين شامل ومحافظ على كتابه بولي دين هادي لكل البشر ، ويعصمهم من الاختلاف لكل قوم في أي زمان كانوا فيه ، وعرفنا إن ولي الله المحافظ على كتابه مطهر بآيات التطيير مثل القرآن الطاهر وهو من أهل البيت .

فبهذا نعرف بحق أدلة متصلة تبرهن بعضها على بعض ، وتحكم بنيانها حتى اليقين لكل منصف يتدبر الكلام فيتبع أحسنه وصدق بالدليل الحق .

 وبهذا يا طيب : نعرف إن كتاب الله القرآن المجيد معجزة الدهر بحق ، وهو يهدي لدين خالد معجز به كل صلاح العباد إلى يوم القيامة ، وهذه حجة الله البالغة المعجزة الخالدة والواجب علينا تعلم هدى الكتاب وتطبقه رزقنا الله نوره ، وإذا عرفنا هذا نتدبر البيان الآتي .

 

 

البيان الثاني

الله خص القرآن بالشمول والخلود دون غيره

يا طيب : إن كلام الله في إي زمان وعلى أي نبي نزل فهو محكم ، ويهدي الناس بالقسط وللعدل ، ولكن لما كان كل شريعة من الله تنسخ الشريعة السابقة وتأتيهم بتعاليم تناسب زمانهم حتى التشريع التالي لها ، وكان آخر تشريع نزل من الله تعالى هو الإسلام وبه ختم التشريع والنبوة كان الله لا يقبل غير الإسلام ديناً .

وذلك لأن الإسلام : فيه أخر التعاليم الإلهية والتي تكفي لإصلاح البشر إلى يوم القيامة ، وهي كلها مجموعة في القرآن المجيد وما بينه وشرحه نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  ، وجعل عليها الله محافظين إلى يوم القيامة وهم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم  ، وسيأتي البيان في الأصل الرابع للدين في بحث الإمامة إن شاء الله ومر بعضه في بحث ختم النبوة عند الكلام عن النبوة العامة كما عرفت ، فلذا كان وما زال الإنسان لا يحتاج بعد تعاليم الله في الإسلام لتعاليم تصلحه وتوصله لعبودية الله ولإقامة العدل في مجتمعه وأسرته وما يصلح خُلقه وسيرته من تعاليم غيرها .

ولم يأتي بعد نبينا نبي آخر من الله تعالى : لأنه قد ختم النبوة والتشريع بما أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودينه خاتم الأديان ، فضلاً من يأتي نبي يدعي عنده كتاب من الله تعالى منزل عليه فيه تعاليم الله ، وكل من أدعى ذلك غيره بان زيفه وباطله ، وبدل أن يؤيده كلامه كان سبب للسخرية منه وبيان لكذبه ، فضلاً كون كلامه ـ كما عرفت معارض ـ للهدى والحق وخالي من الفصاحة .

 فلذا كان : ادعاء القرآن المجيد ونبينا ختم النبوة وعدم قبول الله غير الإسلام ديناً من المعجزات الخالدة التي تبين دوام تعاليم الله ، وإعجاز القرآن المجيد في كل ما ذكر من الأمور الغيبية والتعاليم الإلهية ، وهذه الخصوصية تفقدها كل تعاليم الله السابقة ، فضلاً من أن توجد في التعاليم الوضعية ، حيث لا يوجد دين غير الإسلام يدعي إنه خاتم الأديان ويصدقه التأريخ وأهله إلى يومنا هذا .

ولبيان خلود تعاليم الإسلام : ودوامها مع وجوب الاعتراف بالأديان قبل الإسلام النازلة على الأنبياء السابقين قبل تحريفها أنظر قول الله تعالى :

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحديد 25 .

{ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)

 وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } آل عمران 85 .

فتحصل لنا : إنه لما كان الله تعالى لا يقبل غير الإسلام ديناً مع أمره وبيانه بأن الأديان السابقة حق ، وبهذا كان كلام الله العزيز في القرآن المجيد خالد لأن الله تعالى هو الحافظ لتعاليمه ووضع المحافظين عليه ، كما إن الآن كل المسلمون لهم قرآن واحد ولم يأتي بعده تعليم من الله يدعيه صادق على طول التأريخ ، وهذا دليل لإعجاز القرآن المجيد وخلوده ، بل هو إعجاز مضاعف مضاف لما ذكرنا في البيانات السابقة .

وإما حفظ وصيانة القرآن المجيد من التحريف فيشهد له قوله تعالى :

{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } الحجر 9 .

فإذا عرفت : إن الله قد حفظ كتابه ، فإنه تعالى قد بين في آيات إن أهل الكتاب اختلفوا في كتبهم من بعد ما جاءهم العلم ، وأخذوا يكتبون الكتاب بأيدهم ويضعون ما لم ينزله الله ، والقرآن لا يأتيه الباطل ، وهذا يشهد لبطلان تعاليم الأديان السابقة ونسخها ، وذلك لأنه حرّف أتباعها كتابهم المنزل على نبيهم بعده بمرور الزمان ، وخُلط بالباطل ولم يراعى في تدوينهم لكتبهم كلام الله لا في نظمه ولا في تعاليمه وهداه ، فضلاً عن تجديد الله لدينه بما يراه مناسب لتطور البشر وحاجتهم في كل زمان ، وقد بان لك هذا في بحث النبوة العامة ، وانظر قول الله تعالى :

{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ

وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ

فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } البقرة 213.

وقال الله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) ... فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}البقرة 79 .

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) …..  وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } فصلت 45 . { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} المائدة 47.

يا طيب : إن فيما ذكرنا من الآيات أعلاه كان وصف الله تعالى للقرآن المجيد ، ووصف اليهود والنصارى وحالهم مع وبعد نبيه موسى والمسيح عليهم السلام وكتبهم ، وإنها حرفت لأنهم كانوا يكتبونها بأيدهم حسب رغباتهم وشهواتهم ولم يُحكموا تعاليمه وبيانها وفق ما أنزلها الله .

 فلم تكن كتب اليهود والنصارى : كالتوراة والإنجيل فضلاً عن غيرها خالدة مع ما كان فيها من الحق والهدى والصدق لكونهم خلطوها بالباطل ، ولم يراعوا حق نظمها فضلاً عن تعاليمها وهداها كما نزلها الله تعالى على أنبياءه ، وأنزل الله كتاب خالد مهيمن على الكتب السماوية كلها ومصدق لما كان فيها من الحقائق والتعاليم الإلهية الغير المحرفة .

ثم إنه يا طيب ويا أخي الكريم : لم يدعي أحد حتى في التحريف الكتب السابقة وأهلها ولم يخطر في بالهم إن كتبهم خالدة ، فلم يكتبوا حتى في تحريفها إنها خالدة وشاملة لجميع البشر ، ولا إنها مستمرة إلى يوم القيامة ولن يقبل الله بعدها دين أبدا ولا ينزل غيرها ، ولا الله أنزل فيها ما يذكرهم بخلودها وإنه لا دين بعدها ، بل ذكر في كتبهم التبشير بدين جديد ونبي جديد وإن نبينا الأكرم هو خاتم الأديان .

 وإن الله في كتابه المجيد القرآن الكريم : حكى إنه خالد وهو لن يحرف وفيه كل تعاليم البشر وإلى يوم القيامة ، وهذا هو الإعجاز في هداه وبيانه وفي بقاءه وحكايته عنه ، وعدم معارضة ولا نزول غيره من الله لا بدين وضعي ولا سماوي صادق يدعي فيه أحد منزل من الله ، ومع إعجاز في البيان والهدى أو شيء آخر يؤيده .

 وبهذا تعرف يا طيب : ما كان من أمر الكتب السابقة وعدم خلودها ولا إعجازها في بيانها ولا في بلاغتها ومع اختلاف هداها وتخليطه ، وعرفت هدى ديننا القويم في القرآن المجيد ودوامه وشموله ، فأنظر ما قال الله تعالى :

{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} المائدة 48 .

ولا خير إلا في تعاليم الله التي يصدقها القرآن المجيد ويشهد لها ، وما صدقها في الحقيقة تكون من تعاليمه ، وقد حرفت في الكتب السابقة ، ولم يبقى كتاب خالد فيه تعاليم الله الحقيقية إلا القرآن المجيد ، وهو لجميع البشر في جميع بقاع الأرض وعلى طول الزمان ، وبتعاليمه يستبق الخيرات والعمل الصالح ويؤمن بالله ويوحد التوحيد الخالص ويسعد الإنسان في الدارين .

 

وقد قال الله تعالى :

{ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (81)

فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ (88)

إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)} آل عمران .

 

تدبر يا طيب : الآيات أعلاه تعرف حقيقة هدى القرآن المجيد الدائم لكل البشر مع هدى تام لكل جوانب حياتهم وشمول لكل أحوالهم ، ثم محافظ عليه .

 وقد قارن السيد الطباطبائي في الميزان في تفسير القرآن : بين تعاليم الفاتحة وتعاليم الصلاة عند النصارى عند شرح سورة الحمد ، فعرف بحق الفضل في تعاليم القرآن وإحكامها وشمولها ، وبها بحق تقام العبودية مع معنى راقي غير مادي ، وكذا السيد الخوئي في تفسير البيان بيّن بعض تعاليم النصارى في الوحدانية وقارن بينها ، فإن أحببت لتعرف مدى الإخلاص والوحدانية عند الطرفين فراجع الكتابين ، أو غيرها من الكتب المختصة في المقارنة بين الأديان وتعاليمها.

فلن تجد قيمة المعارف الكريمة في معرفة الله ولا في إقامة عبوديته مثل القرآن المجيد ، ولا في هدى البشر وتعليمهم مثله ، ولا في شموله ، وبهذا نعرف إن دين الله في كتابه حاكم على كل دين وشامل لا يوجد دين له خواصه وخلوده ودوامه ، وهذا يدل على إعجازه وبقائه خالدا يهدي للتي هي أقوم لكل البشر في كل أمورهم ، ونسأل الله أن يهدينا لمعارفه كلها ويعلمنا بها ويقوينا على تطبيقها ونشره حتى يرضى علنا بكل تصرف لنا وكلام ، إنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

البيان الثالث

نبي أمي يهدي للتي هي أقوم بكتاب الله

 بعد الذي عرفت : لا يشك أحد بأن القرآن المجيد هو كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن هنا توجد خصوصية وهي إن الله تحدى من لم يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، تحداهم وبجوده الكريم حيث عاش أربعين سنة أمي بينهم لا يقرأ ولا يكتب ولم يعرف عنه شيء يدل على ذلك ، ثم أتاهم بالقرآن المجيد الذي هو أفصح كلام وكله هدى وحق ويدعوهم لأشرف التعاليم ويخبرهم بالمغيبات .

 حيث كان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعيش مع الناس وهو وسط العرب وأفضلهم قريش ، وكان منهم ويعيش بينهم أربعين سنة لم يقل خطبه أو كلام ينقل له فيه ما يدل على أنه سيكون له كتاب كالقرآن المجيد ، ثم بدأ بعد الأربعين يحدثهم به ويتحداهم بأن يأتوا بمثله أو بمثل سورة منه ، حيث يكون فيه مثل هذه التعاليم الخالدة التي فيها كل هدى يعجز عن الإتيان بمثلها على طول الزمان من جميع البشر ، وبالخصوص في أول البعثة من مثل معاصريه ، أنظر أقول الله تعالى :

{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ
 قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا
 أَوْ بَدِّلْهُ

 قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي
 إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ
ِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)

قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ
وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ
أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
 }
يونس 16.

وقال تعالى : { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ
 وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}
العنكبوت 48 .

وأكد سبحانه هذه الحقيقة في قوله : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ

يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الأعراف 158.

وبهذا نعرف بحق إنه كانت العناية الإلهية : حافة بالقرآن المجيد من جميع الجوانب ، فهو فيه تعاليم الله الخالصة والمصححة لما حرف في الكتب الإلهية السابقة ، وأنزلها على نبي أمي لم يقرأ كتاب ولم يكتب بيده لكي لا يشك طرفة عين أنه من تأليفه وترتيبه ، وهو قد نزل في مدة ثلاثة وعشرون سنة من بعثته المباركة حتى أواخر أيام حياته الشريفة ، التي كانت تنزل عليه آياته الكريمة في كل أحواله في صحته ومرضه وسفره وحضره وحله وترحاله وفي حال الحرب والسلم ، ولم يوجد فيه كلمة تخرج عن الحق ولا خلاف الهدى والصواب ، ولا خلاف العدل والإحسان .

 فلو كان من فكر نبينا و من غير تأييد الله ووحيه لوجدوا في اختلاف كثير كما عرفت ، ولكنك لو تدبرته من أوله إلى آخره لرأيته بعضه يؤيد بعض وآياته تشهد لنفسها إنها هدى وحق وصدق ، وأمره العدل والإحسان والتقوى وكل ما يسعد الإنسان ، ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي وما يشقي الإنسان على طول الزمان ، كما لم يؤثر عليه غضبه ولا فرحه ولا همه ولا حزنه مع طول المدة ، فلم يوجد فيه اختلاف ولا خلاف الهدى والحق والصدق أو الفصاحة .

وهذا شاهد لأنه كتاب معجز لا باطل فيه ، وخالد ينفع جميع البشرية على طول الزمان ، وفيه كل هدى الله تعالى ، ويتحدى جميع البشر أن يأتوا بسورة من مثله .

ولمراجعة كيفية جمع القرآن وكتابة الوحي راجع كتاب التمهيد لآية الله محمد هادي معرفة تجد كل ما تحتاجه ، وأبين معنى لجمعه هو ما ذكرنا من كون الله حافظ له في لفظه ومعناه ، فإما حفظ لفظه فإنه كان عند نبينا الأكرم من يكتب الوحي تحت إشرافه وتوصيته وهو المملي لهم ، وكان سيدهم وأميرهم وصيه علي بن أبي طالب عليه السلام كما كان هو وآله حفظة للفظه ولمعناه إلى يوم القيامة وسيأتي تتمة البحث في كتاب الإمامة فأنتظر .

وأن ما بين الدفتين والقرآن المتداول بين المسلمين ولفظه الموحد فهو كتاب الله المنزل وهو المصان من التلاعب بألفاظه ، ولكن الكتب الدينية الأخرى لا يعرف كيف جمعت إلا ما حكاه القرآن المجيد ، وقد ذكر حرف نظمها وهداها فلم يكن ما في الكتب السابقة محكم ، بل فيها تعاليم يخلط فيها الحق بالباطل وكانوا يكتبون الكتاب ويحرفوه حسب شهواتهم ، ولمعرفة المزيد راجع الكتب المقارنة بين الأديان والتي منها الرحلة المدرسية للعلامة المرحوم محمد جواد البلاغي .

 والحق لكي يؤمن بالقرآن المجيد خص الله نبيه الأكرم بهذه الخصوصية الإضافية إنه أنزل عليه أهدى كتاب فيه أفصح كلام على نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وهي لحق إعجاز في إعجاز ، ثم مع الحفاظ عليه وصيانته من التحريف لآخر الدهر وهذا إعجاز آخر ، وهو إعجاز في أعجاز وكله معجز يؤيد نبوة نبينا الأكرم وكل تعاليمه وهداه أحدهما يشده للأخر ، ليعرف أنه من عند الله تعالى على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم  .

وهذا كلام للإمام الرضا من آل محمد عليهم الصلاة والسلام ، عن أبيه عليهما السلام قال : إن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام : ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلا غضاضة ؟

فقال عليه السلام : لان الله تبارك وتعالى لم ينزله لزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو في كل زمان جديد ، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة [1].

وهذا يشهد له كل من يتلو القرآن المجيد ، وتدبر البيان الآتي تعرف المزيد حتى يحصل لك اليقين ، أنه طري مؤثر خالد فيه هدى الله الذي يدخل القلوب الطيبة والنفوس الصالحة والأرواح المتطهرة المحبة للخير والفضيلة والكرامة .

 

 

البيان الرابع

تأثير القرآن المجيد في أتباعه

 إن تأثير القرآن المجيد في أتباعه وتطبيقهم لمعارفه كبير جدا ، مع ما يحملهم من مسئولية العلم والصلاة والزكاة والحج وآلاف التعاليم التي تصلحهم ، كما ويطالبهم وبالإخلاص فيه والتوجه بكل وجودهم لله تعالى ، وهم يمتثلون كل معارفه بكل وجوهم بأنه دستور حياة ويرونه واجب الإيمان به والعمل بكل ما فيه ، والمسلمون الآن نصف مليار مسلم ، فضلا عن المسلمين الأوائل وبالخصوص تأثر نبينا الأكرم وآله الطيبين الطاهرين وتعريفهم لفضله وكرامة هداه وعلو معارفه .

هذا وإن كثير من الناس يأتون بتعاليم لا يؤمنون بها ولا يعملون بها ولا يلتزمون بما فيها من المسؤولية ، وهي غير مؤثرة فيهم فضلاً عن غيرهم ، وهي إما خلطت بين الحق والباطل أو باطل صيغ بأسلوب جميل ؛ فلم تؤثر فيهم فضلاً عن غيرهم .

 لأنك عرفت إن الكلام الجميل : إن كان محسن القبيح أو مقبح الحسن ، أو كونه خيال لا واقع له ولا يمكن تطبيقه على الواقع لأنه مخالف لطبيعة الناس أو منفر لعقولهم من قبوله  ، أو كونه لا يضمن السعادة التي تنفع المجتمع والبشرية والفرد بالعدل والإحسان . فهو وأن كان جميل مزخرف في لفظه وقبلته النفس في أول وهلة لكنه يرفضه العقل ويتنبه لخلطه وضلاله ، وأن يخدع بعض الناس فترة من الزمان لما يحفه من التهويل والدعاية والترهيب والترغيب لقبوله ، لكنه لما كان كلام جميل وكانت تعاليم باطلة لم تدم ويبقى حبر على ورق .

فالكلام المزخرف : الذي يدعوا للباطل والضلال وإن فرض فهو قانون قد يطبق بالقوة ، لكنه من غير أيمان به ، لا يقبله الوجدان وإن فرضه الأقوياء من بني الإنسان على من تحكموا عليهم من بين جنسهم ، ويتبرأ منه أصحابه وأتباعهم وتتبدل تعاليمه بمرور الزمان فلم يدم ، وبقاءه فقط مادام الحكام والمنتفعون به قائمون على تطبيقه بالترهيب والترغيب .

وقد يشيع بعض الكلام : لما فيه من هوى النفس وشهوات الدنيا العاجلة ، وهذا ليس لما في الكلام من الحق ، بل لأن حب الفسق والفجور موافق للشهوات النفسانية السهلة الحصول والعاجلة ، وإن كانت بمرور الزمان مضرة حيث لا يلتفت لضررها الإنسان ، وهذا ليس من باب التعاليم بل شهوة تحب أن تحسن عملها صاغت لها عبارات منمقة ، وباطل فيه نفع عاجل فيعمل به الناس ولدفع اللوم وتأنيب الضمير وضعوا له كلمات جميلة مزخرفة .

ولما كانت تعاليم القرآن المجيد : حق وهدى وتدعوا لكل خير وفضيلة كانت خالدة ولم تتغير على طول الزمان ، وكانت مؤثرة في المؤمنين أشد التأثير ومعلمه لهم حقيقة العبودية والطاعة والخشوع والخضوع لها ولله تعالى المنزل لها ، فتراهم مخلصين لها ويرغبون بالعمل بها بأنفسهم قبل نشرها وتعليمها ، وأول من طبقها على نفسه النبي الأكرم وهو أول عامل بها ثم آله وصحبه الكرام ، وهذا فرق مهم بين التعاليم الإلهية في القرآن المجيد والتعاليم الأخرى التي يكون أول من يتنكر لها أتباعها .

ولو تدبرت حال التعاليم في جميع بقاع الأرض للأديان الوضعية أو السماوية المحرفة لأهل الكتاب وغيرهم ، ترى إن أتباعها لا يؤمنون بها على الحقيقة والواقع وفق دليل محكم وبرهان قاطع ، إنما إيمانهم بها على سبيل التقليد للأباء والأجداد والمجتمع والعادة ، ولذا ترى أن تأثيرها في النفوس غير شديد وإيمان الروح فيها غير قوي حتى من أكثر المواظبين على العمل بها ، وهذا خلاف المسلمين عندما يلتزمون بالعمل بتعاليم دينهم فإنك ترى حججهم قوية لها ، وعقائدهم بدينهم عن دليل قاطع وبرهان محكم ، ودعاواهم بينه للتمسك بالعمل وفقها ، وعن إيمانهم راسخ بها ، وما تجده من الإيمان عند أضعف المسلمين لا تجده عند أقوى المتدينين من غيرهم .

وقد حكى الله تعالى : عن عظمة تعاليمه وأنها موجبة للإيمان والعمل بها في قوله : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } الحشر 21.

فإذا كان الجبل يتأثر بها : فالإنسان أولى بالتأثر والعمل بها ، وهي تعاليم إلهية للإنسان الذي يحب الخير والفضيلة ، وللعبد الطيب النفس والطاهر الروح والمحب للعلم الحق ، فلذا حكى الله تعالى إن أول متأثر بتعاليمه وعامل بها هم  العلماء ، والذي يسمعون القول فيتبعون أحسنه فقال الله تعالى :

 { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ
وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ }
الزمر18 .
 

وقال تعالى :{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } فاطر 31 .

فهذا القرآن المجيد : بكل ما فيه من الهدى و مواعظه وحكمه تؤثر بمن يطلب الحق والهدى ويذعن للحكمة والموعظة الحسنه ، وبتعاليمه تزكى الروح وتطهر ، وأول من خشي الله من المسلمين وأخذ بعبوديته تعالى هو سيد العلماء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم  ، فإنه مع ما قال الله تعالى له :

{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)
 لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ
 وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا}
الفتح 3 .
فإن نبينا الكريم مغفور لها حتى سنح الفكر من غير معصية ، ولو لا يتصور بحقه لأنه يذكر الله بكل وجوده وفكره ، وهذا ما عرفه سبحانه في كثير من الآيات الكريمة ، وإنه لا يؤاخذ بذنب كما هنا ، ولكنه لكي يعبد الله ويطيعه ويؤدي شكره لما له من النعم التي لا تحصى عز قدره ، بل لأنه تعالى أهل لأن يعبد بكل ما أوتي الإنسان من طاقة ، أخذته الخشية حتى كان يقوم الليل كله أو جله بالعبودية حتى قال له الله تعالى :

{ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2)
 إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلاَ}
طه 4 .

فهذا نبينا الأكرم : أغرق في العبودية حتى رخص الله له لما عرف أن الله هو منبع الخير والبركة والفضيلة وبتطبيق تعاليمه طاعته ورضاه تعالى ، وقد مر عليك شيء من معرفة نبينا الأكرم الذي هو خُلقه القرآن المجيد وعلمه بالقرآن ، وتأثره بكتاب الله المجيد المنزل عليه واعتقاده بوجوب تطبيق تعاليمه في كل أقواله وسيرته ، وقد عرفت في الأبواب السابقة سيرته وخلقه وبعض مواعظه القصيرة النابعة من القرآن وما فيها من تعاليم الله ، حتى كان هو القرآن الناطق والمفسر له في سيرته وسلوكه وقوله ومنطقه وصفاته وفي كل أحواله ، فهذا حال من صدع بالقرآن المجيد ، فإنه بالمعرفة والطاعة وهبه الله تعالى لقب حبيب رب العالمين وأنزل عليه تعاليمه الخالدة ليوم الدين ، ونال لقب أشرف الأنبياء وسيد المرسلين صلاة الله عليه وعلى آله أجمعين .

 وبعد الذي عرفت من حال نبينا الأكرم ، ننقل الكلام في تأثير القرآن المجيد في الناس حتى أمنوا وأخلصوا له ، وفي هذا المضمار ننقل كلام للسيد الخوئي رحمه الله في كتابه تفسير البيان ، في مجال تأثير القرآن في المعاصرين للنبي الأكرم وصحبه النجباء إذ قال :

ثم إن القرآن يختص بخاصة أخرى ، وبها يتفوق على جميع المعجزات التي جاء بها الأنبياء السابقون ، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر ، وسوقهم إلى غاية كمالهم ، فإن القرآن : هو المرشد الذي أرشد العرب الجفاة الطغاة ، المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الأصنام ، والمشتغلين - عن تحصيل المعارف وتهذيب النفوس - بالحروب الداخلية ، والمفاخرات الجاهلية فتكونت منهم - في مدة يسيرة - أمة ذات خطر في معارفها ، وذات عظمة في تاريخها ، وذات سمو في عاداتها .

ومن نظر في تاريخ الإسلام : وسبر تراجم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المستشهدين بين يديه ، ظهرت له عظمة القرآن في بليغ هدايته ، وكبير أثره .

فإنه هو الذي : أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال ، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين وإحياء الشريعة ، ولا يعبئون بما تركوا من مال وولد وأزواج .

وإن كلمة المقداد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين شاور المسلمين في الخروج إلى بدر شاهد عدل على ما قلنا ـ إذ قال رحمه الله ـ :

" يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : أذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون .

 ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد – يعني مدينة الحبشة – لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  خيرا ، ودعا له بخير " انتهى .

أقول : ومثل هذا الكلام الدال على قوة الإيمان توجد كلمات منيفة نابعة من التعاليم الإلهية التي علمهم الله بها في القرآن وبسنة نبيه لكثير من الصحابة وبالخصوص عند البيعة والجهاد والدعوة للقتال ، ولولا التطويل لذكرناها ، وقد ذكرنا تأثيره في الأنصار وإيمانهم به حتى كثروا في أيام قليلة وهاجر إليهم النبي الأكرم راجع بعض قصصهم في موضوع هجرة النبي الأكرم في لقاءه معهم في مكة المكرمة وكيف استقبلوه في المدينة المنورة ، وعرفت كيف قدم له الوفود .

وسيأتي شيء من بيان شأن القرآن عند أهل البيت وبالخصوص الإمام علي عليه السلام فأنتظر ، كما وعرفت حال الأمة والمجتمع المحتاج لهدى الله ، وكونه أحد الأسباب لضرورة بعثة نبينا الأكرم في كلام الإمام علي وفي كلام فاطمة الزهراء عليهم السلام في الباب الثاني ، وكيف هدى به العرب وقبله المخلصون للدين حتى عانقوا دينه الطيبين منهم عن إيمان ويقين ، ولم يصرفهم عنه أي عذاب للكفار ، بل تحملوا المشقة وهاجروا وحاربوا في سبيله فضلا عن الإخلاص في تطبيق تعاليهم كلها .

 ويكفيك إن كل المؤمنون على طول التأريخ يفتخرون بحفظ آي القرآن وسوره ، وكثيرين من حفظوه كله .

 وترى آياته الكريمة شاهدهم لمعارفهم في كثير من مقالتهم وخطبهم ، بل قد يدخل شعرهم فضلاً عن نثرهم ، وبتعليمه يحتجون ، وبهداه يستنون ، وبالانتساب له يفتخرون ، وبه يطلبون كل خير وفضيلة ومعرفة ، ولا يوجد كتاب محفوظ ومتلو ومشروح ومفسر من قِبل البشر مثله ، ولا يوجد بيت من بيوت المسلمين إلا وتوجد نسخة منه في اطهر مكان منه ، ويحترم ويقدس ويقبل من قبل الكبير والصغير قبل الفتح وبمجرد المس .

وينظر فيه بإعجاب وإجلال ، وبالطهور والنظافة تلمس كلماته ، وتقرأ ألفاظه بالنية الصادقة والمحبة للخير والبركة ، مع الإيمان به والاعتقاد بتعاليمه ومعانيه ، وعلى الأمل بالعمل بها مهما أمكن وبما يمن به الله من التوفيق للطاعة ولطلب الأجر والثواب ، بل لطلب العلم والتعلم أو الفهم والتدبر ، لكونهم يعتقدون به اعتقاد جازم بأنه لهم هدى ونور يوصلهم للكل كرامة وخير حين يعملون به .

وهذا دليل أخر على حقانية القرآن المجيد وإعجازه وشهادة لتعاليمه الخالدة التي تجاوزت الألف والأربعمائة سنة ، وهي باقية لآخر الدهر ينبع منها كل خير وفضيلة ، ويتعلم منها كل ما يوصل للعدل والحق والإنصاف ، وهي الموصلة للبشر لسعادتهم في الدنيا والآخرة كدستور علم وعمل فيه هداهم ونجاتهم ، رزقنا الله نور والظهور به بكل وجودنا ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين.

 

 

البيان الخامس

كلام أل نبينا في القرآن وعظمته

 يا أخي الطيب : قد عرفت تأثير القرآن المجيد في أتباعه على طول التأريخ ، وبالخصوص نبينا الأكرم وهو سيد العلماء والمرسلين به ، ونشير لشأن القرآن المجيد عند أهل البيت آل نبينا الأكرم عليهم السلام ، ونخص بالذكر كلام أمير المؤمنين أخو سيد المرسلين ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام في بيان شأن القرآن وفضله ، ونذكر قسم من كلامه ، وإذا أحببت الإطلاع على شأن القرآن عند أهل البيت فعليك بأواخر كتاب الكافي الجزء الأول وقد ذكرنا منه طرف مما عرفت في الباب السابق ، وكتاب الأستاذ جعفر الهادي في فضل القرآن عند آهل البيت ، أو مقدمة تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني رحمه الله ، أو عليك بكتاب بحار الأنوار الجزء 92 والجزء 93 .

ولكي لا يطول الكلام : نقتصر على كلام مولى الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وإن أحببت المزيد من كلامه وكلام آهل بيته الكرام الناقلين لكلام سيدهم وأبيهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم  ، فعليك بما ذكرنا من الكتب ، وأما كلام مولانا علي بن أبي طالب فأخذنها من نهج البلاغة فقط ، فتدبره تعرف عظمة القرآن المجيد واهتمام أصحابه به وجليل منزلته عندهم ، ودعوتهم لتعاليمه وتفانيهم في تطبيقها .

وهذا يدل على علو منزلته وشأنه الكبير وإنه عندهم الدستور للدين والقانون للعمل والأصل للعلم ، وعليه يستند المؤمنون في كل أمورهم ومعرفة صلاحها من باطلها ، وهذا يدل على أنه معجزة خالدة وتعاليمه أساس كل علم عند المؤمنين ، وأئمتهم به يحتجون عليهم وبه يعلمونهم معالم دينهم ، ويهدوهم لصراط الله المستقيم ، وأما أقواله عليه السلام فهي :

 

ومن خطبة له عليه السلام قال :

انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ ، وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللهِ ، وَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللهِ ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَعْذَرَ إلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمْ الْحُجَّةَ ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الاََْعْمَالِ ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا ، لِتَتَّبِعُوا هذِهِ ، وَتَجْتَنِبُوا هذِهِ ، …….

وَاعْلَمُوا أَنَّ هذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لاَ يَغُشُّ ، وَالْهَادِي الَّذِي لاَ يُضِلُّ ، وَالُمحَدِّثُ الَّذِي لاَ يَكْذِبُ .

 وَمَا جَالَسَ هذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ، زِيَادَةٍ فِي هُدىً ، أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمىً .

 وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَة ٍ(1) وَلاَ لاَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنىً ؛ فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لاََْوَائِكُمْ(2) فَإنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ ، وَالْغَيُّ وَالضَّلاَلُ .

 فَاسْأَلُوا اللهَ بِهِ ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ ، وَلاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ ، إنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إلَى اللهِ بِمِثْلِهِ .

 وَاعْلَمُوا أَنَّهُ : شَافِعٌ مُشَفَّعٌ ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ(3)فِيهِ ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ(4) الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْه .

 فَإنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامةِ : أَلاَ إنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلىً فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ ، غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرآنِ ؛ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ .

 وَاسْتَدِلُّوهُ عَلى رِّبِّكُمْ ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلى أَنْفُسِكُمْ ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ(5) [2].

 

ومن خطبة له عليه السلام :

وَتَعَلَّمُوا الْقرْآن فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ ، وَأَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ .

 وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ ، بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ ، وَهُوَ عَنْدَ اللهِ أَلْوَمُ[3] .

 

 ومن خطبة له عليه السلام :

 أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الاَُْمَمِ وَانْتِقَاضٍ  مِنَ الْمُبْرَمِ ، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ .

ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ : أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتي ، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ [4].

 

وقال في خطبة له عليه السلام :

 وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ .

 فَإِنَّهُ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ ، وَسَبَبُهُ الأمِينُ .

 وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ ، وَمَا لِلْقَلْبِ جَلاَءٌ غَيْرُهُ .

 مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ ، وَبَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ [5].

 

ومن خطبة له عليه السلام منها : في ذكر القرآن :

 فَالْقُرآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ ، وَصَامِتٌ نَاطِقٌ .

 حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ ، أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَهُ ، وَارْتَهَنَ عَلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ .

 أَتَمَّ نُورَهُ ، وَأكْرَمَ بِهِ دِينَهُ ، وَقَبَضَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم  وَقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحكَامِ الْهُدَى بِهِ .

 فَعَظِّمُوا مِنهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ .

 فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيئاً مِنْ دِينِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلاَّ وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً ، وَآيَةً مُحْكَمَةً ، تَزْجُرُ عَنْهُ ، أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ [6].

 

ومن كلام له عليه السلام :

 وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ ، فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ .

وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ ، وَالرِّيُّ النَّاقِعُ(1) وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ ، وَالنَّجَاةُ لَلْمُتَعَلِّقِ .

لاَ يَعْوَجُّ فَيُقَامَ ، وَلاَ يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ(2) .

وَلاَ تُخْلِقُهُ : كَثْرَةُ الرَّدِّ(3) ، وَوُلُوجُ السَّمْعِ(4) .

مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ [7].

وراجع صحيفة الثقلين من موسوعة صحف الطيبين لتعرف أهمية القرآن المجيد عند أهل البيت عليهم السلام ، فقد ذكرنا أبواب فيها تعرف شأنه الكبير عندهم ، واعتمادهم عليه ، بل يعرض كل أمر من تعاليمهم على القرآن المجيد ، فما وافقه هو الدين والهدى ، وإلا يرمى به ولا يؤخذ به ، وهذا أثره في أهله وإيمانهم وعملهم به بكل أخلاص ، دليلا متقناً على أحقيته ودينه القويم وإنه من رب العالمين هدى دائم للبشر ، منزل على سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، رزقنا الله نوره ، وهو ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

 

البيان السادس

حكايات فشل الناس في معارضة القرآن

 ذكرنا في ما مر : إن عظمة القرآن في هداه وتعاليمه وإحكام بيانه وحسن أسلوبه مجتمعة ، منعت من معارضته ، وأين يكون كلام المربوب من كلام الرب الحكيم الخبير الذي علمه البيان ومكنه من العلم والتعلم ، وهو العالم بخفي أنفس الناس وكل ما يصلحهم في كل أمور حياتهم ، وكلامه تعالى حق وهدى .

وكل كلام يعارض كلام الله فهو باطل وضلال ، ومهما كان الكلام المعارض للقرآن المجيد فإنك ترى منه الباطل يفيض ، والضلال عنده متمكن ، والغش والخداع سجيته ، ويبين لك هذا بأول ما تلتف له من قبل سبر وتفحص أعماقه ، ومهما زخرف في القول والفصاحة والبيان ، فهو غير مقبول للنفوس الطاهرة والأرواح الطيبة ، وتمجه وترفضه النفوس قبل العقول ، وتعتقد به إنه خيال لا واقع له ونما لطيف لتصور المحال أو تعظيم الصغير بحُسن مقال .

والقرآن المجيد : هو كلام الله العزيز الحكيم العالم القدير ، والخبير بكل ما يصلح البشر ويهديهم للنعيم ، والذي جعل في دينه في كتابه كل تعاليمه التي تصلح البشر وتوصلهم لصراطه المستقيم ، وهو هدى لكل الأجيال والعصور ، وفيه كل الحق ومنه ينبع ، ويفض فيُتعلم منه الصدق والخير والفضيلة ، وهو الذي يدعوا للعدل والإنصاف والإحسان ، فلا تعليم يعارضه ، ولا كلام حسن غيره فضلاً أن يكون محكم ومتقن ودقيق في معارفه مثله ، فغيره ضلال وظلام وكفر ونفاق إذا لم يكن مستقى معارفه منه ، تدبره وتدبر لكل تعاليم تعارضه وتخالفه يدعى تصلح البشر وكدستور حياة لهم ترى ليس فيها نور كتاب الله.

وفوق كل هذا أراد الله بكتابه أن يكون معجزة خالدة تبين للبشر على طول الزمان هدهم ، ودين واجب عليهم إطاعته وعن علم ، وإيمان به عن اعتقاد بكل هده لهم الموافق لذوق وجدانهم وفطرتهم وما يطلبوه من الكمال والصلاح ، وبه يعرف سنة رسوله الأكرم وأقواله وتعاليمه بعد عرضها عليه ، وبموافقة الكلام للقرآن المجيد يعرف صدقه وحقه من كذبه وضلاله .

 ولذا يا أخي : خص الله كلامه في القرآن المجيد بعناية الفصاحة والإحكام ، وكل ما ينفع الناس ويهديهم لمعرفة حقائق دينهم ويجعلهم يوقنون أنه منزل من رب العالمين على خاتم الأنبياء والمرسلين ، فلذا جعله لا يعارض ولا يمكن أن يؤتى بسورة من مثله ، ولكن بعض الناس كما ذكرنا لاختبار النفس أو للعناد ولشقاق كانت لهم محاولات في معارضته ، ولكنها كانت فاشلة باعترافهم ، وهنا نذكر الطريف منها ومن أراد المزيد عليه الرجوع للكتب المطولة المختصة في إعجاز القرآن ، ونكتفي بذكر قسم يسير منها للموعظة والاعتبار .

وبها يكون بيان وشاهد لمعرفة أن كلام الله المجيد هو المعجزة التي تتحدى جميع البشر على طول الزمان بأن يأتوا بسورة من مثله ، وإليك بعض القصص الذاكرة عن عدم تمكن الناس من الإتيان بآية من مثله ، ومعترفة بأنه فوق كلام البشر وإنه من كلام خالق الكون .

فهنا حكايات :

الأولى : قصة المستشرق الذي لم يستطيع معارضة القرآن :

ومن اللطائف التي ينقلها أحد أساتذتنا : إن أحد العلماء المستشرقين وكان أديب بارع في فنه ، وكان جالس مع أحد الأدباء العرب لما رآه يسمع القرآن ، فقال له : هل حقاً تؤمن بالقرآن ؟ فقال له : نعم .

 فقال : لماذا ؟ قال : لأنه يتحدانا وفيه تعاليم وبلاغة لا يمكن لأحد أن يعارضها ويأتي بمثلها ومن عجز عليه أن يؤمن ، وأنا عاجز عن الإتيان بمثله فخضعت له وآمنت به .

 قال المستشرق : كيف ؟

فقال الأديب العربي : إنك أديب وأنا معك فتعال معي لآن نأتي بآية توصف نار الآخرة التي تأخذ المعاندين وتستوعب كل من لم يؤمن بالآخرة ، قال : فقبل مني هذا الاقتراح .

 فيقول : بعد هذا جلسنا زمان طويل ووضعنا ثلاثون جملة توصف النار الكبيرة التي تستوعب كل الدنيا وكل المعاندين بأجمل بيان ، وبعد أن قنع إن هذه الجمل أعظم جمل يقدرون عليها لوصف النار ، يقول عرضت عليه قوله تعالى :

{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ }ق30 .

يقول : بعد أن تلوتها عليه خر متعجب ومبهوت لا ينطق وبعد زمان سألته ما أسكتك هذه الفترة الطويلة ؟

 قال : هذا كلام عجيب يعطي حياة للنار ويجعلها تتكلم بما لا يوصف من الكلام الذي يبتلع كل وصف يوصف سعت النار بما لا مزيد عليه وجعل كلامنا خائر أمامه .

 وأقول : إن تحب المعارضة فأتي بآية بغير بيان القرآن المجيد تصف مثل هذه النار لها هدى وبيان فصيح تقع في الكلام مثله ، وهذه حجة عليّ وعليك وعلى كل من يسمعها ، فعليه إما أن يأتي بمثلها أو يؤمن ، وإلا فهو في ضلال مبين ، لا أن يحور الكلام بل كلام حق فيه فصاحة وعلم حق .

وقبل هذا ذكر الله قصة الوليد في زمن الدعوة عندما عرض عليه القرآن المجيد وكانت قصته :

 

الثاني : عدم تمكن قريش لمعارضة القرآن :

ذكر في إعلام الورى : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  لا يكف عن عيب آلهة المشركين ، ويقرأ عليهم القرآن فيقولون : هذا شعر محمد ، ويقول بعضهم : بل هو كهانة ، ويقول بعضهم : بل هو خطب .

 وكان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا ، وكان من حكام العرب يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الأشعار فما اختاره من الشعر كان مختارا ، وكان له بنون لا يبرحون من مكة ، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها ، وملك القنطار في ذلك الزمان ، والقنطار : جلد ثور مملو ذهبا ، وكان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  .

وكان عم أبي جهل بن هشام ، فقال له : يا با عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد أسحر أم كهانة أم خطب ؟

فقال : دعوني أسمع كلامه ، فدنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وهو جالس في الحجر ، فقال : يا محمد أنشدني من شعرك .

 قال صلى الله عليه وآله وسلم : ما هو بشعر ، ولكنه كلام الله الذي به بعث أنبيائه ورسله . فقال : اتل علي منه .

 فقرأ عليه رسول الله : 

" بسم الله الرحمن الرحيم " فلما سمع الرحمن استهزأ فقال : تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمن ، قال : لا ، ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم ، ثم افتتح سورة حم السجدة ، فلما بلغ إلى قوله : { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ }(1) .

فلما سمعه اقشعر جلده ، وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته ، ثم قام و مضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش .

 فقالت قريش : يا با الحكم صبا(2) أبو عبد شمس إلى دين محمد ، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله .

 فاغتمت قريش من ذلك غما شديدا ، وغدا عليه أبو جهل فقال : يا عم نكست برؤوسنا وفضحتنا .

قال : وما ذاك يا ابن أخ ؟ قال : صبوت إلى دين محمد . قال : ما صبوت وإني على دين قومي وآبائي ، ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود .

 قال أبو جهل : أ شعر هو ؟ قال : ما هو بشعر .

 قال : فخطب هي ؟ قال : لا ، إن الخطب كلام متصل ، وهذا كلام منثور ، ولا يشبه بعضه بعضا ، له طلاوة .

 قال : فكهانة ، هي ؟ قال : لا . قال : فما هو ؟  قال : دعني أفكر فيه ، فلما كان من الغد ، قالوا : يا أبا عبد شمس ما تقول ؟

قال : قولوا هو سحر ، فإنه آخذ بقلوب الناس ، فأنزل الله تعالى فيه : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا } المدثر 13  إلى قوله : {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} المدثر30 (4) [8].

يا طيب : إن قصة الوليد هي قصة قريش بل قصة العرب كلهم ، مع القرآن وعدم معارضتهم له ، فإنه كان عند قريش سوق عكاظ الذي تجتمع فيه كل العرب ويقال فيه الشعر وما صاغوه منه في سنتهم ، فيقعد فيه مثل الوليد ويسمع شعرهم ويختار الشعر الجيد ويعلق على الكعبة وتسمى قصيدته المعلقة ، وهم الحكام على ما يختارون من الشعر والنبي الأكرم عاش معهم وكلامه عربي مثلهم ، ولكنهم لم يستطيعوا معارضة كلام القرآن حتى نسبوه لما نسبوه .

 

الثالث : قصة الزنادقة لمعارضة القرآن المجيد :

ذكر الطبرسي في الاحتجاج : عن هشام بن الحكم قال :

 اجتمع : ابن أبى العوجاء ، وأبو شاكر الديصاني الزنديق ، وعبد الملك البصري وابن المقفع ، عند بيت الله الحرام يستهزئون بالحاج ، ويطعنون بالقرآن .

فقال ابن أبى العوجاء : تعالوا ننقض كل واحد منا ربع القرآن ، و ميعادنا من قابل في هذا الموضع نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كله ، فإن في نقض القرآن إبطال نبوة محمد ، وفى إبطال نبوته إبطال الإسلام ، وإثبات ما نحن فيه ، فاتفقوا على ذلك وافترقوا .

  فلما كان من قابل : اجتمعوا عند بيت الله الحرام .

فقال ابن أبى العوجاء : أما أنا فمفكر منذ افترقنا في هذه الآية : { فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّا } يوسف 80 فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئا ، فشغلتني هذه الآية عن التفكر فيما سواها .

 فقال عبد الملك : وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } الحج 73 . ولم أقدر على الإتيان بمثلها .

 فقال أبو شاكر : وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا } الأنبياء 22لم أقدر على الإتيان بمثلها .

فقال ابن المقفع : يا قوم إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر ، وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية : { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } هود 44 لم ابلغ غاية المعرفة بها ، ولم أقدر على الإتيان بمثلها .

قال هشام بن الحكم : فبينما هم في ذلك إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقال : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }الإسراء 88 .

فنظر القوم بعضهم إلى بعض وقالوا : لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمد إلا إلى جعفر بن محمد ، والله ما رأيناه قط إلا هبناه ، واقشعرت جلودنا لهيبته ، ثم تفرقوا مقرين بالعجز [9].

يا طيب : وكانوا ولا يزال اليهود والكفار والمنافقين أشد الناس عداوة للذين آمنوا ،ويسعون بكل جهدهم لأن يطفئوا نور الله وهداه بكل صورة ممكنة ، والتحدي الإلهي مستمر والدواعي للمعارضة قائمة بشدة لأن ينقضوا القرآن ، والحجة على من لم يؤمن قائمة تصرخ به بأن يأتي بسورة مشابهة له أو يؤمن .

وحاول كثير من المنافقين والكفار بكل جهدهم لمعارضته ولكنهم فشلوا لم ينقل لهم معارضة أو آية فيها حكمة وبلاغة أو تعليم حق مثل سور القرآن وفصاحته وبلاغته مع طول المدة وتعاور الدهر والزمان حتى يومنا هذا ، وما ذكرنا لك قصص المعارضة الفاشلة كانت من آخر الزمان وأوله ووسطه ، ونسأل الله أن تزيد إيماننا وتجعلنا من الموقنين بأن القرآن المجيد هو كلام الله الهادي لجميع البشر الذي لا كلام غيره فيه الهدى والحق والصدق والخير والفضيلة مثله ، رزقنا الله نوره وهداه بكل وجودنا علما وعملا ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين.

 

 

 

خاتمة : إعجاز القرآن المجيد والأقوال فيه :

عرفت يا طيب : شيء من أعجاز القرآن المجيد حيث كان أساس بحثنا فيه هو : أنه كلام متقن محكم وحسن ، وهو كلام حق وهدى ونور ، وهذا المعنى تلمسه في جميع الآيات التي ذكرناها بل في كل القرآن المجيد ، وقد اخترنا لبحثنا الآيات القرآنية التي تشهد لبيانه وتعاليمه ، وهي تبين فصاحته وبلاغته والعلوم والمعارف التي يدعوا لها ، فجعلنا القرآن الكريم شاهد حق لنفسه ، وهذا ما لا يوجد في كلام من كلام الإنس بحيث أن يكون هو الشاهد على حقائقه وهداه وفصاحته وبلاغته وحسنه .

وهذا بيان لعناية الله في توجيه الناس لصدق القرآن الكريم وخلوده ، وهو للفت نظرهم لما فيه من تعاليم تهدي الناس على طول الزمان إلى الصراط المستقيم الذي يسعدهم في الدنيا والآخرة ، وبنفس الوقت تثبت كل تعاليم الله الخالدة ، ونبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، وتبين لك سبب خلود دينه الذي هو أخر الأديان وضرورة وجوده .

 وهذا المختصر في الكلام عن الإعجاز القرآني كافي لما رمنا من إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بل وإثبات لنبوة جميع الأنبياء والمرسلين وكل أصول الدين وفروعه وما جاء من الله تعالى من التعاليم لهداية البشر ، وهذا الشاهد لنبوة نبينا ، هو المعجزة الخالدة المبينة لضرورة بعثت نبينا الأكرم على طول الزمان إلى يوم الدين ولكل البشر أين ما وجدوا ، وبيان لعناية الله بدينه وجدية للدعوة إليه ، وهو بيان لاهتمامه بالمحافظة عليه في كل ما يخطر على قلب بشر من المحافظة ، وسيأتي الكلام عن هذا في بيان المحافظة على القرآن المجيد في المعنى بنصب أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليهم وسلم  في موضوع الأصل الرابع للدين الإمامة .

ثم كل من بيّن إعجاز القرآن : تعرض لهذا الجانب من البيان الذي ذكرناه في كون إن الأساس لأعجاز القرآن هداه المبين ، أو وأراد بيان هذا المعنى وإن اختلف أسلوبه وبيانه وفصل البحث فيه ، وقد فصلناه كما عرفت في عدة بيانات ، أو أضاف ما لم نذكره كإخبار القرآن بالمغيبات ، مثل الماضية لقصص الأنبياء وعظمة الله في عنايته بقصة الفيل ووقوعها أو نصر نبيه وفتح مكة وقصة الروم مع فارس وغلبهم من بعدما غلبوا وغيرها ، أو الكوثر والذرية الطيبة للنبي الأكرم من آله ونشر دينه وشموله وعدم تحريف كتابه والعناية بجمعه ، أو قام ببيان الإعجاز القرآني في اللفظ والمعنى والأسلوب والعلوم وحقيقة الإعجاز ومعناه وغيرها من أبواب الإعجاز القرآني التي لا يسعها هذا المختصر .

 وخير من أبان معنى الأعجاز للقرآن المجيد وحقيقته هو السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه الله في كتابه الموسوم الميزان في تفسير القرآن ، وكذا المرحوم السيد الخوئي في تفسير البيان ، وأستاذنا الشيخ محمد هادي معرفت حفظه الله الذي خصص لأعجاز القرآن عدة أجزاء من كتابه الموسوم بالتمهيد ، وبيّن بما لا مزيد عليه كل شاهد صدق يدلك على مفردات ومصاديق تشهد لإعجاز القرآن المجيد ، سواء في بيان معنى الإعجاز ومن كتب فيه من الأوائل أو من حاول المعارضة وبيان فشله ، أو بيانه لمحكم القرآن المجيد في لفظه ومعانيه ، أو لبيانات عليمة وفنية في مجالات الحياة والثقافة والاجتماع وغيرها ، ولولا التطويل لنقلت شواهد من هذه الكتب الشريفة وهي الآن في متناول الجميع حيث إن أغلبها منشورة على الانترنيت .

 كما يمكنك مراجعة التفاسير لمعرفة بيان الآيات القرآنية وقد أهتم في تفسير التبيان للشيخ الطوسي رحمه الله لبيان الإعراب والقراءات والمعنى بالإضافة للتفسير ، وهكذا فعل الطبرسي في مجمع البيان ، وكذا كتب سليمان السبتي رسالة في أعجاز القرآن وهي أول رسالة في هذا المعنى ، وكذا عبد القادر الجرجاني وضع كتاب تبينان علم المعاني والبيان والإعجاز كتاب أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز والشافية لمعرفة المعاني والبيان ولمعرفة حقيقة الفصاحة في لغة العرب ولمعرفة أصول وقواعد البلاغة فيها ، وكذا كتب السكاكي في الإعجاز في كتابه مفتاح العلوم ، والراغب الأصفهاني في كتابه مفردات القرآن ، وهكذا كتب الزجاج والفراء في معاني القرآن ، وراجع كتب قواعد لغة العرب لتعرف فصاحة القرآن المتقنة وبلاغته الحسنه وعلو معارفه الشريفة .

ولو عددت الكتب الموضوعة في تفسير القرآن المجيد ومعارفه وعلومه وكل ما يرتبط ببلاغته وفصاحته لكونت كتاب ذو أجزاء كثيرة ، وقد ألف فعلاً كتاب كبير الحجم في من ألف في القرآن وتفسيره ، وذكر فيه أسماء الكتب المؤلفة وأصحابها ومحل طبعها وتواجدها وقد نشر في قم بتوسط وزارة الإرشاد الإيرانية ، فراجعه لمعرفة عظمة القرآن المجيد واهتمام المؤمنين به .

  ويكفيك متابعة راديو القرآن والإذاعة الباثة له والمخصصة في تلاوته وبيان علومه والمحاضرات الملقاة في شأنه وبيانها لمعارفه وهي تبث من أغلب الجمهوريات الإسلامية ، أو أحضر الاحتفالات الموسمية التي تعقد في جميع بقاع المعمورة ويحضرها من كل البلاد الإسلامية للمشاركة في تلاوته وحفظه وتفسيره ولبيان اهتمام المؤمنين به بكل صورة ممكنة ، وهذا دليل لإعجاز القرآن المجيد وخلوده وبيان لعظمته وفضله .

  وتكفيك تلاوة القرآن المجيد نفسه من غير مراجعة لشيء إن كنت من أهل اللغة لمعرفة فصاحته وبلاغته ، وراجع كل كلام فصيح غيره ، ترى بأم عينك وصحيح وجدانك وصافي ضميرك علوا القرآن عليه ، وأنه لا يقاس بالقرآن المجيد ، وتذعن بعقلك وتشعر بنفسك إن القرآن المجيد كلام رب الأرباب والخالق للكون وفيه كل هدى للإنسان يوصله لسعادته ، ولا ترى كلام بعده يعد يعارضه أو يقاس به مهما كان خطر ومقام قائله .

 

هذا ونسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بالقرآن المجيد والعالمين العاملين بتعاليمه ويحشرنا مع من حافظ على معناه وتعاليمه وبينها نبينا محمد وآله وصحبهم النجباء صلاة الله وسلامه عليهم ، ورحم الله من قال آمين .



[1] عيون أخبار الرضا : 239 ، بحار الأنوار ج17ص213ح18. الغضاضة : النضارة والطراوة.
[2]   (1) فَاقَة: أي فقر وحاجة إلى هاد سواه. (2) اللاَواء: الشدة. (3) شفاعة القرآن: نطق آياته بانطباقها على عمل العامل. (4) مَحَل بهِ ـ مثلث الحاء ـ : كاده بتبيين سيئاته عند السلطان، كناية عن مباينة أحكامه لما أباه العبد من أعماله. (5) إذا خالفت القرآن آرائكم فأعلموا إنها تدعو للباطل .

نهج البلاغة : ص309 خ176.

[3] نهج البلاغة الخطبة 109.
[4] نهج البلاغة الخطبة 158.
[5] نهج البلاغة الخطبة 176.
[6] نهج البلاغة الخطبة 183.
[7]1 نَقَعَ العطش: أزاله. 2 يُسْتَعْتَبُ: يُطْلَبُ منه العُتْبى حتى يرضى. 3 أخْلَقَهُ: ألبسه ثوباً خَلَقاً أي بالياً. وكثرة الرد: كثرة ترديده على الاَلسنة بالقراءة. 4 وُلُوج السمع: دخول الآذان والمسامع . نهج البلاغة خطبة 156 .
[8] ( 1 ) نذكر الآيات الكريمة التي تلاها النبي الأكرم : {حم (1) تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} فصلت  13 . 

 (2) بيان : صبأ فلان : إذا خرج من دين إلى دين غيره ، وقد يترك الهمز أي مال وحن إليه ولولا التطويل لذكرنا آيات التي نزلت في الوليد ولكن راجع القرآن في سورة المدثر .  إعلام الورى ج1ص27، ونقله عنه في البحار ج17ص211 ح17.

[9] الاحتجاج : 205.

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين

 

إلى أعلى مقام الصفحة صفح الله عنا بحق سيد الأنام


يا طيب إلى الفهرس العام والخاص لصحيفة النبوة بسلام