هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
الأصل الثالث للدين صحيفة النبوة العامة   والخاصة  لنبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم

الباب الأول

النبوة العامة ومعناها وأدلتها

في هذا الباب : بحوث تعرفنا معنى النبوة وضرورة وجودها وفق الهدى الكوني والتشريعي لهداية العباد بمعارف الله ، فيُشكر ويعبد سبحانه ويسعد الإنسان بدين قيم يكون بتطبيقه كماله ونعيمه الحقيقي ، ونعرف به أسس وأصول بتطبيقها على شريعة كل نبي ومرسل نتيقن نبوته وصدق دعوته ورسالته وكرامته عند الله .

 

البحث الأول

تعريف ومعنى النبي والنبوة والوحي والرسول والرسالة والكتاب

وفيه أمور :

 

الأمر الأول :تعريف لفظ النبي ومعناه :

النبي : هو ذلك الإنسان الذي له طهارة الروح وصفاءها والاستعداد النفسي التام والقوي جداً ، بحيث يؤهله لتلقي الوحي الإلهي المخبر عن تعاليم هدى الله تعالى ومعارفه التي توصل الإنسان لحقيقة عبوديته سبحانه ، والتي بإقامتها سعادة البشر في جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها ، بحيث يجعلهم تطبيقها في واقع النعيم والعدالة والإحسان والفرح والسرور في الدنيا والآخرة .

والنبي عليه السلام : هو الذي أختاره الله العالم بحقيقة العباد واصطفاه لما عِلمه سبحانه من حقيقته الروحية والبدنية التي تظهر بتعاليمه بكل جد ونشاط وصدق وإخلاص ، فكان أشرف الخلق في زمانه وأحسنهم في تبليغ رسالته فضلا عن العلم بها وتطبيقها ، فلذا يُعلمه الله ويؤيده بالمعجزة بما يثبت دعواه حتى يصدقه العباد وكل طالب لنور هدى الله الموافق لحقيقة نور فطرته الطالبة للكمال ، وهذه الصفات للنبي هي : من المواصفات الذاتية الدالة على صدق مدعي النبوة لمن يريد معرفة النبي الأكرم في زمانه ، أو قبله مما ينقل عن النبي وعن تعاليمه التي علمها وما حكاه التأريخ عن مواصفاته وسيرته وسلوكه .

الأمر الثاني : تعريف النبوة ومعناها :

النبوة : هي سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لتعليمهم ما يوصلهم لعبودية الله ولسعادة الدنيا والآخرة .

وبعبارة أخرى النبوة : هي حالة إلهية غيبية يتلقى بها النبي المعارف الإلهية التي توحد البشر نحو العبودية لله تعالى ، وترفع التناقض والاختلاف بينهم بما يوصلهم لحقيقة تعاليم الله تعالى وللسعادة في الدارين .

فالنبوة : هي منصب ألهي لمن تحصل له حالة معنوي فيها قد صفت روحه وطابت وطهرت واستعدت للارتقاء في الغيب ، وقدرت على التلقي للمعارف الإلهية ، ثم له القدرة على الإنباء عنها وإظهارها للناس وتعليمها .

ومعنى النبوة : مأخوذ إما من معنى ، النبوة : أي الرفعة ، أو من معنى النبأ : الذي هو الخبر ،  وعلى كل الأحوال المراد من النبوة : هو التشرف بالاتصال بالعالم العلوي للغيب لتلقي الوحي الإلهي الموصل لتعاليم الله ومعارفه ، وذلك لكي يتعلمها ويطبقها ويبلغها للبشر ، فيعرفهم  عبودية لله ويوصلهم للسعادة في الدارين ، وهي أفضل منزلة لبني الإنسان وأكرم حبوة من الله لعبادة سواء في نفس وجود النبي الكريم أو تشرف أولي الألباب به فيتعلمون منه.

 

الأمر الثالث : تعريف الوحي ومعناه :

الوحي : إشارة سريعة مُعرفة للمقصود ، وهو حالة الاتصال الروحي للنبي بما وراء المادة ، بعالم الغيب لتقي وأدراك المعارف والتعاليم الإلهية الحقيقية بالطرق التي بينها الله تعالى في كتابه المجيد ، ونسبة النبي فيها إلى الناس نسبة المستيقظ إلى النائمين ، وإن نفس النبي وروحه الطاهرة هي التي تتلقى وتدرك الوحي بالكلام والرؤية ، وقيل : من غير مشاركة للحواس الجسدية المادية .

ولتلقي الوحي طرق ثلاث : وهي إما وحي إلهام : وإلقاء في القلب ونفث في الروع . وإما من وراء حجاب : و ليس وراء بمعنى خلف و إنما هو الخارج عن الشيء المحيط به و هذا كما كُلم موسى عليه السلام في الطور  وكما أوحي إلى الأنبياء في منامهم . أو إرسال ملك الوحي : كالروح وجبرائيل وميكائيل وغيرهم من الملائكة وقد قال تعالى : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا : وَحْيًا ، أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ }الشورى51.

 

الأمر الرابع : النبي الرسول وأولي العزم والكتاب:

الرسول : وهو النبي الذي ينزل عليه الملك بالوحي فيراه ويكلمه .

والنبي : ـ الذي لم يبلغ مرتبة الرسول ـ هو الذي يرى الوحي في المنام فأوحي إليه فيه ، والاثنان مأموران بالتبليغ للتعاليم التي يتلقوها  .

أولي العزم : هم الأنبياء و الرسول الذين يأتون بتعاليم مكملة للرسالة السابقة أو ناسخة لها وفق عصر الناس واستعدادهم الجديد لتلقي تعاليم الرب وتطبيقها ،  والأنبياء الرسل والمعروفون بأولي العزم هم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ونبينا محمد صلى الله عليهم وآلهما أجمعين ، ومعنى العزم : هو الثبات على العهد الأول المأخوذ على الأنبياء ، وكل واحد منهم صاحب شرعة ومنهاج وكتاب ، ودينهم الإسلام .

والنبي : سواء كان قد وصل لمرتبة الرسول أو لا فهو مأمور بتبليغ التعاليم الإلهية التي تلقها ، سواء كانت نازلة عليه لكونه رسول من أولي العزم أو نبي تابع للرسول السابق عليه ، وهو محافظ على تعاليم الله وناشر لها ومبينها وعنده من تعاليم الله كل ما يحتاج إليه أهل زمانه ، ويوصلهم لعبودية الله تعالى وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، وهو نافي لتحريف التعاليم التي تغيرت بمرور الزمان بيد المنحرفين عن الرسول السابق ، ورافع للاختلاف بينهم .

وأولي العزم : خصوا بأن لهم صياغة جدية لتعاليم الله تعالى والمناسبة لعصرهم ولشأنهم ولحال الناس في القدرة على تعلمها وتطبيقها ، وهو أسلوب يناسب استعداد البشر الجديد وتكاملهم في زمانهم الذي هم فيه وزمان آتي بعدهم ، وهذا لا ينافي كون دين الله تعالى واحد ، حيث أن التعاليم نفسها داعية إلى عبودية الله تعالى وتوحيده وإلى سعادة البشر بأسلوب له تعاليم جديدة مناسبة لعصرهم وما بعده حسب استعداد البشر وطاقتهم لتطبيق المعارف الربانية.

والرسالة : هي نفس التعاليم الإلهي التي تلقاها النبي وبلغها للناس .

 فالنبوة : هي حالة تلقي الوحي والتعاليم ، والرسالة : هي نفس المعارف والتعاليم التي تلقاها لغرض تبليغها .

والكتاب : هو ما يجمع بين دفتيه أصول التعاليم والمعارف الإلهية التي تلقاها النبي المرسل للتبليغ ، وفيه كل حكم إلهي مفروض وواجب الإتباع ولا يقبل النقض ، وبعض الأنبياء خصوا بصحف ، وسيأتي فيها الكلام أن شاء الله .

 

 

البحث الثاني

ضرورة بعثة الأنبياء

 وبيانه بأمور :

البيان الأول : وجود الخلق وغرضه يستدعي وجود النبي :

 قد عرفنا في مباحث التوحيد : في غرض الخلقة وغاية الوجود إن الله تعالى سخر للإنسان كل شيء بعد إن أتقن خلقه ، وهداه بهدى تكويني وهدى تشريعي ، وذلك حتى يتمكن من الوصول لغرضه الوجودي الذي هو خلاصة غرض الوجود ويقيم العبودية لله تعالى ويشكره عن اختيار ، ومع وجود تمام الظروف الملائمة فيصل الإنسان لأحسن غايته وما به تمام سعادته في الدارين .

 ولما كان الله سبحانه وتعالى خالق الوجود وكل شيء فيه وهادي له : وهو تعالى لا يباشر عباده ولا يخالطهم لأنهم لا يطيقون نوره ولا هو مثلهم لأنه ليس كمثله شيء ، فلابد من اختيار أفضل العباد وأحسنهم في كل زمان لتبليغ هداه لهم ، فينزل عليهم وحيه وتعاليمه ليهدوا العباد الهدية التشريعية الموصلة لهم للصراط المستقيم الذي فيه بيان لكيفية العبودية له بحقيقة تعاليمه سبحانه ، والتي فيها كل ما فيه خير وصلاح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، وهؤلاء المصطفون هم الأنبياء وأوصياهم عليهم الصلاة والسلام ، ولهذا يكون بعث الأنبياء ضرورة وجودية كونية وتشرعيّة ليتم غرض الخلقة والوجود بأحسن صورة ممكنة وبالخصوص بني الإنسان .

 

البيان الثاني : الطبيعة الإنسانية تستدعي وجود النبي:

وهذا بيان أخر لضرورة وجود النبي بين البشر : وبحثه من حيث الطبيعة النفسية والاجتماعية والمدنية للإنسان ، والتي بنفسها مع الغض عن النظر لغاية الوجود كله ، هي بنفسها تستدعي وجود النبي أو وصيه بينهم ليعلمهم بصدق وينفي الانحراف عن الهدى الحق والاختلاف فيه بينهم .

وذلك حيث أنه قد أتفق أهل الملل قاطبة على ضرورة بعث الأنبياء من قبل الله تعالى إلى الناس كافة ، وذلك لحكمة الوجود الاجتماعي والمدني للإنسان ، وإنه بوجوده يتمكن من الوصول إلى كماله بهداية ربانية تشرعيّة تعلمه الصراط المستقيم ، والذي يجب عليه سلوكه ليصل لسعادته وتمام هدايته، وبيانه:

حيث إن الإنسان : بطبعه الاجتماعي والمدني وبما أعطاه الله تعالى من المواصفات في الخلقة من المدنية والاجتماع والاختلاف في تشخيص المصالح والتخاصم الشديد في تطبيقها ، فإنه يحتاج لمرشد وهادي يعلمه سبيل الوصول لتمام سعادته وحقيقة أهدافه في جميع شؤون حياته المادية والمعنوية وبالخصوص إقامة حقيقة العبودية لله تعالى ، وكل ذلك وفق قانون عادل ودقيق ومتقن يصلح لجميع البشر في جمع الآفاق والبقاع ، و في جمع الأزمنة حتى في حال ختم النبوة ، أو حين غيبة النبي عن مجتمعه لظرف ما أو لبعدهم عنه في زمانه .

وبوجود النبي الكريم : يعرف هدى الله الحق ، وينفصل التخاصم بينهم في تعلم الهدى وتطبيقه ، ويرتفع الاختلاف بما يعلمه بشكل صريح وقاطع ، كما يمنع من الكذب على الله في ادعاء النبوة أو تعليم ضلال وتحميله على هدى الله ودينه الحق ، فلذا الواجب على كل البشر بعد الإيمان بالله من البحث عن نبي مبعوث عرفه الله لهم بما يؤيد رسالته ويُعرف صدقه ، وبهداه الحق تتم لهم إقامة عبوديته ويتم صلاحهم بالعدل والإحسان وشكر الرب المنان بما يحب ويرضى .

البيان الثالث : تعاليم الله ترشدنا لضرورة النبوة:

قال تعالى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } البقرة 213 . والآيات في هذا الباب كثيرة ، فهو تعالى يعلمنا إنه لابد لنا من نبي يرفع الاختلاف بيننا ويعلمنا هداه الحق المرضي له وهذا ما يطلبه العقلاء والوجدان.

ثم إن الله تعالى : العالم بحقيقة البشر وبجميع ما يحتاجون إليه لتطهير أرواحهم و ما ينتظم به أمر معاشهم ؛ هو الذي يختار أفضلهم وأطهرهم وأنزههم واتقاهم وأنقاهم وأعلمهم وأصلحهم لتبليغ تعاليمه ولقيادتهم لكمال صلاحهم ، لذا لا يحق لأحد أن يرشح نفسه للنبوة ولا خليفة للنبي أو أن يكون وصي له ، ما لم يكن الله قد اختاره لتبليغ رسالته أو بيانها بعد نبيه ، فلذا قال الله تعالى:

{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }القصص 69.

{ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ  (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} الحج 76 .

{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } آل عمران 34 .

 والآيات في هذا المعنى : كثيرة وبها تجد تفصيل الاصطفاء واختيار الأنبياء من قبله تعالى على علم منه بطهارتهم وصدقهم ، راجع مثلاً الآيات من 1 _ 61 من سورة آل عمران ، ترى فيها تفصيل اختيار الأنبياء من لدن آدم إلى نبينا محمد وذريته ، وذلك لعلمه تعالى بصدقهم في تعلم وتطبيق وتبليغ دينه الحق الرافع للاختلاف بين الناس ، وبهذه المعرفة للتأريخ الديني نعرف ضرورة النبوة.

 

البيان الرابع : سادت الحكماء يرشدون لضرورة النبوة :

وفيه بيانان :

 

أولاً : قال الإمام علي عليه السلام في اختيار الأنبياء :

... وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ ـ وَلَدَ آدم ـ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ  .

 لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ ، واتَّخَذُوا الأنداد مَعَهُ ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ .

 فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ :

لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ :

 مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ ، وَآجَالٍ تُفْنِيهمْ ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ ، وَأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ .

وَلَمْ يُخْلِ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ : مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ ، أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ ، رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ .

 وَلاَ كَثْرَةُ المُكَذِّبِينَ لَهُمْ : مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ .

 عَلَى ذْلِكَ نَسَلَتِ القُرُونُ ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ ، وَسَلَفَتِ الأباء ، وَخَلَفَتِ الأبناء [1]... ) .

 

ثانياً : الإمام الصادق يعرفنا ضرورة النبوة :

عن أبي عبد الله عليه السلام أنه : قال للزنديق الذي سأله : من أين أثبت الأنبياء والرسل ؟

قال عليه السلام : ( إنه لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق ،  وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا يلامسوه ، فيباشرهم  ويباشروه ، ويحاجهم ويحاجوه .

  ثبت أن له سفراء في خلقه : يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفى تركه فناؤهم .

 فثبت : الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه عز وجل ، وهم  الأنبياء عليهم السلام وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير  مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شيء من أحوالهم  مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة .

 ثم ثبت ذلك : في كل دهر وزمان مما  أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين ، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته )[2] .

فلما عرفنا يا طيب : إنه لابد من وجود نبيا مرسلا من قبل الله سبحانه بين الناس يُعرفهم دين الله وهداه الواقعي الصادق الحق ، والذي به يشكر الله ويعبد ، وبه يكون معارف هداهم وصلاحهم في كل أحوالهم ، وبه يرفع الاختلاف بينهم لما فيه تمام سعادتهم حين إتباعه .

 وذلك لأنه لله لم يجبر أحد على عبوديته وتطبيق هداه ، وذلك بعد إن هداهم السبيل بصراط مستقيم لوجود المنعم عليه بالنبوة والهدى الإلهي بالوحي أو بالتعليم ، ويدل عليه وعلى ضرورة وجوده العقل وإتقان الوجود وتعاليم الدين ، والكلام الحسن الصادق الموافق للفطرة الذي يعلموه سادت البشر والمصلحين فيهم .

نذكر أمر أخر مهم : وهو سبب ختم النبوة ، وما هي الظروف الموجبة لختمها ، وضرورة وجود من يقوم مقام الأنبياء بين العباد من أوصياءهم وخلفائهم ، مادامت مصلحة العباد مستوجبه لوجود الصادق الذي يقوم بتعريف هدى الله الواقعي ، وبه يرفع الاختلاف المتواجد بين المبشر الذي هو من طبيعة وجودهم ، ونشير لما يجب به أن يُعرف الوصي للنبي وخليفته بالحق بعده .

 

 

البحث الثالث

أسباب ختم النبوة وظروفه

 

تمهيد : تختم النبوة إذا حصل سببان :

يا طيب من المتفق عليه : إن دين الله تعالى واحد وهو الإسلام ، وكلما ينحرف الناس عن الصراط المستقيم الذي بتعاليمه يتوصل الناس للسعادة المادية والمعنوية واختلفوا فيه ؛ يرسل الله تعالى من يجدد تعاليمه بالأسلوب المناسب لهم ووفق الاستعداد الحاصل للناس في تلك الفترة ، فيرسل الله سبحانه وتعالى مبشرين ومنذرين من الأنبياء والرسل لتبليغ تعاليمه الحقيقية .

فإذا استكمل الناس من الجهة الروحية والمعنوية : لتمكنهم من إقامة التعاليم الربانية وفق أخر استعداد معنوي واجتماعي لهم إلى يوم القيامة ، ينزل الله تعالي خاتمة تعاليمه وفق استكمالهم الأخير ، ويتم أمر إرسال رسول لتبليغ أحكام الله تعالى وتعاليمه الجديدة الموافقة لصلاحهم وشأنهم في إقامة العبودية الله .

 وإذا أمن رفع الاختلاف بين الناس : وأمكن الحفاظ على تعاليم الله تعالى من التأويل والتحريف بمؤَمن ، وبهذا المؤَمن يتم الحفاظ على حقيقة التعاليم من غير تحريف ، وهو وجود من يقوم مقام النبي والرسول بتعرف حقيقة تعاليم الله وشرحها وتفسيرها من غير وحي مباشر ، ختم الرسالة والنبوة بالاكتفاء بهؤلاء المؤَمنين والذين يسمون بأمير المؤمنين وهم أوصياء أخر نبي وخلفائه وهم أئمة الناس بعده ، ولهم يرجع العباد في تعلم حقيقة التعاليم ويرجع لحكمهم عند الاختلاف في الآراء ، ولبيان وشرح هذان السببان لختم النبوة نقول :

السبب الأول : استكمال البشر :

من المعروف بوضوح في التاريخ لمن سبره ودرسه : أن البشر لا يزالون يستكملون ويقوى استعدادهم الروحي والمعنوي والاجتماعي والثقافي لتلقي المعارف الربانية ، فينزل الله تعالى في كل مرتبة من الاستعداد من التعاليم ما يرفع احتياجهم ، وحين يستكمل أخر استعداد لهم يُنزل الله تعالى أخر تعاليمه ومعارفه الهادية للبشر والكافية لإيصالهم إلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة على طول الزمان المتبقي حتى تقوم القيامة ، وبه تقام عبودية الله بما يحب ويرضى وبه فلاحهم وسعادتهم ونعيمهم في الدارين .

 و ما ذكرنا لا ينافي أن دين الله واحد : بل يؤكد أن الله تعال مهتم بهداية البشر وفق أخر استعدادهم بما يصلحهم ، فإذا وصلوا لحالة من تقبل القوانين الروحية والمعنوية وفق آخر استعداد للبشر ، أنزل الله تعاليمه التامة وختم دينه ، ولم يحرمهم فيضه وهدايته بعد تكاملهم الروحي والاجتماعي وغيره .

 وما قد يقال : إن البشر في القرن الحادي والعشرين وما قبله  قد تطور بشكل سريع اقتصادياً ، وتوسعت معرفته كثيراً في كل مجالات الحياة وبالخصوص التقنية والتكنولوجية والفلسفية الفكرية والاجتماعية والظروف المدنية ، فيحتاج لتعاليم جديدة ربانية مناسبة فيحتاج رسولا فضلا عن النبي .

فإنه يقال : إن القوانين الإسلامية كافية للإنسان ، وتحل كل مشاكله ويسعده تعلمها وإقامتها بحدودها ، وبها يتنعم إذا طبقها اقتصاديا أو في حالته الاجتماعية وكذا في جميع مجالات الحياة ، فإن الإنسان لم يستعد معنوياً لقبول أكثر من التعاليم الإسلامية لإقامة حياته المدنية وما فيه ترقيه في المعرفة المعنوية في العبودية والتوجه له والإخلاص في طاعته أكثر مما جاء في خاتم الأديان ، فمثلاً الآن لا يطيقون صلاة الليل فيوجبها عليهم أو يوجب المواساة بنصف المال بدل العشر في الزكاة أو الخمس أو يوجب واجبات أخرى تقربهم وتربطهم بخالقهم والمنعم عليهم أكثر، بل حتى بينهم في المساواة والبر والإحسان ، ولو كان لهم استعداد أكثر لما ختم الله دينه ، أو لختمه وأمر بتطبيق بعض التعاليم بعد كذا من السنين ، كما قد يقال  بحق: في زمان ظهور الحجة بن الحسن آخر أوصياء خاتم الأنبياء عجل الله تعالى ظهوره ، والذي يرافق ظهور المعجزة ونزول الخيرات وكثير من الأمور التي قد لا تعد تطور طبيعي ولا تطبيق اختياري لمعارف الله بدون عناية لتمام الهدى لمن يهتدي والرضا بما قسم الله له ، كما وتمام الضلال والهوان لمن يتعصى ومع العقاب الدنيوي فضلا عن الأخروي ، وهذه حالة أخرى لآخر الزمان الذي يقام به العدل والقسط بالتمام مع شيء من الإجبار.

ولكون إن هذه الحالة العامة قبل قيام القائم وظهور آخر الزمان في حياة الإنسان باقية ولا تتطور ليوم القيامة ، أي بقاء استعداده فقط لتحمل تعاليم الإسلام التي فيها كل ما يحتاجه الإنسان في كل مجلات حياته المادية والمعنوية ، قد ختم الله بالإسلام نزول معارف وتعليم جديدة لهم ، لأنه بتطبيقها فقط يمكن أن يسعد البشر وهي التي توصلهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وبهذا كانت ختم النبوة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وقد قال تعالى :

{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ : وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ

وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } الأحزاب40.

وعرف سبحانه أن القرآن فيه تبيان لكل شيئاً من التعاليم بقوله تعالى :

{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ :

تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ، وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } النحل 89 .

وبهذا عرّفنا سبحانه إن ختم النبوة وتعاليم الدين لما أنزل ما به تبيان كل شيء من الهدى والرحمة ، تم وكمل معنى ما عرفنا إن نبينا محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين ، وقد أثبتت التجربة والبرهان على أن تعاليم الإسلام كافية لجميع العصور الماضية والآتية ، وبقي الحفاظ عليها وهذا يتم بيانه بالأمر الثاني :

السبب الثاني : أمن التحريف للتعاليم الربانية :

بعد إن عرفنا : أن اهتمام الله بهداه الحق يدعوه للحفاظ عليه ، ولا يكفي إنزال آخر التعاليم والمعارف الربانية مع عدم الأمن من التحريف والاختلاف ، ومن دون ما يوجد من يرجعون إليه في تعلم المعارف الربانية الحقيقية من غير تحريف ، ويكفي لهذه المهمة أوصياء الأنبياء حيث لا يحتاجون لتلقي وحي جديد وتعاليم جديدة ، بل يمكنهم معرفة جميع ما يحتاجون إليه من كتاب الله الكريم وسنة نبيه المطهرة ، وقد عرفت أن القرآن فيه تبيان كل شيء ، وبقي لطف الله وحكمته وتدبيره لخلقه وربوبيته وهداه ورحمته ، ولبيان جديته في دعوته وإرادته للعبودية الصحيحة من غير اختلاف ولا انحراف وبالتعاليم الحقيقية هو :

 أن يبين لنا تعالى ويعرفنا : المعلم للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بحقيقة تعاليمه بعد وجود نبينه الذي ختم به النبوة ، ويكون هؤلاء المعلمون هم أوصياء النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله ، والحق هم آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما ستعرف في الأصل الرابع للدين في بحث الإمامة من موسوعة صحف الطيبين أو راجع فيها صحيفة الثقلين وغيرها من بحوث صحيفة الإمام علي أو صحيفة الإمام الحسين عليهم السلام أو غيرها من الكتب .

ثم إنه لا يعقل : أن يقرر سبحانه وهو المهتم بدينه وتعاليم هداه أن وجود الاختلاف بين الناس بالبغي والظلم والعدوان باقي ، ثم يختم دينه وهداه ولا يعرفنا من يرفع الاختلاف ولا يرشدنا لخليفة نبيه الصادق في شرح وتعليم هداه الحق والواقعي الذي يرضى أن يعبد به وبه سعادة البشر ، مع أن الدين عنده واحد وهو الإسلام ، وذلك كما عرفت وكما عرفنا في قوله تعال :

{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } البقرة 213 .

وقال تعالى :ُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} آل عمران 7 .  

وقال سبحانه : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ } آل عمران 144 .

فالله تعالى : بين أن الناس مختلفون في القرآن وبعد نبيه الأكرم كما بين سبب اختلاف الناس ، والله تعالى ختم النبوة فلا مصحح لانحرافهم بعد النبي الأكرم بوحي جديد أو رسالة جديدة أو نبوة جديدة ، والإسلام خاتم الأديان ويطول زمانه ليوم القيامة ، وقد تفنن الناس في البيان وحصل لهم الاستيعاب للتطور الاجتماعي بسرعة وهو موجب للاختلاف وحب المنصب والجاه وزينة الحياة الدنيا والسلطة والسيطرة والطغيان ، مما يوجب وجود وعاظ سلاطين ومفسرين تعجبهم آرائهم وكلامهم وقياسهم واستحسانهم ، وما ويوجب سرعة الاختلاف وكثرته ، وقد أشار الله  تعالى لهذا في القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها قد تلوناها عليك في الآيات السابقة .

وبعد كل هذه الأسباب : الموجبة للاختلاف والانحراف عن الصراط المستقيم ، فمن غير المعقول ولا مناسب لجدية الله لإرادة العبودية الحقيقية والتعاليم الإسلامية الصحيحة ، وقد ختم النبوة ، وعند هذه الحالة فلا يضع وصي بل أوصياء للنبي بعد الوصي الأول قد أختارهم عن علم واصطفاهم ، ثم عرفنا بهم وبيّن مواصفاتهم أو أشار لهم في كتابه الكريم وعلى لسان خاتم الأنبياء نبيا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فعليه : إذا علمنا بختم النبوة من قِبله سبحانه وتعالى ، فلابد لنا من معرفة الوصي والخليفة الحقيقي للنبي الأكرم الذي به يُعصم الناس من الاختلاف ، ويجب أن يكون عنده علم الكتاب وعلم النبي الأكرم ومُطهر مثله وصادق بحق .

ثم لا يعقل : ولا يتصور أنه سبحانه يصر على أن يحافظ على كتابه الكريم من التحريف لفظاً دون أن يحافظ عليه معناً وتفسيراً وشرحاً وبياناً وتعليماً وهو القائل سبحانه { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } الحجر 9 ، فلذا لا يتم الحفاظ على الدين كما عرفت إلا بتوسط الأنبياء أو أوصيائهم ، وقد عرفت انه قد تم ختم النبوة ، فلابد من أن يوجد لخاتم الأنبياء أوصياء هم الذين يرفعون ما يقع من الاختلاف في الدين ، ويدلون الناس على الصراط المستقيم ويبنون لهم حقائق التعاليم الربانية  ، كما أنه لابد أن يكون قد بينهم الله تعالى للناس ودل عليهم نبيه الأكرم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقلنا أن أوصياء نبينا هم آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين .

وهذا له كثير من الشواهد : راجع فيه بحث الإمامة أو ما ذكرنا من الصحف ، أو بالرجوع للكتب المطولة مثل الغدير أو إحقاق الحق أو عبقات الأنوار أو المراجعات وإثبات الهداة وغيرها ، ويكفيك قوله تعالى بجعل الولاية للمؤمن وهو في حالة صلاة والركوع والمعطي للزكاة بهذه الحالة ،وهو الإمام علي ، بعد ولايته سبحانه وولاية نبيه حين قال تعالى:{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }المائدة55 .

فهذا الآية يا طيب : باتفاق المسلمين قد نزلت في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ووليهم بعد أخيه سيد المرسلين عليهم وعلى آلهم صلاة الله وسلامه والملائكة وكل الطيبين والمنصفين ، وولايته وآله امتداد لولاية الله في هداية عباده بأحسن سبيل وأوضح طريق وصراط مستقيم لتعريف هداه التام في كل حين بإمام حق.

 

 

البحث الرابع

أمور تعرفنا صدق مدعي النبوة

ُيعرف صدق مدعي النبوة بأمور وهي :

الأول : احتياج المجتمع لنبي يهديه :

إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وهو عليم وحكيم بعباده ، وبر رحيم بهم وهادي لهم قيوم عليهم ، وهو الذي يبعث النبي في زمان يحتاج فيه المجتمع لنبي يدلهم على مكارم الأخلاق وكل ما فيه صلاح حالهم وخيرهم ، فيعرهم ويرشدهم لضرورة الإيمان بالله تعالى ، ويدلهم على معارف هداه الذي فيه نعيمهم وسعادتهم، وما يجب عليهم من العمل عن اعتقاد بهداه وبالعدل الإحسان بينهم ، وضرورة الصدق في أقوالهم وأفعالهم ليسود بينهم التعامل باللطف و الوئام ، وذلك بعد أن كان قد ساد بينهم الشرك والكفر والظلم والغش والخيانة والجهل والعدوان أو كاد أن يعمهم ، فيرتفع بهم بما أنزل الله عليه من ذل الانحطاط والكفر إلى عز الإيمان والحكمة ليصلوا لسعادة الدنيا والآخرة .

وبالتدبر في رسالة الأنبياء ودعوتهم للإصلاح : نعرف هداهم الحق في تعاليمهم وفي سيرتهم وسلوكهم وما دعوا له من العدل والإحسان وضرورة الإيمان بالله الرب الحنان المنان ، ولا يمكن إنكار خير وبر وهدى رسالة المرسلين وما تدعو له من الهدى ، ويكفيك التدبر في القرآن المجيد لتعرف المهام التي جاء بها الأنبياء ، فراجع سورة الأنبياء والآيات المتعرضة لقصص الأنبياء ، وقد قدمنا كلام الإمام علي عليه السلام في سبب بعث الأنبياء فتدبر فيه تعرف ما رمنا .

وقال الله تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } النحل 36 .

وقال سبحانه : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } الحديد 25 . وقال عز وجل : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } الجمعة 2 .

وآيات القرآن المجيد : كلها يمكن إرجاعها لهذا المطلب ، وهو بأن البشر محتاج لهداة كلما بدلوا حقيقة الأحكام الإلهية ، فيتفضل الله عليهم بمن يعلمهم هداه الحق ولم يخل زمان مما فيه صلاحهم ، ومع وجود المصلح لهم والرافع للاختلاف بينهم والمبين لهداه الحق فيهم إن تبعوه بعد تعريفه لهم :

وقد قال سبحانه وتعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } الرعد7.

وقال الله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ

وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ،  وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ  ،  وكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا

رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } النساء 163 ـ 135 .

وبهؤلاء المطهرين المصطفين الأخيار يقيم الله حجته ، فإنه بهم عرف البشر هداه ، وعليهم إطاعتهم لأنه بما علموه وبينوه يكون صلاح العباد ، وهذا يدركوه بعقولهم وبفطرتهم الطالبة للكمال من الرب المتعال ، كما عرفت من ضرورة وجود النبي المعرف لهدى الله ولكل ما يصلح البشر ، ولعنايته سبحانه بهم ولكونه حكيم وهادي لهم وقيوم عليهم ، يوصلهم لأحسن غاية لهم إن أقاموا تعليمه ومعارفه المنزلة على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام .

  الأمر الثاني: وجود الكمال التام في صفات النبي الذاتية:

يجب أن يكون النبي : فيه مواصفات ذاتية متعلقة بشخص النبي الكريم تؤيد دعوته وتصدقه ، وهذه الصفات الفاضلة هي التي تؤهله لمقام النبوة وتحمله أعباء الرسالة وتبليغها ، ونذكرها هنا على نحو الشرح المختصر ، وراجع أصولها في بحث العصمة الآتي ، والصفات وهي :

أولاً : الصفات الذاتية للنبي الكريم :

النبي : يجب أن يكون طاهر مطهر ، وهي أن تكون له صفة النزاهة عن دناءة الآباء وعهر الأمهات ، وأن يكون وليد بيت شرف ورفعة و من عائلة كريمة في أخلاقها ونسبها لسراية العرق الوراثي في الأبناء وتأثيره ، كما يجب أن يكون سالم الخلق في البدن وعدم وجود ما ينفر الناس منه لا في ذاته ولا في لوازمها حتى يتوجه إليه مجتمعه ويؤثر فيهم فيطيعه الناس بكل ما يُعلم من هداه .

كما يجب أن : يكون سيد مجتمعه في طهارة النفس من الضلال والأمور الخسيسة ، ويجب أن يكون له العقل الكامل وذو لب حكيم والذكاء والفطنة والعلم والفهم والحلم ، وذلك لكي تؤثر دعوته في الناس ويقبلون منه تعاليمه ولا ينتقص في شيء من النسب والمواصفات الخلقية والعلمية والعملية .

قال تعالى : { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ….  فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } آل عمران 33،34ـ61 ، وبهذه الآيات الكريمة : عرفنا سبحانه الاصطفاء لمن يعلم خيره وصلاحه وصدقه ، ثم بين في تلك الآيات لو تتلوها كلها بتمامها لطهارة مريم ويحيى ثم يباهلهم بالنبي وآله الطيبين الطاهرين ، وينفي عنهم الكذب ، وبهذا يدل العباد وكل المنصفين ، لملاك النبوة والاصطفاء واختيار الرسل وأوصياءهم من بعض.

ثانياً : يجب أن يكون النبي أفضل الناس أخلاقا :

يا طيب : يجب أن يكون النبي ذو طباع كريمة وسيرة حسنة شريفة ، ومنها العدالة في التصرف والأمانة والصدق والوفاء بالعهد والوعد ، ويجب أن يكون عطوف رءوف رحيم بر محسن وجامع لجميع الأخلاق الحميدة والصفات الفاضل على نحو الكمال والتمام ، وبهذه المواصفات يصدقه الناس ويتبعوه ويحبوه ويتعلموا ومنه ويطيعوه في كل معارف هداه .

فلذا يجب أن لا يكون لئيم ولا فض غليظ القلب ولا يستخدم الغش والخيانة ، ولا إي صفة أخرى تدل على خسة الطبع ولا حتى قلة المروءة ولا الابتذال في التصرف ولا الانكباب على الدنيا وزينتها ، ويعمل بما يعلم من مكارم الأخلاق ، فقد قال تعالى :

{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } آل عمران 161 .

ويكفيك أن تراجع حياة الأنبياء وكيفية دعوتهم لأممهم وكم مدحهم الله تعالى وزكاهم ، وعرفنا سبحانه في قصصهم في كثير من الآيات علو خُلقهم وكمال دينهم وحسن سيرتهم ، وأيضا راجع بحث العصمة الآتي ، وراجع البحث السابق في احتياج مجتمع النبي له ، وانظر قوله تعالى : { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } النحل 125 . و هذا سبيل جميع الأنبياء في دعوتهم راجع قصصهم تعرف إنهم على خُلق عظيم .

ولهذه المطالب : يكفي دليل بأنهم أنبياء مختارون لله ومصطفون لتعليم دينه القيم وهداه الموصل لكل خير ونعيم ، ولا ينال هذا المنصب إلا من كان أفضل أهل زمانه وأحسنهم وأكملهم علما وتعليما وتبليغا بكلامه وسيرته وسلوكه وبكل تصرف، حتى يكون قدوة حسنه يوصل لعبودية الله والإخلاص له بكل مظهر له.

 

ثالثاً : علو همة النبي وعزمه القوي على تبليغ دين الله :

بالإضافة إلى الكمال الذاتي والخُلقي ، يجب أن يكون النبي : عنده الشجاعة على تبليغ رسالته والإصرار على نشر مبادئه ، ويكون ثابت على دعوته مؤمن بتعاليمه ، بحيث يطبقها في الأول على نفسه كما يطلب من الآخرين الإيمان والعمل بها ، وأن يكون عنده حسن السياسة والتدبير وحكيم في القيادة والهداية ، وقوي على الوعظ والإرشاد والتبليغ وبأحسن بيان ، متحمل للمصائب والمحن في سبيل تحقيقها ، ولا يداهن على مبادئه ولا يتنازل عن تعاليمه ، مصر على المضي في سبيله ودعوته لدين الله .

كما و يجب : أن لا يستعمل النبي لنشر معارف هدى الله الغش والخداع والمكر والحيلة والغدر ، ولا أي صفة من الصفات المنافية لكرامة المبدأ ولشرف المقصد في تحقيق هدى الله في عباده ونشره لمعارف دينه القيم .

وثبات الأنبياء : في تبليغهم تعاليم الله حكاه سبحانه في كتابه الكريم راجع قصص حياتهم الكريمة ، تعرف كم تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله ودينه ، وكم الله تعالى أثنى عليهم وعلى صبرهم ، حتى قال تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } السجدة 24 .

وقال عز وجل : {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ } الأنعام 33 ـ 34 .

 

   الأمر الثالث: أن يبشر بالنبي ألاحق النبي السابق عليه :

ومن الأمور المهمة التي تعرفنا صدق مدعي النبوة : هو أن يخبر ويبشر بالنبي المبعوث الذي يراد تصديقه ، النبي السابق عليه ، بذكر بعض مواصفاته واسمه وبعض أحوال عصره ومكان ظهوره ، كما إنه يجب هو كذلك أن يصدق دعوا الأنبياء السابقين عليه ، وذلك لأنهم أنبياء ومرسلون وهداه لرب واحد أحد لا شريك له ، والله يريد بكل سبيل ممكن أن يعرف هداه من آدم إلى خاتم الأنبياء بل وإلى يوم القيامة يعرفنا الخلفاء والأوصياء لكي لا نختلف بهم ، بتعريف صفاتهم وملاك إمامتهم وسبب اصطفائهم واختيارهم كما تصدقهم سيرتهم .

 والله صدق في القرآن دعوا جميع الأنبياء الذين أرسلهم والذين شهد التأريخ بوجودهم ، ولهذا شاهد معروف وواقعي في قصص الأنبياء في مثل انتظار بني إسرائيل موسى وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليم وآلهم وسلم ، حتى هاجر قسم من اليهود وسكن المدينة وما حولها ، وهجرة سلمان الفارسي معروفة عند المؤمنين ، وقصص الرهبان الذين بشروا بالنبي لجده بعد المطلب وعمه أبو طالب أو عرفوه في أيام رحلاته للتجارة  للشام كثيرة ذكرها كل من تكلم عن السيرة النبوية المطهرة .

 وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } الصف 6.

 

الأمر الرابع :ظهور المعجزة على يدي النبي المبعوث :

 والمعجزة : هي الأمر الخارق للعادة ، المقرون بالتحدي ، وعدم امكان معارضته .

والمعجزة : أمر مهم في تعريف النبي لتصدق دعوته لدين الله الحكيم العليم القادر ، وحتى تقام تعليمه هداه ومعارف دينه القيم ، ويطاع بإخلاص له وبتوجه تام لعبودية الله في السر والعلن ، وهذا التأييد الرباني للأنبياء لكي لا يبقى حجة لضعاف النفوس لعدم الإيمان بالنبي وعدم قبول دعوته ، ولإقامة الحجة البالغة من الله على الناس .

 كما إن هذا التكريم للنبي بالمعجزة حتى يُتبع وتعرفه الناس بفضل من الله ورحمة ومنّة للنبي وللعباد ، وإلا كان يكفي لتصديقه هو : أصل النبي الكريم وخُلقه الحسن وآدابه الكاملة ومعارف هداه القيم الذي به كمال الفطرة وطلبها له ، وتصديق الأنبياء له من آدم حتى خاتم الأنبياء وتعريفهم لمحل ظهوره ومكانه ومواصفاته ، وبسلسلة متصلة من أول نبي مخلوق حتى خاتمهم وتعريفهم لبعضهم البعض ، وذلك بعد إن آمنا بالله وإنه لابد من هادي يُعرف دينه بالعقل .

ثم المعجزة لكي تكون معجزة بما عرفت من التعريف يجب أن تكون :

أولاً : خارقة للعادة : ووجودها حقيقي وبأسباب غير معروفة عادة ، وخفي على البشر العاديين الوصول لسرها وعمل مثلها .

 ثانياً : مقترنة بالتحدي : أن تكون المعجزة للنبي مقرونة بالتحدي لتأييد دعوة النبي ، وإلا إذا لم تكون مقرونة بالتحدي فهي كرامة مثل الرزق الذي أعطي لمريم عليها السلام ابتداء من غير تحدي لأحد فقط لبيان فضلها ، مع عدم امكان إتيان الناس مثلها وعدم القدرة بمعارضتها فهي تفضل من غير تحدي لأحد.

ثالثاً : وأن لا تكون عن رياضة وتمرين وتدريب ، بحيث يمكن لغيره لو تمرن من إتيانها ، كما ويجب أن يمكن النبي من عمل غيرها من المعجزات بإذن الله وتأييد، وحسب الضرورة التي بها يمكنه أن يثبت بها دينه وتوجيه الناس لله تعالى .

رابعاً : وأن يكون الغرض من إتيانها دعم دعوة النبي وتأييد منزلته عند الله القادر على كل شيء ، وتساعد على دعوة الناس لمبادئ النبي وعقائده .

خامساً : ويجب أن يكون ما يقوله النبي فيما سوف يأتي به من المعجزة  مطابق لقوله ـ لا يقول شيء ويحصل شيء آخر مثل مسيلمة الكذاب تفل في بئر قليلة الماء ليزيده فغار جميع مائه ونشف ـ .

و في الغالب تكون أهم معجزة النبي غالبة وفوق ما اشتهر من فنون عصره وزمانه ، كما يمكنه عمل غير ذلك ، وقد اشتهر السحر في زمان نبي الله موسى عليه السلام فجاءهم بمعجزات تماثل أعمالهم وتفوقهم كاليد البيضاء والعصا وغيرهن ، والطب في زمن عيسى اشتهر فكان عليه السلام يحيي الموتى ويبرأ الأكمة والأبرص ويشافي المرضى ، والبلاغة اشتهرت في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاءهم بالمعجزة العظمى القرآن الكريم .

وبعض المعجزات خالدة كالقرآن الكريم ، وبعضها تختص بزمان محدود ، وبعضها من الإخبار بالمغيبات وتحققها بعد حين ولو بعد زمان حياته ، ومعجز الأنبياء تناقلتها الأخبار والأمم ، وبعضها لها آثر باقية كما حكي عن سفينة نوح ووجودها في جبال تركية مع ألواح نقش عليها أسماء أهل البيت عليهم السلام ، وهكذا توجد آثار عاد وثمود والفراعنة وتسخير اليهود لبنائها وغيره في الأمم .

واعظم معجزة : هي معجزة القرآن الكريم الخالدة التي أيدت دعوا جمع الأنبياء وصدقتهم ، فضلاً عن تصديق دعوة خاتم المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلام ، وذكر فيه تحقق المعجزة من النبي وآله كثير في معارف الدين وتأريخه، كما أن السنة المطهرة زاخرة في شرح معجزات الأنبياء .

ونتبرك هنا : بذكر بعض الآيات الذاكرة لبعض معجزات الأنبياء والتفصيل في حياة كل نبي في صحف الأنبياء من موسوعة صحف الطيبين في المستقبل إن شاء الله إن مد الله بعمرنا ، وأما معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالخصوص القرآن الكريم فسوف نتكلم عنها في النبوة الخاصة إن شاء الله تعالى ، وقال سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } المجادلة 20ـ21 .

وقال سبحانه:{اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا …فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا }يوسف93، 96.

وقال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا }الإسراء 101ـ 103.

 وقال عز وجل : { أ َنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } آل عمران49 .

وقال تعالى : { وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } يونس 37 ـ 39 .

وسيأتي بيان الشاهد للحي القرآن المجيد وبتصديق ما فيه تصديق لنبينا الأكرم ولكل معجزات الأنبياء المذكورة فيه ، وفيه معارف جمة تؤيد تحقق آياته في الآفاق والأنفس ،ودلالاته في البيان والبرهان محكمة لتعريف حقه وهداه بحق .

 

البحث الخامس

ضرورة عصمة الأنبياء عليهم السلام

 وفيه أمور :

 الأول : تعريف العصمة والمعصوم :

العصمة : هي من الصفات النفسية الدالة على علو الهمة وكمال الروح في التوجه لله وتطبيق هداه بما يحب ويرضى ، وبها يعتصم النبي أو وصيه ويتنزه عن الذنوب والمعاصي صغيرها وكبيرها وعن الخطأ والنسيان والغفلة عن ذكر الله بكل حال له ، وكذا التنزه والطهارة عن ارتكاب ما يدل على خسة طبع وما يخالف المروءة في جميع أحواله سواء في فرحه أو في غضبه أو حله أو ترحاله .

فالعصمة : هي ملكة تقوى الله تعالى الحاصلة عن المعرفة به تعالى في أعلى مرتبة ممكنة للبشر ، وهي مطلقة في العلم والعمل والتبليغ والظهور بكل معارف الله وتعاليمه، ونشرها حسب الوسع والطاقة بأحسن صورة ممكنة لعبد من العباد ، غير محدودة في جانب معين ، وتحصل للأنبياء ولأوصيائهم بلطف من الله تعالى، وباقي الناس قد تحصل لهم عصمة حسب مراتب تقواهم وقوتهم في الكون مع الله وذكره بكل حال لهم ، وقد تكون من جوانب أو في جانب معين.

وتحصل العصمة للمعصوم : لعلمه القطعي بعواقب الأمور من حسن الطاعة وقبح المعصية والدناءة ، فتسموا وتوله نفسه في حب الله وطاعته ، وتطهر عن معصيته ولا يطيب له فعل إلا فيما يكون به رضا الله مع الإخلاص له ؛ وبهذا يشتغل المعصوم في جميع أحواله في إطاعة الله وعبوديته ورفض معصيته علما وعملا ، وكل ذلك عن إرادة واختيار من المعصوم من غير جبر على ترك المعصية والخطأ ، بل خوف الله وحب طاعته ورجاء فضله ، فلطف الله به وبره يوصله لمقامها ، فإن من يكون في هذه المرتبة من التقوى يسدده الله في القول ويوفقه في العمل ويختاره لتبلغ رسالته وتعليم معارفه وبيانها للناس ويؤيده بالمعجزة .

فالعصمة : هي لطف من الله تعالى لمن له ملكة راسخة في إطاعة الله تعالى ، وعن علم حقيقي وتقوا شديدة تصونه عن الوقوع في الخطأ والمعصية .

والمعصوم : هو الذي له ملكة العصمة ويختاره الله تعالى على علم على العالمين لتبليغ تعاليمه ، ويكون المعصوم هو المبين للمعارف الإلهية ومع القدرة على القول الحسن والعمل الصالح بكل حال له حتى في السيرة والتقرير لما يرى من الأمور ، وبهذا يثق به و يصدقه الناس ويطمئنون بأنه لا يقول شيء من عنده إلا ويكون له أصل فيما شرعه الله له و لمن يتبعه ، ولولا هذا لما كان مؤثر في التربية والتعليم ، ولما قبلت دعوته ودافع عنه أصحابه وأتباعه مع الإصرار على قبول تعاليمه على طول الزمان .

 

ولمِا مرّ  يجب أن نؤمن : أن جمع الأنبياء ومن يقوم مقامهم من الأوصياء في كل زمان ومكان كانوا فيه ـ لأنه لا تخل أرض الله من حجة إلى يوم القيامة ، ولله الحجة البالغة التامة ـ كلهم معصومون في القول والفعل سرا وعلناً قبل البعثة وبعدها وفي جميع أحوالهم ، وذلك  لكي يقبلهم الناس لصلاحهم وحسن وجودهم ولهداهم في كل حال وزمان لهم ، وعلى هذا نعرف يجب أن يكون المعصوم معصوم في أمران مهمان يجمعها معنى واحد ينطوي فيه التفصيل وهو :

 

الثاني : العصمة في التعلم والتطبيق والتعليم :

     أولاً : العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي وتطبقه وتبليغه :

غرض الله سبحانه وتعالى : في عصمة أولياء دينه القيم وهداه الحق ، هو هداية البشر لحقيقة تعاليمه التي شرعها لهم أو رفع ما اختلفوا فيها من بينهم بالمعصوم ، فلابد أن يكون من يبعثه الله تعالى لتبليغهم تعاليمه ومعارفه له القدرة والقوة والفهم الصحيح لتقيها بصورة تامة ، ووفق ما أراد الله تعالى لتعليمها للبشر حقيقة من دون أي تخلف ولا اختلاف ، وإلا لو كان رسوله يخطأ في تلقيها وتعلمها ، أو في تطبيقها والظهور بها ، أو في تعليمها وتبليغها لأخل بغرضه وتخلف مقصوده سبحانه في بعث الأنبياء واصطفاء الرسل وأوصياءهم  ، وهذا ينافي إحاطة الله تعالى وعلمه وحكمته بالعباد وما يصلحهم ، بل وخلاف قدرته وعدله في تبليغ تعاليمه وإيصالها لعباده ، وفي عدم علمه بالأصلح في اختياره للرسل بل للأنبياء وأوصياءهم ، وتعالى الله عن ذلك علواً كثيرا ، وقد قال سبحانه : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيه } البقر 213 . وقال تعالى : {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } الجن 26ـ28 .

وقال تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} الرعد7 .

ولو كان يغلط ويخطأ المبلغ عن الله لتعاليمه لما كان النبي الأكرم منذر ولم يكن وصيه هادي حقيقي كما يريد الله ، وتعالى الله من أن يصطفي من لا يفي بغرضه لتبليغ هداه القيم وتعاليمه الصالحة المصلحة للنفس وهداها بما يحب .

فهذه الآيات : تبين أن الله تعالى يبعث الأنبياء لرفع اختلاف الناس ويبين لهم حقيقة تعاليمه جميعها من دون اختلاف ولا تخلف ، وهذا معناه أن النبي والهادي بعده لا يمكن إلا أن يكون معصوم ولا يخطأ في تلقي الوحي وتبليغه .

 

ثانياً : العصمة عن المعصية التي فيها هتك للعبودية :

يا طيب عرفت إن العصمة : تكون حاصلة لمن له مرتبة عالية من المعرفة و التقوى ، ولمن حصل له لطف من الله تعالى ليختاره لتبليغ تعاليمه ، وهي حاصلة لنبي أو ولصي نبي ، وذلك لأن الله تعالى غرضه إيصال تعاليمه للناس ليقبلوها ، ولو كان مبلغها قد عصى الله أو صدر منه ما هو مخالف للمروءة لم تقر له الروح ولا تسكن النفوس إلى صدقه وقبول دعوته .

 والإنسان المبلغ للتعاليم الدينية : ليس مثل غيره ممن يتعلم تعاليم أخرى ويعلمها ، فلكي تسكن النفس الطالبة لكمالها بتعاليم الله تعالى ، ولتطمئن بأن هذه التعاليم حقيقة من الله تعالى لابد أن يكون مبلغها معصوم من المعصية صغيرها وكبيرها قبل التبليغ والجهر بالدعوة وبعدها من أول عمره لأخره ، وذلك لكي يكون أكثر قبولا عند الناس من إنسان صدرت منه بعض المعاصي ولو تعد صغيره ، وهذا بالخصوص لمن يدعي النبوة والإمامة بل والخلافة والوصاية للنبي ، وأن تعاليم الله الحقيقة عنده ، وأن الله قد اختاره ووفقه لهذا المنصب العظيم الذي وأجب على الناس أتباعه والعمل بأقواله .

 نعم لو كان فرد يقول : أنا من أتباع النبي أو أنا قد أخطأ ولا يدعي إن جميع تعاليم الله عنده التي أنزلها لتعليم عباده وهدايتهم ، لأمكن القول : أنه يكفي أن يكون متقي ظاهر الصلاح الآن ، بل من الممكن أن يكون تائب بعد معصية وان كان اطمئنان الناس وقبول التعاليم منه أقل تأثير وليس مثل من لا يُعلم منه معصية ولا وقعت عنه أصلاً .

والله تعالى : إذا كان يريد أن يوصل حقيقة تعاليمه ويريد من الناس أن يقبلوها بكل وجودهم وبتمام الطاعة بكل حال لهم ، فيجب أن يكون قد أختار ووفق بعض البشر بلطفه للعصمة عن المعصية قبل البعثة وبعدها وعلى طول حياتهم من الولادة إلى الممات ، وذلك لكي تتم حجته ، ويكون أبلغ في تبليغ تعاليمه وقبولها من قبل عباده ، وليتم غرض دعوته لدينه وهداية للناس لتعاليمه سبحانه ، وبأحسن صراط مستقيم وهدى قويم ، وبهذا تكون له الحجة التامة البالغة عز وجل . وقال الله سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ } النساء64. ولو أطيع من يخطأ في القول والفعل ومن تصدر منه المعصية ، ثم يُقتدى به في جمع حالاته ، لكان الله أمر بما يخالف غرضه من هداية الناس لتعاليمه ، والله تعالى يريد قطع عذر الناس وقبول تعاليمه بأحسن وجه ، وقد قال تعالى : { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } النساء 164 .

 ولو كان مبلغ رسالاته عاصي في فترة من حياته لكان للناس عذر في عدم طاعته ولفترات فضلا عن فترة ومره أو في شيء منها كل العمر ، ولكان لهم حق التواني في إجابته أو الإبطاء في تطبيق تعاليمه أو بعضها .

كما وحسب ما عرفنا سبحانه : إنه من يكون نبي لابد أن لا يلبس أيمانه بظلم ، وكل معصية هي ظلم من العبد لحق المعرفة بالله وهداه ، وقد قال تعالى :

{ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ   وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ

وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ    ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ *

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء

فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } 82 –90 . وجعل آل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقرباه وآل بيته هم المعصومون بعده لتعليم الناس معالم دينهم ، إذ عرفت أن آخر الآيات السابقة أن أجر رسول الله ذكرى للعالمين وهو به يتم الهدى ، ثم جعل الله تعالى الذكرى للعالمين هي متابعة آله وقرباه ومودتهم بقوله تعالى :

{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } الشورى 23 ، فجعل اقتراف الحسنات وزيادتها هي نفس متابعتهم ومودتهم ومعناه اخذ تعاليم الله تعالى منهم بعد نبيه .

فإنه لا أسألكم عليه أجرا إلا أن يكون ذكرى تنفع تعليمكم ، ولا أسألكم عليه أجر إلا المودة في القربى ، فنفس الأجر في الآيتين متحد وهو : المذكر لهدى الله هو يتم ونتمكن منه حين المودة للقربى ، وبه تحصل لنا الحسنات ومغفرة الله تعالى لعباده بل وشكره لنا لإطاعته بتعاليمه الحقة من المهتدون بحق.

 ويؤيد هذا المعنى ما حكى الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام : لأنه طلب من الله أن يبعث رسل يزكوهم ، فلابد أن يكون من يزكي الناس زكي طول حياته إذ قال : { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } البقرة 129 .

والمراد من التزكية هو التطهير من الرذائل ودعوتهم للهدى ، فلذا جعل بعده أئمة المسلمين مطهرون بالحصر التام والعناية الكاملة منه تعالى إذ قال سبحانه: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}الأحزاب33 . وقال : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} الجمعة 2 .

فلذا كان المبلغ عن الله تعالى : زكي طاهر من المعصية لأنه عالم بمعارف الله وراسخ فيها حتى لا يعصيه ، وبهذا عرفنا أنه راسخ في تطبقيها في كل شيء لا رجس له لا في فكره ولا في تطبيقه ولا في تبليغه ، ولا له شيطان يعتريه ولا يفلت في حكم وموقف يتسلط به على رقاب الناس ويحكم بهم برأيه وقياسه ، بل يجب أن يكون قد اعتنى به الله تعالى ورسوله وعلمه .

وفي بحوث العصمة : أدلة كثيرة من يريدها كلها ، يرجع للمطولات وبالخصوص بحوث الإلهيات لآية الله السبحاني أو تفسير الميزان وغيرها ، ونكتفي بهذا المختصر ، ونذكر ما يجعل خاتمة بحثنا مسك في عصمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر ما قال الله عزّ وجلّ :{بسم الله الرحمن الرحيم : وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ } النجم 1 ـ 3 . وبقي بعض القول في تفسر بعض الآيات التي يقال يشم منها عدم عصمة الأنبياء ، ذكرها ممن تسول له نفسه أن الله قد يجعل تعليم اصل معارفه بيد العصاة ، وتركنها لركاكة استدلالهم ومن أراد أن يعرف المزيد عليه بكتب التفسير كتفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قدس الله نفسه الزكية يعرف الحق في ذلك ، أو راجع كتاب الانتصار ( أهم مناظرات الشيعة في شبكات الانترنيت )  الجزء الرابع ، فإن فيه بحوث عميقة وكثر الجدل والنقاش فيها بين الطائفة المحقة القائلة بعصمة الأنبياء ، والطائفة المبطلة الباطل قولها يعصمون ممن دونهم من علمائهم ولا يقولون بعصمة الأنبياء .

 

البحث السادس

أمور كليه في معارف النبوة العامة

 

   الأول : تطبيق بحوث النبوة العامة في النبوة الخاصة :

يا طيب : إن غرضنا مما ذكرنا من المعارف والبحوث للنبوة العامة ، وهو أن تكون أسس لما يجب تطبيقه في معرفة الأنبياء وكان هذا مختصر الكلام في النبوة العامة ، وبقيت أمور ومناقشات لا يسعها هذا المختصر ، ومن أراد فعليه بالكتب المختصة المطولة ، وأما الكلام في النبوة الخاصة لكل نبي من أنبياء الله تعالى فسوف نتعرض له في صحف الأنبياء ونقدم البحث الآن في نبوة نبيينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونطبق ما ذكرنا من الأسس في معرفة النبوة العامة ، ثم نذكر بحوث باقي الأنبياء من آدم إلى عيسى عليهم السلام ، ونذكر ما يمكن أن يستفاد من العبر والموعظة البالغة في معارف نبوتهم وتبليغهم وسيرتهم في أنفسهم ومع قومهم ، والتي إن شاء الله تقوي إيماننا وتهبنا العزم على تطبيق معارف الله وهداه ، وبكل إخلاص وعلم حق ، بل وتبليغ ونشر بحسب القوة والوسع والطاقة ، حتى لنكون من الصالحين بفضل الله وتوفيقه وفضله .

وبهذا عرفنا يا أخي : إنه كان ما ذكر هنا في النبوة العامة هو معرفة وأسس أهم البحوث التي يجب طرحاه في البحث عن النبوة الخاصة وكأصول عامة تُطبق فيها ، أي عند البحث عن نبوة كل نبي من الأنبياء ، ولما كان تصديقنا بالبحوث العامة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله بنفسه يكون أساس لتصديق نبوة جميع الأنبياء ، لأنه لا يمكن الإطلاع الحقيقي عن خواص الأنبياء ومواصفات دعوتهم إلا من خلال هدى ومعارف القرآن الكريم ومن شرح سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لمعارف دعوتهم وسيرتهم بالحق ، وذلك لأن كتبهم قد حُرفت وأممهم قد غبرت ولا يوجد منها إلا آثار قليلة .

ولهذا قد ذكرنا : ضمن البحوث السابقة في النبوة العامة بعض الشيء عما يتعلق بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويثبت ضرورة بعثته عليه السلام وخاتمية نبوته وبعض ما خص اصطفاءه ومعجزته صلاة الله عليه وعلى آله وسلم ، لأنه بها يعرف خواص ممن كان قبله من الأمم وأوصياءهم ، لأنه صدقهم وعرف أحقية هداهم وضلال من خالفهم .

هذا فضلا عن قُرب سيرة نبينا وتديننا بمعارفه : وما كان من العناية الإلهية للمحافظة على هداه في كتابه المنزل عليه ، والذي فيه كل شيء يمكن أن يُعلم البشر ويُعرف أسس الحقائق عن كل شيء حتى أنبياء وسنن الهداة للأمم السابقة وما يجب أن تكون عليه مواصفاتهم ، ولذا سنقدم البحث عن نبوة نبينا صلى الله عليه وآله في الباب الآتي وما بعده ثم نحلق به معارف الهداة قبله وبعده.

 

 الثاني  : عدد الأنبياء والمرسلين وشرائعهم :

يا أخي الطيب : من الأمور العامة التي يتم بحثها في النبوة كمعرفة كليه ، هي عدد الأنبياء والمرسلين أو أوصيائهم كمبلغين معصومين عن الله يعرفون عباد الله هداه والمصطفون الأخيار من قبله تعالى ، ولأنهم أحسن البشرية والخلق في كل علمهم وعملهم ، ومن أول الخليقة حتى نهاية الدنيا ، وحسب ما وردنا من معارفهم ومعرفتهم ، وإن كان بينهم تفاضل ودراجات أيضا .

 و قد صرح الله سبحانه : في كتابه الكريم بأسماء عدة من الأنبياء وقصصهم مع أممهم ، ولم يذكر عز وجل أسماء جميع الأنبياء ، ولهذا قال تعالى : { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ   وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ    وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُّسُلاً : مُّبَشِّرِينَ ، وَمُنذِرِينَ ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } النساء 164 - 165 .

والأنبياء والرسل الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن المجيد { 27 } اسم من أسماء الأنبياء ، وهم عليهم السلام : { آدم ، نوح ، إدريس ، هود ، صالح ، إبراهيم ، لوط ، إسماعيل ، اليسع ، ذو الكفل ، الياس ، يونس ، اسحق ، يعقوب ، يوسف ، شعيب ، موسى ، هارون ، داود ، أيوب ، سليمان ، أيوب ، زكريا ،يحيى ، إسماعيل صادق الوعد ، عيسى ، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم } .

كما وبعض الأنبياء لم يصرح الله سبحانه وتعالى بأسمائهم ولكن أشار لشيء من قصصهم ، والكثير الباقي لم يصرح بأسمائهم ولا أشار لقصصهم ، وجاء في الروايات عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

( أن الأنبياء عددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبياً ) .

وسادت الأنبياء هم أولي العزم : وهم كما عرفت خمسة ( نوح ، إبراهيم ، موسى ، عيس ، محمد ، صلاة الله عليهم وآلهم أجمعين ) وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وعرفت : إن كل نبي من أولي العزم كتاب فيه أحكام إلهية مناسبة لعصره ولما بعده حتى زمان النبي المرسل بعده ، وخاتمة التعاليم الإلهية هي تعالم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

كما أن بعض الأنبياء لهم صحف وكتب ، لكنها لا تحتوي على أحكام زائدة على ما في كتب أولي العزم ، مثل زبور داود المخصص للدعاء .

 

الثالث : يجب الإيمان بجميع الأنبياء :

واعلم يا أخي الكريم : إنه يجب أن نؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين الذين أخبر الله عنهم وعرفنا بهم ، فنؤمن بأنهم أنبياء ورسل الله لتبليغ هداه وإن تعاليمهم من الله ، وإن مَن أطاعهم فقد أطاع الله وهو في جنة الخلد في رضا الله ورحمة الله عليه ، وإن من عصاهم في نار جهنم خالد وعليه لعنة الله وبالخصوص من قاتلهم وحاربهم ومنع من نشر هداهم ، ولذا قال تعالى :

 { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  } البقرة 285 .

 ولهذا : المكذب لواحد منهم يكون مكذب لهم جميعهم ، لأن دينهم واحد ودعوتهم واحدة وكلمتهم متفقة على التوحيد ، قال الله تعالى في قوم نوح مع إنهم كذبوا نوح ، عرفنا بأنهم كذبوا جميع الرسل قال تعالى :

{ وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } الفرقان  37 .

وفي الحقيقة : إنكار دعوة الأنبياء إنكار لجدية الله تعالى في دعوته لدينه القيم ، وتنقيص لاهتمامه بهداه الحق وما يريد من حقيقة عبوديته بما يحب ويرضى .

 

الرابع : إن الله لا يقبل غير الإسلام ديناً :

كما يجب أن نؤمن : أن الإسلام أخر الأديان السماوية وهو ناسخ لجميع الأحكام السابقة والمبين لحقيقة تعاليم الله تعالى ، وغير التعاليم الإسلامية من المتبقي بيد غير المسلمين شرائع محرفة غير مقبولة عند الله تعالى ولا يرضى أن يعبد بها ، ولذا قال تعالى :  { قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران 84 -85 .

 فإن الإيمان : بأن الله بعث أنبياء للأمم السابقة وأنزل عليهم كتب وشريعة ، وأمرنا بالتصديق بما يدعوا إليه العقل من طلب الكمال والهدى الذي فيها بالنسبة للأمم السابقة ، وإن معارفهم حقه قد أخبر بها الله تعالى في القرآن ، وإن أمرها يقره الدين في زمانهم ، فهذا أمر ضروري يجب الإيمان به لأنه له أثار كريمة في تعريفنا جدية الله وعنايته بخلقه ، وإنه تعالى يهدي الهدى التكويني والتشريعي ، ولكل العباد في كل البلاد في كل الزمان ، ولم يهمل رعاية عبادة بتعريف دينه بالصادقين الأخيار الأبرار وبهدى كان فيه صلاحهم وخيرهم .

 وأما الآن : إن ما بين المتدينين بالأديان السابقة هي نفس ما أنزل الله على الأنبياء ، وهي غير محرفة أمر آخر ، لم يقره الله لهم ، ولهذا كما كانت تعاليم المسيح عليه السلام ناسخة للتعاليم التي كانت بيد بين إسرائيل المنسوبة لموسى عليه السلام ، مع الوجوب بالإيمان ببعثة موسى والمسيح عليهم السلام ، وهكذا نسخت تعاليم موسى تعاليم نبي الله إبراهيم التي حرفها من جاء بعده وهكذا هو حاله مع شريعة نوح ونوح مع آدم .

 فإن الإسلام كذلك : ناسخ لما يتعبدون به ولم يرضى الله غير الإسلام دينا لأنهم انحرفوا عن دينهم وبدلوا فيه ، وإن الدين الإسلامي هو المراد فعلا التعبد به وهو أكمل لهداية البشر في استعدادهم وحالهم الجديد وللزمان مع تطور البشر في كل جميع مجالات الحياة ، وبالخصوص في معارف العبودية والشكر الله وإطاعته بما يحب ويرضى .

فلذا نحن نؤمن : ببعث الأنبياء والرسل السابقين وأن ما أتوا به هو تشريع من الله تعالى ، كما نؤمن أن شرائعهم منسوخة بالإسلام والمراد لله تعالى الآن هو التعبد بهدى خاتم الأديان ، كما وإن الموجود من التعاليم بين المتدينين كاليهود والمسيح هي تعاليم محرفة وليست هي التي أنزلها الله تعالى ، وأن الحق هو ما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين  وبدينه القيم يريد الله سبحانه من جميع الناس أن يعبدوه به وبه صلاحهم .

الخامس: ثبوت نبوة نبي الإسلام تثبت النبوة والإمامة :

يا طيب : ما بحثنا وذكرنا في النبوة العامة كانت أهم الأصول العامة لبحث النبوة ، وسنطبقها في البحث عن النبوة الخاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيها نبحث عن أهم الشواهد الموجبة لضرورة وجوده المبارك وبعثته .

 وبإثبات صدق نبينا وأن دينه حق ونبوته واقعية ، يؤيدها تأريخ الدين وتعاليمه والعقل والوجدان ، ولها شواهد صدق لا يمكن إنكارها ولا تجاهلها ، ويجب الإيمان بها حتى يمكن معرف تعليم الله وصفاته وشكره بما يحب ويرضى ، وإن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ، وإن كتابه الكريم خاتم تعاليم الله ، وإن سنته الكريمة وأخلاقه الفاضلة وأقواله وأحاديثه الشريفة هي بتعليم الله ورعايته له ، وهي التي بها يهدي عباده للصراط المستقيم .

فبعد إثبات ما ذكرنا ومعرفته : يمكن معرفة صحة دعوة باقي الأنبياء وحقيقة وجودهم ومعرفة أحوالهم ، بل معرفة الأوصياء وأئمة المسلمين بعده وخلفائه الحقيقيين .

وذلك بما يبين لنا : كتاب الله المجيد القرآن الكريم ، وسنة نبينا الأكرم وأقواله الشريفة الدالة والمبرهنة على أحوال الأنبياء السابقين والأئمة بعده ، وبما يعرفاه لنا مما يجب أن تكون عليه حقيقتهم وأوصافهم وخصائصهم وملاك إمامتهم وولايتهم .

فلذا يكون البحث : بعد هذا الباب وفي الأبواب الآتية في شواهد الصدق في النبوة الخاصة الدالة والمبرهنة على وجود نبوة نبينا الكريم وضرورتها ، ونوكل البحث عن باقي الأنبياء من آدم حتى عيسى عليهم السلام لصحفهم الخاصة ، وكما وسيأتي بعد هذا الكتاب البحث عن الإمامة وضرورة وجود خلفاء وأوصياء لنبينا الأكرم حقيقيين ومختارون من قبل الله تعالى ، وقد عرفنا بهم في كتابه الكريم وفي سنة نبيه المطهرة ، وبهذا نقيم الشواهد عليها ونثبت ضرورة وجود الأئمة من آل نبينا الكريم بعده صلى الله عليه وسلم أجمعين .

وبهذا يكون معرفة صدق نبوة نبينا الكريم كخاتم الأنبياء ، شاهد صدق لنبوة جميع الأنبياء قبله ولإمامة جميع خلفائه الذي عرفنا بهم وبأوصافهم بعده ، وذلك لما سنرى بأنه لا يوجد كلام لله تعالى فيه حقيقة تعاليمه إلا القرآن الكريم ، وهو المعجزة الخالدة التي سنتكلم عنها في الباب الثامن لنبوة نبينا الكريم ، وكذا سنته المطهرة : التي نقلها عنه أهل بيت النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وصحبهم النجباء .

وعن آل نبينا عن نبينا وما عرفونا من نبوة الأنبياء وأحوالهم مع أممهم وتعاليمهم وعن القرآن الكريم وشرحهم له ، نعرف أخبار الأنبياء وقصصهم على الحقيقة وما يستفاد منها من العبر والموعظة بواقع التعاليم الهادي لهدى الله ، كما بها تتم معرفة جدية الله تعالى في دعوته لدينه في تواتر الأنبياء والإصرار على عدم خلو أرضه من خليفة حقيقي منصوب من قِبله ، سواء قبل نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بعده من أهل بيته الطيبين الطاهرين كأوصياء وخلفاء حق له ، ويكون كل واحد في زمانه هو ولي الناس وقائدهم لتعاليم الله الحقيقة ، ويكون هو الذي يوصلهم للصراط المستقيم بما أنعم عليهم سبحانه من التوفيق للعصمة في الذات والصفات والقول والعمل وبكل ما يؤيد صدقه من سيرته الحسنة وكلامه البليغ الحكيم .

ولما عرفنا أن الله تعالى : قد ختم النبوة ولابد من محافظ على التعاليم الإلهية من الاختلاف فيها والانحراف عن صراطه المستقيم بمصطفين مختارين من قبله لهداية الناس ، وقد أنعم عليهم بالعصمة بالذات والصفات والقول والعمل ، ويجب أن يكون أحسن المسلمين وخيرة المؤمنين هو ولي دينهم ومعلمهم تعاليمه ورافع للاختلاف بينهم والانحراف عنه ، فيكون قد جعلهم سبحانه هم القادة لعباده المسلمين ، وهم الهداة لدينه الحق وأولياء المؤمنين وخلفاء الرسول الصادقين ، وهم الأئمة المعصومين وبهم يجب أن يأتم المسلمون لمعرفة حقائق دين لله القويم .

ولهذا يأتي البحث في الأصل الرابع للدين الذي هو الإمامة بعدما عرفنا التوحيد والعدل والنبوة ، والآن تعال معي يا طيب لمعرف أبواب شواهد الصدق لضرورة وجود نبينا الكريم وتعاليمه الواجب أن يتعبد بها لله ، فنطبق ما عرفنا من أسس المعارف للنبوة العامة في النبوة الخاصة ، ونسأل الله أن يهبنا التوفيق لبيانها والشكر التام بإقامة تعاليمها فضلا عن الإيمان بها ، إنه أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 



[1]نهج البلاغة الخطبة 1 ، وسيأتي تمامها في ضرورة بعثة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
[2]أصول الكافي جزء 1 كتاب الحجة حديث 1 .

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين

 

إلى أعلى مقام الصفحة صفح الله عنا بحق سيد الأنام


يا طيب إلى الفهرس العام والخاص لصحيفة النبوة بسلام