هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
الأصل الثالث للدين صحيفة النبوة العامة   والخاصة  لنبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم

الباب الرابع

بعثة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثباته وجهاده في مكة المكرمة وهجرته للمدينة المنورة

 

في هذا الباب: بيان الشاهد الأعظم لاصطفاء الله تعالى للنبي الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ،وبيان ليوم بعثته الذي أنار الوجود بهداه ، وثباته وجهاده في مكة المكرمة لتبليغ دين الله ونشره بكل وجوده حتى هجرته للمدينة المنورة .

 

تذكرة : بعثة نبينا وعلو همته في تبليغ رسالته :

ذكرنا من سيرة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الباب السابق ما قبل بعثته الكريمة ونزول الوحي عليه لتبليغ الرسالة المشرفة ، والتي عم خيرها الوجود كله من يوم مبعثه المبارك حتى يومنا هذا ، بل من يوم ميلاده الميمون ، بل خير نبينا من عالم الذر الذي قال فيه بلى وتبعه آله والأنبياء وشيعته ومواليه وكل المسلمين حسب قربه منه وبعدهم . وكذلك خيره المبارك يشملنا إن شاء الله في الآخرة وننال رضاه ، ويشهد لنا بحبه وحب آله الكرام وودهم ، فيغفر الله لنا ويدخلنا في رحمته وشفاعته ويحشرنا معه إنه أرحم الراحمين .

يا طيب : إن نبينا الأكرم بما كرمه الله بالنبوة وخصه بالرسالة لطهارته الذاتية وكرامته الخلقية ، وبكل تصرف له حصل على ما يؤهله للنبوة بتوفيق الله ، وبكل جدارة بذل جهده المتواصل لتبليغ دين الله ونشره بكل ما يسع إنسان ممكن ، بل أثنى عليه الله في كل شيء من سيرته وخُلقه حتى كان نور ورحمة وبركة الوجود وخيره وشرفه وعزه ، وموصله لغايته بهداه ونوره الذي أنزله الله عليه ليهدي وينور المفضل في المخلوقات والمكلف بإطاعة ربه ، ونسأل الله : أن يصدقنا في كل أحوالنا حقيقة عبوديته ، وذلك بالوصول لتعاليمه التي أنزلها على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله من مصدرها الحقيقي ، أي متابعة خلفاءه بالحق من آله وذريته وآهل بيته الكرام ، والذين هم أفضل آل الأنبياء والمرسلين وأنعم عليهم بالهداية للصراط المستقيم وبأخر دين قويم يرضى أن يعبد به تعالى.

وفي هذا الباب : من سيرة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، نتكلم عن بعثته المباركة وثباته وتحمله للأذى في مكة وصبره وجهاده حتى هجرته للمدينة مختصراً ، والتفصيل يطلب من كتب السيرة الموسعة أو من موسوعة سيد المرسلين إن وفقنا الله لها ، وهذا المختصر نجعله في أمور أهمها هي :

 

 

الأمر الأول :بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:

ذكر في روضةالواعظين : أن الطائفة قد اجتمعت على أن :

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رسولا نبيا ، مستخفيا يصوم ويصلى على خلاف ما كانت قريش تفعله مذ كلفه الله تعالى .

 فإذا أتت أربعون سنة : أمر الله عز وجل جبرائيل عليه السلام أن يهبط إليه بإظهار الرسالة ، وذلك في يوم السابع والعشرين من شهر الله الأصم ـ رجب ـ ، فاجتاز بميكائيل فقال : أين تريد ؟

فقال له : قد بعث الله جل وعز نبينا نبي الرحمة ، وأمرني أن اهبط إليه بالرسالة . فقال له : ميكائيل فأجئ معك . قال له : نعم .

فنزلا : ووجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نائما بالأبطح ، بين أمير المؤمنين وجعفر بن أبى طالب ، فجلس جبرائيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، ولم ينبهه جبرائيل إعظاما له .

فقال ميكائيل لجبرائيل : إلى أيهم بعثت ؟

قال : إلى الأوسط فأراد ميكائيل أن ينبهه فمنعه جبرائيل . ثم انتبه النبي صلى الله عليه وآله ، فأدى إليه جبرائيل الرسالة عن الله تعالى.

فلما نهض جبرائيل عليه السلام ليقوم : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثوبه ، ثم قال : ما اسمك ؟ قال له : جبرائيل .

 ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلحق بغنمه ، فما مر بشجرة ولا مدرة إلا سلمت عليه وهنأته[1] .

ذكر في قصص الأنبياء للراوندي : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأنّ آتياً أتاه ، فيقول : يا رسول الله ، فينكر ذلك ، فلمّا طال عليه الأمر ، وكان بين الجبال يرعى غنماً لأبي طالب ، فنظر إلى شخص يقول له :  يا رسول الله .

 فقال له : من أنت ؟  قال :جبرئيل أرسلني الله ليتّخذك رسولاً .

 فأخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خديجة بذلك ، وكانت خديجة قد انتهى إليها : خبر اليهودي ، وخبر بحيراء ، وما حدّثت به آمنة أمه .

 فقالت : يا محمّد إنّي لأرجو أن تكون كذلك[2]. انتهى .

وهذا اليوم الشريف لنبوة نبينا الكريم محمد : صلى الله عليه وآله وسلم ومبعثه الشريف ليهدي البشر كلهم في كل زمان ومكان ، كان هو يوم السابع والعشرون ( 27 ) من رجب الأصم وكان عمره العامر بالبركة أربعون سنة كريمة ، وبهذا العمر أخذ النبي يبلغ دين الله حتى آخر لحظات عمره الشريف ، فعم خيره الدنيا ونور هداه كل الوجود ، فطابت نعم الله للمؤمنين وبانت حجة الله على العالمين إلى يوم الدين ، وهنئ الله ملايين الناس بإطاعته وحب عبادته ، وبفضله عمهم دين الله القيم وكيفية الإخلاص له خاضعين خاشعين خاشين ، راجين لرحمته وفضله وكرامته ، وخائفين حرمان رحمته وناره وعذابه والتقصير في عدم شكره وطاعته ، ويرجون رضا الله بحبه وامتثال ما علمه صلى الله عليه وآله وسلم بكل شيء من هداه : صوم وصلاة وحج وخمس وزكاة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وحب وبغض في الله وولاته ، وكل شيء من خُلقه الطيب والبيع والشراء والزواج ، فكان دستور حياة وعبودية وراحة لاطمئنان النفس المؤمنة بما يوصلها لنعيم الأبدي ، رزقنا الله الإيمان التام به وبكل تعاليمه وتطبيقها إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين .

 

 

الثاني : أول ما فرض على النبي وأول من صلى معه :

في هذا الأمر : نذكر السابقين الذين تكرموا بالصلاة معه حينما فرضت الصلاة ، وهي أهم فريضة في الدين بعد الإيمان بكل تعاليم الله ، وقد ذكروا :  ثم كان جبرائيل عليه السلام يأتيه ،  فلا يدنوا منه إلا بعد أن يستأذن عليه .

فأتاه يوما وهو بأعلى مكة ، فغمز بعقبه بناحية الوادي ، فانفجرت عين توضأ جبرائيل عليه السلام وتوضأ الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى الظهر .

 وهى أول صلاة فرضها الله عز وجل ، وصلى أمير المؤمنين عليه السلام تلك الصلاة مع رسول الله ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يومه إلى خديجة ، فأخبرها فتوضأت وصلت صلاة العصر من ذلك اليوم [3].

وذكر اليعقوبي : وكان أول ما افترض عليه من الصلاة الظهر ، أتاه جبريل فأراه الوضوء ، فتوضأ رسول الله كما توضأ جبرائيل ثم صلى ليريه كيف يصلي ، فصلى رسول الله .

 وروى بعضهم : أن الظهر الصلاة الوسطى أول صلاة صلاها رسول الله ، وكان يوم جمعة . ثم أتى خديجة ابنة خويلد فأخبرها فتوضأت وصلت ، ثم رآه علي بن أبي طالب ففعل كما رآه يفعل [4].

 

الثالث : بدأ الدعوة الإسلامية لعشيرته الأقربين :

وبعد ما بعثه الله كان أياما يصلي هو وهذا الرهط المبارك ، حتى أمره الله تعالى أن ينذر عشيرته الأقربين ، ليختار الناصر القوي الأمين منهم ، وحتى يكون وصيه وأمير المؤمنين بعده ، وليكن من آله الكرام الشرفاء ذو النسب الأصيل ، وإن الله أراد أن يصدع بدعوته بتبليغ دينه الكريم لهم وهم أول رهطه ، وإن كان قد أعد له أبو ذريته من أبنته فاطمة وصي وخليفة بعده ، فيكون ملازم له حتى آخر لحظة من حياته حتى ليتوفى في حجره ويودع الدنيا وهو يعلمه بابا فيه ألف باب من علم هدى الله تعالى ، كما سترى في باب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا أول أمر من الله لتبليغ دينه ونشره بين أهله الكرام ، وقد ذكروا :

 لما نزلت هذه الآية : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } الشعراء 214.

جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا ، الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس ، فأمر عليا برجل شاة فأدمها ثم قال : ادنوا بسم الله .

فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا ، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم : اشربوا باسم الله ، فشربوا حتى رووا .

فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل .

 فسكت يومئذ ولم يتكلم .

ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب : ثم أنذرهم رسول الله فقال : يا بني عبد المطلب ، إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا .

ثم قال : من يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي يقضي ديني ؟ ! فسكت القوم .

 فأعادها ثلاثا ، كل ذلك يسكت القوم .

 ويقول علي : أنا .

 فقال في المرة الثالثة : أنت .

فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب :أطع أبنك فقد أمر عليك[5] .

نعم هو علي بن أبي طالب أخيه وابن عمه وشريكه بالنسب الأصيل ، هو وصيه وولي المؤمنين وخليفته بعده وله شواهد في كتاب الله ، تدبر فيها في صحيفة الإمامة وفي صحيفة الثقلين ، وصحيفة الإمام علي ، وفي صحيفة الإمام الحسين عليهم السلام ، من موسوعة صحف الطيبين ، أو راجع الغدير وإحقاق الحق وغيرها من الكتب لتعرف إنه هو المختار للوصاية وللولاية وللإمام بعده ، وهو الشارح لسنته وكتابه وكل تعاليمه بالحق بما منحه الله من مرافقته للنبي ونصره وجهاده معه وتعلمه وتعليمه الذي يؤيده كل قول وتصرف له ، حتى كان من رسول الله في كل شيء ومعه وناشر هداه ومبلغه بعده ، وأستمر الأمر لهم في ذريتهم وآلهم الكرام إلى يوم القيامة ذرية بعضها من بعض .

ولتعرف حقيقة هذا الأمر تتبع سيرة الإمام علي مع سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الصحيفة ، سترى إنه كان لهم وحدة النسب وكان النبي في بيت أب علي وعلي في بيت النبي كما عرفت في الباب السابق ، وسترى هنا وفي كل هذه الصحيفة الوحدة والملازمة بينهم كأنهم رجل واحد بل كان نفس النبي بنص آية المباهلة قل تعالوا ندعوا ... وأنفسنا وأنسكم ، فتابع يا يطب البحث .

 

الرابع : سرية بدأ الدعوة الإسلامية :

ثم بعد هذا الذي عرفت : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينشر دعوته ويبلغ رسالته التي كرمه الله بها سرا ، وقد ذكروا في مدة الدعوة السرية وخواصها مقال وهو :

وأقام رسول الله بمكة ثلاث سنين يكتم أمره.

 وهو يدعو إلى توحيد الله عز وجل ، وعبادته والإقرار بنبوته .

 

 فكان إذا مر بملأ من قريش ، قالوا : إن فتى ابن عبد المطلب ليكلم من السماء حتى عاب عليهم آلهتهم ، وذكر هلاك آبائهم الذين ما توا كفارا .

 

وعن عفيف أنه قال : كنت أمرؤا تاجراً ، فقدمت منى أيّام الحج ، وكان العباس بن عبد المطلب أمراءً تاجراً ، فأتيته أبتاع منه وأبيعه .

 قال : فبينا نحن إذ خرج رجلٌ من خباء يصلّي فقام تجاه الكعبة ، ثمّ خرجت امرأة فقامت تصلّي ، وخرج غلام يصلّي معه .

 فقلت : يا عبّاس ما هذا الدين ؟ إنّ هذا الدين ما ندري ما هو ؟

 فقال : هذا محمّد بن عبد الله يزعم أنّ الله أرسله ، وأنّ كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه ، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به ، وهذا الغلام ابن عمّه عليّ بن أبي طالب آمن به .

 قال عفيف : فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانياً [6].

 فكان لا يصلّي إلاّ رسول الله وعليّ وخديجة عليهم السلام خلفه.

 فلمّا أتى لذلك أيّام دخل أبو طالب إلى منزل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ومعه جعفر ، فنظر إلى رسول الله وعليّ عليهما السلام بجنبه يصلّيان ، فقال لجعفر : يا جعفر صل جناح ابن عمّك .

 فوقف جعفر بن أبي طالب عليه السلام من الجانب الآخر ، فلمّا وقف جعفر على يساره بدر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من بينهما وتقدّم.

وأنشأ أبو طالب في ذلك يقول :

إنّ عليّاً وَجعفـّراً ثـقـتــي    عندَ ملمِّ الـزمـان والكربِ

والله لا أخـذلُ الـنـبـيّ ولا    يَخذِلهُ مِن بنيّ ذو حـسـبِ

لا تـخـذلا وانصرا ابن عمّكما    أخـي لاُمّـي مِن بينهم وأبي

 

ثمّ خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى بعض أسواق العرب فرأى زيداً ووجده غلاماً كيّساً فاشتراه لخديجة ، فلمّا تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهبته منه .

 فلمّا نبئ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأسلم علي أسلم زيد بعده ، فكان يصلّي خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم علي وجعفر وزيد وخديجة[7] .

 

الخامس : أول من أسلم من المسلمين :

وكان أول من أسلم :خديجة بنت خويلد من النساء ، وعلي بن أبي طالب من الرجال ، ثم زيد بن حارثة ، ثم أبو ذر .

 وقيل : أبو بكر قبل أبي ذر ، ثم عمرو بن عبسة السلمي ، ثم خالد بن سعيد بن العاص ، ثم سعد بن أبي وقاص ، ثم عتبة بن غزوان ، ثم خباب بن الارت ، ثم مصعب بن عمير[8] .

وقد عرفت قصة جعفر عليه السلام معه ووصله وصلاته خلفه .

 

السادس : الجهر بالدعوة وأذى قريش ودفاع عمه عنه :

قال عليّ بن إبراهيم : فلمّا أتى لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد ذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } الحجر 95 .

فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقام على الحجر فقال :

« يا معشر قريش ويا معشر العرب :

 أدعوكم إلى عبادة الله تعالى ، وخلع الأنداد الأصنام .
 وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّي رسول الله .
 فأجيبوني : تملكوا بها العرب ، وتدين لكم العجم،
 وتكونون ملوكاً في الجنّة » .
  
 فاستهزءوا منه وضحكوا وقالوا :

جنّ محمّد بن عبد الله ، وآذوه بألسنتهم .

 فقال له أبو طالب: يا بن أخي ما هذا ؟

 قال : يا عمّ هذا دين الله الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه . ودين إبراهيم والأنبياء من بعده ، بعثني الله رسولاً إلى الناس  .

 فقال : يا ابن أخي إنّ قومك لا يقبلون هذا منك ، فاكفف عنهم ؟

 فقال : ( لا أفعل ، فإنّ الله قد أمرني بالدعاء ) . فكفّ عنه أبو طالب.

 وأقبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : في الدعاء في كلّ وقت يدعوهم ويحذّرهم ، فكان من سمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يُسلمون ، فلمّا رأت قريش من يدخل في الإسلام جزعوا من ذلك ومشوا إلى أبي طالب وقالوا : اكفف عنّا ابن أخيك فإنّه قد سفّه أحلامنا ، وسبّ آلهتنا ، وأفسد شبّاننا ، وفرّق جماعتنا .

 فدعاه أبو طالب فقال : يا ابن أخي إنّ القوم قد أتوني يسألونك أن تكفّ عن آلهتهم .

 قال : ( يا عمّ لا أستطيع ذلك ، ولا أستطيع أن أخالف أمر ربيّ ) .

 فكان يدعوهم ويحذّرهم العذاب ، فاجتمعت قريش إليه .

 فقالوا : إلى ما تدعو يا محمّد ؟

 قال: ( إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وخلع الأنداد كلّها ) .

 قالوا : ندع ثلاثمائة وستّين إلهاً ونعبد إلهاً واحدا ؟!

 فحكى الله سبحانه قولهم : { وَعَجِبُوا اَن جَاءهُم مُنذِرٌ مِنهُم وَقالَ الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّاب* اَجَعَلَ الآلِهَةَ اِلهاً واحِداً اِنّ هذا لَشَيءٌ عُجابٌ ـ إلى قوله: ـ  بَل لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ } ص4 ـ 8 .

 ثمّ اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب إن كان ابن أخيك يحمله على هذا الفعل العدم ، جمعنا له مالاً فيكون أكثر قريش مالاً.

 فدعاه أبو طالب وعرض ذلك عليه ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : ( يا عمّ مالي حاجة في المال ، فأجيبوني تكونوا ملوكاً في الدنيا وملوكاً في الآخرة ، وتدين لكم العرب والعجم ) .

 فتفرّقوا ثمّ جاءوا إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب أنت سيّد من سادتنا وابن أَخيك قد سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وفرّق جماعتنا.

 فهلمّ ندفع إليك أبهى فتى في قريش وأجملهم وأحسنهم وجهاً ، وأشبّهم شباباً وأشرفهم شرفاً عمارة بن الوليد ، يكون لك ابناً وتدفع إلينا محمّداً لنقتله .

 فقال : ما أنصفتموني ، تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه وتدفعون إليّ ابنكم لاُربّيه !

 فلمّا آيسوا منه كفّوا [9].

وفي تفسير علي بن إبراهيم : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ، قال : هو قسم و جوابه : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ ، يعني في كفر ، و قوله : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ ، أي ليس هو وقت مفر .

 و قوله : وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ، قال : نزلت بمكة لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة بمكة اجتمعت قريش إلى أبي طالب ،  فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا ، و سب آلهتنا ، و أفسد شبابنا ، و فرق جماعتنا ، فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش و نملكه علينا .

 فأخبر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك .

 فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري ما أردته ، و لكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب ، وتدين لهم بها العجم ، و يكونون ملوكا في الجنة .

 فقال لهم أبو طالب ذلك ، فقالوا : نعم و عشر كلمات .

 فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تشهدون أن لا إله إلا الله ، و أني رسول الله .

 فقالوا : ندع ثلاثمائة و ستين إلها ، و نعبد إلها واحدا ، فأنزل الله تعالى : وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ـ إلى قوله .. ـ إِلَّا اخْتِلاقٌ ـ أي تخليط ـ أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي[10] ...  .

وذكر بن أبي الحديد : اجتمع ...  العاص بن وائل و نبيه و منبه ابنا الحجاج و أمثالهم من رؤساء قريش ، فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا و عاب ديننا و سفه أحلامنا و ضلل آراءنا ، فإما أن تكفه عنا ، و إما أن تخلي بيننا و بينه .

فقال لهم أبو طالب : قولا رفيقا و ردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه و مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله و يدعو إليه ، ثم شرق الأمر بينه و بينهم تباعدا و تضاغنا ، حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينها و تذامروا فيه ، و حض بعضهم بعضا عليه فمشوا إلى أبي طالب مرة ثانية ، فقالوا :

يا أبا طالب : إن لك سنا و شرفا و منزلة فينا ، و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، و إنا و الله لا نصبر على شتم آبائنا ، و تسفيه أحلامنا ، و عيب آلهتنا ، فإما أن تكفه عنا أو ننازله و إياك حتى يهلك أحد الفريقين .

ثم انصرفوا . فعظم على أبي طالب فراق قومه و عداوتهم ، و لم تطب نفسه بإسلام ابن أخيه لهم و خذلانه ، فبعث إليه فقال :

يا ابن أخي : إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي : كذا و كذا ، للذي قالوا : فأبق علي و على نفسك ، و لا تحملني من الأمر ما لا أطيقه .

قال : فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء ، و أنه خاذله و مسلمه ، و أنه قد ضعف عن نصرته و القيام دونه.

فقال : يا عم و الله لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك ، ثم استعبر باكيا و قام .

فلما ولى ناداه أبو طالب : أقبل يا ابن أخي ، فأقبل راجعا فقال له : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فو الله لا أسلمك لشي‏ء أبدا[11] .

وذكر اليعقوبي :لما نزل قوله تعالى : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ }   الحجر94. وأمره الله عز وجل أن يصدع بما أرسله ، فأظهر أمره وأقام بالأبطح فقال :

 إني رسول الله أدعوكم إلى عبادة الله وحده ، وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ولا تخلق ولا ترزق ولا تحيى ولا تميت .

 فاستهزأت منه قريش وآذته ، وقالوا لأبي طالب : إن ابن أخيك قد عاب آلهتنا وسفه أحلامنا وضلل أسلافنا فليمسك عن ذلك وليحكم في أموالنا بما يشاء.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله لم يبعثني لجمع الدنيا والرغبة فيها وإنما بعثني لأبلغ عنه وأدل عليه .

 وآذوه أشد الإيذاء ، فكان المؤذون له منهم : أبو لهب ، والحكم بن أبي العاص ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وعمرو بن الطلاطلةالخزاعي ، وكان أبو لهب أشد أذى له .

وروى بعضهم : أن رسول الله قام بسوق عكاظ ، عليه جبة حمراء ، فقال : يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا .

وإذا رجل يتبعه له غديرتان كأن وجهه الذهب وهو يقول : يا أيها الناس إن هذا ابن أخي وهو كذاب فاحذروه . فقلت : من هذا ؟

 فقيل لي : هذا محمد بن عبد الله ، وهذا أبو لهب ابن عبد المطلب عمه .

 وكان المستهزئون به : العاص بن وائل السهمي ، والحارث ابن قيس بن عدي السمهي ، والأسود بن المطلب بن أسد ، والوليد بن المغيرة المخزومي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، وكانوا يوكلون به صبيانهم وعبيدهم فيلقونه بما لا يحب حتى إنهم نحروا جزورابالحزورة ورسول الله قائم يصلي ، فأمروا غلاما لهم فحمل السلىوالفرث حتى وضعه بين كتفيه وهو ساجد .

فانصرف فأتى أبا طالب ، فقال : كيف موضعي فيكم ؟

قال : ما ذاك يا ابن أخي ؟ فأخبره ما صنع به .

 قال : فأقبل أبو طالب مشتملا على السيف يتبعه غلام له فاخترط سيفه وقال : والله لا تكلم رجل منكم إلا ضربته .

 ثم أمر غلامه فأمر ذلك السلى والفرث على وجوههم واحدا واحدا .

 ثم قالوا : حسبك هذا فينا يا ابن أخينا .

وهو قول الله تعالى: (اِنّا كَفَيناكَ المُستَهزئينَ) الحجر 15: 95 ، فقد أصاب كل واحد من المستهزئين آفة أو مرض راجع قصصهم في كتب السير .

وروى عليّ بن إبراهيم بن هاشم بإسناده قال : كان أبو جهل تعرّض لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وآذاه بالكلام ، واجتمعت بنو هاشم فأقبل حمزة وكان في الصيد فنظر إلى اجتماع الناس فقال : ما هذا ؟

 فقالت له امرأة من بعض السطوح : يا أبا يعلى إنّ عمرو بن هشام تعرّض لمحمّد وآذاه .

 فغضب حمزة ومرّ نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه ، ثمّ احتمله فجلد به الأرض ، واجتمع الناس وكاد يقع فيهم شرّ ، فقالوا له : يا أبا يعلى صبوت إلى دين ابن أخيك ؟

 قال: نعم ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ، على جهة الغضب والحميّة .  فلمّا رجع إلى منزله ندم فغدا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : يا ابن أخ أحقاً ما تقول ؟

 فقرأ عليه رسول الله صلّى عليه وآله وسلّم سورة من القرآن ،فاستبصر حمزة ، وثبت على دين الإسلام ، وفرح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وسرّ بإسلامه أبو طالب ، فقال في ذلك :

صبراً أبا يعلى على دين أحمـد

وكن مظهـراً للدين وفّقت صابـرا

وحط من أتى بالدين من عنـد

ربّه بصدق وحقّ لا تكن حمزة كافرا

فقـد سرّني إذ قلتَ أنّك مؤمن

فكـن لرسـول الله في الله ناصـرا

وناد قـريشاً بالذي قد أتيتـه

جهاراً وقـل ما كان أحمد ساحرا [12].

وهذه كانت بعض مراجعات قوم نبينا لأبي طالب ، وهي متعددة ونقلت بصورة مختلفة تعرفنا ثباته في تبليغ رسالة ربه وصبره في جنب الله وتحمله كل الأذى في سبيل الله ، وبكل مراجعة كان جواب النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم واحد ، وهو الإصرار على الدعوة وبيان دين الله ونصره بنفسه وبعمه وبكل من تبعه ، ولم يغره مال ولا جاه كاذب بل رضا الله تعالى .

 وإنه صلى الله عليه وآله كان مع الله فكان الله تعالى معه ، ولذا كرمه الله بكرامة أخرى مع بعثته وتؤيد نبوته وتبثه على أمره ، وهو ليريه ملكوته الأعلى ليعرفه فيعرفنا نوره وسعة نعيمه المعد لعبادة وليريه كل شرف له ولمن يتبعه فيخلص لله بهداه الحق ، بل الأنُس معه في نور الجبروت الأعلى وملك لا يبلى إن طلب الحق من الهدى وتولى أولياءه وتبعد لله فأخلص، فأنظر الأمر الآتي:

 

 

السابع :كرامة الله لنبينا المصطفى بالإسراء والمعراج :

إن الله عز وجل : قد أرى رسول الله من آياته الكبرى ليخبر عنها عن معاينة ، وليخفف عنه ألم الأذى والتكذيب له من قريش ، وليكون عارفا بعظمته سبحانه ولمقامه الكريم عند الرب عز وجل بحق اليقين ، أسرى به وعرج لله عز وجل لأعلى مراتب الملكوت والجبروت ، وأراه من المكارم والنور والتعاليم الكثير مما أخبر عنه ، وقد جمعت أخبار الإسراء والمعراج في كتب كثيرة ، ونختصر المقال فنذكر:

وأسري به وأتاه جبريل بالبراق ، وهو أصغر من البغل واكبر من الحمار مضطرب الاذنين ، خطوه مد بصره ، له جناحان يحفزانه من خلفه ، عليه سرج ياقوت ، فمضى به إلى بيت المقدس فصلى به ، ثم عرج به إلى السماء ، فكان بينه وبين ربه كما قال الله :

 قاب قوسين أو أدنى ، ثم هبط به فنزل في بيت أم هانئ بنت أبي طالب .

فقص عليها القصة ، فقالت له : بأبي أنت وأمي ، لا تذكر هذا لقريش فيكذبوك .

وفي الليلة التي أسري به افتقده أبو طالب : فخاف أن تكون قريش قد اغتالته أو قتلته ، فجمع سبعين رجلا من بني عبد المطلب معهم الشفار وأمرهم أن يجلس كل رجل منهم إلى جانب رجل من قريش ، وقال لهم : إن رأيتموني ومحمدا معي فأمسكوا حتى آتيكم ، وإلا فليقتل كل رجل منكم جليسه ولا تنتظروني .

 فوجدوه على باب أم هانئ ، فأتى به بين يديه حتى وقف على قريش فعرفهم ما كان منه ، فأعظموا ذلك وجل في صدورهم ، وعاهدوه وعاقدوه أنهم لا يؤذون رسول الله ولا يكون منهم إليه شيء يكرهه أبدا [13].

يا طيب : إن ما راءه رسول الله في سفره في الملكوت والجبروت ، وما رأى من نور الحي الذي لا يموت في محل القرب لكثيرة الأخبار والمعنى ، وهي بها نعرف حقيقة الوجود الطيب والمتنور بطاعة الله ، وذكرنا قسم منها في صحيفة الإمام الحسين عليه السلام ، وراجع التفاصيل في الكتب المختصة .

 

الثامن :تعذيب قريش للمستضعفين وهجرتهم للحبشة :

فأخذت قريش : من استضعفت منهم إلى الرجوع عن الإسلام والشتم لرسول الله ، فكان ممن يعذب في الله :

عمار بن ياسر ، وياسر أبوه ، وسمية أمة حتى قتل أبو جهل سمية ، طعنها في قبلها فماتت ، فكانت أول شهيد في الإسلام ،وخباب بن الأرت ، وصهيب بن سنان ، وأبو فكيهةالازدي ، وعامر بن فهيرة ، وبلال بن رباح .

وقال خباب بن الارت : يا رسول الله ادع لنا .

قال صلى الله عليه وآله وسلم : إنكم لتعجلون ، لقد كان الرجل ممن كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ويشق بالمنشار فلا يرده ذلك عن دينه ، والله ليتممن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على عتره .

واشتد على القوم العذاب : ونالهم منه أمر عظيم فرجع عن الإسلام نفر وهم : أبو قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، فروي أن فيهم نزلت هذه الآية : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ..}[14] إلى آخر الآية .

ولما رأى رسول الله ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب ، وما هو فيه من الامن بمنع أبي طالب عمه إياه ، قال لهم :

 ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار .

فخرج في المرة الأولى : اثنا عشر رجلا ، وفي المرة الثانية سبعون رجلا سوى أبنائهم ونسائهم ، وهم المهاجرون الأولون ، فكان لهم عند النجاشي منزلة ، وكان يرسل إلى جعفر فيسأله عما يريد .

 فلما بلغ قريشا ذلك : وجهت بعمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد المخزومي إلى النجاشي بهدايا .

 وسألوه أن يبعث إليهم بمن صار إليه من أصحاب رسول الله .وقالوا : سفهاء من قومنا : خرجوا عن ديننا ، وضللوا أمواتنا ، وعابوا آلهتنا ، وإن تركناهم ورأيهم لم نأمن أن يفسدوا دينك .

 فلما قال عمرو وعمارة للنجاشي هذا ، أرسل إلى جعفر فسألة ، فقال : إن هؤلاء على شر دين : يعبدون الحجارة ، ويصلون للأصنام ، ويقطعون الأرحام ، ويستعملون الظلم ، ويستحلون المحارم .

 وإن الله بعث فينا نبيا : من أعظمنا قدرا ، وأشرفنا سررا ، وأصدقنا لهجة ، وأعزنا بيتا ، فأمر عن الله بترك عبادة الأوثان ، واجتناب المظالم والمحارم ، والعمل بالحق والعبادة له وحدة .

 فرد على عمرو وعمارة الهدايا وقال : أدفع إليكم قوما في جواري على دين الحق وأنتم على دين الباطل !

وقال لجعفر : اقرأ عليّ شيئا مما أنزل على نبيكم .

 فقرأ عليه : كهيعص ، فبكى وبكى من بحضرته من الأساقفة .

 فقال له عمرو وعمارة : أيها الملك إنهم يزعمون أن المسيح عبد مملوك ، فأوحشه ذلك وأرسل إلى جعفر ، فقال له : ما تقول وما يقول صاحبكم في المسيح ؟

قال : إنه يقال : إنه روح الله وكلمته ، ألقاها إلى العذراء البتول .

 فأخذ عودا بين إصبعيه ثم قال :

 ما يزيد المسيح على ما قلت ولا مقدار هذا .

وكان عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد تلاحيا في طريقهما ، وكان عمارة رجلا مغرما بالنساء وكان معه امرأته رابطة بنت منبه بن الحجاج السهمي. فقال عمارة : قل لها فلتقبلني .فقال : سبحان الله ! أتقول هذا لابنة عمك ؟ قال : والله لتفعلن أو لأضربنك بهذا السيف . فقال لها : قبليه .

 ثم إن عمارة اعتقل عمرا فألقاه في البحر ، فعام عمرو وأوهمه أنه فعل هذا مزاحا . فقال : ألق إلى ابن عمك الحبل ، سبحان الله أهكذا يكون المزاح ؟ فألقى إليه الحبل ، فخرج .

فلما أراد عمرو وعمارة الانصراف وأيسا من عند النجاشي ، قال عمرو لعمارة : لو أرسلت إلى امرأة الملك النجاشي فلعلنا ننال منها حاجتنا عنده .

ففعل ذلك ولاطفها : حتى أرسلت إليه بطيب من طيب الملك ، فكاد عمرو عمارة ، وقال للنجاشي : إن صاحبي هذا أرسل إلى امرأة الملك حتى أطمعته في نفسها وبعثت إليه بطيب من طيب الملك .

 فأخذه النجاشي فنفخ في أنثييه السم وقيل الزئبق ، فهام مع الوحوش على وجهه ، فلم يزل هائما حتى قدم قوم من بني مخزوم ، فسألوه أن يأذن لهم في أخذه ، فنصبوا له فأخذوه . فلم يزل يضطرب في أيديهم حتى مات . وانصرف عمرو إلى المشركين خائبا .

 وأقام المسلمون : بأرض الحبشة حتى ولد لهم الأولاد . وجميع أولاد جعفر ولدوا بأرض الحبشة ولم يزالوا بها في أمن وسلامة .

 واسم النجاشي :أصحمة[15] .

 

التاسع : حصار قريش لرسول الله وخبر الصحيفة :

حصار قريش لرسول الله وخبر الصحيفة ، وهمت قريش بقتل رسول الله وأجمع ملأها على ذلك ، وبلغ أبا طالب فقال :

والله لن يصلـوا إليك بجمعهـم     حتى أغيـب في التراب دفينا

ودعوتني وزعمـت أنك ناصـح    ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعـرضت دينا قد علمـت بأنه    مـن خـير أديان البرية دينا

 فلما علمت قريش : أنهم لا يقدرون على قتل رسول الله ، وأن أبا طالب لا يسلمه ، وسمعت بهذا من قول أبي طالب ، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة : ألا يبايعوا أحدا من بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلوه .

وتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا ،وختموا على الصحيفة بثمانين خاتما ، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، فشلت يده .

ثم حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب ابن عبد مناف في الشعب ، الذي يقال له : شعب ، ست سنين من مبعثه .

فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين حتى أنفق رسول الله ماله ، وأنفق أبو طالب ماله ، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها ، وصاروا إلى حد الضر والفاقة .

ثم نزل جبريل على رسول الله فقال : إن الله بعث الأرضة على صحيفة قريش ، فأكلت كل ما فيها من قطيعة وظلم إلا المواضع التي فيها ذكر الله .

 فخبر رسول الله أبا طالب بذلك ، ثم خرج أبو طالب ومعه رسول الله وأهل بيته حتى صار إلى الكعبة ، فجلس بفنائها وأقبلت قريش من كل أوب .

 فقالوا : قد آن لك يا أبا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلى قومك وتدع اللجاج في ابن أخيك . فقال لهم : يا قوم أحضروا صحيفتكم فلعلنا أن نجد فرجا وسببا لصلة الأرحام وترك القطيعة ، وأحضروها وهي بخواتيمهم .

 فقال : هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها . قالوا : نعم . قال : فهل أحدثتم فيها حدثا ؟ قالوا : اللهم لا .

 قال : فإن محمدا أعلمني عن ربه أنه بعث الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقا ماذا تصنعون ؟  

قالوا : نكف ونمسك . قال : فإن كان كاذبا دفعته إليكم تقتلونه .

 قالوا : قد أنصفت وأجملت ، وفضت الصحيفة فإذا الأرضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عز وجل .

 فقالوا : ما هذا إلا سحر ، وما كنا قط أجد في تكذيبه منا ساعتنا هذه .

وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو المطلب فلم يرجعوا إليه[16] .

قال عكرمة : لما اجتمعت قريش على إدخال بنى هاشم وبنى عبد المطلب شعب أبى طالب كتبوا بينهم صحيفة ، فدخل الشعب مؤمن بني هاشم وكافرهم ومؤمن بنى عبد المطلب وكافرهم ، ما خلا أبو لهب وأبو سفيان بن الحرب .فبقى القوم في الشعب ثلاث سنين ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اخذ مضجعه ونامت العيون ، جاءه أبو طالب فأنهضه عن مضجعه وأضجع عليا مكانه [17].

 

العاشر : وفاة خديجة وأبو طالب عليهم السلام :

وتوفيت خديجة : بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ، ولها خمس وستون سنة ، ودخل عليها رسول الله وهي تجود بنفسها ، فقال : بالكره مني ما أرى ، ولعل الله أن يجعل في الكره خيرا كثيرا ، إذا لقيت ضراتك في الجنة يا خديجة فاقرئيهن السلام . قالت : ومن هن يا رسول الله ؟

قال : إن الله زوجنيك في الجنة ، وزوجني مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وكلثوم أخت موسى . فقالت : بالرفاء والبنين .

 ولما توفيت خديجة ، جعلت فاطمة تتعلق برسول الله وهي تبكي وتقول : أين أمي ؟ أين أمي ؟ فنزل عليه جبريل فقال : قل لفاطمة إن الله تعالى بنى لامك بيتا في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب .

وتوفي أبو طالب : بعد خديجة بثلاثة أيام وله ست وثمانون سنة .

 وقيل : بل تسعون سنة ، ولما قيل لرسول الله إن أبا طالب قد مات عظم ذلك في قلبه ، واشتد له جزعه ، ثم دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرات .

ثم قال : يا عم ربيت صغيرا ، وكفلت يتيما ، ونصرت كبيرا ، فجزاك الله عني خيرا ، ومشى بين يدي سريره ، وجعل يعرضه ، ويقول :

وصلتك رحم وجزيت خيرا .

وقال : اجتمعت على هذه الأمة في هذه الأيام مصيبتان ، لا أدري بأيهما أنا أشد جزعا ، يعني مصيبة خديجة وأبي طالب [18].

 

 

الحادي عشر : دعوة نبينا للقبائل وخروجه إلى الطائف .

واجترأت قريش : على رسول الله بعد موت أبي طالب وطمعت فيه وهموا به مرة بعد أخرى ، وكان رسول الله يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ويكلم شريف كل قوم ، لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه .

ويقول : لا أكره أحدا منكم ، إنما أريد أن تمنعوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي .

 فلم يقبله أحد ، وكانوا يقولون : قوم الرجل أعلم به .

 فعمد لثقيف بالطائف ، فوجد ثلاثة نفر أخوة هم يومئذ سادة ثقيف وهم : عبد ياليل بن عمرو ، وحبيب بن عمرو ، ومسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء .

 فقال أحدهم : ألا يسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك ؟ وقال الآخر : أعجز على الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا أكلمك أبد ، لئن كنت رسولا كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك . وتهزأوابه .

وأفشوا في قومهم ما قالوه له ، وقعدوا له صفين .

فلما مر رسول الله رجموه بالحجارة حتى أدموا رجله .

 فقال رسول الله : ما كنت أرفع قدما ولا أضعها إلا على حجر .

ووافاه بالطائف : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومعهما غلام لهما نصراني ، ويقال له : عداس ، فوجها به إلى رسول الله ، فلما سمع كلامه أسلم . ورجع رسول الله إلى مكة [19].

 

الثاني عشر : قدوم الأنصار مكة ودعوة رسول الله لهم :

وكانت الأوس والخزرج : ابنا حارثة بن ثعلبة أهل عز ومنعة في بلادهم ، حتى كانت بينهم الحروب التي أفنتهم في أيام لهم مشهورة .

 منها : يوم الصفينة : وهو أول يوم جرت الحرب فيه .

ويوم السرارة ، ويوم وفاق بني خطمة ، ويوم حاطب ابن قيس ، ويوم حضير الكتائب ، ويوم أطم بني سالم ، ويوم أبتروه ، ويوم البقيع ، ويوم بعاث ، ويوم مضرسومعبس ، ويوم الدار ، ويوم بعاث الآخر ، ويوم فجار الأنصار ، وكانوا ينتقلون في هذه المواضع التي تعرف أيامهم بها ويقتتلون قتالا شديدا .

فلما ضرستهم الحرب : وألقت بركها عليهم وظنوا أنها الفناء ، واجترأت عليهم بنو النضير وقريظة وغيرهم من اليهود خرج قوم منهم إلى مكة يطلبون قريشا لتقويهم[20] .

قال علي بن إبراهيم : قدم أسعد بن زرارة ، وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب ، وهما من الخزرج ، وكان بين الأوس والخزرج حربٌ قد بغوا فيها دهراً طويلاً ، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار ، وكان اخر حرب بينهم يوم بعاث ، وكانت للأوس على الخزرج .

 فخرج : أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكّة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس ، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة ، فنزل عليه فقال له : إنّه كان بيننا وبين قومنا حربٌ وقد جئناك نطلب الحلف عليهم .

 فقال له عتبة : بعدت دارنا من داركم ولنا شغل لا نتفرّغ لشيء .

 قال : وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم ؟

 قال له عتبة : خرج فينا رجل يدّعي أنّه رسول الله ، سفّه أحلامنا .

 وسبّ آلهتنا، وأفسد شبّاننا، وفرّق جماعتنا.

 فقال له أسعد : من هو منكم ؟

 قال: ابن عبد الله بن عبد المطّلب ، من أوسطنا شرفاً ، وأعظمنا بيتاً .

 وكان : أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم ـ النضير وقريظةوقينقاع ـ : أنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة ، لنقتلنّكم به يا معشر العرب.

فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود .

 قال: فأين هو ؟

 قال: جالسٌ في الحجر ، وإنّهم لا يخرجون من شعبهم إلاّ في الموسم ، فلا تسمع منه ولا تكلّمه فإنّه ساحرٌ يسحرك بكلامه .

 وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشّعب .

 فقال له أسعد : فكيف أصنع وأنا معتمر ، لابدّ لي أن أطوف بالبيت ؟

 قال : ضع في اُذنيك القطن .

 فدخل أسعد المسجد : وقد حشا اُذنيه بالقطن ، فطاف بالبيت ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم ، فنظر إليه نظرة فجازه .

فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه : ما أجد أجهل منّي ، أيكون مثل هذا الحديث بمكّة فلا أتعرفه حتّى أرجع إلى قومي فاُخبرهم ؟ ثمّ أخذ القطن من اُذنيه ورمى به وقال لرسول الله صلّى عليه وآله وسلّم: أنعم صباحاً .

 فرفع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رأسه إليه وقال:  قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا ، تحيّة أهل الجنّة السلام عليكم .

 فقال له أسعد : إنّ عهدك بهذا لقريب ، إلى ما تدعو يا محمّد ؟

  قال صلى الله عليه وآله وسلم :

  إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله .

 وأدعوكم : إلى أن لا تشركوا به شيئاً ، وبالوالدين إحساناً ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيّاها ، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ ذلك وصاكم به لعلّكم تعقلون ، ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه ، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها ، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلّكم تذكّرون.

 فلمّا سمع أسعد هذا له قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّك رسول الله ، يا رسول : الله بأبي أنت واُمّي ، أنا من أهل يثرب من الخزرج ، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبالٌ مقطوعة ، فإن وصلها الله بك فلا أجد أعزّ منك ، ومعي رجلٌ من قومي ، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمّم الله لنا أمرنا فيك ، والله يا رسول الله لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك ، ويبشّروننا بمخرجك ، بصفتك ، وأرجو أن تكون لله دارنا هجرتك ، وعندنا مقامك ، فقد أعلمنا اليهود ذلك ، فالحمد لله الذي ساقني إليك ، والله ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا ، وقد آتانا الله بأفضل ممّا أتيت له .

ثمّ أقبل ذكوان فقال له أسعد :هذا رسول الله الذي كانت اليهود تبشّرنا به وتخبرنا بصفته ، فهلّم فاسلم ، فأسلم ذكوان ، ثمّ قالا : يا رسول الله ابعث معنا رجلاً يعلّمنا القرآن ويدعو النّاس إلى أمرك.

 فقال : رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لمصعب بن عمير ، وكان فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضّلانه على أولادهما ولم يخرج من مكّة ، فلمّا أسلم جفاه أبواه ، وكان مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الشعب حتّى تغّير وأصابه الجهد .

 فأمره رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالخروج مع أسعد ، وقد كان تعلّم من القرآن كثيراً، فخرجا إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير .

 فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله وخبره ، فأجاب من كلّ بطن الرجل والرجلان ، وكان مصعب نازلاً على أسعد بن زرارة ، وكان يخرج في كلّ يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه الأحداث.

 وكان عبد الله بن اُبيّ شريفاً في الخزرج ، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعوا على أن يملّكوه عليهم لشرفه وسخائه ، وقد كانوا اتّخذوا له اكليلاً احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها ، وذلك أنّه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث ولم يعن على الأوس .

 وقال : هذا ظلم منكم للأوس ولا اُعين على الظلم ، فرضيت به الأوس والخزرج ، فلمّا قدم أسعد كره عبد الله ما جاء به أسعد وذكوان وفتر أمره .

 فقال أسعد لمصعب : إنّ خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس ، وهو رجلٌ عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف ، فإن دخل في هذا الأمر تمّ لنا أمرنا ، فهلمّ نأتي محلّتهم .

 فجاء مصعب مع أسعد إلى محلّة سعد بن معاذ ، فقعد على بئر من آبارهم واجتمع إليه قوم من أحداثهم وهو يقرأ عليهم القرآن ، فبلغ ذلك سعد بن معاذ فقال لاُسيد بن حضير وكان من أشرافهم : بلغني أنّ أبا أمامة أسعد ابن زرارة قد جاء إلى محلّتنا مع هذا القرشي يفسد شبّاننا ، فأته وانهه عن ذلك .

 فجاء اُسيد بن حضير ، فنظر إليه أسعد فقال لمصعب : إنّ هذا رجلٌ شريفٌ ، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمّ أمرنا فأصدق الله فيه .

 فلمّا قرب اُسيد منهم قال : يا أبا أمامة ، يقول لك خالك : لا تأتنا في نادينا ، ولا تفسد شبّاننا ، وأحذر الأوس على نفسك .

 فقال مصعب : أو تجلس فنعرض عليك أمراً ، فإن أحببته دخلت فيه ، وإن كرهته نحّينا عنك ما تكرهه . فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن .

 فقال : كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر ؟

 قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلّي ركعتين.

 فرمى بنفسه ممع ثيابه في البئر ، ثمّ خرج وعصر ثوبه .

 ثمّ قال : أعرض عليَّ .

 فعرض عليه : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ، فقالها ، ثمّ صلّى ركعتين ، ثمّ قال لأسعد : يا أبا أمامة ، أنا أبعث إليك الآن خالك وأحتال عليه في أن يجيئك .

 فرجع اُسيد إلى سعد بن معاذ ، فلمّا نظر إليه سعد قال : اُقسم أنّ اُسيد قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا .

 وأتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب (حمَ تنزيلٌ منَ الرّحمن الرّحيم) فلمّا سمعها .

 قال مصعب : والله لقد رأينا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلّم ، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين واغتسل وشهد الشهادتين وصلّى ركعتين ، ثمّ قام وأخذ بيد مصعب وحوّله إليه وقال : أظهر أمرك ولا تهابّن أحداً .

 ثمّ جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح : يا بني عمرو بن عوف لا يبقيّن رجلٌ ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبيّ إلاّ خرج ، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب .

 فلمّا اجتمعوا قال : كيف حالي عندكم ؟

 قالوا : أنت سيّدنا والمطاع فينا ولا نردّ لك أمراً فمرنا بما شئت .

 فقال : كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم عليّ حرام حتّى تشهدوا :

أن لا إله إلاّ الله ، وأن محمّداً رسول الله ، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به .

 فما بقي دارٌ من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلاّ وفيها مسلمٌ أو مسلمة ، وحوّل مصعب بن عمير إليه وقال له :

 أظهر أمرك وادع الناس علانية .

 وشاع الإسلام بالمدينة وكثر ، ودخل فيه من البطنين جميعاً أشرافهم ، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود .

 وبلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام ، وكتب إليه مصعب بذلك .

 وكان كلّ من دخل في الإسلام من قريش ضربة قومه وعذّبوه ، فكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يأمرهم أن يخرجوا إلى المدينة .

 فكانوا يتسلّلون رجلاً فرجلاً فيصيرون إلى المدينة فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم[21].

 

الثالث عشر : بيعة الأنصار لرسوله الله في العقبة :

فلما كان العام القابل خرج إليه جماعة من الأوس وجماعة من الخزرج فوافى منهم سبعون رجلا وامرأتان فأسلموا وصدقوه ، وأخذ رسول الله عليهم بيعة النساء .

فسألوه أن يخرج معهم إلى المدينة ، وقالوا : إنه لم يصبح قوم في مثل ما نحن فيه من الشر ، ولعل الله أن يجمعنا بك ويجمع ذات بيننا فلا يكون أحد أعز منا .

فقال لهم رسول الله قولاً جميلاً ، ثم انصرفوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام ، فكثر حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر حسن من ذكر رسول الله ، وسألوه الخروج معهم وعاهدوه أن ينصروه على القريب والبعيد والأسود والأحمر .

 قال له العباس بن عبد المطلب : وإني فداك أبي وأمي آخذ العهد عليهم ، فجعل ذلك إليه عليهم العهود والمواثيق أن يمنعوه وأهله مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم ، وعلى أن يحاربوا معه الأسود والأحمر ، وأن ينصروه على القريب والبعيد ، وشرط لهم الوفاء بذلك والجنة[22] .

 

قال علي بن إبراهيم : فلمّا قدمت الأوس والخزرج مكّة جاءهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال لهم :

تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربكم وثوابكم على الله الجنّة ؟

 قالوا : نعم يا رسول الله ، فخذ لنفسك وربّك ما شئت .

 فقال : موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق .

 فلمّا حجوا رجعوا إلى منى ، وكان فيه ممّن قد أسلم بشرٌ كثير ، وكان أكثرهم مشركين على دينهم وعبد الله بن اُبّي فيهم .

 فقال لهم رسول الله صلّى الله وآله وسلّم في اليوم الثاني من أيّام التشريق: فاحضروا دار عبد المطّلب على العقبة ولا تنبّهوا نائماً ، وليتسلّل واحد فواحد.

 وكان رسول الله نازلاً في دار عبد المطّلب ، وحمزة وعليّ والعبّاس معه ، فجاءه سبعون رجلاً من الأوس والخزرج ، فدخلوا الدار ، فلمّا اجتمعوا قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنّة ؟

 فقال أسعد بن زرارةوالبراء بن معرور وعبد الله بن حرام:

نعم يا رسول الله ، فاشترط لنفسك ولربّك .

 فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : تمنعوني ممّا تمنعون أنفسكم، وتمنعون أهلي ممّا تمنعون أهليكم وأولادكم .

 قالوا : فما لنا على ذلك ؟

 قال:  الجنّة ، تملكون بها العرب في الدنيا ، وتدين لكم العجم وتكونون ملوكاً .

فقالوا : قد رضينا .

 فقام العباس بن نضلة وكان من الأوس فقال : يا معشر الأوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه ؟ إنّما تقدمون على حرب الأبيض والأحمر ، وعلى حرب ملوك الدنيا ، فإن علمتم أنّه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغرّوه ، فإنّ رسول الله وإن كان قومه خالفوه فهو في عزّ ومنعة .

 فقال له عبد الله بن حرام وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيّهان :

 مالك وللكلام يا رسول الله ؟ بل دمنا بدمك ، وأنفسنا بنفسك ، فاشترط لربّك ولنفسك ما شئت.

 

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً يكفلون عليكم بذلك، كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً .

 فقالوا : اختر من شئت .

فأشار جبرائيل عليه السلام إليهم  فقال : هذا نقيبٌ ، وهذا نقيبٌ حتّى اختار تسعة من الخزرج ، وهم: أسعد بن زرارة ، والبراء بن معرور ، وعبد الله بن حرام أبو جابر بن عبد الله ، ورافع بن مالك ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع ، وعبادة بن الصامت .

وثلاثة من الأوسوهم : أبو الهيثم بن التيّهان ـ وكان رجلاً من اليمن حليفاً في بني عمرو بن عوف ـ، واُسيد بن حضير ، وسعد بن خيثمة .

 فلمّا اجتمعوا وبايعوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .

 

صاح بهم إبليس : يا معشر قريش والعرب ، هذا محمّد والصباة من الأوس والخزرج على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم . فأسمع أهل منى ، فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح .

وسمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم النداء فقال للأنصار: تفرّقوا .

 فقالوا : يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا.

 فقال رسول الله صلّى الله وآله وسلّم : لم اُومر بذلك ، ولم يأذن الله لي في محاربتهم .

 فقالوا : يا رسول الله فتخرج معنا .

 قال :  أنتظر أمر الله .

 فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح .

 وخرج حمزة ومعه السيف فوقف على العقبة هو وعليّ بن أبي طالب عليه السلام .

 فلمّا نظروا إلى حمزة قالوا : ما هذا الذي اجتمعتم عليه ؟

 قال : ما اجتمعنا ، وما هاهنا أحد ، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلاّ ضربته بسيفي .

 فخرجوا وغدوا إلى عبد الله بن اُبي وقالوا له : قد بلغنا أنّ قومك بايعوا محمّداً على حربنا . فحلف لهم عبد الله أنّهم لم يفعلوا ولا علم له بذلك ، وأنّهم لم يطلعوه على أمرهم ، فصدّقوه .

 وتفرّقت الأنصار ورجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى مكّة [23].

 

 

الرابع عشر : هجرة نبينا ومبيت الإمام علي في فراشه :

وأجمعت قريش على قتل رسول الله ، وقالوا :

 ليس له اليوم أحد ينصره وقد مات أبو طالب ، فأجمعوا جميعا على أن يأتوا من كل قبيلة بغلام نهد ، فيجتمعوا عليه فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد ، فلا يكون لبني هاشم قوة بمعاداة جميع قريش .

فلما بلغ رسول الله : أنهم أجمعوا على أن يأتوه في الليلة التي أتعدوا فيها ، خرج رسول الله لما اختلط الظلام ومعه أبو بكر .

 وإن الله ، عز وجل : أوحى في تلك الليلة إلى جبرائيل وميكائيل أني قضيت على أحدكما بالموت فأيكما يواسي صاحبه ؟ فاختار الحياة كلاهما.

 فأوحى الله إليهما : هلا كنتما كعلي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمد ، وجعلت عمر أحدهما أكثر من الآخر ، فاختار علي الموت وآثر محمدا بالبقاء وقام في مضجعه ، اهبطا فاحفظاه من عدوه .

فهبط جبريل وميكائيل فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه يحرسانه من عدوه ويصرفان عنه الحجارة ، وجبرائيل يقول : بخبخ لك يا ابن أبي طالب من مثلك يباهي الله بك ملائكة سبع سماوات !

 وخلف عليا على فراشه لرد الودائع التي كانت عنده .

وصار إلى الغار فكمن فيه .

 وأتت قريش فراشه فوجدوا عليا فقالوا : أين ابن عمك ؟

 قال : قلتم له اخرج عنا ، فخرج عنكم .

فطلبوا الأثر فلم يقعوا عليه ، وأعمى الله عليهم المواضع فوقفوا على باب الغار وقد عششت عليه حمامة ، فقالوا : ما في هذا الغار أحد ، وانصرفوا [24].

 

ثمّ اجتمعت قريش في دار الندوة : وكانوا أربعين رجلاْ من أشرافهم ، وكان لا يدخلها إلاّ من أتى له أربعون سنة ، سوى عتبة بن ربيعة فقد كان سنّه دون الأربعين .

 فجاء الملعون إبليس في صورة شيخ .

فقال له البوّاب : من أنت ؟  قال : أنا شيخ من نجد .

 فاستأذن فأذنوا له ، وقال : بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل ، فجئتكم لاشير عليكم ، فلا يعدمكم منّي رأي صائب .

 فلمّا أخذوا مجلسهم قال أبو جهل : يا معشر قريش ، إنّه لم يكن أحدُ من العرب أعزّ منّا ونحن في حرم الله وأمنه ، تفد إلينا العرب في السنة مرّتين ، ولا يطمع فينا طامع ، حتّى نشأ فينا محمّد ، فكنّا نسمّيه الأمين لصلاحه وأمانته ، فزعم أنّه رسول الله ، وسبّ آلهتنا ، وسفّه أحلامنا ، وأفسد شبّاننا ، وفرّق جماعتنا ، وقد رأيت فيه رأياً ، وهو أن ندسّ إليه رجلاً يقتله ، فإن طلبت بنو هاشم بدمه أعطيناهم عشر ديات .

 فقال إبليس : هذا رأي خبيث، فإنّ بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمّد على الأرض أبداً، وتقع بينكم الحروب في حرمكم.

 فقال آخر: الرأي أن نأخذه فنحبسه في بيت ونثبته فيه ونلقي إليه قوته حتّى يموت كما مات زهير والنابغة.

 فقال إبليس : إنّ بني هاشم لا ترضى بذلك ، فإذا جاء موسم العرب اجتمعوا عليكم وأخرجوه فيخدعهم بسحره .

 وقال آخر : الرأي أن نخرجه من بلادنا ونطرده فنفرغ نحن لآلهتنا.

 فقال إبليس : هذا أخبث من الرأيين المتقدّمين ، لأنّكم تعمدون إلى أصبح الناس وجهاً، وافصح الناس لساناً ، وأسحرهم ، فتخرجوه إلى بوادي العرب فيخدعهم بسحره ولسانه ، فلا يفجأكم إلاّ وقد ملأها عليكم خيلاً ورجلاً .

 فبقوا حيارى . ثم قالوا للملعون إبليس : فما الرأي عندك فيه ؟

 قال: ما فيه إلاّ رأي واحد ، أن يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش رجلٌ شريفُ ، ويكون معكم من بني هاشم واحد، فيأخذون حديدة أو سيفاً ويدخلون عليه فيضربوه كلّهم ضربة واحدة ، فيتفرقّ دمه في قريش كلّها ، فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه وقد شاركوا فيه ، فما بقي لهم إلاّ أن تعطوهم الدية، فأعطوهم ثلاث ديات.

 قالوا : نعم وعشر ديات .

 وقالوا بأجمعهم: الرأي رأي الشيخ النجدي.

 فاختاروا خمسة عشر رجلاً فيهم أبو لهب على أن يدخلوا على رسول الله فيقتلونه .

 فأنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله : ( واذ يمكُرُ بك الّذين كفرُوا ليُثبتُوك أو يقتلوك او يُخرجُوك ) الأنفال 30.

 ثمّ تفرّقوا على هذا وأجمعوا أن يدخلوا عليه ليلاً وكتمواأمرهم ، فقال أبو لهب : بل نحرسه فإذا أصبحنا دخلنا عليه .

 فباتوا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم

وأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يفرش له ، وقال لعليّ بن أبي طالب عليه السلام : يا عليّ افدني بنفسك .

 قال: نعم يا رسول الله .

 قال: نم على فراشي والتحف ببردي .

 فنام عليه السلام على فراش رسول الله والتحف ببردته .

 وجاء جبرائيل عليه السلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال له :اُخرج .

والقوم يشرفون على الحجرة فيرون فراشه وعليّ عليه السلام نائمٌ عليه ، فيتوهّمون أنّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

 فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليهم وهو يقرأ «يس» إلى قوله: (فاغشيناهُم فهُم لا يُبصرون) يس36: 9. وأخذ تراباً بكفّه ونثره عليهم وهم نيام ومضى .

 فقال له جبرائيل عليه السلام : يا محمّد ، خذ ناحية ثور .

وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور، فمرّ رسول الله وتلقّاه أبو بكر في الطريق ، فأخذ بيده ومرّ به ، فلمّا انتهى إلى ثور دخل الغار .

 فلمّا أصبحت قريش وأضاء الصبح وثبوا في الحجرة وقصدوا الفراش .

فوثب عليّ عليه السلام إليهم وقام في وجوههم فقال لهم: ما لكم ؟ .

 قالوا : أين ابن عمّك محمّد ؟

 قال عليّ عليه السلام: جعلتموني عليه رقيباً ؟ ألستم قلتم له : اُخرج عنّا ، فقد خرج عنكم ، فما تريدون ؟ .

 فأقبلوا عليه يضربونه ، فمنعهم أبو لهب ، وقالوا : أنت كنت تخدعنا منذ الليلة . فلمّا أصبحوا تفرّقوا في الجبال ، وكان فيهم رجلٌ من خزاعة يقال له : أبو كرز يقفو الآثار ، فقالوا له : يا أبا كرز اليوم اليوم .

فما زال يقفو أثر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى وقف بهم على باب الحجرة ، فقال : هذه قدم محمد ، هي والله اُخت القدم التي في المقام ، وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه ، وقال : ههنا عبر ابن أبي قحافة .

 فلم يزل بهم حتّى وقفهم إلى باب الغار وقال لهم : ما جازوا هذا المكان ، إما أن يكونوا صعدوا السماء أو دخلوا الأرض .

 وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار ، قال : وجاء فارسٌ من الملائكة في صورة الإنس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم : اطلبوه في هذه الشعاب ، فليس ههنا . فأقبلوا يدورون في الشعاب.

 وبقي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الغار ثلاثة أيام ، ثمّ أذن الله له في الهجرة ، وقال : اُخرج عن مكّة يا محمد فليس لك بها ناصرٌ بعد أبي طالب.

 فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار ، وأقبل راع لبعض قريش يقال له : ابن اُريقط . فدعاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقال له : يا ابن اُريقطأءتمنك على دمي ؟ .

 قال: إذاً والله أحرسك وأحفظك ولا أدلّ عليك، فأين تريد يا محمد ؟

 قال : يثرب .

 قال: والله لأسلكنّ بك مسلكاً لا يهتدي فيه أحدٌ .

 قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : ائت عليّاً وبشّره بأنّ الله قد أذن لي في الهجرة فيهيّئ لي زاداً وراحلة [25].

 

 وروى علي بن هاشم ، عن محمّد بن عبد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جدّه أبي رافع قال : كان عليّ يجهّز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين كان في الغار يأتيه بالطعام والشراب .

 واستأجر له ثلاث رواحل ، للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ولأبي بكر ولدليلهم .

وقيل : وخلّفه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يخرج إليه أهله فأخرجهم ، وأمره أن يؤدّي عنه أمانته ووصاياه وما كان يؤتمن عليه من مال ، فادّى عليّ عليه السلام أماناته كلّها .

وقال له النبيّ عليه وآله السلام : إنّ قريشاً لن يفتقدوني ما رأوك ، فاضْطَجع على فراش رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فكانت قريش ترى رجلاً على فراش النبيّ فيقولون : هو محمّد ، فحبسهم الله عن طلبه .

 وخرج عليّ إلى المدينة ماشياً على رجليه فتورمت قدماه ، فلمّا قدم المدينة رآه النبيّ فاعتنقه وبكى رحمة له ممّا رأى بقدميه من الورم ، وأنّهما يقطران دماً، فدعا له بالعافية ومسح رجليه ، فلم يشكهما بعد ذلك[26] .

وكان جميع مقامه بمكة حتى خرج منها إلى المدينة ثلاث عشرة سنة من مبعثه[27].

 

يا طيب : بعد إن عرفنا جهاد رسول الله وثباته في مكة المكرمة وتحمله الأذى والمصائب في سبيل نشر دين الله وتبلغيه بكل جهده ، وكيف تحمل هو والمسلمون الأذى في سبيل الله والثبات على دينه والإخلاص له في طلب عبوديته ورضاه ، فقسما هاجر وقسما في الشعب بقي بتحمل الأذى والقحط ، وعرفنا كيف كرم الله نبينا الأكرم بالإسراء والمعراج ليسليه ويريه من آياته الكبرى فيطمئن ويحدث المؤمنون فيرجون ثواب الله ويشتاقون لنور ملكوته والكون به بعد أيام من هذه الدنيا ، حتى توفي الناصر له عمه أبو طالب وزوجته خديجة عليهم السلام ، وأخذ يخرج لخارج مكة يدعوا الناس ولم يسلم له إلا القليل ، ولكن الله منَّ عليه بالأنصار وأيده بهم لما علم إخلاصه وإخلاص المؤمنين ، فهاجر إليهم ولحقه باقي المسلمون بعد إن هاجر قسم كبير من المسلين قبله .

وفي كل هذا من ثباته وشرفه وأصله وما عرفت من براهين النبوة ، كلها تدلنا على حقيقة الدعوة ، وتكون كلها برهانا جليا ودليلا قويا يعرفنا ، عناية الله بخلقه واختياره لأفضلهم علما وعملا وسيرة وسلوكا لتبليغ رسالته ، ويؤيده بالمؤمن الصابرون معه ، وهذه مرحلة وجوده الشريف في مكة بعد  البعثة .

 وندخل في جهاده وثباته وإصرار على دعوته في المدينة المنورة ، لنرى دور آخر من حياته الشريفة وعلو همته لتبلغ دين الله وهو قد جاوز الخمسون سنة ، ولكنه كله نشاط وحركة من أجل الله تعالى وتعريف دينه ، فكان يظهر بمعارف الله بكل وجوده وسيرته .

 ونسأل الله أن يجعلنا معه ومع آله وصحبه الكرام ، ويرزقنا شفاعته إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

 



[1]روضة الواعظين 25.
[2] إعلام الورى ج1ص102ب3ف1 . قصص الأنبياء للراوندي: 317|395.
[3]روضة الواعظين 25.
[4] تاريخ اليعقوبي23 .
[5] عن الكشف والبيان ورقة163 سورة الشعراء و راجع التفاصيل في الغدير ج8ص278.
[6] إعلام الورى ج1ص105ب3ف1 عن دلائل النبوة للبيهقي 2: 162، وكذا في: تاريخ الطبري 2: 311، مستدرك الحاكم 3: 183، ووافقه الذهبي في ذيل المستدرك، ذخائر العقبى: 59، السيرة النبوية لابن كثير1: 429، البداية والنهاية 3: 25، ونقله المجلسي في بحار الاَنوار 18: 207 | 37.
[7] إعلام الورى ج1ص103ب3ف1 . قصص الأنبياء للراوندي: 317|395 ، وتاريخ الطبري 2: 280.
[8] تأريخ اليعقوبي23 .
[9]إعلام الورى ج1ص106ب3ف1،انظر:تفسير القمي1: 378ـ380،قصص الأنبياء للراوندي: 318|396، مناقب ابن شهر آشوب 1: 57،تاريخ الطبري 2: 322.
[10] تفسير القميج2ص228ب38 .
[11] شرح ‏نهج‏ البلاغة ج14ص54الفصل الأول إجلاب قريش على بني هاشم‏.
[12] إعلام الورى ج1ص123ب3ف5 ، قصص الأنبياء للراوندي: 321 | 401، مناقب ابن شهر آشوب 1: 62، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 210.
[13] تاريخ اليعقوبي : 26.
[14] { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(النحل/32).
[15] تاريخ اليعقوبي : 27 .
[16] تاريخ اليعقوبي34 .
[17]روضة والواعظين 54 .
[18] تاريخ اليعقوب35 .
[19] تاريخ اليعقوبي 35
[20]تاريخ اليعقوبي 35.
[21] إعلام الورى ج1ص139ب3ف7 ،  أنظر : تفسير القمي 1: 272 ، وقصص الأنبياء للراوندي : 332 | 412 ، والسيرة النبوية لابن هشام 2: 77 ـ 83 ، والطبقات الكبرى 1: 221 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 : 430 ـ 446 ،والوفا بأحوال المصطفى 1 : 224 ، والكامل في التأريخ 2 : 96 ـ 98 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 8 | 5 .
[22] تاريخ اليعقوبي 38.
[23] إعلام الورى ج1ص140ب3ف7 ،  أنظر : تفسير القمي 1: 272 ، وقصص الأنبياء للراوندي : 332 | 412 ، والسيرة النبوية لابنهشام 2: 77 ـ 83 ، والطبقات الكبرى 1: 221 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2:430ـ 446 ،والوفا بأحوال المصطفى 1: 224،والكامل في التأريخ 2: 96ـ 98 ،ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19:8|5.
[24] تاريخ اليعقوبي136 .
[25] إعلام الورى ج1ص146ب3ف8 ،  انظر: تفسير القمي 1: 273، قصص الأنبياء للراوندي: 335/114 ــ 115، السيرة النبوية لابن هشام 2: 124، الطبقات الكبرى 1: 227، دلائل النبوة للبيهقي 2: 467الوفا بأحوال المصطفى 1: 229، الكامل في التاريخ 2: 101، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 48.
[26] تاريخ ابن عساكر- ترجمة الإمام علي (ع ) - 1 : 154 ، ودون صدره في : اُسد الغابة 4 :19 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 84 | 35 ، و نحوه في : قرب الإسناد : 111 | 387، تفسير العياشي 2 : 65 | 70، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19 : 293 | 36.
[27] تاريخ اليعقوبي40 .

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين

 

إلى أعلى مقام الصفحة صفح الله عنا بحق سيد الأنام


يا طيب إلى الفهرس العام والخاص لصحيفة النبوة بسلام