هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين / صحيفة الإمام الحسين عليه السلام /
 الجزء
الخامس /  ظهور نور الإمام الحسين في الأرض بولادته وأدلة إمامته

الباب الأول
إشراق نور إمامي الهدى الحسن و الحسين عليهم السلام
في الأرض بولادتهما وصباهما والمكرمات التي حفتهما

المجلس الثاني
الإمام الحسين مع جده رسول الله وأمه وأبيه وأخيه
في مراحل حياته الأولى

في هذا المجلس: نذكر مشارق أنوار الفضائل والمناقب والأحوال الكريمة التي عاشها الإمام الحسين في طفولته وصباه مع جده الأكرم رسول الله وأبيه أمير المؤمنين وأمه سيدة النساء ، و أخيه الأكبر الإمام الحسن لكون حياتهم صلى الله عليهم وسلم مشتركة .

الذكر الثاني

أحوال الإمام الحسين مع آله الكرام في أول مراحل حياته

يا طيب : إن الكرامات والتكريم من الله وملائكته ورسوله لأهل البيت كثيرة ، وهي تكون إما خاصة بواحد منهم أو تجمعهم ، وبعضها يبين مجدهم وعظيم نورهم وفضل الله عليهم ، وبعضها كرامات تعرف شأنهم الكبير لما صبروا في جنب الله ورضائهم بما قسم الله لهم من الاختبار والامتحان في الدنيا ، وذلك ليعرف طاعتهم لله على كل حال وأنه لا تغير الأحوال إخلاصهم لله  ، وهنا نشير لبعض ما كرم الله به نبينه وآله وبالخصوص الإمام الحسين ويأتي في أبواب أخرى مناقب أخرى ، فهنا نفصل بعض شأن الإمام مع آله، وبالخصوص مع نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد عرفت : بعض تحية الله لهم وسلامه عليهم حين مولدهم وتهنئة الملائكة لهم ، وإنها كانت تخص يوم الولادة وحتى اليوم السابع ، وهنا نذكر بعض أحوال الإمام الحسن والحسين في صباهم لأنهما في عائلة واحده وفي زمن واحد متقارب ، وكيف كان يتصرف معهم رسول الله وآله وأبنته فاطمة لأنها أمهم ، وأبيهم الإمام علي نفس رسول الله ، وما خصهم الله به من الكرامات المجتمعة لهم ، وبها نعرف بعض أحوال الإمام الحسين بنفسه أو مع آله ، وهي مع قلتها ، ولكن تعرفنا شأنه الكريم ورعاية الله ورسوله له ، ومقدار ما يظهران من أهمية فضله وعلو منزلته عندهم ، ورعايتهم له ، ونرى كثير من حالات إظهار الحب والحنان له حتى ينموا في أعلى أجواء المودة والكرامة من الله وملائكة ورسوله وآل رسول الله ، ومن كلها نستفيد أدب إسلامي وخلق رباني يظهره رسول الله وآله وتعرفنا أهمية رعاية الأطفال وآداب التربية لهم ، بل نستفيد من هذه القصص النبوية مع آله أحكاما إسلامية وشرائع دينية كريمة ، كما أنه بعض الحالات خاصة بهم ولا تنطبق إلا عليهم لكونها تحف ربانية لم يخص بها كل الخلق ، ولكن الباقي هي لهم ولنا ويجب أو يستحب مراعاتها ، فتدبر :

 

الإشراق الأول :

 صبر النبي وفدائه لابنه إبراهيم للحسين عليه السلام :

يا طيب : كل الأنبياء يُختبرون ويظهرون كثير من الصبر وأعلاه في جنب الله ورضائهم بقضائه ، وبتمامها يكرمون بالمقام الأعلى ، وهذا ما تراه في قصص نبي الله إبراهيم في ترك أبنه إسماعيل في وادي غير ذي زرع أو الأمر بذبحه وفدائه ، أو قصص يوسف ، أو قصص يحيى وعيسى وغيرها ، وهذه قصة مع النبي الأكرم في آله وأولاده فتدبر صبره وتضحيته وفدائه ورضاءه بقضاء الله وقدره :

في المناقب عن تفسير النقاش بإسناده ، عن سفيان الثوري ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال :  كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم : وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم ، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي ، وهو تارة يقبل هذا ، وتارة يقبل هذا ، إذ هبط جبرائيل بوحي من رب العالمين . 

فلما سري عنه قال : أتاني جبرائيل من ربي ، فقال : يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول : لست أجمعها لك فأفد أحدهما بصاحبه ، فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى إبراهيم فبكى ، ونظر إلى الحسين فبكى .

وقال : إن إبراهيم أُمّه أَمة ، ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأم الحسين فاطمة ، وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي ، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت أنا عليه ، وأنا أوثر حزني على حزنهما . يا جبرائيل : يقبض إبراهيم فديته للحسين .

 قال : فقبض بعد ثلاث ، فكان النبي إذا رأى الحسين مقبل ، قبله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه ، وقال : فديت من فديته بابني إبراهيم[85] .

وفي مثير الأحزان : بسنده عن عبد الرحمن بن الجوزي عن رجاله عن عائشة قالت : دخل الحسين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم و هو غلام يدرج .

فقال : أي عائشة أ لا أعجبك ، لقد دخل علي آنفا ملك ما دخل علي قط .

 فقال : إن ابنك هذا مقتول ، و إن شئت أريتك من تربته التي يقتل بها ، فتناول ترابا أحمر فأخذته أم سلمة فخزنته في قارورة ، فأخرجته يوم قتل و هو دم . و روي مثل هذا عن زينب بنت جحش‏[86].

يا طيب : سيأتي باب مستقل في تفصيل ما أُخبر به النبي من شهادة الإمام الحسين عليه السلام ، وبعض البيان لحكمة الله في بلائه لأهل البيت وأولي العزم والأنبياء وآلهم ، وهذا الباب يختص ببعض مكارمهم وشرفهم عنده .

 

 

الإشراق الثاني :

 النبي الأكرم يعوذ الحسن والحسين عليهم السلام :

طلب الخير والكمال من الله وحده : والتعوذ بالله من كل شر ، هو من أهم الأمور التي تحفظ الإنسان وترعاه وتجعله في عين الله وكرامته ، وفيه معنى التوكل على الله في ما يسير به الإنسان في حياته وسيرته وسلوكه ، ولذا نرى إن رسول الله أهتم اهتماما كثيرا في تعويذ الإمام الحسن والحسين بالله تعالى والطلب منه أن يقيهم كل شر ، ولذا كان يعوذهم ويستعيذ بالله بما علمه الله في سورتين كريمتين وهما قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ، وهما أخر سورتين في القرآن المجيد ، أو بكلمات فيهما معنى السورتين وتختصر معناهم ، وقد جاء في هذا المعنى كثير من الروايات ، وهي تفصل كثرة مما كان يعوذهما النبي الأكرم وتعبر عن اهتمامه بهذا الأمر .

 ولذا على كل إنسان مؤمن : أن يتمعن معناهم ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وكل ذي شر ، سواء بنفس المعوذتين أو بالكلمات التي كان كثير ما يقولها رسول الله في تعويذ الإمام الحسن والحسين ، وسواء لنفسه أو لأهله وأطفاله وماله وكل شيء يهمه أمره ، وهذا بعض ما ذكر فتدبر :

جاء في أكثر التفاسير : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعوذهما بالمعوذتين ولهذا سمي المعوذتين .

وزاد أبو سعيد الخدري في الرواية : ثم يقول صلى الله عليه وآله وسلم : هكذا كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق ، كان يتفل عليهما .

 ومن كثرة عوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال ابن مسعود وغيره :

 إنهما عوذتان للحسنين وليستا من القرآن الكريم [87].

وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال :

أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعوذ حسنا وحسينا .

فيقول : أعيذكما بكلمات الله التامات ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة . وكان إبراهيم  يعوذ بها إسماعيل وإسحاق [88].

وذكر في المناقب : و من شفقته ما رواه صاحب الحلية بالإسناد عن منصور بن المعتمر عن أبي إبراهيم عن علقمة عن عبد الله و عن ابن عمر قال كل واحد منا :

كنا جلوسا عند رسول الله إذ مر به الحسن و الحسين و هما صبيان ، قال :

مات ابني ، أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل و إسحاق ، فقال :

أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل عين لامة ، و من كل شيطان و هامة [89].

 

وذكر في روايات كثيرة : أن تعويذتان كانت على الحسن والحسين من زغب جبرائيل عليه السلام كما في الخصال بالإسناد عن ابن عمر قال :  كان على الحسن والحسين عليهم السلام تعويذان حشوهما من زغب جناح جبرائيل عليه السلام [90].

أربعين المؤذن و إبانة العكبري و خصائص النطنزي قال ابن عمر : كان للحسن و الحسين تعويذان حشوهما من زغب جناح جبرائيل ، و في رواية فيهما من‏ جناح جبرائيل ، و عن أم عثمان أم ولد لعلي عليه السلام قالت : كان لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وسادة لا يجلس عليها إلا جبرائيل ، فإذا قام عنها طويت ، فكان إذا قام انتقض من زغبه ، فتلقطه فاطمة فتجعله في تمائم الحسن و الحسين .

وقال الجماني شعرا :

يا ابن من بيته من الدين و الإسلام            بين المقــام و المنبـرين‏

لك خير البيتين من مسجدي جدك           و المنشأيـن و المسكنـين‏

و المساعي من لدن جـدك إسماعيل          حتى أدرجـت في الريطتين‏

حين نيطت بك التمائم ذات الريش           مـن جبرائيل في المنكبين[91]

وفي رواية : في كتاب كشف الغمة بلفظ آخر مقارب لما مر إلا أن المتلقط للريش الصغير الزغب رسول الله دون فاطمة والرواية هي : عن كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذي ، عن أم عثمان أم ولد  علي بن أبي طالب عليه السلام قالت :

كان لآل رسول الله صلى الله عليه وآله قطيفة يجلس عليها جبرائيل ، ولا يجلس عليها غيره ، وإذا عرج طويت ، وكان إذا عرج انتفض ، فيسقط من زغب ريشه ، فيقوم فيتبعه فيجعله في تمائم الحسن والحسين عليهم السلام [92].

يا طيب : إن جبرائيل ليس بطائر ولا حتى جسم مادي ، وهو من أهل أعلى مراتب الملكوت ، بل من سكان الجبروت وله أعلى مقام عند العرش ، وروايات الزغب والريش ليس عن أهل البيت بل من العامة وكتبهم ونقلت في كتب الشيعة ، وعلى تقدير صحتها لأنه يؤيدها روايات تأتي ، فإن جبرائيل لعله كان يكرم أهل البيت بتحف قد تحسب من ريشه وتنزل من أجنحته ، كما تنزل كثير من الأمور الملكوتية للأرض بأمر الله ، كالحجر الأسود وتابوت موسى وكطعام مريم ومائدة المسيح وموائد أهل البيت ، بل ثياب للحسن والحسين عليهم السلام كما سيأتي .

 

 

 

الإشراق الثالث :

نبي الرحمة يظهر حبه بتقبيله للحسن والحسين :

يا طيب : من أحلى الآداب الإسلامية وأجمل التعاليم الدينية هي رعاية الأطفال وإظهار اللطف بهم والرحمة والرعاية لهم ، وهذا ما ستراه في كل قبسات النور الآتية ، فترى النبي يعلم المسلمين آداب المعاشرة مع الأطفال وكيفية رعايتهم بما يظهر من حبه للحسن والحسين عليهم السلام ، فتدبر :

عن عروة بن الزبير : أن رسول الله صل الله عليه وآله وسلم قبل الحسين عليه السلام ، و ضمه إليه ، و جعل يشمه ، و عنده رجل من الأنصار .

 فقال الأنصاري : إن لي ابنا قد بلغ ما قبلته قط .

 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أ رأيت إن كان الله تبارك و تعالى نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي [93].

وعن أحمد بن حنبل في المسند عن أبي هريرة : كان رسول الله يقبل الحسن و الحسين ، فقال عيينة ، و في رواية غيره الأقرع بن حابس : إن لي عشرة ما قبلت واحدا منهم قط .

 فقال صلى الله عليه وآله وسلم : من لا يرحم لا يرحم .

و في رواية حفص الفراء : فغضب رسول الله حتى التمع لونه ، و قال للرجل :

إن كان قد نزع الرحمة من قلبك فما أصنع بك .

من لم يرحم صغيرنا ، و يعزز كبيرنا ، فليس من[94].

يا طيب : كلمات كريمة في الآداب الإسلامية ومعارف الدين الربانية ، وهذه من أعلى الحكم في الخلق الإسلامي والموجبة لتبادل الاحترام، وعطف الأب على الابن ، وجعلها من حقوق الإسلام بل الإيمان ، وبيان للرحمة في القلب ، وقد ذكرنا كثير من الحقوق ومعارفها في صحيفة الطيبين فراجع جزئها الأول ، وكان في هذا الحديث بيان علمي وعمل لنا بفضل تصرف النبي الأكرم مع الحسين صلى الله عليهم وسلم .

 

 

الإشراق الرابع :

 بكاء الحسين يؤذي النبي  وجبرائيل يلاطفه :

أبو السعادات في فضائل العشرة قال يزيد بن أبي زياد :

خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة ، فمر على بيت فاطمة ، فسمع الحسين يبكي ؟

 فقال : أ لم تعلمي أن بكاءه يؤذيني [95].

قال و جاء الحديث : أن جبرائيل نزل يوما فوجد الزهراء نائمة .

 و الحسين قلقا على عادة الأطفال مع أمهاتهم ، فقعد جبرائيل يلهيه عن البكاء حتى استيقظت ، فأعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك [96].

يا طيب : تأييد النبي بالملائكة جاء بكثرة في كتاب الله وهذا منها وتكريما له ولآله ، وإنه لأنصار النبي وآله يستغفر ملائكة العرش ويسألون لهم الرحمة من الله ويؤيدوهم بأمر الله ، وبالخصوص كما عرفت لأئمة المؤمنين والأنبياء السابقين كما في نداء الملائكة لمريم وزكريا ونزولهم بالمائدة لها ولأبنها ولإبراهيم وآله من قبل كما عرفت في ولادتهم ، وأما المنحرف عن أهل الهدى وبالخصوص نبينا وآله ويكون من المعاند لهم ويتبع قتلتهم و المنحرفين عنهم ، ولم يرعى ولم يعرف حق النبي وشأنه ، يكون مع الذين آذوا النبي وناصر لمبغضيه ، وذلك لنصره لمن روعوا آله ، والذي عرفت أنه كان يؤذيه بكاء الحسين ، فكيف بمن حاربوه وآله وقتلوهم وانحرفوا عنهم وعلموا غير دينه الذي ظهر به آله الطيبين الطاهرين ، ولمثل هذا قال الله تعالى :

{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) } التوبة .

{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58) } الأحزاب .

ولذا نلعن أعداء آل محمد في زيارة عاشوراء وغيرها من الزيارات والمواقف .

 

 

 

الإشراق الخامس :

 تحقيق في ملاطفة النبي للحسنين وتعريف شأنهم:

مزرد قال سمعت أبا هريرة يقول : سمع أذناي هاتان ، و بصر عيناي هاتان ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، و هو آخذ بيده جميعا بكتفي الحسن و الحسين ، و قدماهما على قدم رسول الله ، و يقول : ترق عين بقة .

قال : فرقي الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله .

ثم قال له : افتح فاك ، ثم قبله .

 ثم قال : اللهم أحبه فإني أحبه .

وفي كتاب ابن البيع و ابن مهدي و الزمخشري قال :

حزقة  حزقة ترق عين بقة ، اللهم إني أحبه فأحبه و أحب من يحبه .

الحزقة : القصير الصغير الخطى ، و عين بقة أصغر الأعين . و قال : أراد بالبقة فاطمة ، فقال للحسين : يا قرة عين بقة ترق ، و كانت فاطمة عليه السلام ترقص ابنها حسنا عليه السلام و تقول :

  أشبه أباك يا حسـن          و اخلع عن الحق الرسن‏

 و اعبـد إلها ذا منن           و لا تـوال ذا الإحــن‏

و قالت للحسين عليه السلام :

أنت شبيه بأبي            لست شبيها بعلي‏

 و في مسند الموصلي أنه كان يقول أبو بكر للحسن عليه السلام و أباه حاضر :

أنت شبيه بالنبي            لست شبيها بعلي‏

و علي يتبسم . و كانت أم سلمة تربي الحسن و تقول :

بأبي يـا ابن علي         أنت بالخيـر ملـي‏

كن كأسنان خلي         كن ككبش الخـولي‏

و كانت أم فضل امرأة العباس تربي الحسين و تقول :

يا ابن رسول الله        يا ابن كثير الجاه‏

فرد بــلا أشباه      أعـاذه إلـهـي‏

من أمم الدواهي

وقال المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار بعد نقل الخبر بيانا :  

الحزقة : القصير الصغير الخطأ ، وعين بقة : أصغر الأعين ، وقال : أراد بالبقة فاطمة ، فقال للحسين : يا قرة عين بقة ترق . إيضاح : قال الجزري : فيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يرقص الحسن أو الحسين ، ويقول : حزقة حزقة ترق عين بقة ، فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره .

الحزقة: الضعيف المقارب الخطو من ضعفه، وقيل : القصير العظيم البطن فذكرها له على سبيل المداعبة والتأنيس له ، وترق بمعنى اصعد ، وعين بقة كناية عن صغر العين ، وحزقة : مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أنت حزقة ، وحزقة الثاني كذلك ، أو أنه خبر مكرر ، ومن لم ينون حزقة فحذف حرف النداء وهي في الشذوذ كقولهم أطرق كرا، لان حرف النداء إنما يحذف من العلم المضموم أو المضاف، انتهى. 

والحزقة : بضم الحاء المهملة والزاء المعجمة ، وفتح القاف المشددة ، والظاهر أن عين بقة كناية عن صغر الجثة لأصغر العين ، ويمكن أن يكون مراده ذلك بأن يكون مراده بالعين النفس ، أو أن وجه التشبيه بعين البقة صغر عينها .

ولكن الزمخشري صرح في الفائق بذلك حيث قال :

وعين بقة منادى ذهب إلى صغر عينيه تشبيها لهما بعين البعوضة ، انتهى . 

قولها عليهم السلام : " واخلع عن الحق الرسن " الحق : بفتح الحاء فيكون كناية عن إظهار الأسرار ، أو بضمها بأن يكون جمع حُقة بالضم أو بالكسر ، وهو ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين ، فيكون كناية عن السخاء والجود ، أو عن التصرف في الأمور والاشتغال بالأعمال ، فان تسريح الإبل تدبير لها ، وموجب للاشتغال بغيرها ، و أسنان الحلي : تضاريسه ، والتشبيه في الاستواء والحُسن [97].

وكذا رواه عن الطبراني عن أبي هريرة وقال إسناده جيد[98] .

مسند حصين بن عوف الخثعمي : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيت فاطمة فسلم ، فخرج إليه الحسن أو الحسين .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارق بأبيك عين بقه وأخذ بأصبعيه ، فرقى على عاتقه ، ثم خرج الآخر الحسن أو الحسين مرتفعة إحدى عينيه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مرحبا بك ! ارق بأبيك أنت عين البقة وأخذ بأصبعيه ، فاستوى على عاتقه الآخر .

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأفقيتهما ، حتى وضع أفواهما على فيه ، ثم قال :

 اللهم ! إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهم [99].

يا طيب : الخبر هذا مروي عن أبي هريرة وأخذ عنه أصحبنا كصاحب الصراط المستقيم والمناقب وعنهم في بحار الأنوار ، وإن ملاعبة النبي وممازحته للحسن والحسين شيء لا ينكر وسترى كثيرا من مثلها ، وقد كان يرعاهم بما يفرحهم ، وكان كثير الاهتمام في بيان فضل أهل البيت فردا فردا أو كلهم ، وهذا تجده جليا في بيان فضائل أمير المؤمنين في صحيفة ، وهنا بيان لمناقب الإمام الحسين عليه السلام .

ويا طيب : لما قرأت الحديث وتفسيرهم له ، استخدموا في بيان شرحه بما لا يناسب شأن نبي الرحمة وسيد شباب أهل الجنة ، وهكذا نقله عنهم في البحار ، ولذا صار في الكلمات المستخدمة في الممازحة ترقه عين بقه ، في النفس منها شيء لا تقبله ، وكلمة المراقصة والمقصود به الملاطفة للحسين وإظهار الحب لا الرقص ، كما مزاحه حق لا يقول باطل صلى الله عليه وآله وسلم ، وتفسيرهم شبيه بكلمات أبو هريرة على ظاهرها حين يسخر في بعض أحاديثه بالناس في أحاديثه الموضوعة لا كما في هذا الحديث الذي يؤيده معاصرون له وكثير من الأحاديث المشيرة لهذا المعنى ، وتفسيرهم ليس كما أراد نبينا الأكرم ، ولذا تراهم كانوا يذكرون الخبر في مزاح النبي الأكرم كما في شرح ابن أبي الحديد[100] حتى في بحار الأنوار وغيره .

ولذا دعاني البحث هذا للتحقق : من كلمات الحديث وشرحه ، بما ذكر في اللغة لمفردات كلماته ، أو نص الحديث ، وكذا قصد النبي الذي لا يهجر وإنما كلامه وحيا يوحى ، فرأيت حقا إن نبينا كريم وكلامه عظيم كخلقه و حتى في ملاطفته للإمام الحسين ، وإن كلمات النبي متينة بليغه ، ويريد بها بيان الحق ، وفيها معنى أكثر من دعوة الحسن والحسين للصعود على بدنه ، وروي الخبر في بنص أخر بدل :

بدل حزقه ، حبقه ، وإنهم ذكروا فقط بعده قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

ثم قال له : افتح فاك ، ثم قبله .  ثم قال : اللهم أحبه فإني أحبه .

ثم فسروه بتفسيره المضحك ليناسب ما وضعوه من باب المزاح التي لا تعلم صحة أحاديثه والتي قد ينتقص منها من شأن نبينا الأكرم في كثيرا منها ، ولكن لتعرف الحق : تدبر تمام الخبر هذا ، ثم معناه في اللغة ، وما قصده النبي الكريم بما يناسب شأنه الكريم لتعرف عظمة كلامه ، وبيانه لجلالة شأن الإمام الحسين وعلو مقامه وما عرفة من الإمام الكامنة فيه .

وإن الخبر مروي : في مصدر أقدم وهو كفاية الأثر وغيره ، ونقله أيضا في البحار عنه ونصه هو ما قال : حدثنا محمد بن عبد الله الشيباني ، و القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي ، و الحسن بن محمد بن سعيد و الحسين بن علي بن الحسن الرازي ، جميعا قالوا : حدثنا أبو علي محمد بن همام بن سهيل الكاتب ، قال حدثني محمد بن جمهور العمي عن أبيه محمد بن جمهور ، قال حدثني عثمان بن عمر ، قال حدثني شعبة عن سعيد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال :

كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم : و أبو بكر و عمر ، و الفضل بن العباس ، و زيد بن حارثة ، و عبد الله بن مسعود :

إذ دخل الحسين بن علي : فأخذه النبي و قبله ، ثم قال :

حبقـــه حبقـــه تـرق عيـن بقــه .

و وضـع فمـه على فمـــه ، ثم قال :

اللهـم إنـي أحبـه فأحبـه و أحـب من يحبــه .

يا حسين : أنت الإمام ، ابن الإمام ، أبو الأئمة التسعة، من ولدك أئمة أبرار .

فقال له عبد الله بن مسعود : ما هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم يا رسول الله في صلب الحسين .

فأطرق مليا ثم رفع رأسه ، و قال : يا عبد الله سألت عظيما ، و لكني أخبرك ، أن ابني هذا و وضع يده على كتف الحسين .

يخرج من صلبه : ولد مبارك ، سمي جده علي ،  يسمى العابد، و نور الزهاد .

و يخرج من صلب علي : ولد اسمه اسمي ، و أشبه الناس بي ، يبقر العلم بقرا ، و ينطق بالحق ، و يأمر بالصواب .

و يخرج الله من صلبه : كلمة الحق ، و لسان الصدق .

فقال له ابن مسعود : فما اسمه يا نبي الله ، قال فقال له : جعفر ، صادق في قوله و فعاله ، الطاعن عليه كالطاعن علي ، و الراد عليه كالراد علي .

ثم دخل حسان بن ثابت : و أنشد في رسول الله  شعرا ، و انقطع الحديث .

فلما كان من الغد : صلى بنا رسول الله ، ثم دخل بيت عائشة ، و دخلنا معه ، أنا و علي بن أبي طالب ، و عبد الله بن العباس ، و كان من دأبه ،  إذا لم يسأل ابتدأ ، فقلت له : بأمي أنت و أبي يا رسول الله ، أ لا تخبرني بباقي الخلفاء من صلب الحسين عليه السلام ؟ قال : نعم يا أبا هريرة .

و يخرج الله من صلبه : مولود طاهر أسمر رابعه ، سمي موسى بن عمران . ثم قال له ابن عباس : ثم من يا رسول الله ؟ قال :

يخرج من صلب موسى : علي ابنه يدعى بالرضا ، موضع العلم و معدن الحلم ، ثم قال : بأبي المقتول في أرض الغربة .

و يخرج من صلب علي : ابنه محمد ، المحمود ، أطهر الناس خلقا ، و أحسنهم خلقا .

و يخرج من صلب محمد : ابنه علي ، طاهر الجيب ، صادق اللهجة .

و يخرج من صلب علي : الحسن ، الميمون ، التقي ، الطاهر ، الناطق عن الله ، و أبو حجة الله .

و يخرج من صلب الحسن : قائمنا أهل البيت ، يملأها قسطا و عدلا ، كما ملئت جورا و ظلما ، له غيبة موسى ، و حكم داود ، و بهاء عيسى ، ثم تلا :

{ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)} آل عمران .

فقال له علي بن أبي طالب : بأبي أنت و أمي يا رسول الله ، من هؤلاء الذين ذكرتهم ؟

قال: يا علي أسامي الأوصياء من بعدك، و العترة الطاهرة ، و الذرية المباركة .

ثم قال : والذي نفس محمد بيده ، لو أن رجلا عبد الله ألف عام
، ثم ألف عام ، ما بين الركن و المقام ،
ثم أتى جاحد بولايتهم ، لأكبه الله في النار كائنا ما كان [101].

 

يا طيب : الرواية عظيمة وهي تُعرف الشأن الكريم للإمام الحسين وتعرفنا أسماء الأئمة الأطهار من صلبه الشريف ، وهم أئمة الحق والمعصومين من ذرية النبي وعلي صلى الله عليهم وسلم ، وهذا الحديث وحده يكفي حتى لو بفقراته الأولى لمعرفة عظمة الحسين عند الله تعالى وعند النبي وأنه من يحبه يحبه رسول الله ويحبه الله ، ويكون معهم لأن من أحب شيئا حشر معه ، وكان عليهم حب الحسين والكون على منهجه وإن المحب لمن أحب مطيعا ، فكان عليهم إطاعته والسير في ركابه لا قتله ومحاربته وآله من قبل ، وحبه كما أمر الله في آية المودة ، وهو دعوة نبي الله إبراهيم لمن أسلم له وللحق من دين الله ، وحين قال تعالى يحكي عنه : فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم . وقال سبحانه : قل لا أسألكم أجرا إلا المودة في القربى ، وقال رسول الله : اللهم إني أحبه فأحبه و أحب من يحبه .

هذا فضلا عن بيان الأئمة في آل نبي الله في قوله كما سترى :

حبقـــه حبقـــه تـرق عيـن بقــه .

أو على الروايات الأولى :

 حـزقة  حـزقة تـرق عـيـن بـقــه .

يا طيب : عرفت إن ما بعد هذه العبارات كان حديثا كريما في الإمامة ، وعظيما في بيان مقام الحسين وآله ، وهم ذريته وأولياء المؤمنين و أئمة الحق المعصومين ، وكذا كان معنى كريما في هذه العبارات أعلاه نفسها بغض النظر عن باقي الحديث كله .

وإنها كلمات : ظهرها الملطفة وإظهار المحبة له ليرقى على صدره ، و يدعوه لأن يصعد إلى فمه حتى يقبله ، ولو تم تفسيرها بحق لا كما عرفت من تفسيرهم ، أي تفسيرها حسب ما أراد رسول الله ، أو لا أقل حسب ما جاء في معاني اللغة لهذه الكلمات لا يفسروها خمصا الحق وكتمان الدين وأسسه كما عرفت .

 فإليك يا طيب : معانيه ، ثم تدبر ما أراد رسول الله منها من المعنى الجميل البليغ ، وبأسلوبه الرقيق الشيق حين ينادي بها الحسين عليه السلام :

 

أولا : حبقة :

ذكر في كتاب لسان العرب :

عن الأَزهري : الحبـقُ : دَواءٌ من أَدْوِيةِ الصَّيادِلة ، و الحبقُ الفُوذَنْج .

و قال أَبو حنيفة : الحبـقُ : نبات طيب الريح ، مُرَبَّعُ السوق ، و ورقه نحو ورق الخِلافِ ، منه سُهْلِيّ ، و منه جَبَلي ، و ليس بمَرْعًى . وعن ابن خالويه : الحبقُ: الباذَرُوجُ ، و جمعه حِباقٌ ؛ و أَنشد :

 فأَتَوْنا بدَرْمَقٍ و حِباقٍ   و شِواء مُرَعْبَلٍ و صِنابِ .

فإذا يا طيب : الحبق : دواء طيب الريح ، وتابع معنى باقي الكلمات .

 

ثانيا : حزقة :

حزق : حزَقه حَزْقاً : عَصَبه و ضغَطه .

و الحَزْقُ : شــدة جَذْبِ الرِّباط و الوَتر ِ.

 حَزقه يَحْزِقُه حَزْقاً و حزَقه بالحبل يَحْزِقه حَزْقاً : شدّه .

و حَزق القوسَ يَحزِقُها حَزْقاً : شدّ وترها، و كلُّ رِبـاط حِزاقٌ .

و في الحديث : أنّ عليّ ، رضي الله عنه ، خطب أصحابه في أمرِ المارِقينَ و حضَّهم على قتالهم فلما قتلوهم جاؤوا فقالوا: أبْشِر يا أمير المؤمنين فقد استأْصَلْناهم .

 فقال عليّ : حَزقُ عيرٍ قد بَقِيت منهم بَقِيّة .

قال المفضل : في قوله حزقُ عيرٍ هذا مثل تقوله العرب للرجل المُخْبِر بخَبَر غير تامّ و لا مُحصِّلٍ، حَزْقُ عيْرٍ أي حُصاصُ حِمار أي ليس الأَمر كما زعمتم .

الأَصمعي: الحَزِيقُ الجماعة من الناس ؛ قال لبيد : و رَقاق عَصِب ظِلْمانُه ،  كحَزِيقِ الحبشِيِّينَ الزُّجلْ .

الجوهري : الحِـزْقُ : و الحِزْقةُ الجماعة من الناس و الطير و غيرها .

و الحِزْقُ و الحَزِيقةُ : الجماعة من كل شي‏ء [102].

يا طيب : حزقة : بمعنى شد الشيء والحزم فيه وقوة رباطه ، أشد نفسك وأعزم لترقى وتصعد ، أو معناه : إن الأمر أعظم مما يقال فيك ، وأحزم مما يتصور من البساطة في شأنك الضعيف وأنت صغير بل لك شأنا كريما وأنت عين البقية عين بقه ، وتكرار حزقة : ليتم معنيين ، لأول : شد نفسك وأحزم لترقى حتى منصبك المعد لك . والثاني : إما تأكيد أو إنه فيك تنطوي جماعة الهدى والدين ، سواء من قبل وأنت بقيتهم ، أو ما يأتي من صلبك بعد كما يفسرها الحديث .

ويفسر على كلام الإمام علي عليه السلام : كما عرفت في ضرب المثل بما يناسب شأن الإمام الحسين عليه السلام وكلام النبي العظيم الكريم فيه ، هو :

ليس الأمر كما تزعمون فالحسين : هو عينة البقية وسيد الناس ، وإن الأئمة من ذريته ، وهو الباقي من جماعة : آية التطهير والمباهلة والكوثر والقربى و أما بنعمة ربك فحدث ، فهو أخرهم في البقاء وعينهم وسيد البشر بعدهم ، وسيد الناس كما هو سيد شباب أهل الجنة ، إي لابد أن يرقى حتى يصل لمقام عظيم في الحب الواجب له والتعلم من حديثه ، فهو الذي يكون خليفة رسول الله من بعده ، فيصعد لمقام الإمامة والولاية كما كان لآبائه .

فالقول : حزقه حزقه ترقى عين بقه ، وتقبيله بعده ، هو أن أمرك أشد وأحزم مما يتصور ، كما يجب أن تشد الآن وتحزم لكي تصل لفمي لأقبلك وأقول فيك قولا يعرف به أنك البقية من آلك ، وأن يجب أن يُقبل كلامك ونهجك والذي تبذل به روحك الطيبة الذي يحبه الله ورسوله ، والذي فيه معاني التبليغ لدينه ، وهو الدواء لكل طالب حق ودين قيم ، لا كما يحسب الأمر في شأنك وأنت صغير ، وهذا معنى التقبيل له وبعد الكلام : عين بقه ، أي العين الباقية ، إي إنك السيد الكريم الباقي ، و عين بقه وفيه البقاء ، فيستمر الدين في الأئمة من ذريته ، ويؤيده الحديث كما عرفت ، وكذلك معنى باقي الكلمات وهي معروفه المعنى عظيمة المنحى في البيان للمتدبر ، وهو :

 

ثالثا : ترق :

قال في لسان العرب :

رق : رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ تَرْقَأُ رقْأً و رُقُوءًا: جَفَّتْ و انْقَطَعَتْ .

وَ رَقَأَ الدمُ و العِرْقُ يَرْقَأُ رَقْأً و رُقُوءًا : ارتفَع ،  و العِرْقُ سَكَنَ و انْقَطَع.

و منه رَقَأْتُ الدَّرَجَةَ ، و من هذا سُمِّيت المِرْقاة .

التهذيب يقال : رَقَأْتُ و رَقِيتُ ، و ترك الهمز أَكثر .وَ رَقَأَ في الدرجَةِ رَقْأً : صَعِدَ ، عن كراع ، نادر .  و المعروف : رَقِيَ [103].

ترق : معناه واضح أصعد وأرتفع ، ولذا رفع رسول الله حتى وصل لفمه وقبله وقال صلى الله عليه وآله : اللهـم إنـي أحبـه فأحبـه و أحـب من يحبــه .

وفي معنى في ترقى حكمة أخرى: أي إنك إمام شهيد مقتول مظلوم لم تُحب كما أمر الله ورسوله ولم تتبع ، وتقتل قتلا فضيعا بأيدي ناس لم يؤمنوا ولم يرعوا كلامي ولا وعوه ولم يتقنوا محل الهدى فيك ، وإنك تكون البقية في الهدى وإن الأئمة منك .

ففي قتلك: وبعده لم ترقأ الدمعة في مصيبتك ولما يرتكب من القتل الفظيع لك ، فترقى : لأمر الإمامة الذي يهتدي به من يهتدي ، وإن قتلت ولا رقأ الدمع فيك ، من مواليك في الدنيا لحبك وحب الله فيك ، وفي الآخرة لأعدائك حين يروا العذاب .

 

رابعا : عين :

وجاء في معنى العين معاني كثير منها ما قال في كتاب العين للخليل :

عين : العين الناظرة لكل ذي بصر .

و عين الماء ، و عين الركبة .

و العين : من السحاب ما أقبل عن يمين القبلة ، و ذلك الصقع يسمى العين .

و هؤلاء أعيان قومهم، أي أشراف قومهم .

و يقال لكل إخوة لأب و أم، و لهم إخوة لأمهات شتى: هؤلاء أعيان إخوتهم.

و الماء المعين : الظاهر الذي تراه العيون.

و أولاد الرجل من الحرائر: بنو أعيان ، و يقال: هم أعيان [104].

وقال في لسان العرب :

و لعَيْنُ عند العرب : حقيقة الشيء.

يقال : جاء بالأَمر من عَيْنٍ صافِيةٍ أَي من فَصِّه و حقيقته .

و جاء بالحق بعَيْنه أَي خالصاً واضح .

و عَيْنُ كل شي‏ء : خياره .

و عَيْنُ المتاع و المال و عِينَتُه: خِيارُه، و قد اعْتانَهُ .

و في المثل: إِن الجوادَ عَيْنُه فِرارُه .

و يقال: إِن فلاناً لكريمٌ عَيْنُ الكرم .

و لا أَطلُبُ أَثراً بعد عَيْنٍ أَي بعد مُعاينة ، معناه أَي لا أَترك الشيء و أَنا أُعاينه و أَطلب أَثره بعد أَن يغيب عني ، و أَصله أَن رجلًا رأَى قاتلَ أَخيه ، فلما أَراد قتله قال أَفْتَدي بمائة ناقة ، فقال : لست أَطلب أَثراً بعدَ عَيْنٍ ، و قتله .

قال: الأَعيانُ ولد الرجل من امرأَة واحدة ، مأْخوذ من عَيْنِ الشيء و هو النفيس منه ، قال الجوهري : و هذه الأُخوَّة تسمى المُعايَنة [105].

يا طيب : القسم الثاني كان عين بقه ، إي العين الباقية ، وبأي معنى أخذته من معنى العين ترى الإمام الحسين من النبي الأكرم هو : نفس وجوده وأصله الكريم ونفسه الباقية وخير قومه وأشرف الناس وسيد البشر بعد رسول الله وأبيه وأخيه الحسين ، فهو السيد الكريم الباقي الواجب الطاعة ولا يقبل دين غير تعليمه وما يعرفه من معارف الحق بعده ، وإن من يقتله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا لأنه قتل الحق والهدى وعناد الله ورسوله وكتم دينه ، وجعل المنحرفون يعلمون الدين ، والمخالفون لله ورسوله وما يفتون  أتبع ، ومكنهم أن يدعو إماما المسلمين وهم ظلمة بل كفرة.

فالحسين عليه السلام : وهو عين رسول الله باقية في المسلمين يهديهم الحق إن تبعوه ، وصراط الله المستقيم المنعم عليه بكرامة دين الله ، ويكون معه يحف برسول الله وفي رضا الله إن تعبدوا لله بما يفهمهم الحسين من دين الله القيم وهداه الحق ، وبه يُعصموا عن الاختلاف والانحراف وما يُعلم أهل القياس والرأي .

 

خامسا : بقه :

ذكر في لسان العرب :

بقي : في أَسماء الله الحسنى الباقي : هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر ينتهي إليه ، و يعبر عنه بأَنه أَبديّ الوجود .

و البَقاء : ضدّ الفَناء ، بَقِيَ الشيءُ يَبْقَى بَقاءً و بَقَى بَقْياً ، الأَخيرةُ لغة بلحرث بن كعب ، و أَبقاه و بَقَّاه و تَبَقَّاه و اسْتَبْقاه ، و الاسم البَقْيَا و البُقْيَا .

و بقي الرجلُ زماناً طويلًا أَي عاش و أَبقاه الله .

عن الليث تقول العرب : نَشَدْتُك الله و البُقْيَ ؛ هو الإِبقاء مثل الرَّعْوى و الرُّعْيا من الإِرْعاء على الشيء ، و هو الإِبْقاء عليه .

و العرب تقول للعدوّ إذا غَلَبَ : البَقِيَّةَ أَي أَبْقُوا علينا و لا تستأْصلونا ؛ و منه قول الأَعشى : قالوا البَقِيَّة و الخَطِّيُّ يأْخُذُهم .

و في حديث النجاشي و الهجرة : و كان أَبْقَى الرجلين فينا أَي أَكثر إبقاء على قومه ، و يروى بالتاء من التُّقى .

و البِقيَّة أَيضاً : ما بقي من الشيء .

و قوله تعالى بَقِيَّةُ الله خير لكم  .

قال الزجاج : معناه الحالُ التي تبقى لكم من الخير خير لكم ، و قيل : طاعة الله خير لكم .

  و قال الفراء : يا قوم ما أُبقي لكم من الحلال خير لكم ، قال : و يقال : مراقبة الله خير لكم .

الليث : و الباقي حاصل الخَراج و نحوه ، و لغة طي‏ء بَقَى يَبْقى ، و كذلك لغتهم في كل ياء انكسر ما قبلها ، يجعلونها أَلفاً نحو بَقَى و رَضَى و فَنَى .

و قوله عز و جل: و الباقياتُ الصالحاتُ خير عند ربك ثواب؛ قيل: الباقيات الصالحات الصلوات الخمس، و قيل هي الأَعمال الصالحة كلها، و قيل: هي سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أَكبر.

قال: و الباقيات الصالحات، و الله أَعلم، كل عمل صالح يَبْقَى ثوابه .

و في الحديث: تَبَقَّهْ و توَقَّهْ ؛ هو أَمر من البقاء و الوِقاء، و الهاء فيهما للسكت، أَي اسْتَبْق النفسَ و لا تُعَرِّضْها للهَلاك و تحرّز من الآفات.

و قوله تعالى : فلولا كان من القرون من قبلكم أُولو بَقِيَّة ينهون عن الفساد؛ معناه أُولو تمييز، و يجوز أُولوا بقية أُولو طاعة ؛ قال ابن سيده : فسر بأَنه الإِبقاء و فسر بأَنه الفَهْم ، و معنى البَقِيَّة : إذا قلت فلان بَقِيَّة فمعناه فيه فَضْل فيما يُمْدَحُ به ، و جمع البَقِيَّة بقايا .

وقال القتيبي : أُولو بَقِيَّة من دِينِ قوم لهم بَقِيَّة إذا كانت بهم مُسْكَة وفيهم خير.

و بَقِيَّةُ : اسم .

و في حديث معاذ : بَقَيْنا رسولَ الله و قد تأَخر لصلاة العَتَمة، و في نسخة: بَقَيْنا رسولَ الله في شهر رمضان حتى خَشينا فوتَ الفَلاح أَي انتظرناه .

و بَقَّيْتُه ، بالتشديد ، و أَبقيَته و تَبَقَّيْتُه كله بمعنى .

و قال الأَحمر في بَقَيْن : انتظرنا و تبصرنا ؛ يقال منه : بَقَيْتُ الرجلَ أَبْقِيه أَي انتظرته و رَقَبْتُه ؛ و أَنشد الأَحمر : فهُنَّ يَعْلُكْنَ حَدائداتِها ، جُنْحُ النَّواصِي نَحْوَ أَلْوِياتِها ، كالطَّير تَبقي مُتَداوِماتِها يعني تنظر إليها .

و في حديث ابن عباس رضي الله عنهما و صلاة الليل : فبَقَيْتُ كيف يصلي النبي، صلى الله عليه و آله و سلم، و في رواية : كراهة أَن يَرَى أَني كنت أَبْقِيه أَي أَنْظُره و أَرْصُده .  اللحياني : بَقَيْتُه و بَقَوْتُه نظرت إليه، و في المحكم: بَقَاه بعينه بَقَاوَةً نظر إليه؛ عن اللحياني . و بَقَوْتُ الشيءَ: انتظرته ، لغة في بَقَيْتُ ، و الياء أَعلى .

و قالوا : ابْقُهْ بَقْوَتَك مالَك و بَقَاوَتَك مالَك أَي أحفظه حفْظَك مالَك[106] .

يا طيب : بأي معنى أخذت بقه من المعاني أعلاه ترى فيه جميل مقام الإمام الحسين بعد آله أصحاب الكساء المطهرون ، فهو الباقي بعد آله والمنتظر الفهم الصالح الذي يجب أن يطاع ، ويجب أن يحفظ لا أن يقتل .

وبهذا يفهمنا رسول الله : إن عين البقه والبقية ، وسيدهم في زمانه ، وهو البقية الصالحة من الذرية الطاهرة ، وهو المنتظر لله في شأنه أمرا يطلب صلاح الناس لو كان فيه بقية تفهم حكمة الله في بيان الحق ، وبكل أسلوب حقا يمكن أن يُعرف الناس أهل الحق واقعا ليقتدى بهم فيصلحوا ويحفظوا دينهم ، ومن يعاندهم هم من أهل الضلال .

فالحسين عليه السلام : هو بقية الله في زمان كما جاء في معنى حديث الثقلين ، إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ، وهو خليفة رسول الله الثقيل في معناه كقوله تعالى سنلقي عليك قولا ثقيلا ، أي نفيسا غاليا ، وبقائه به الصلاح والخير والبركة ، وعين وحقيقة الكرم والدين الباقي المتجسد في قوله الذي قبل فاه رسول الله كما في الحديث ، وهو بقيته التي تتكلم عن بيان دين الله وتبليغه بكل وجوده بعد نبي الله وآله ، ولذا يجب أن يطاع ، وهو الذي لا يسكت عن الحق فإن عين باقية .

 وإذا فسر : أبقه بقى بق والهاء للسكت كما عرفت في بعض المعاني لا بقه يعني بعوضه وصغيره وضعيفه ، بل هو الحزقة والحبقة ، أي الحزم والشدة وروح رسول الله الطيبة وفيه وبه دواء الدين من أعدائه المنحرفون ، وهو به يرقى في معارف هدى رب العالمين وتستنشق ويعبد بإخلاص كإخلاص الحسين عليه السلام ، لا كما فسروه .

وبهذا يا طيب : في الحديث بفقراته الأول فضلا عما في تمام الحديث من الشرح والتفصيل له ، معاني كريمة في كل كلمة من كلامات دعوة الحسين للصعود على صدر رسول الله وتقبليه ، وأنه بحق إمام الحق الباقي الحازم الشديد في دين الله ، وعرفه لنا رسول الله في أكرم بيان وأعظم أسلوب وأبلغ كلمات وأفصح عبارة .

والحديث هو عين الحديث الذي عرفته عن رسول الله والذي سيأتي بيانه :

... والذي بعثني بالحق نبيا : إن  الحسين بن علي

في السماء أكبر منه في الأرض .

وأنه لمكتوب عن يمين عرش الله :

مصباح هدى وسفينة نجاة

وإمام : غير وهن ، وعز وفخر ، وبحر علم وذخر .

وإن الله عزّ وجلّ ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية ...

وتدبر : باقي معاين كل كلمة وأجمع بينها في المعاني ، وطبق فيما بينها ، وترى عجبا من البيان في تركيبها والتدبر بها ، فترى كلاما معجزا في البيان ، وتراه حقا إنه ما ينطق عن الهوى وإنه وحيا يوحى ، وإنه يمزح ولا يقول إلا حقا بل بيان دين عظيم حتى في ملاطفته للإمام الحسين عليه السلام وعلى سبيل المُداعَبة و التأْنيس له .

 

 

 

 

 

 

الإشراق السادس :

النبي الأكرم يلاطف الحسن والحسين ويحملهما ماشيا:

يا طيب : إن ملاطفة النبي للإمام الحسين لم تقتصر على ما عرفت ، فإنه كان بيت النبي الأكرم والإمام علي مفتوح للمسجد ، وكان خروجهم ودخولهم منه ، ولذا كان كثرة الملاقاة بين النبي وآله وبالخصوص الحسن والحسين الذين كان ساحة بيتهم مسجد رسول الله وبه ممرهم ، بل أنسهم هو التنقل بين بيتهم وبيت رسول الله وهو المرور بالمسجد ، وليس لهم مكان أخر ، فلذا تربوا ورعوا في بيت الله ، بل بيتهم هو مقر نور الله كما عرفت في آيات النور في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، ولهذا كان يلاحظ المسلمون كثير من الحالات والأحول لتصرف النبي الكريم مع الحسن والحسين بالإضافة لما ينقل عن تصرفه معهم في بيته من قبل زوجات النبي أو من قبل أمه وأبيه ، وقد عرفت ملاطفة النبي للإمام الحسين وحبه له وما يبين من مقامه السامي فيما مر ، وهذه أحوال أخرى لا تقصر في المعنى عما عرفت ، وبكلها فيها تربية كريمة وآداب إسلامية وأحكام ربانية عرفنها بتصرف النبي معه .

عن ابن مسعود قال : حمل رسول الله الحسن و الحسين على ظهره ، الحسن على أضلاعه اليمنى ، و الحسين على أضلاعه اليسرى ، ثم مـشــى .

و قال : نعم المطي مطيكما ، و نعم الراكبان أنتما ، و أبوكما خير منكم[107].

وقال الحميري شعرا :

من ذا الذي حمـل النبي برأفة           ابنيه حتى جاوز الغمضاء

من قال نعم الراكبان همـا ولم           يكن الذي قد كان منه خفاء

و له رحمه الله :

أتى حسنا و الحسين الرسول            و قد خرجا ضحوة يلعبان‏

فضمـهمـا ثـم فـداهمـا            و كـانا لديه بذاك المكان‏

ومـرر تحتهمـا منـكبـاه             فنعـم المطية و الراكبان‏

وليـدان أمـهـمــا بـرة            حَصـان مطهرة للحصان‏

وشيخهمـا ابن أبـي طالـب           فنعـم الوليدان و الوالدان‏

و كلهــم طـيـب طاهـر            كريم الشمائل طلق البيان‏

وقال المفجع شعرا :

أ فهل تعرفون غير علي            و ابنه استرحل النبي المطي[108]

الإمام علي في فتح مكة لرمي الأصنام والحسن والحسين كما في هذا الإشراق وغيره .

وفي كامل الزيارات بسنده عن يعلى العامري : أنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وآله عليه وآله وسلم إلى‏ طعام دعي إليه ، فإذا هو بحسين عليه السلام يلعب مع الصبيان ، فاستقبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمام القوم ، ثم بسط يديه فطفر الصبي هاهنا مرة و هاهنا مرة ، و جعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه ، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه و الأخرى تحت قفائه ،

و وضع فاه على فيه و قبله .

ثم قال : حسين مني و أنا من حسين .

 أحب الله من أحب حسينا  .  

حسين سبط من الأسباط [109].

   وعن ابن ماجة في السنن ، و الزمخشري في الفائق : رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الحسين يلعب مع الصبيان في السكة ، فاستقبل النبي أمام القوم ، فبسط إحدى يديه ، فطفق الصبي يفر مرة من هاهنا و مرة من هاهنا و رسول الله يضاحكه ، ثم أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه ، و الأخرى على فأس رأسه ، و أقنعه فقبله ،

 و قال : أنا من حسين و حسين مني ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط [110].

 

 

 

الإشراق السابع :

 النبي الأكرم يلاطف الحسن والحسين في مجالسه :

ومن أنس النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم معهم وتفريحه لهما : ما رواه ابن بطة في الإبانة من أربعة طرق، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير ، عن جابر قال :

 دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

 والحسن والحسين عليهم السلام على ظهره ، وهو يجثو لهما ، ويقول :

 نعــــم الجمل جملكما ، ونعم  العـــدلان أنتم  [111]

وعن ابن نجيح : كان الحسن و الحسين يركبان ظهر النبي، ويقولان : حل حل.

و يقول : نعم الجمل جملكم[112]     .

السمعاني في الفضائل : عن أسلم مولى عمر عن عمر بن الخطاب قال :

رأيت الحسن و الحسين على عاتقي رسول الله ، فقلت : نعم الفرس لكم ، فقال رسول الله : و نعم الفارسان هما .

 وعن ابن حماد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : برك للحسن و الحسين فحملهما ، و خالف بين أيديهما و أرجلهما , و قال : الجمل جملكم    [113].

عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل الحسين عليه السلام فجعل ينزو على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى بطنه ، فقال : دعوه [114]

وعن عبد العزيز بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

أنه كان جالسا فأقبل الحسن و الحسين ، فلما رآهما النبي قام لهما ، و استبطأ بلوغهما إليه فاستقبلهما ، و حملهما على كتفيه ، و قال :

نعم المطي مطيكما ، و نعم الراكبان أنتما ، و أبوكما خير منكم  [115] .

يا طيب : هذه الأحاديث كثر رواتها وأسلوبها ، وهي تبين حب النبي وشدة اهتمامه في بيان فضل الحسن الحسين ، وفي كل مقام كان يعرفنا شأن من شؤونهم ويقول كلمة فيه تعرف المؤمنين قصدا كريما لعظيم أمر  الحسن والحسين وما لهم من الجاه عند الله ورسوله ، كما تعرفنا رعايته وعنايته بهما وفي تطييب خاطرهما وتفريحهما بما يأنسان به بمباشرة الكون معهم ، وهذا من أعظم الآداب الإسلامية ، فإنه لا تكفي الكلمة الطيبة بماهية بل تحتاج للمس والتلاطف معهما بما يكون حمل ونقل وتواضع وتضاحك معهم ، وبه يكون قرب القريب أب وجد ماسا كريما رحيما فاضلا ، فإن هذا الأدب الإسلامي من نبي كريم مع ولده أسوة وقدوة لكل الآباء ومن هو بمنزلتهم ، وبه يشعر الطفل بالحنان والحب ، وينموا في وجوده فيكون صالحا بار كريما شهما جوادا صابرا فاضلا ، فإن مثل هذه الآداب وراعيتها لكثرة اهتمام النبي بها هو لتعليمها فضلا عن شعور بواجبه أمام سبطيه ، وهي من أخلاق الإسلام فضلا عن كون نبينا ذو خلقا عظيما ورحمة للعالمين ، وهذا الحق على كل المسلمين في طول التأريخ ، سواء ملاطفتهم لأبنائهم أو حبهم للحسن والحسين عليهم السلام ، وحب الكون معهم في منهجهم والتعلم منهم آداب الدين وتعاليمه التي علمها لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، لا أن يقتلوا ويقتل أطفال الحسين ويتبع ظلمهم دين فيعادى أنصار الحسين في كل حين ويقتلوا ويرفضوا حبا لأئمة الكفر والظلمة الذين خذلوا الحسين وآله وأطفاله وذرية رسول الله وآله في يوم كربلاء وغيرها ، فإنه لا دين لأعداء آل محمد مهما تسموا به من أسماء أمير المؤمنين أو خليفة المسلمين أو غيرها من ألقاب وضعها لهم الذين يطلبون الدنيا وزخارفها بل ملق للحكام لينالوا به جاها مؤقتا .

 

 

 

الإشراق الثامن :

 النبي ينزل من المنبر ويستقبل الحسن والحسين :

و روي عن الترمذي و النسائي في صحاحهم كل منهم بسنده يرفعه إلى بريدة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله  يخطب .

 فجاء الحسن و الحسين عليهما السلام و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران .

 فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر ، فحملهما و وضعهما بين يديه .

 ثم قال : صدق الله ، إنما أموالكم و أولادكم فتنة ، فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي و رفعتهما .

 و رواه الجنابذي بألفاظ قريبة من هذا و أخصر [116].

وذكر في المناقب : عن الخركوشي في اللوامع و في شرف النبي أيضا ، و السمعاني في الفضائل ، و الترمذي في الجامع ، و الثعلبي في الكشف ، و الواحدي في الوسيط ، و أحمد بن حنبل في الفضائل ، و روى الخلق عن عبد الله بن بريدة قال : سمعت أبي يقول : كان رسول الله : يخطب على المنبر ، فجاء الحسن و الحسين ، و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران ، فنزل رسول الله من المنبر فحملهما و وضعهما بين يديه ، ثم قال إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ إلى آخر الحديث أعلاه .

و في خبر : أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض[117].

و في المناقب : من فرط محبته لهما ، ما روى يحيى بن أبي كثير و سفيان بن عيينة بإسنادهما : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكاء الحسن و الحسين و هو على المنبر فقام فزعا ، ثم قال : أيها الناس ما الولد إلا فتنة لقد قمت إليهما و ما معي عقلي و في رواية و ما أعقل [118].

وعن ابن عمر إن النبي : بينما هو يخطب على المنبر ، إذ خرج الحسين فوطئ في ثوبه ، فسقط و بكى ، فنزل النبي عن المنبر فضمه إليه ، و قال : قاتل الله الشيطان إن الولد لفتنة ، و الذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري[119] .

يا طيب : لا غروا أن تأخذ النبي الأكرم رأفة ورحمة بالحسن والحسين وهما يمشيان إلى النبي الأكرم لكي يرفعهما ويضعهما بين يديه ، ولكن الغرض الأكبر هو لكي يبين معارف كريمة في شأنهم الكريم وعزتهم عنده ، وأنهما في رواية يعثران وفي أخرى يبكيان ، وفي كل منهما يعرفنا إذا كان أذيتهما بأي صورة حتى لو عثرة فضلا عن بكاء صغير يحب أن يصل لجده وتمنعه زحمة الناس حوله ، أنه يجب عليه أن ينزل لهما ويحملهما لكلي يسكتا أو يخلصا من العثرة ، فكيف لو كان الناس تحاربهم فما ترى رسول الله يعمل ألا يقوم ويحمل السيف في جانبهم ويحارب من يحاربهم .

وحينها : بهذا الموقف كان أعظم بيان لمعارف الدين وقادة المسلمين ، وأنه لا يجوز أن يترك الحسن والحسين من غير ناصر ولا معين في المواقف الصعبة حين يحاربهم الناس ، وإن عدوهم وما يزاحمهم مهما كان فهو على خلاف الدين وما يرضي رب العالمين ، وإنه أبسط الأمور تصيب الحسن والحسين ، إذا كانت تفزع نبي الرحمة ، فكون الناس يعادوهم وينصروا أئمة غيرهم ، لم يكن نصرهم إلا لأئمة كفر وضلال ، وذلك لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال .

ويا طيب : إن الروايات مروية عن العامة في صحاحهم بكلمات لطيفة ، ولكن في رواية أخرى فيها شيء من البيان للحقد والحسد على الحسن والحسين بل على رسول الله ، وهي شبيه بكلامهم إن النبي يهجر حين وفاته ، فإنه لما ذكروا الحديثين وعرفوا عظيم ما يعرف هذا الموقف من شأن الإمام الحسن والحسين وعلو مقامهم ، قالوا النبي يقول : وما أعقل أو أن الحسن والحسين فتنة للنبي ولم ينج منها ، إلا أن يفسروا كلامهم أن أولادكم وأبناءكم المعاندين للحسن والحسين فتنه لا هما لأنهما لم يقل هما فتنه ، ويفسر : أنه لم يعقل ، بأنه ليس فقد عقله ، بل يريد الفزع الشديد الذي اوجب عليه الاهتمام بأمر الحسن والحسين وإنه كان عليه أن ينزل لهما من منبره ، وأنهما ولو في أبسط الأذى ولو عثر أو بكاء صبي ، يجب أن يرعى حرمتهما ويرأف بهم ، وبذلك يجب أن يتأدب الناس بأدبه ويقتدوا به ويسيروا على حبه لهما بعده ، وكما عرفت في الأحاديث السابقة .

والروايات : في هذى الإشراق عن الجماعة ونقلت في كتب الشيعة ، وهي حجة عليهم ، ومعناها مسلم لكل مسلم يرى فعل رسول الله هو عين العقل والوحي ، ولا ينطق عن الهوى ولا يهجر ولا يقول إلا حقا ، وهذا شأن الله أعطاه له في كثير من الآيات حتى قال : لو تقول علينا بعض الأقاويل لقطعنا منه الوتين ، وما صاحبكم بمجنون ، وإنك لعلى خلق عظيم ، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، والبشير النذير والسراج المنير ، وهذه رحمة عظيمة من النبي بأعظم خلق الله بعده ، وبها حكمة تعريف شأن سيد الناس وسيد شباب أهل الجنة وإمام المسلمين وخليفته وولي أمر المؤمنين ، وبهذا يعرفنا شأنهم الكريم وعلو مقامهم عنده والذي يجب أن يراعى ولا أن يُهجر أبدا ، وأسأل الله أن يجعلنا على منهجهم معتنقين لدينهم مخلصين له بهداه ، فإنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

 

 

 

 

الإشراق التاسع :

النبي الأكرم يلطف بالحسن والحسين وهو في الصلاة :

ومن أحاديث الليث بن سعد قال :

أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي يوما في فئة و الحسين صغير بالقرب منه .

 و كان النبي إذا سجد : جاء الحسين فركب ظهره ، ثم حرك رجليه ، و قال : حل حل .

و إذا أراد رسول الله : أن يرفع رأسه ، أخذه فوضعه إلى جانبه ، فإذا سجد عاد على ظهره ، و قال : حل حل ، فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ النبي من صلاته .

فقال يهودي : يا محمد ، إنكم لتفعلون بالصبيان شيئا ما نفعله نحن ؟!

فقال النبي : أما لو كنتم تؤمنون بالله و برسوله ، لرحمتم الصبيان .

قال : فإني أؤمن بالله و برسوله ، فأسلم لما رأى كرمه من عظم قدره  [120]  .

أبو يعلى الموصلي في المسند عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده عن ابن مسعود و السمعاني في فضائل الصحابة عن أبي صالح عن أبي هريرة :

أنه كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ، فإذا سجد وثب الحسن و الحسين على ظهره ، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما .

 فلما قضي الصلاة وضعهما في حجره , و قال :

 من أحـبـنـي ، فليحــب هذيـن .

و في رواية الحلية : ذروهما بأبي و أمي ، من أحبني فليحب هذين [121].

وعن أبان عن سليم بن قيس : عن أبي سعيد الخدري رحمه الله وغيره قال :

و كان الحسين عليه السلام : يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، و هو ساجد فيتخطى الصفوف حتى يأتي النبي ، فيركب ظهره فيقوم رسول الله ، و قد وضع يده على ظهر الحسين ، و يده الأخرى على ركبته ، حتى يفرغ من صلاته .

و كان الحسن عليه السلام : يأتيه و هو على المنبر يخطب فيصعد إليه .
 فيركب على عاتق النبي و يدلي رجليه على صدر النبي حتى يرى بريق خلخاله ، و رسول الله يخطب ، فيمسكه كذلك ، حتى يفرغ من خطبته [122].

يا طيب : هذه روايات كريمة ، وفيهما من المعارف ما عرف من لطف النبي بالحسن والحسين وحبه لهما وبيان لشأنهما العظيم عند وعند الله .

 وكان في إحدى الروايات : سبب لإسلام يهودي .

وفي الرواية الثانية : بيان لعظيم حبه لهم والأمر بحبهم منطوقا وبالمفهوم يحرم عدائهم أو حب أعدائهم ، فضلا عن النصر لمذهب يخالف هداهم .

كما أنه فيهما أدب إسلامي : كثير ما نشاهده في البيوت التي فيها طفل ، وبالخصوص حين الصلاة أو الكلام مع الضيوف وغيرها من حالات تدخل الأطفال في الأعمال الأخرى ، وبها خلق إسلامي وأدب نبوي يهدي لدين رباني ، وبه يعلمنا كيف يجب أن يراعوا ويحترموا ، لا أن يؤذوا أو يبعدوا بعنف ، بل برفق ومدارات كما كان رسول الله سواء في الصلاة أو في غيرها عند الكلام ، فإنه كان يضع يده على ظهر الحسين لكي لا يسقط حين يقوم للصلاة ، أو حتى في كلامه أمام حشد من المسلمين ، وهذا عطف بتربية الله له وآدابه الإسلامية يتجلى بها رسول الله وعرفنا بها بتصرفه وبسيرته وسلوكه مع الإمامين في طفولتهما ، وبها يجب أن يتصرف المسلمون ويتأدبوا بآداب الله ، ولا أحد أخلص لله في الصلاة من رسول الله ، وهذا تصرفه أدب ديني وخلق إسلامي من رب العالمين وأرحم الراحمين والذي بعث نبينا رحمة للعالمين وقال له إنك لعلى خلق عظيم ، وبهذا يجب أن يتصرف الآباء مع أبنائهم في المجالس والصلاة وغيرها من أحوال تواجدهم معهم بحال لطف ورحمة وعطف وتكريم .

 

 

 

الإشراق العاشر :

 استحباب التكبير سبع مع أول تكبير للحسين :

عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في الصلاة وإلى جانبه الحسين بن علي ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يحر الحسين التكبير .

ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبر ، ويعالج الحسين التكبير ، ولم يحر ، حتى أكلم سبع تكبيرات ، فأحار  الحسين التكبير في السابعة .

فقال أبو عبد الله عليه السلام : فصارت سنة [123].

يا طيب : مر كلام في الإشعاع الثاني من الإشراق التاسع في المجلس السابق في بيان زيادة ركعات الصلاة والحكمة في مقارنتها لولادة الإمام الحسين فراجع ، وإنه رسول الله وإن كان تشريع دينه مقضي من الله وفي زمن المعراج وقبله ، لكنه يشرعه حين يحصل أمرا مناسبا له ، كما في قضاء الله في القبلة أو غيرها من الأحكام .

كما أنه كثرة الحوادث : بين النبي الأكرم والحسن والحسين في مسجد النبي ، هو لكون باب بيت الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين كان مفتوح للمسجد كباب رسول الله ، وأنه قد سدت جميع الأبواب التي كانت شارعة للمسجد إلا باب النبي وعلي صلى الله عليهم وسلم ، ولذا كان يكثر ترددهما على النبي حتى في الصلاة ، وأنه يراهم عندما يخرجان من بيتهما حين يخطب على المنبر ، أو كان جالسا مع أصحابه في المسجد ، ولذا كثرة القصص التي عرفتها أعلاه ، ومن عدة رواة وفي كثير من المواقف الكريمة في تصرفه معهم .

وبهذه المواقف : للنبي الأكرم مع آله عرف المؤمنون المخلصون شأن الإمام الحسن والحسين ورووا كثير من الروايات في فضلهم وحبهم ، وأما ما يأتي فهي روايات تعرفنا حب النبي لآله ورعايته لهم في غير المسجد ، سواء في بيتهم أو خارجه ، فتدبر .

 

 

 

الإشراق الحادي عشر :

 النبي الأكرم يتفقد الحسن والحسين :

يا طيب : هذه عدة أنواع من أنس النبي الأكرم مع الحسين وآله صلى الله عليهم وسلم ، وتفقده لهم ورعايته وعنايته بهم وبيانه لفضلهم .

عن أسماء بنت عميس عن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم :

 أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاها يوما ، فقال : أين ابناي يعني حسنا و حسينا ؟

 قالت : قلت أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء يذوقه ذائق .

فقال علي : اذهب بهما فإني أتخوف أن يبكيا عليك ، و ليس عندك شي‏ء ، فذهبا بهما إلى فلان اليهودي ، فتوجه إليه رسول الله فوجدهما يلعبان في مشربة بين أيديهما فضل من تمر .

 فقال : يا علي أ لا تقلب ابني ، قبل أن يشتد الحر عليهما .

قال فقال علي : أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء ، فلو جلست يا رسول الله حتى أجمع لفاطمة تمرات ، فجلس رسول الله ، و علي ينزع لليهودي كل دلو بتمرة ، حتى اجتمع له شي‏ء من تمر ، فجعله في حجرته ، ثم أقبل فحمل رسول الله  أحدهما ، و حمل علي الآخر حتى أقبلهما [124].

وعن ابن حازم عن أبي هريرة قال : رأيت النبي يمص لعاب الحسن و الحسين كما يمص الرجل التمرة[125] .

يا طيب : تفقد رسول الله للحسن والحسين وحبه لهما ورعايته في بيتهم إن لم يحضروا عنده في بيته أو مسجده ، هو لما يرى فيهم من الاستمرار لوجوده وعظيم شأنهم الكريم عنده، ثم أنه يذهب لهما حتى لو كانوا في مكان آخر ليرى أخبارهم وليتعرف على حالهم أشد في بيان علو منزلتهم ومقامهم السامي في قلبه الرحيم ، وفي القصة بيان لرحمة الإمام علي أيضا كما كان رسول الله وفيها بيان لأنس النبي بهما حتى بقى معهم يقيهم الحر وعلي ينزح الماء لتمر فاطمة وقوتا لها .

 

 

 

الإشراق الثاني عشر :

 البارقة تضيء طريق الحسن والحسين :

بالأسانيد الثلاثة: عن الرضا عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال :

 إن الحسن  والحسين عليهم السلام كانا يلعبان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى مضى عامة الليل .

ثم قال لهم : انصرفا إلى أمكما ، فبرقت برقة ، فما زالت تضئ لهما حتى دخلا على فاطمة عليها السلام  ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إلى البرقة .

 فقال : الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت  [126] .

 

وفي المناقب : عن أحمد بن حنبل في المسند ، و ابن بطة في الإبانة ، و النطنزي في الخصائص ، و الخركوشي في شرف النبي و اللفظ له كما عرفته أعلاه ، و روى جماعة عن أبي صالح عن أبي هريرة ، و عن صفوان بن يحيى و عن محمد بن علي بن الحسين و عن علي بن موسى الرضا ، و عن أمير المؤمنين ، وذكر ما ذكرنا أعلاه .

 و قد رواه السمعاني ، و أبو السعادات في فضائليهما عن أبي جحيفة ، إلا أنهما تفردا في حق الحسين عليه السلام ، وذكر شعرا عن الحميري :

من ذا مشى مع لمع برق ساطع            إذ راح من عند النبي عشاء[127]

 

 

 

 

الإشراق الثالث عشر :

 الحسن والحسين في رعاية الله ويشفعا لملك :

و روي عن سلمان الفارسي قال : أهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطف من العنب في غير أوانه ، فقال لي : يا سلمان ائتني بولدي الحسن و الحسين ليأكلا معي من هذا العنب ، قال سلمان الفارسي : فذهبت أطرق عليهما منزل أمهما فلم أرهما ، فأتيت منزل أختها أم كلثوم فلم أرهما ، فجئت فخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فاضطرب و وثب قائما ، و هو يقول : وا ولداه وا قرة عيناه ، من يرشدني عليهما فله على الله الجنة .

فنزل جبرائيل من السماء ، و قال : يا محمد علام هذا الانزعاج ، فقال : على ولدي الحسن و الحسين فإني خائف عليهما من كيد اليهود ، فقال جبرائيل : يا محمد بل خف عليهما من كيد المنافقين ، فإن كيدهم أشد من كيد اليهود .

و اعلم يا محمد : إن ابنيك الحسن و الحسين نائمان في حديقة أبي الدحداح ، فصار النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وقته و ساعته إلى الحديقة ، و أنا معه حتى دخلنا الحديقة ، و إذا هما نائمان ، و قد اعتنق أحدهما الآخر .

و ثعبان : في فيه طاقة ريحان يروح بها وجهيهما ، فلما رأى الثعبان النبي ألقى ما كان في فيه ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، لست أنا ثعبانا ، و لكني ملك من ملائكة الله الكروبيين ، غفلت عن ذكر ربي طرفة عين ، فغضب علي ربي و مسخني ثعبانا كما ترى ، و طردني من السماء إلى الأرض ، و إني منذ سنين كثيرة أقصد كريما على الله ، فأسأله أن يشفع لي عند ربي ، عسى أن يرحمني و يعيدني ملكا كما كنت أولا ، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ .

قال : فجثا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبلهما حتى استيقظا ، فجلسا على ركبتي النبي ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم : انظرا يا ولدي هذا ملك من ملائكة الله الكروبيين ، قد غفل عن ذكر ربه طرفة عين ، فجعله الله هكذا ، و أنا مستشفع بكما إلى الله تعالى ، فاشفعا له ، فوثب الحسن و الحسين عليهم السلام ، فأسبغا الوضوء و صليا ركعتين ، و قال : اللهم بحق جدنا الجليل الحبيب محمد المصطفى ، و بأبينا علي المرتضى ، و بأمنا فاطمة الزهراء ، إلا ما رددته إلى حالته الأولى .

قال : فما استتم دعاءهما ، فإذا بجبرائيل قد نزل من السماء في رهط من الملائكة ، و بشر ذلك الملك برضى الله عنه ، و برده إلى سيرته الأولى ، ثم ارتفعوا به إلى السماء و هم يسبحون الله تعالى .

 ثم رجع جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و هو متبسم ، و قال : يا رسول الله إن ذلك الملك يفتخر على ملائكة السبع السماوات ، و يقول لهم :

 من مثلي و أنا في شفاعة السيدين السبطين الحسن و الحسين [128].

 

يا طيب : ومر كلام في المجلس السابق في شفاعة فطرس وصلصائيل ودردائيل ، فراجع إمكان وقوع القصة وما تبين من حكمة بيان عظمة الإمام الحسين عليه السلام ، وإن كان هذا موجود في بعض الكتب القديمة ولم يعرفنا سنده ، ولكن هذا حديث مثله وإن خالفه بكونه من الجن ومذكور سنده في كتبنا القديمة والحديثان لهما مشابه في المعنى والحكمة المستفادة ، وقد روي ما يشبهها كما عرفت وترى بسند جيد ، و أم كلثوم أخت فاطمة عليها السلام .

 

ففي البحار عن أمالي الصدوق : عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام  قال :  مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم المرضة التي عوفي منها ، فعادته فاطمة سيدة النساء ، ومعها الحسن والحسين عليهما السلام ، قد أخذت الحسن بيدها اليمنى ، وأخذت الحسين بيدها اليسرى ، وهما يمشيان وفاطمة بينهم ، حتى دخلوا منزل عائشة .

 فقعد الحسن عليه السلام على جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأيمن ، والحسين عليه السلام على جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأيسر . 

فأقبلا : يغمزان ما يليهما من بدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فما أفاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نومه .

فقالت فاطمة للحسن والحسين : حبيبي إن جدكما قد غفا ، فانصرفا ساعتكما هذه ودعاه حتى يفيق وترجعان إليه .

فقال : لسنا ببارحين في وقتنا هذا ، فاضطجع الحسن على عضد النبي الأيمن ، والحسين على عضده الأيسر فغفيا ، وانتبها قبل أن ينتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد كانت فاطمة عليه السلام لما نام انصرفت إلى منزلها .

فقالا :  لعائشة ما فعلت أمنا ؟ قالت : لما نمتما رجعت إلى منزلها . 

فخرج : في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق ، وقد أرخت السماء عزاليها ، فسطع لهما نور ، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور ، والحسن قابض بيده اليمنى على يد الحسين اليسرى وهما يتماشيان ويتحدثان ، حتى أتيا حديقة بني النجار ، فلما بلغا الحديقة حارا فبقيا لا يعلمان أين يأخذان .

فقال الحسن للحسين : إنا قد حرنا وبقينا على حالتنا هذه ، وما ندري أين نسلك ؟ فلا عليك أن ننام في وقتنا هذا حتى نصبح .

 فقال له الحسين عليه السلام : دونك يا أخي فافعل ما ترى . فاضطجعا جميعا واعتنق كل واحد منهما صاحبه وناما . 

وانتبه النبي : صلى الله عليه وآله وسلم عن نومته التي نامها ، فطلبهما في منزل فاطمة فلم يكونا فيه وافتقدهما ، فقام صلى الله عليه وآله وسلم قائما على رجليه ، وهو يقول : إلهي وسيدي ومولا