هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين / صحيفة الإمام الحسين عليه السلام /
 الجزء
الخامس /  ظهور نور الإمام الحسين في الأرض بولادته وأدلة إمامته / الباب الأول

سفينة نجاة
نور أئمة الهدى الحسن و الحسين عليهم السلام
في الولادة والطفولة والصبا والأحداث الشريفة التي حفتهم

المجلس الأول
ذكر لأنوار تحف ولادة الإمام الحسين عليه السلام فتعرفنا كرامته

 الذكر الثاني

روايات تنورنا تفصيل المراسم والكرامات الحاصلة في يوم ولادة الحسين

 

يا طيب : عرفنا في الذكر السابق روايات جامعة عرفتنا أهم تفاصيل ولادة الإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام ، وعرفنا مجمل الكرامات التي حفتهم في التسمية أو في الآداب الإسلامية والمراسم الشرعية التي عرفناها بمناسبة ولادتهم المباركة ، حتى صارت من سنن الدين وآدابه ، بل تعرفنا رعاية الله ورسوله لأولياء المؤمنين وعباده الأخيار المصطفين ، وتعريفهم بالفضل والكرامة والشرف في هذا اليوم المبارك لهم ، وهو في يوم ظهوره نور وجودهم بالتولد على وجه الأرض .

وأما في هذا الذكر : فسوف نذكر الروايات التي تخص بالتفصيل كل كرامة خصت بهم يوم الولادة حتى يوم السابع ، فإن هذه الصحيفة مختصة ببيان وتفصيل أكثر الكرامات التي حصلت للإمام الحسين في حياته ، وفي هذا الباب بمصباح هداه وسفينة نجاته نبين هذه الفترة من حياة الإمام الحسين الشريفة ، وما نستلهم منه من العبر والدروس والآداب الإسلامية لتعاليم كانت ببركة وجوده وبسيرته ، ولذا سيكون بعد هذا الذكر مجلسا آخرا يُعرفنا رعاية الله ورسوله لهم في صباهم .

فنعرف شيئا من شأنهم الكريم : والذي كرمهم الله به ورسوله حتى يعرفهم المؤمنون بالإمامة والولاية والفضل ، فيقروا لهم بالمعرفة ولله تعالى بالطاعة والفضل على عباده المخلصين في إظهار دينه وإطاعته وحبه والفداء له بكل شيء كرمهم به ، فقد أشترى الله منهم أنفسهم فباعوها طاعة وإخلاصا قد كرمهم الله به ورضيه لعلمه به من قبل أن يخلقهم في الأرض ، ولهذا أختارهم وعرفهم بالولاية والمجد في كل شيء ينتسب لهم ويُري نوره العظيم فيهم ليقتدى بهم ويتحلى كل طيب ومنصف بما يمكن من آدابهم وفضائلهم ودينهم ، وهذه روايات تفصل ما جمعته أنوار الأحاديث علاه .

 

الإشراق الأول :

معنى تسمية الإمام الحسن والحسين عليهم السلام :

يا طيب : قد عرفت إنه لما كان ذكر ولادة الإمام الحسن والحسين عليهم السلام وتسميتهما واحدة وحالت ولادتهما متشابه ، نذكر هنا أحاديث تشرح أحوال تسميتهما وكون أن اسميهما الكريمين مختارين من قبل الله تعالى ، وفي هذا الباب روايات كثيرة نذكر ما حصلنا عليه منها بالإضافة لما عرفت ، وأما فضل أسمهما وما يتبادر منه للذهن المؤمن فقد ذكر في الباب الثالث من الجزء الأول معارف كريمة فيه فراجع ، وكذا في الذكر السابق ، وأما الروايات في تسمية الله ورسوله لهما وعنايتهما بهما ليكونا قدوة وأسوة حتى في اسمهما ، وليتأدب المؤمنون في رعاية اختيار الأسماء الحسنة لأبنائهم فبالإضافة لما عرفت نذكر أشعة نقتبس من نورها كرامات الله لأوليائه  ورعايته لهم لنقتبس من نورهم بما يمكن أن يجعلنا معهم في الهدى والدين والنعيم أبدا :

 

الإشعاع الأول : نور اسم الحسن والحسين هو شبر وشبير :

يا طيب : عرفنا أن التسمية من الله مقبل الخلق والإذن بالنداء حين الولادة ، والعناية بالاسم هي أدب ديني جاءت فيه روايات كثيرة ترينا ضرورة الاعتناء بها وتحسينه ، وأنه يجب أن يكون بما سمي به النبي الكريم وآله أو الأنبياء السابقين والأصحاب الموالين وألقابهم الكريمة ، وذلك لنكون دائما في تذكر شيم الكرامة ومعارف الدين من خلال التذكر والنداء لهذه الأسماء الفاضلة ، والتي تحلى بها المخلصون في طاعة الله تعالى وتولي أولياءه أو نفس أسماء أئمة الدين ، ومن الروايات التي تحث على حسن التسمية ما جاء :

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ أَبِي الحسن عليه السلام قال :

أَوَّلُ مَا يَبَرُّ الرَّجُلُ وَلَدَهُ أَنْ يُسَمِّيَهُ بِاسْمٍ حَسَنٍ فَلْيُحْسِنْ أَحَدُكُمُ اسْمَ وَلَدِهِ .

وعن أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قال : قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم : اسْتَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ ، فَإِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قُمْ يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ إِلَى نُورِكَ ، وَ قُمْ يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَا نُورَ لَكَ .

وإذا عرفنا وصية رسول الله لأمته ، فهو أولى بالعمل بها وبأحسن صورة ممكنة ، لأنه قد أختاره الله له ، وجعل سيد الرسل وولي دينه ، وهو الذي علمه دينه وآدابه ، وأول التعاليم هي التربية على معرفتهم واختيار أسمائه وأسماء آله صلى الله عليهم وسلم من قبل ، ليقتدى بهم وليتحلى المؤمنون بمثل أسمائهم وليخلصوا من التنابز بالألقاب ، وقد جاء :

عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال : كان رسول الله ص ذات يوم جالسا و عنده علي و فاطمة و الحسن و الحسين ، فقال : و الذي بعثني بالحق بشيرا ما على وجه الأرض خلق أحب إلى الله عز و جل و لا أكرم عليه منا ، إن الله تبارك و تعالى :

  شق لي : اسما من أسمائه ، فهو محمود و أنا محمد .

و شق لك : يا علي اسما من أسمائه فهو العلي الأعلى ، و أنت علي .

و شق لك : يا حسن اسما من أسمائه فهو المحسن ، و أنت حسن .

و شق لك : يا حسين اسما من أسمائه فهو ذو الحسن ، و أنت حسين .

 و شق لك : يا فاطمة اسما من أسمائه فهو الفاطر ، و أنت فاطمة .

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إني أشهدك أني سلم لمن سالمهم ، و حرب لمن حاربهم ، و محب لمن أحبهم ، و مبغض لمن أبغضهم ، و عدو لمن عاداهم ، و ولي لمن والاهم ، لأنهم مني و أنا منهم[28].

اللهم أشهد إن أحب : نبينا محمد وآله علي وفاطمة الحسن والحسين والأئمة من ذريتهم ، ومؤمن بسرهم وجهرهم ، أخذا ديني منهم ، مواليا لهم ، ومصدقا بفضلك عليهم وعلينا حين ودهم ، فاجعلني معهم بكل شيء من هداك ونعيمك ، إنك أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

وإذا عرفنا تسمية أهل البيت كلهم : واشتقاقها من الأسماء الحسنى وتجلي نورها فيهم حقا كما عرفت في صحيفة شرح الأسماء الحسنى ، وستأتي أحاديث في إمامتهم تعرفنا أسماء كل أئمة الحق قبل تنزل نورهم في الأرض ، فلنذكر الآن تفاصيل التسمية الخاصة للحسن والحسين عليهم السلام بالإضافة لما عرفت ، لنتيقن لفضلهم وعناية الله ورسوله بهم فنقتدي بهم بكل حب ونودهم بكل صفاء ولا نخلط بهم غيرهم :

في المناقب : عن ابن بطة في الإبانة من أربع طرق منها أبو الخليل عن سلمان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 سمى هارون ابنيه شبرا وشبيرا .

وإني سميت ابني الحسن والحسين

وفي مسند أحمد وتاريخ البلاذري وكتب الشيعة أنه قال :

إنما سميتهم بأسماء  أولاد هارون شبرا وشبيرا [ ومشبرا ] .

وفي فردوس الديلمي عن سلمان قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

سمى هارون ابنيه شبرا وشبيرا .

وإنني سميت ابني الحسن والحسين بما سمى هارون ابنيه . 

عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : قدم راهب على قعود له فقال : دلوني على منزل فاطمة عليه السلام قال : فدلوه عليها فقال لها : يا بنت رسول الله أخرجي إلي ابنيك فأخرجت إليه الحسن والحسين فجعل يقبلهما ويبكي ويقول اسمهم :

 في التوراة : شـبـيـر ، وشـبـر .

وفي الإنجيل : طـاب ، وطـيـب .

ثم سأل عن صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما ذكروه قال :

 أشهد أن لا إله إلا الله .

وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [29]

وفي علل الشرائع : بالإسناد ، عن سالم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :   إني سميت ابني هذين باسم ابني هارون شبرا وشبير [30].

علل الشرائع : بالإسناد ،  عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

يا فاطمة : اسم الحسن والحسين في ابني هارون شبر وشبير لكرامتهما على الله عز وجل [31].

ويا طيب : إن الإشارة لشبر وشبير ، هو الإشارة لكرامة الذرية الطاهرة والأئمة في كل سلسلة الوجود ، وتعريف إن كرامة الله لأوليائه مستمرة وعنايته بأئمة العباد لهداه دائمة ، وإلا اسم الحسن والحسين أحلى في اللغة العربية من معنى شبر وشبير ، وأعذب باللفظ منهما وإن كان بمعنى واحد يدل على الحسن ، وكثرة الروايات تعرف كثرة البحث وعلو شأنه ، وبيان لأهمية هذه العناية من الله ورسوله حتى نعرف أئمة الحق ونقتدي بهم ونحب ذكرهم ونتذكرهم في كل حين بل نجعل أسمائنا مثلهم .

 

الإشعاع الثاني : اسم الحسن والحسين هدية من الله لنبي :

يا طيب : عرفت أن اسم الحسن والحسين هما من الأسماء التي جاء بهم جبرائيل عليه السلام عن الله تعالى ، وإنهما اسمان كرم الله بهما نبيه وشرف بهما أئمة الدين ليعرف عباد الله المؤمنون ولاة أمره ، وبأفضل المعرفة لشأنهم الكريم وحتى في اسمهما ، ولذا كانا اسمان قد ذخرا لهما ، ولم يسمي احد بهذين الاسمين قبلهما ، ولذا جاء :

في المناقب : عمران بن سلمان وعمرو بن ثابت قالا :

 الحسن والحسين : اسمان من أسامي أهل الجنة ، ولم يكونا في الدنيا . 

وعن جابر قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

 سمي الحسن حسنا لأن بإحسان الله قامت السماوات والأرضون .

 وأشتق الحسين من الحسن ، وعلي والحسن اسمان من أسماء الله تعالى والحسين تصغير الحسن .

وحكا أبو الحسين النسابة :

كأن الله عز وجل حجب هذين الاسمين عن الخلق  : يعني حسنا وحسينا ليسمي بهما ابنا فاطمة عليه السلام ، فإنه لا يعرف أن أحدا من العرب تسمى بهما في قديم الأيام إلى عصرهما ، لا من ولد نزار ولا اليمن مع سعة أفخاذهما وكثرة ما فيهما من الأسامي .

 وإنما يعرف فيهما حسْن بسكون السين ، وحَسِين بفتح الحاء وكسر السين على مثال حَبِيب . ـ والحسين بضم الحاء لم يعرف من قبل ـ .

فأم حَسَن : بفتح الحاء والسين فلا نعرفه إلا اسم جبل معروف قال الشاعر :    لام الأرض وبل ما أجنت     بحيث أضر بالحسن السبيل[32]

وفي كشف الغمة عن كتاب الفردوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

أمرت أن اسمي ابني هذين حسنا وحسينا [33]

وفي معاني الأخبار وعلل الشرائع : بالإسناد عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عليهم السلام قال

أهدى جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسم الحسن بن علي وخرقة حرير من ثياب الجنة ، واشتق اسم الحسين من اسم الحسن [34].

  في شرح الأخبار قال الصادق عليه السلام : لما ولد الحسن بن علي : أهدى جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسمه في سرقة من حرير من ثياب الجنة فيها حسن ، واشتق منها اسم الحسين ، فلما ولدت فاطمة الحسن أتت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسنا .

فلما ولدت الحسين أتته به فقال : هذا أحسن من ذاك فسماه الحسين[35].

معاني الأخبار وعلل الشرائع بالإسناد عن عكرمة قال :

 لما ولدت فاطمة الحسن جاءت به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسنا فلما ولدت الحسين جاءت به إليه فقالت : يا رسول الله هذا أحسن من هذا فسماه حسين[36] .

يا طيب : إن الأسماء من الله تؤكده كثير من الروايات والمعرفة بأسمائهم قبل أن يخلقوا ، لكن تحقق التسمية في الأرض بعد الإذن من الله تعالى ، وإن نبينا كان يعرف كثير من الأحكام ولكن كان تنفيذها حين حصول مناسبة لها ، وأما كون فاطمة عليه السلام هي التي جاءت به للنبي وهي في النفاس فلم يثبت ، ولكن هذه الروايات كانت تختصر البحث فسمت بلازم المعنى بكونه في محضر منها ، وأما الفضل في الأسماء فكلا له حسنه وإنها مشتقة من أسماء الله تعالى كما هو معروف ، بل حتى المؤمن مشتق من اسم الله المؤمن تكريما لأوليائه راجع شرح الأسماء الحسنى من موسوعة صحف الطيبين .

 

الإشراق الثاني :

أم أيمن ترى بعض الرسول في حضنها فتبشر بالحسين :

جاء في أمالي الصدوق : بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أقبل جيران أم أيمن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول الله إن أم أيمن لم تنم البارحة من البكاء ، لم تزل تبكى حتى أصبحت .

قال : فبعث رسول الله إلى أم أيمن فجاءته ، فقال لها :

 يا أم : لا أبكى الله عينك ، إن جيرانك أتوني وأخبروني أنك لم تزل الليل تبكين أجمع ، فلا أبكى الله عينك ما الذي أبكاك ؟

قالت : يا رسول الله رأيت رؤيا عظيمة شديدة ، فلم أزل أبكي الليل أجمع ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فقصيها على رسول الله فإن الله ورسوله أعلم . فقالت : تعظم عليَّ أن أتكلم بها .

فقال له : إن الرؤيا ليست على ما ترى فقصيها على رسول الله .

قالت : رأيت في ليلتي هذه كأن بعض أعضائك ملقى في بيتي .

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نامت عينك يا أم أيمن ! تلد فاطمة الحسين فتربينه وتلبينه (أي تسقينه اللبن ) فيكون بعض أعضائي في بيتك . 

فلما ولدت فاطمة الحسين عليه السلام : فكان يوم السابع أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحلق رأسه وتصدق بوزن شعره فضة ، وعق عنه ، ثم هيأته أم أيمن ولفته في برد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أقبلت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : مرحبا بالحامل و المحمول يا أم أيمن هذا تأويل رؤياك . في المناقب : الصادق عليه السلام وابن عباس مثله ، أخرجه القيرواني في التعبير ، وصاحب فضائل الصحابة[37] .

إن علم رسول الله بالأسماء قبل الولادة مسلّم ، لأنه قد رأى في معراجه أسمائهم كلهم في كثير من مواطن الملكوت و قبل الهجرة بل من قبل الخلق ، بل كان يعرف أسمائهم كل الأنبياء والملائكة من قبل خلق الأرض وبعده ، بل آدم توسل بهم في توبته ، وسيأتي بيان يذكر معرفة نبي الرحمة بكل أسماء أئمة الحق من قبل تولدهم وكما سترى في حديث اللوح وعين البقية ، ولكن التسمية يوم المولود وكانوا ينتظرون الإذن في الإطلاق على المولود والتهنئة من الله سبحانه وتعالى الذي يرعاهم بالرعاية الخاصة في كل شؤون أحوالهم ، وبالخصوص بما يعرفهم للعباد بأعلى ذكر وأحلى اسم .

 

الإشراق الثالث :

 ولد الإمام الحسين عليه السلام طاهر نضيف يهلل الله :

عن صفية بنت عبد المطلب قالت :

 لما سقط الحسين  من بطن أمه ، وكنت وليتها عليه السلام .

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا عمة هلمني إلي ابني .

فقلت : يا رسول الله إنا لم ننظفه بعد .

 فقال : يا عمة أنت تنظفينه ؟ إن الله تبارك وتعالى قد نظفه وطهره [38].

وروي العلائي في كتابه الحديث أعلاه . 

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

قام إليه وأخذه ، فكان يسبح ويهلل ويمجد صلوات الله عليه .

وفي عيون المعجزات للمرتضى :

روي أن فاطمة ولدت الحسن والحسين من فخذها الأيسر .

 وروي أن مريم ولدت المسيح من فخذها الأيمن .

وحديث هذه الحكاية في كتاب الأنوار وفي كتب كثيرة  [39].

ذكر الطهارة : للأئمة عليهم السلام مروي في ولادتهم عليهم السلام ، وهكذا التهليل والتكبير لهم ، وإن كلا منهم حين ولادته يذكر الله ويسبحه ، وهذا متواتر ولا عجب فيه ، و فقد كان للمسيح وليحيى وغيرهم كرامات مثلها ، وإن شأن نبينا وآله لعالي وفي كرامات الله ونعمه لهم الفضل الأكمل ، وأما الولادة من الفخذ وإن كانت بروايات كثيرة فإن صح فلا عجب وعلمها عند الله والأخبار مرسلة .

 

    الإشراق الرابع :

 رضاع الإمام الحسين من لسان نبينا و أبهامه :

عن صفيه بنت عبد المطلب قالت : لما سقط الحسين عليه السلام من بطن أمه فدفعته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

 فوضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسانه في فيه ، وأقبل الحسين على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمصه .

 قالت : فما كنت أحسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغذوه إلا لبنا أو عسلاً .  قالت : فبال الحسين عليه فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين عينيه ، ثم دفعه إلي وهو يبكي ويقول :  لعن الله قوما هم قاتلوك يا بني ، يقولها : ثلاثا  .

قالت : فقلت : فداك أمي ومن يقتله ؟

قال : بقية الفئة الباغية من بني أمية لعنهم الله [40].

المناقب عن غرر أبي الفضل بن خيرانة بإسناده : أنه اعتلت فاطمة : لما ولدت الحسين عليه السلام ، وجف لبنها .

فطلب : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرضع ، فلم يجد ، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصها فيجعل الله له في إبهام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رزقا يغذوه .

 ويقال : بل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل لسانه في فيه ، فيغره كما يغر الطير فرخه ، فجعل الله له في ذلك رزقا ففعل ذلك أربعين يوما وليلة فنبت لحمه من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله[41].

في الخرايج روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي مراضع فاطمة فيتفل في أفواههم ويقول لفاطمة : لا ترضعيهم [42].

ولا عجب : إن يجعل الله للحسين رزقا من إبهام رسول الله ، فإنه رحمة للعالمين وأولى بالمؤمنين من أنفسهم بهم ، وهو مبارك أين ما حل ، وإنه بوضوئه كانت تنبت أشجار ، ولوجوده تحن الكائنات وجذع منبره معروف ببكائه له حين تركه لمنبر أخر بني له حتى كأنه كان قد وهبه حياة بفضل الله ، والحجر كان يسلم عليه ، فكيف لا يكون في إبهامه قوت للحسين ونور يسري في وجوده إن مصه أو بلع لعابه ، وإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان لعابه يضعه في بئر ناشف فينبع به الماء ، وكان دوائه لكل من قصده في مرض هو لعابه فيشفى من يأخذه إلى الأبد ، وفي هذا المعنى ذكرت معجزات كثيرة لكثير من الحالات راجع صحيفة النبوة ، كما أن كثرة الروايات في شأن الإمام الحسين عليه السلام ، دليل على رعاية الله ورسوله له ليعرفنا كرامته ، وأنه من رسول الله في رزقه ونبات لحمه بفضل الله تعالى عليه ، وإنه يكرمه بما وهبه الله من الكمال في كل شيء ينتسب له كما سترى كثرة الأحاديث في هذا المعنى ، وسيأتي ما كان يمص من التمر ويمضغه ويعطيه له وغيرها من مسائل العناية في البحوث الآتية فتدبر .

 

 

 

الإشراق الخامس :  

ولد الحسين لستة أشهر وحملته أمه كرها لقتله و الإمامة في ذريته:

في الكافي بالإسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

 كان بين الحسن والحسين عليهم السلام طهر ، وكان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرا [43] .

وفي الكافي بالإسناد عن أبي عبد الله قال :

 إذا سقط لستة أشهر فهو تام ، وذلك إن الحسين بن علي عليهم السلام ولد وهو ابن ستة أشهر [44] .

وفي عيون أخبار الإمام الرضا عليه السلام : بالأسانيد الثلاثة ، عن الرضا ، عن آبائه ، عن الحسن بن علي عليهم السلام ، وذكر أنه لم يكن بينهم ـ الحسن والحسين ـ إلا الحمل [45]

وفي أمالي الطوسي : بالإسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال :  

حمل الحسين بن علي ستة أشهر وارضع سنتين ، وهو قول الله عز وجل :

{ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرً (15) } الاحقاف [46].

المناقب عن كتاب الأنوار : إن الله تعالى هنأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحمل الحسين وولادته ، وعزاه بقتله فعرفت فاطمة ، فكرهت [ ذلك ] فنزلت { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرً (15)} الاحقاف . فحمل النساء تسعة أشهر . ولم يولد مولود لستة أشهر عاش غير عيسى والحسين عليهم السلام [47].

ومر الكلام في يوم مولده في مصباح الهدى وفي الذكر الأول فراجع الأقوال ، وإن تمام الآية هو :

{ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا

حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ

وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } الأحقاف .

 يا طيب : سيأتي تفصيل البيان للآية في الجزء الآتي ، وبشرح أخر يبين معنى كريما لها ، فإنها تعرفنا إنسان له عناية وحمل ستة أشهر وحين يبلغ الأربعين تكون له مهام أخرى ، وأنه فردا له صلاح في ذريه وهو من المسلمين ، ولا تكون إلا الإمامة في ذريته وهو الإمام الحسين كما ستعرف في الباب الآتي وما بعده وتابع الروايات الآتية.

 

ويا طيب : عرفت إن كرامة الله للإنسان بأن سخر له ما في السماوات والأرض فكانت نعم الله عليه لا تحصى ، وكانت أفضل نعم الله على عباده هي نعمة الهداية ، ولا تتم نعمة الهداية للإنسان إلا بمعرفة الإمام الحق والهادي بإذن الله وأمره ، والذي اجتباه الله وعرفه لعباده بكل سبيل ممكن ، وإنه كان أفضل سبيل لتعريفه هي الكرامات التي تظهر في ولادة المكرمين بهدى الله كما عرفت .

وقد مر الكلام : في ولادة الأنبياء والمعجزات الإلهية الحاصلة في يوم ولادتهم ، وذكرنا شأن الإمام الحسين عليه السلام باعتباره أحد أفراد السلسلة الطاهرة المختصة بفضل الله ، والمكرم الذي عرفه الله بالفضل في كل الآيات التي خصت آله الكرام من التطهير والتصديق والمباهلة والضحى والكوثر وغيرها .

وإن للإمام الحسين عليه السلام : آيات خاصة لا تنطبق إلا عليه ، ويدل عليها سنة تأريخ الوجود ، بل تأريخ وجوده وما خص به من العناية ، وتعرفنا ولايته وإمامته في يوم ولادته ومكارم النور الحافة به والتي تعرفنا شرفه ومجده .

وإن ما ذكرنا : من مشارق النور في تسميته، وفي طهارته ونظافته ، وفي رضاعه من فم النبي وإبهامه ، وفيما ذكرنا من ولادته لستة أشهر ، كلها يجمعها شأن واحد يعرفنا فضله وكرامته من الله سبحانه ، وإنه تعالى حفه بفضائل وخصائص يريد أن يعرفه بها للناس بالولاية والإمامة في زمانه وبعد جده وأبيه وأخيه .

 كما وإنه عليه السلام : تمخضت فيه ظروف قدم بها كل شيء من أجل بيان مسار الدين بحيث لا يبقى مجال لأحد يكثر به القيل والقال في معرفة انحراف الأمة وتسلط الجائرين عليها يقودونها في الضلال ، ولذا كانت الأحداث التي تخصه كريمه ، وتعرفه بالحق ليتوجه له من يطلب هدى الله مخلصا .

وإن من يهجر ويحارب ويقاتل أئمة الحق : فإنه كان من قبل قد ضل عن الله وهجر دينه ، وإنه أعتاد أن يأخذ ويطبق فكره دينا له ، ويطيع أئمة الضلال لكي يحصل على لقمة حرام لعيشه ، وكان الدين مكسب له يتجر به مع الحكام ، وليس يهمه أتباع أولياء أمر الله وهداته بإذنه ، ولا يعتني بمعارف خالصة يطاع بها الله تعالى .

ولذا كانت : بالإضافة لخصائص ولادة الإمام الحسين والأحداث الحافة حينها ، كانت علامات تعرف ضلال من يقتله ويحاربه ، بل من ينصر أعداءه بالفكر ويدافع عنهم ويبرر قتلهم له ، فيكون راضي بالظلم وبالضلال وبالانحراف عن الدين ويكون كسلفه محارب لأئمة الدين حقا بفكره وعمله .

وبهذا كانت الخصائص في ولادة الإمام الحسين عليه السلام : تظهر معالمها في الأحاديث الكثيرة التي رويت لتعرف شأنه الكريم في يوم ولادته ومجده وشرفه وفضله حينه وبعده بل قبله ، وكانت فيها مجالس ذكر تعرفنا أمور لا ينكرها مؤمن ، لأنه تتطابق مع هدى الدين في كتاب الله وكلامه المجيد ، وفي سنة التأريخ في الوجود ، وفي نفس العلامات الكريمة في ولادة الإمام والأحداث التي تحفها ، حتى تواترت الأحاديث في ذكرها وكثرت حتى عند المخالفين له ، وينقلوها عن غير دراية ، فضلا عن الموافقين وأتباعه والمتتبعين لآثاره والمحبين لمنهجه الشريف والمقتدين به بكل ما يمكن أن يُطبق من سيرته وهداه وكل ما عرف من دين الله .

وإذا عرفنا : الأحداث الحافة بولادته لنعرف شأنه وإمامته ، فهذه أحاديث جامعة لها، تعرفنا إمامته وولايته له ولذريته فتشرح آية كريمة ، فتدبر بها يا طيب ، وتيقن عناية الله ورعايته لدينه بأولياء أمره وأئمة الحق من ذرية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، بل وبنا إذ عرفنا هداة ديننا بأفضل السبل وأكرمها .

في المناقب عن برة ابنة أمية الخزاعي قالت :

لما حملت فاطمة عليها السلام بالحسن ، خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض وجوهه ، فقال له :

 إنك ستلدين غلامها قد هنأني به جبرائيل ، فلا ترضعيه حتى أصير إليك .

قالت : فدخلت على فاطمة حين ولدت الحسن عليه السلام وله ثلاث ما أرضعته ، فقلت له : أعطينيه حتى ارضعه .

 فقالت : كلا ، ثم أدركتها رقة الأمهات فأرضعته .

فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها : ما ذا صنعت ؟

 قالت : أدركتني عليه رقة الأمهات فأرضعته .

فقال : أبى الله عز وجل إلا ما أراد . 

فلما حملت بالحسين عليه السلام قال له : يا فاطمة إنك ستلدين غلامها قد هنأني به جبرائيل فلا ترضعيه حتى أجئ إليك ولو أقمت شهرا .

قالت : أفعل ذلك ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض وجوهه ، فولدت فاطمة الحسين عليه السلام فما أرضعته حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 فقال لها : ماذا صنعت ؟

 قالت : ما أرضعته ، فأخذه فجعل لسانه في فمه فجعل الحسين يمص حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إيها حسين إيها حسين .

ثم قال : أبى الله إلا ما يريد ، هي فيك وفي ولدك ، يعني الإمامــة [48].

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال :  إن جبرائيل عليه السلام : نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال له :

يا محمد إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة ، تقتله أمتك من بعدك .

 فقال : يا جبرائيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة ، تقتله أمتي من بعدي ، فعرج  ثم هبط عليه السلام فقال له مثل ذلك .

 فقال : يا جبرائيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي . فعرج جبرائيل عليه السلام إلى السماء ثم هبط فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية .

 فقال : قد رضيت ثم أرسل إلى فاطمة أن الله يبشرني بمولود يولد لك ، تقتله أمتي من بعدي . 

فأرسلت إليه : لا حاجة لي في مولود ( مني) ، تقتله أمتك من بعدك .

 فأرسل إليها : أن الله قد جعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية .

فأرسلت إليه : إن قد رضيت ، ف { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } الأحقاف.

 فلولا أنه قال : أصلح لي في ذريتي لكانت ذريته كلهم أئمة .

ولم يرضع الحسين من فاطمة عليها السلام : ولا من أنثى ، كان يؤتى به النبي فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيها اليومين والثلاث ، فنبت لحم الحسين عليه السلام من لحم رسول الله ودمه .

ولم يولد لستة أشهر : إلا عيسى ابن مريم عليه السلام والحسين بن علي عليهم السلام

وفي رواية أخرى : عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :

 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصه ، فيجزئ به ولم يرتضع من أنثى [49].

وفي تفسير علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا } قال : ( الحسن ) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله : ( بوالديه ) إنما عنى الحسن والحسين عليهم السلام . ثم عطف على الحسين فقال :

{ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ (15) } الاحقاف .

وذلك أن الله أخبر رسول الله صل الله عليه وآله وبشره بالحسين قبل حمله ، وأن الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ، ثم أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده .

 ثم عوضه : بأن جعل الإمامة في عقبه ، وأعلمه أنه يقتل ثم يرده إلى الدنيا و ينصره حتى يقتل أعداءه ويملكه الأرض وهو قوله :

{ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) } القصص

وقوله : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) } الأنبياء  .

 فبشر الله نبيه : صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل بيتك يملكون الأرض ويرجعون إليها ويقتلون أعداءهم . 

فأخبر رسول الله : صلى الله عليه وآله وسلم ، فاطمة عليه السلام بخبر الحسين عليه السلام وقتله ، فحملته كرها . 

ثم قال أبو عبد الله عليه السلام :

 فهل رأيتم أحدا يبشره بولد ذكر فيحمله كرها ؟

 أي إنها : اغتمت وكرهت لما أخبرت بقتله، ووضعته كرها لما علمت من ذلك.

 و كان بين الحسن والحسين صلوات الله عليهما : طهر واحد .

وكان الحسين عليه السلام : في بطن أمه ستة أشهر ، وفصاله أربعة وعشرون شهرا ، وهو قول الله عز وجل : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرً } .

وذكر المجلسي بيانا فقال : إنما عبر عن الإمامين عليهم السلام بالوالدين لأن الإمام كالوالد للرعية في الشفقة عليهم ووجوب طاعتهم له ، وكون حياتهم بالعلم والإيمان بسببه ، فقوله :" إحسان " نصب على العلة أي وصينا كل إنسان بإكرام الإمامين للرسول ولانتسابهما إليه ، ولا يبعد أن يكون مصحفا ويكون في الأصل " قال الإنسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ويكون في قراءتهم " بولديه " بدون الألف .

وقوله عليه السلام : " وكان بين الحسن والحسين طهر واحد " أي مقدار أقل طهر واحد وهي عشرة أيام كما سيجيء برواية الكليني : وكان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرا [50].

وفي علل الشرائع : عن عبد الرحمان بن كثير الهاشمي قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام :

جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن وهما يجريان في شرع واحد ؟

فقال : لا أراكم تأخذون به ، إن جبرائيل عليه السلام نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما ولد الحسين بعد ، فقال له:

 يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك.

فقال : يا جبرائيل لا حاجة لي فيه فخاطبه ثلاثا ، ثم دعا عليا عليه السلام فقال له : إن جبرائيل يخبرني عن الله عز وجل أنه يولد لك ، غلام تقتله أمتك من بعدك ، فقال : لا حاجة لي فيه يا رسول الله فخاطب عليا عليه السلام ثلاث ، ثم قال : إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة .

فأرسل إلى فاطمة عليها السلام : أن الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي ، فقالت فاطمة : ليس لي حاجة فيه يا أبه ! فخطابها ثلاث .

 ثم أرسل إليها : لابد أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة .

 فقالت له : رضيت عن الله عز وجل . 

فعلقت وحملت بالحسين عليه السلام : فحملت ستة أشهر ، ثم وضعته ولم يعش مولود قط لستة أشهر غير الحسين بن علي وعيسى بن مريم عليهم السلام فكفلته أم سلمة .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يأتيه في كل يوم فيضع لسانه في فم الحسين فيمصه حتى يروى ، فأنبت الله عز وجل لحمه من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يرضع من فاطمة عليه السلام ولا من غيرها لبنا قط . 

فلما أنزل الله تبارك وتعالى فيه : { حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } الأحقاف 15.

فلو قال : أصلح لي ذريتي كانوا كلهم أئمة ولكن خص هكذا . 

وذكر في البحار بيانا فقال :

قوله عليه السلام : لا أراكم تأخذون به أي لا تعتقدون المساواة أيضاً ، بل تفضلون ولد الحسن أو أنكم لا تأخذون بقولي إن بينت لكم العلة في ذلك والأخير أظهر[51].

يا طيب : هذه الآية الكريمة من غرر الآيات في الإمامة ، وبيان عجيب يعرف استمرارها في الحسين عليه السلام وذريته ، ولم يدعيها أحد فيه ولا في ذريته غيرهم ، ولن ولا تنطبق إلا على الإمام الحسين وآله ، لأن الحمل الطبيعي غالبا تسعة أشهر ،  وعامين للرضاعة كما قال الله تعالى :

 { و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } البقرة 233.

 و قال : { و فصاله في عامين } لقمان14.

فيكون الحمل والرضاع ثلاثة وثلاثون شهرا لا ثلاثون ، ولذا تكون هذه الرواية تشير لعناية خاصة بمولود كريم خاص نزلت في شأنه ، و يكون في ستة أشهر حمله وعامين للرضاعة فيكون ثلاثون شهرا .

ثم حمله كرها ووضعه كرها : في حين الأم تفرح بالحمل لا تكره الحمل ، إلا أن يكون هناك أشارة تريد أن تعرف أمرا لمولود كريم ولمولد خاص يصيبه مكروه يصعب على الأم تحمله ، وبالخصوص حين يكون القتل له من أمة يجب أن تنصره وتقتدي به في تحصيل معارف توحيد الله وهده ، لأن جده رسول الله معلم الهدى لهم وهو بعد أبيه وأخيه إمامهم، وبهذا تُعرف الآية حكاية عنه وعن أمه وآله أمر عظيما ينحرف عنه الناس ، وتختلف الأمة كما اختلفت الأمم السابقة أحزاب ، ومذاهب تختلف عن الإمام الحق ، وهذا يصعب تحمله من أي مسلم يحب دينه ، فكيف بفاطمة الزهراء وهي بضعه النبي صلى الله عليهم وسلم ، وهي التي ترتقب من المسلمين كل تكريم سواء لها أو لذريتها ، لا قتل ذريتها وهي بعد في أول ظهور الدين الإسلامي الحنيف .

ثم ليس كل مولود يولد : يطلب الإصلاح والتوبة له وفي ذريته ويدعوا لوالديه إلا أن يكون له عناية من الله وقد عرف إيمانه الله سبحانه وتعالى ، وبهذا يُعرفه للناس ، و يتوجه له الباحثون عن الحقيقة في ولاية الدين وأئمة الحق ، لأنه بحق يعرفون أنه له رعاية من الله سبحانه وتعالى وله من الله توفيق به يكون الإصلاح له وفي الذرية من صلبه ، وإنهم لهم شأن كريم يحكيه الله في كتابه ويعرفه للناس وليس ذرية كباقي ذرية المسلمين بصورة عامة ، وليس هذا إلا في الإمام الحسين والإمامة في صلبه وإن ذريته طيبة عليهم السلام ، ولم يدعي هذا لا في المسلمين ولا في غيرهم بأنه لهم هذا المنصب الكريم ، وبهذا التشريف في هذه الآية ولا بغيرها من التطهير والكوثر أو المباهلة أو الضحى أو غيرهن .

كما أنه يا طيب : العناية في كون الحمل ستة أشهر ، وكون رسول الله قد بشر بمولود له يُقتل ، حكته عدة روايات سيأتي بحثها تؤكد هذا المعنى فضلا عما عرفت من الكثرة في الروايات السابقة الموجبة بوحدها تواتر المعنى واللفظ .

 كما إن رعاية رسول الله : للحسين حين مولده وجعل الرضاع بتشريفه بوضع إبهامه في فيه أو لسانه أو ريقه بصورة متكررة حتى حكته عدة روايات ، يعرف إن الإمامة في الذرية تحتاج لعناية خاصة وإشارة كريمة تعرفنا فضل الذرية كما تحكيه الآية الشريفة ، فتتعاضد الروايات والآية ، وتؤيد ما عرفت أنوار مصباح الهدى من سنة الله في كونه يهتم برعاية الذرية الطاهرة من ولاة أمره ، ويعتني بتعريف شأنهم بكل صورة ممكنة ، وإن هذه الآية نزولها في الإمام الحسين وذريته وأحواله التي شرفه الله بها ، تعرفنا صبره ليستحق الإمامة عن جداره وثباته حتى يختم له بالشهادة في سبيل الله وبأعلى إخلاص ممكن بتوفيق الله ورعايته ، وحتى يكون قدوة في الثبات وأسوة في الطاعة لله ، وبأعلى حقائق الصبر وفي كل حال لكل البشر وإلى يوم القيامة .

 وهذه سنة الدين ومعارف الإسلام : تحكيها آيات ورايات نزلت في شأن الإمام الحسين عليه السلام ، ولكنها تعرفنا معارف كريمة في رعاية عموم الأولاد من قبل الولادة وبعدها ، وما يجب من الرضاع كحد أقصى والولادة كحد أدنى ، ويمكن تطبقها على مواليد الناس بصورة عامة ، كوجوب احترام الأب والأم بالخصوص ، ثم الدعاء لهم ويشكر الوالدين على التربية الصالحة وما سعوا له ليعنون ابنهم لتعلم آداب الدين واحترام معارف هدى الله وتطبيقها حتى كان صالحا ويطوي الدنيا بسلام وأمن وإيمان وراحة وطاعة لأجمل هدى .

 أو بمعارف هذه الآيات : يحل القضاء وما يحصل من التنازع بالرضاع وواجباته أو الحمل إذا اختلف الزوجين سواء للفصل أو للصبر على المصائب كما صبرت فاطمة وآله مع علمهم بما سيصيبهم من المكروه والأذى في سبيل الله في هذه الحياة الدنيا ، وبمثل هذه المعارف تكون لنا قدوة وأسوة بإمام الحسين عليه السلام من يوم ولادته بل قبلها ، لأنه شأن النزول لهذه الآيات خاصة به وهو السباق في تحمل نتائجها ورضاه بقضاء الله وقدره هو وآله ، وحتى لو وجدت روايات تعرف قصص أخرى فلا يعني إنها ليست مختصة بالإمام الحسين ، ولا أنها لم تعرف الإمامة في ذريته ، فإن شأن النزول له خصوصياته ، وتطبيق القانون بصورة عامة له خصوصياته ، ولم نعرف غيره له صلاح الذرية بأئمة حق ، أو أنه يدعو لوالديه وغيرها من خصوصيات هذه الآية الكريمة وتطبيقها عليه في زمن النبي الكريم وبعده غير الإمام الحسين عليه السلام ، حيث بمنطوقها تحكي أن أمرا واقعا ويسير في المسلمين أمر لمولود سيود يكون له شأنا عظيما في الصلاح ومعرفة بما فضل الله عليه وعلى والديه وجده بل يطبق كل معارف الله بأعلى صبر وثبات .

والآية السابقة تفسرها آيات كثيرة قد عرفتها ، ومنها ما جاء في شأن نزول الآية الآتية وتفسيرها : فعن سعيد بن جبير في قوله تعالى :

{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا
 قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
} الفرقان .
 قال : نزلت هذه الآية و الله خاصة في أمير المؤمنين عليه السلام ، وقال : كان أكثر دعائه يقول : ربنا هب لنا من أزواجنا يعني فاطمة ، و ذرياتنا يعني الحسن و الحسين قرة أعين .

و قال أمير المؤمنين : و الله ما سألت ربي ولدا نضير الوجه ، و لا سألت ولدا حسن القامة ، و لكن سألت ربي ولدا مطيعين لله خائفين وجلين منه ، حتى إذا نظرت إليه و هو مطيع لله قرت به عيني .

 قال : اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً .

 قال : نقتدي بمن قبلنا من المتقين ، فيقتدي المتقون بنا من بعدنا .

و قال الله : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا .

 يعني علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين و فاطمة .

 وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقام[52] .

 

فإنه هذه الآية الكريمة : التي شرحها الحديث أعلاه في حين تعرف قانونا عاما إسلاميا في الرضاع وأقل الحمل ، فإنها تبين وتعرف رعاية خاصة لمولود كان في زمن النبي لا بعده ، وإنه له صلاح وفي ذريته خصوصية كريمة وإنه من الشاكرين وحقا معتنى به ، بل إماما للمتقين حق ، وهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه كما عرفنا في الحديث السابق حقيقة الإمامة ومن يستحقها بحق ، فهي وأمثالها من الآيات التي تعرف ولاة أمر الله وأئمة الحق ، وتبين رعاية الله للأمة وأهمية الإمام فيها ، وتعرف شأن الإمامة وكرامة الإمام على المؤمنين المتقين ، بل هو دليلهم ومعلمهم لما يُتقى الله به ، وتعرفنا عناية الله ورسوله بتربية أئمة الحق وتوصيل مكارم تعرف شأنهم الكريم وشرفهم ومجدهم ، وإنهم ذرية بعضها من بعض .

كما أنه يا طيب : لم يوجد من له مثل هذه الخصوصيات في المسلمين غيرهم تدبر أحوالهم كلهم في أول الإسلام وبعده ، بل لم يدعيها أحد لا لنفسه ولا لولده إلا أهل البيت نبينا والإمام علي والحسن والحسين وذريتهم المعصومين ، ولم يوجد أحد غيرهم يدعي الإمامة المطلقة والمعرفة التامة بدين الله كله ، فالآيات السابقة تُعرّف حقائق كريمة في التفضيل للإمام الحسين بجعل الإمامة في ذريته ولو على نحو الإشارة ، ولكنه تؤيدها الروايات التي عرفتها والبحوث السابقة وسنة التأريخ الإسلامي سواء للإمام الحسين بنفسه أو في ذريته أو في الأنبياء السابقين بل لجده وأبيه .

كما أنه يا طيب : قد يشكل بأمر المراجعة بين جبرائيل والنبي في رفض مولود تقتله الأمة ، فيقولون : إن الله أمره مقضي ولا يراجع أحد ، ثم كيف يرفض النبي أمر الله تعالى حين يبشره بمولود حتى ولو تقتله الأمة ؟

فإنه يقال : أولا لم نعلم بأنه أمرا مقضيا بل كان تخييرا واختبارا ، والرواية تشعر بأمر عظيم يحل بالإسلام فضلا عن المولود القتيل مع كرامته ، فإن لم تقتله أمة الرسول إلا أن تكون هجرت دين الله ورفضت ولاية أئمة الحق ، وحقا للنبي أن يرفض لو خير أن لا يحصل له هذا الأمر فتقتل أمته ذريته الطاهرة مخالفة له ولدينه وما يدعوا له من الصلاح والتقى والهدى ، فتصر على عناده والضلال عنه وهو إمامهم وولي أمرهم بعده حتى يقتلوه وآله معه .

 

ثم كثير ما خير الله النبي صلى الله عليه وآله : وإنه لم يكن في يوم مجبورا على فعل معين في كل حياته ، بل إطاعته بكل ما يراه مصلح للدين بتوفيق الله تعالى فكان أكرم مخلوق في الوجود بكل مراتبه .

 وفي رواية إنه قد قال أمير المؤمنين عليه السلام : قَدْ أَخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 أَنَّ جبرائيل عليه السلام نَزَلَ إِلَيْهِ وَ مَعَهُ مَفَاتِيحُ كُنُوزِ الْأَرْضِ ، وَ قال : يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ، وَ يَقُولُ لَكَ :

إِنْ شِئْتَ صَيَّرْتَ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ ذَهَباً وَ فِضَّةً ، وَخُذْ هَذِهِ مَفَاتِيحَ كُنُوزِ الْأَرْضِ ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ حَظِّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

قال : يَا جَبْراَئِيلُ وَ مَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ قال : الْمَوْتُ .

فَقال : إِذاً لَا حَاجَةَ لِي فِي الدُّنْيَا دَعْنِي أَجُوعُ يَوْماً وَ أَشْبَعُ يَوْماً ، فَالْيَوْمَ الَّذِي أَجُوعُ فِيهِ أَتَضَرَّعُ إِلَى رَبِّي وَ أَسْأَلُهُ ، وَ الْيَوْمَ الَّذِي أَشْبَعُ فِيهِ أَشْكُرُ رَبِّي وَ أَحْمَدُهُ . فَقال لَهُ جَبْرَائِيلُ : وُفِّقْتَ لِكُلِّ خَيْرٍ يَا مُحَمَّدُ[53] .

وهذه الروايات في الإمام الحسين عليه السلام والبشارة فيه : بينه في التخيير ، ولكن لما عرف أن في ذريته الإمامة وأنه أمرا مقضيا ، قبل وإن كره الاختلاف في الأمة وكره أن يُقتل سبطه ، وهكذا كان أمر الإمام علي عليه السلام وفاطمة الزهراء ، بل وشأن كل مؤمن يقبل الإمامة ويكره الاختلاف عن الحق وبالخصوص حين يصل لمرحلة قتل أئمة الحق ، وهي لم تكره حمله بل قتله ولما يحل به ، كما أنه الرواية تبين لما عرفهم الله التفصيل قبلوا الأمر لأنه في صلاح الدين مع ما فيه من المصائب لهم ، وهكذا تذكر الرواية رضاهم برضا الله تعالى وحبهم قضائه وقدره ، وبهذا كرمهم الله تعالى بآية تتلى لآخر الدهر تجعل كل مسلم يسأل عن سبب نزولها ، وعن الصالح المختص بها وعن ذريته الطيبة الصالحة ، وأنه يجب لما يعرفهم أن يقتدي بهم وبكل ما في الآية وما لصاحبها النازلة في شأنه من الكرامة ، فيحبه ويحب ذريته وتعليمهم .

ويا طيب : سيأتي بحثا في الباب الآتي يفصل معنى الإمامة في ذرية الإمام الحسين ويشرح أحاديث كريمة كثيرة في هذا المعنى ، وفي عدة مواضع ، وكذا في الجزء الآتي في شرح الحديث الشريف الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، فيفصل البحث في معنى إن أئمة الحق من ذرية الإمام الحسين بعده ، وأنهم سادة أهل الجنة والمتقين أجمعين صلى الله عليهم وسلم أجمعين ، فتابع البحث هناك ، وإليك حديثا شريفا في هذا المعنى الكريم يعرفنا أسماء أئمة الحق ، وقد كرم الله به عباده كلهم في يوم ولادة الحسين ، وبصحيفة كريمة نزلت مع التبريك والتهنئة من الله وملائكته للنبي وآله في مولد الإمام الحسين عليه السلام ، فأنظر الإشراق الآتي .

 

 

 

 

الإشراق السادس :

تكريم النبي وآله بلوح الإمامة في يوم ولادة الحسين :

يا طيب : إن موضوع الآيات المؤولة في الحسين عليه السلام كما في الإشراق السابقة ، أو بحث الإمامة والبراهين الخاصة بها يأتي بعض بحثها في باب الآتي ، بل محل تفصيلها كتاب الإمامة والصحف المختصة ببيان عظمة الإمام والإمامة في الأصل الرابع للدين ، ولكن لما كان هذا الباب مختص بتعريف الكرامات والمناقب التي حفت بمولد الإمام الحسين عليه السلام ، والتي تعرفنا شأنه الكريم وفضائله ، ذكرنا البحث السابق وهذا البحث ، وأسأل الله أن يشرق في قلوبنا اليقين بفضل الإمام الحسين عليه السلام ، ومجده الشريف العالي بفضل الله وعنايته ورعايته له ، بل ولنا لنتيقن منهجه الكريم فنتخذه أسوة وقدوة بكل وجودنا وفي علمنا وعملنا ، ونخلص لله الدين بكل ما علمه أئمة الحق من آله وذريته الكرام أئمة الحق وولاة أمر الله تعالى ، والذين طهرهم وصدقهم واجتباهم وأختارهم كما أختار وأجتبى وكرم من قبل أئمة الحق والأنبياء وأوصيائهم في الأمم السابقة .

والله تعالى : رعانا بكتاب طاهر حسن يُعرفه لنا ورثته والراسخون بعلمه بحق ، والذين كانوا أمجاد طاهرين وحسن وصالح كل علمهم وعملهم وسيرتهم وسلوكهم ، والله إن كرم بني إسرائيل بالتابوت أو بالسلاح أو بألواح تعرفهم بالحق ومحله عند أئمة الهدى عندهم لا كلهم .

فالله تعالى : في الإسلام عرفنا كرامات ومناقب لنبينا وآله الكرام وبكثرة لا يمكن لأحد أن يتجاوز عنها ، أو يسلم لها دون أن يعرف بها شأن الإمامة وأهمية وجود الإمام  في الدين الإسلامي القيم ، وبالخصوص إذا أيد هذه المعارف الله في كتابه وفي سنة التأريخ والهدى في الأمم السابقة ، وظهر به أئمة الحق شارحين ومعرفين له ، وهذا موضوعا آخرا يعرفنا الإمامة في ذرية الإمام الحسين عليه السلام

كما إنه من الأحاديث المختصة بالأيام الحافة بيوم ولادته ، وإلا الأحاديث المعرفة للأئمة في ذرية الحسين بعده كثيرة جدا ، وقد عرفت قسما كبيرا منها في الأجزاء السابقة ، فضلا عما عرفت في أول البحث من استمرار الإمامة في دين الله إلى يوم القيامة ، وإنه كل إنسان يدعى بإمامه يوم القيامة .

ولكن يا طيب : هذا حديث شريف يعرفنا كرامة الله لنبينا وآله صلى الله عليه وآله ، فيعرفنا شأن الإمام الحسين والأئمة والإمامة في ذريته إلى يوم القيامة ، وقد حكاه موالي محب مخلص لأهل البيت عليهم السلام ، ونقله عنه إمام من أئمة الحق من ذرية الحسين عليهم السلام ، فتدبره وهو متمم للبحث السابق ، بل معرف وشارح للحديث : إن الأئمة من قريش بعد النبي اثني عشر والذي لم ينطبق إلا على آل البيت.

 

فقد ذكر الكليني في الكافي : عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الحسن بْنِ ظَرِيفٍ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قال : قال أَبِي لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيِّ :

إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً ، فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا .

فَقال لَهُ جَابِرٌ : أَيَّ الْأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَهُ ، فَخَلَا بِهِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ .

 فَقال لَهُ : يَا جَابِرُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وَ مَا أَخْبَرَتْكَ بِهِ أُمِّي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ .

فَقال جَابِرٌ : أَشْهَدُ بِالله أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ عليه السلام فِي حَيَاةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فَهَنَّيْتُهَا بِوِلَادَةِ الحسين ، وَ رَأَيْتُ فِي يَدَيْهَا لَوْحاً أَخْضَرَ ظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنْ زُمُرُّدٍ ، وَ رَأَيْتُ فِيهِ كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْهَ لَوْنِ الشَّمْسِ .

فَقُلْتُ لَهَا : بِأَبِي وَ أُمِّي يَا بِنْتَ رَسُولِ الله مَا هَذَا اللَّوْحُ ؟

فَقالتْ : هَذَا لَوْحٌ أَهْدَاهُ الله إِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، فِيهِ اسْمُ أَبِي ، وَ اسْمُ بَعْلِي ، وَ اسْمُ ابْنَيَّ ، وَ اسْمُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي ، وَ أَعْطَانِيهِ أَبِي لِيُبَشِّرَنِي بِذَلِكَ .

قال جَابِرٌ : فَأَعْطَتْنِيهِ أُمُّكَ فَاطِمَةُ عليه السلام فَقَرَأْتُهُ وَ اسْتَنْسَخْتُهُ .

فَقال لَهُ أَبِي : فَهَلْ لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَهُ عَلَيَّ ؟

قال : نَعَمْ ، فَمَشَى مَعَهُ أَبِي إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ ، فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مِنْ رَقٍّ .

فَقال : يَا جَابِرُ انْظُرْ فِي كِتَابِكَ لِأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ ، فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَةٍ ، فَقَرَأَهُ أَبِي ، فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً .

فَقال جَابِرٌ : فَأَشْهَدُ بِالله أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي اللَّوْحِ مَكْتُوباً :

 بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ :

هَذَا كِتَابٌ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ : لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَ نُورِهِ وَ سَفِيرِهِ وَ حِجَابِهِ وَ دَلِيلِهِ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

 عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أَسْمَائِي ، وَ اشْكُرْ نَعْمَائِي ، وَ لَا تَجْحَدْ آلَائِي .

 إِنِّي أَنَا الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ ، وَمُدِيلُ الْمَظْلُومِينَ ، وَدَيَّانُ الدِّينِ .

إِنِّي أَنَا الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا : فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي ، أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي ؛ عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ ، وَ عَلَيَّ فَتَوَكَّلْ .

إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيّاً فَأُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ وَ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ ، إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَصِيّاً.

 وَ إِنِّي : فَضَّلْتُكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ .

 وَ فَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ .

وَ أَكْرَمْتُكَ : بِشِبْلَيْكَ وَ سِبْطَيْكَ ، حَسَنٍ وَ حُسَيْنٍ .

فَجَعَلْتُ حَسَناً : مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيهِ .

وَ جَعَلْتُ حُسَيْن :

خَازِنَ وَحْيِي ، وَ أَكْرَمْتُهُ بِالشَّهَادَةِ ، وَ خَتَمْتُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ ، وَ أَرْفَعُ الشُّهَدَاءِ دَرَجَةً ، جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ التَّامَّةَ مَعَهُ ، وَ حُجَّتِيَ الْبَالِغَةَ عِنْدَهُ . بِعِتْرَتِهِ أُثِيبُ وَ أُعَاقِبُ :

 أَوَّلُهُمْ : عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ وَ زَيْنُ أَوْلِيَائِيَ الْمَاضِينَ .

وَ ابْنُهُ شِبْهُ جَدِّهِ الْمَحْمُودِ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ عِلْمِي وَ الْمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي .

 سَيَهْلِكُ الْمُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ الرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيَّ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ، لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ وَ لَأَسُرَّنَّهُ فِي أَشْيَاعِهِ وَ أَنْصَارِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ .

أُتِيحَتْ بَعْدَهُ مُوسَى فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ لِأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ وَ حُجَّتِي لَا تَخْفَى ، وَ أَنَّ أَوْلِيَائِي يُسْقَوْنَ بِالْكَأْسِ الْأَوْفَى ، مَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي ، وَ مَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ افْتَرَى عَلَيَّ ، وَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ الْجَاحِدِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ مُوسَى عَبْدِي وَ حَبِيبِي .

وَ خِيَرَتِي فِي عَلِيٍّ : وَلِيِّي وَ نَاصِرِي ، وَ مَنْ أَضَعُ عَلَيْهِ أَعْبَاءَ النُّبُوَّةِ ، وَ أَمْتَحِنُهُ بِالِاضْطِلَاعِ بِهَا ، يَقْتُلُهُ عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ ، يُدْفَنُ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي ، حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَسُرَّنَّهُ :

بِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ : وَ خَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَ وَارِثِ عِلْمِهِ ، فَهُوَ مَعْدِنُ عِلْمِي ، وَ مَوْضِعُ سِرِّي ، وَ حُجَّتِي عَلَى خَلْقِي ، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِهِ إِلَّا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ ، وَ شَفَّعْتُهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ .

 وَ أَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لِابْنِهِ عَلِيٍّ : وَلِيِّي وَ نَاصِرِي ، وَ الشَّاهِدِ فِي خَلْقِي ، وَ أَمِينِي عَلَى وَحْيِي .

 أُخْرِجُ مِنْهُ : الدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلِي : وَ الْخَازِنَ لِعِلْمِيَ الحسن .

وَأُكْمِلُ ذَلِكَ : بِابْنِهِ م‏ح‏م‏د رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، عَلَيْهِ : كَمَالُ مُوسَى ، وَبَهَاءُ عِيسَى ، وَصَبْرُ أَيُّوبَ ، فَيُذَلُّ أَوْلِيَائِي فِي زَمَانِهِ ، وَ تُتَهَادَى رُءُوسُهُمْ كَمَا تُتَهَادَى رُءُوسُ التُّرْكِ وَ الدَّيْلَمِ ، فَيُقْتَلُونَ وَ يُحْرَقُونَ ، وَ يَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ ، تُصْبَغُ الْأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ ، وَ يَفْشُو الْوَيْلُ وَ الرَّنَّةُ فِي نِسَائِهِمْ ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً ، ِبهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ ، وَ بِهِمْ أَكْشِفُ الزَّلَازِلَ ، وَ أَدْفَعُ الْآصَارَ وَ الْأَغْلَالَ ، أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ ، وَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .

قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ : قال أَبُو بَصِيرٍ : لَوْ لَمْ تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ لَكَفَاكَ ، فَصُنْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ [54].

يا طيب : هذا الحديث الشريف من غرر الأحاديث في الإمامة في معناه وفي بيانه لأحوال الأئمة ، وهو نفس معنى الحديث الذي عرفته وسيأتي تمامه والذي منه ما قال رسول الله : ( والذي بعثني بالحق نبيا :

إن ذكر الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض ، فأنه لمكتوب عن يمين عرش الله : مصباح هدى وسفينة نجاة ، وإمام غير وهن وعز وفخر وبحر علم وذخر .

وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية .... ) [55].

 ويؤيده : كثير من الآيات المختصة بالإمامة والولاية لأمر الله في عباده ، وتشرحه كثير من الآيات المعرفة للأئمة عليهم السلام بكونهم من ذرية الإمام الحسين والتي عرفت الكثير منها ، ويأتي في باب لاحق قبسا لها ، وإن الناس بدون إمام يتبعون كل ناعق ولم يكونوا على دين واحد ، ويتصدى كل جبار فيختار نفسه إماما للناس ويعرف فكره دين وشرحه هدى و كما أختلف المسلمون بكثير من الأحكام، وليس الحق في الأئمة وشأنهم الكريم إلا واحد وهو للنبي وآله أب وأخ الحسين وذريته صلى الله عليهم وسلم ، وكما يأتي تمام البحث في إمامته وآله وذريته في الباب الآتي والجزء الآتي أيضا ، والحديث كأحاديث الجفر والجامعة وصحيفة فاطمة وغيرها مما شرفهم الله به كولاة لأمره ، سواء كتبت في زمان رسول الله أو شرحوها وتوارثوها .

 

الإشراق السابع :

في يوم ولادة الإمام الحسين غفر الله لفطرس ودردائيل وصلصائيل :

يا طيب : جاءت روايات كثيرة في غفران الله لفطرس ووردة أيضاً في ودردائيل وصلصائل وغيرهم  ، وأنهم كانوا ملائكة كان مغضوب عليهم غضب ما ومؤقت وحتى حين ، والظاهر بهبوط المنزلة والشأن لهم لأيام وإن كانوا بعد في محل العبودية ، وفي يوم ولادة الحسين عليه السلام كرامة له غفر الله لهم ، بعد أن شرفهم بزيارته والتوسل بحقه عند الله ، وبهذا عرف الله سبحانه وتعالى كرامته في السماء لأهلها كما عرف شأنه الكريم في الأرض كما عرفت وستعرف في يوم ولادته المباركة .

وإن الملائكة : وإن كان لهم مقام كريم وإنهم لا يعصون الله ما يؤمرون .

 لكنه بعضهم : لهم شأنهم ومحسوب عليهم ، وإن لم يكن منهم ، وكما كان إبليس لعنه الله محسوب عليهم وحشر معهم لما كان له من المقام في العبادة والإخلاص فيها ، ثم عصى لما أُمر بالسجود لأدم لأنه كان من الجن ، فإنه حين ولد آدم وأمر بالسجود له أخذه الحسد ووسوست له نفسه وتكبر فعصى وطغى وتجبر ، فحرم مقامه أبدا لأنه لم يتب ولم يرجع لله مع ما عرف بنفسه من عصيانه وحرمانه وطرده ولعنه ونزوله من مقام الكرامة ، ولما بقي مصر على عدم العود للعبودية لله لعنه الله .

كما إنه : هناك ملائكة حكا الله عنهم بنوع من العقوبة أو فقل بنزولهم عن مقامهم لبعض التقصير الذي لا يعد ذنبا وعصيانا كبيرا ، بل تأخر وتباطأ لا يناسب شأنهم فحرموا مقامهم وصار شأنهم بالنزول في الأرض كما في الملكين ببابل هاروت وماروت ، ومع ما عندهم من العلم ، كما في قوله تعالى :

{ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ }البقرة102 .

 وقد حُكي في قصصهم : أمورا قد تكون بعيده في شأن الملائكة ولا يناسب تزكيتهم , ولكن نزولهم في الأرض لمرتبة أقل من شأنهم مسلم كما حكته الآية ، وإنه اختبار لهم بل عبرة للملائكة كلهم ، وللناس فتنه ، ويجب أن يعتبر بهم ويتعظ ويتعلم الحق منهم لا الباطل وتحريف الحق وقلبه ضلال ، وإن قصصهم تشبه ما حكي في قصص فطرس والملائكة الذين نجو حين ركبوا سفينة الإمام الحسين عليه السلام ، وتوجهوا به لله تعالى فشفعه الله بهم وقبل توبتهم ، وإن العقوبة ونزول الشأن كان معلق ليوم كريم يعرف به شأن إمام الحق لأهل السماء والأرض وبه يتوب الله عليهم .

ولكي نعرف كرامة الإمام : ونجاة الملائكة بتوسلهم بحق الحسين وقبول شفاعته من قبل الله تعالى ، نذكر هذه الأشعة:

 

الإشعاع الأول : غفر الله لفطرس في يوم ولادة الإمام الحسين :

في أمالي الصدوق بالإسناد عن إبراهيم بن شعيب قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :

 إن الحسين بن علي : لما ولد أمر الله عز وجل جبرائيل أن يهبط في ألف من الملائكة ، فيهنئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الله عز وجل ومن جبرائيل .  

قال : فهبط جبرائيل ، فمر على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له : فطرس كان من الحملة بعثه الله عز وجل في شيء فأبطأ عليه ، فكسر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة ، فعبد الله تبارك وتعالى فيها سبعمائة عام حتى ولد الحسين بن علي عليهم السلام  .

فقال الملك لجبرائيل : يا جبرائيل أين تريد ؟  قال : إن الله عز وجل أنعم على محمد بنعمة فبعثت أهنئه من الله ومني .

 فقال : يا جبرائيل احملني معك لعل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يدعو لي .

 قال : فحمله . 

قال : فلما دخل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هنأه من الله عز وجل ، ومنه وأخبره بحال فطرس .

 فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قل له : تمسح بهذا المولود ، وعد إلى مكانك .

 قال : فتمسح فطرس بالحسين بن علي عليهم السلام وارتفع .

 فقال : يا رسول الله أما إن أمتك ستقتله ، وله علي مكافأة ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه ، ولا يسلم عليه مسلم إلا أبلغته سلامه ، ولا يصلي عليه مصل إلا أبلغته صلاته ، ثم ارتفع .

قال في بحار الأنوار : ورواه في كامل الزيارات عن إبراهيم بن شعيب مثله .

وقال : قد مضى بتغيير ما في باب أخذ ميثاقهم من الملائكة.

وروى في المناقب : عن ابن عباس والصادق عليه السلام مثله ثم قال :

وقد ذكر الطوسي في المصباح رواية عن القاسم بن أبي العلاء الهمداني حديث فطرس الملك في الدعاء [56]

وفي المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة : عن أبي محمد الحسن بن طاهر القائني الهاشمي : أن الله تعالى كان خيره بين عذابه في الدنيا أوفي الآخرة ، فاختار عذاب الدنيا فكان معلقا بأشفار عينيه في جزيرة في البحر لا يمر به حيوان وتحته دخان منتن غير منقطع . 

فلما أحس الملائكة نازلين : سأل من مر به منهم عما أوجب لهم ذلك فقال : ولد للحاشر النبي الأمي أحمد من بنته وصيه ، ولد ، يكون منه أئمة الهدى إلى يوم القيامة ، فسأل من أخبره أنه يهنئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك عنه ، ويعلمه بحاله .

فلما علم : النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك  ، سأل الله تعالى أن يعتقه للحسين ففعل سبحانه .

فحضر فطرس وهنأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعرج إلى موضعه .

وهو يقول : من مثلي وأنا عتاقة الحسين ابن علي وفاطمة وجده أحمد الحاشر[57].

 

وفي السرائر عن جامع البزنطي عن غير واحد من أصحابنا أن أبا عبد الله عليه السلام قال :

إن فطرس : ملك كان يطوف بالعرش ، فتلكأ في شيء من أمر الله فقص جناحه ورمى به على جزيرة من جزائر البحر ، فلما ولد الحسين عليه السلام هبط جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهنئه بولادة الحسين عليه السلام ، فمر به فعاذ بجبرائيل فقال : قد بعثت إلى محمد أهنئه بمولود ولد له فان شئت حملتك إليه .

فقال : قد شئت فحمله فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبصبص بإصبعه إليه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : امسح جناحك بحسين ، فمسح جناحه بحسين فعرج[58]

وفي رجال الكشي عن محمد بن سنان قال : شكوت إلى الرضا عليه السلام وجع العين .فأخذ قرطاسا : فكتب إلى أبي جعفر عليه السلام ، و هو أقل من نيتي . فدفع الكتاب إلى الخادم ، وأمرني أن أذهب معه ، و قال : اكتم .

فأتيناه و خادم قد حمله ، قال : ففتح الخادم الكتاب بين يدي أبي جعفر( محمد الجواد ) عليه السلام، فجعل أبو جعفر عليه السلام ينظر في الكتاب و يرفع رأسه إلى السماء ، و يقول : ناج ، ففعل ذلك مرارا ، فذهب كل وجع في عيني ، و أبصرت بصرا لا يبصره أحد .

 قال : فقلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلك الله شيخا على هذه الأمة كما جعل عيسى ابن مريم شيخا على بني إسرائيل .

قال  ثم قلت له : يا شبيه صاحب فطرس . قال : و انصرفت و قد أمرني الرضا عليه السلام أن أكتم ، فما زلت صحيح البصر حتى أذعت ما كان من أبي جعفر عليه السلام في أمر عيني ، فعاودني الوجع .

 قال قلت لمحمد بن سنان : ما عنيت بقولك يا شبيه صاحب فطرس ؟

فقال : إن الله تعالى غضب على ملك من الملائكة يدعى فطرس ، فدق جناحه و رمي في جزيرة من جزاير البحر ، فلما ولد الحسين عليه السلام بعث الله عز و جل جبرائيل إلى محمد صلى الله عليه وآله ليهنئه بولادة الحسين عليه السلام ، و كان جبرائيل صديقا لفطرس ، فمر به و هو في الجزيرة مطروح ، فخبره بولادة الحسين عليه السلام و ما أمر الله به .

 فقال له : هل لك أن أحملك على جناح من أجنحتي و أمضي بك إلى محمد صلى الله عليه وآله ليشفع لك .

قال فقال فطرس : نعم ، فحمله على جناح من أجنحته حتى أتى به محمدا صلى الله عليه وآله ، فبلغه تهنية ربه تعالى ثم حدثه بقصة فطرس .

 فقال محمد صلى الله وآله وسلم لفطرس : امسح جناحك على مهد الحسين و تمسح به ، ففعل ذلك فطرس ، فجبر الله جناحه و رده إلى منزله مع الملائكة [59].

 

 

 

 

  الإشعاع الثاني : غفر الله لدردائيل في يوم ولادة الإمام الحسين :

في كمال الدين بسنده عن مجاهد قال : قال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :

إن الله تبارك وتعالى ملكا يقال له : دردائيل كان له ستة عشر ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح هواء ، والهواء كما بين السماء والأرض . 

فجعل يوما يقول في نفسه : أفوق ربنا جل جلاله شيء ؟

فعلم الله تبارك وتعالى : ما قال ، فزاده أجنحة مثلها فصار له اثنان وثلاثون ألف جناح ، ثم أوحى الله عز وجل  إليه أن : طر ، فطار مقدار خمسمائة عام ، فلم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش . 

فلما علم الله عز وجل أتعابه : أوحى إليه أيها الملك عد إلى مكانك ، فأنا عظيم فوق كل عظيم ، وليس فوقي شيء ، ولا أوصف بمكان ، فسلبه الله أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة . 

فلما ولد الحسين بن علي صلوات الله عليهما :

 وكان مولده عشية الخميس ليلة الجمعة .

 أوحى الله إلى ملك خازن النيران : أن اخمد النيران على أهلها ، لكرامة مولود ولد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم .

 وأوحى إلى رضوان خازن الجنان : أن زخرف الجنان وطيبها ، لكرامة مولد ولد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في دار الدنيا .

وأوحى إلى حور العين : تزينَ وتزاورن ، لكرامة مولود ولد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في دار الدنيا . 

وأوحى الله إلى الملائكة : أن قوموا صفوفا بالتسبيح والتحميد والتمجيد والتكبير ، لكرامة مولود ولد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في دار الدنيا .

 وأوحى الله عز وجل  إلى جبرائيل عليه السلام : أن اهبط إلى نبيي محمد في ألف قبيل ، في القبيل ألف ألف ملك على خيول بلق مسرجة ملجمة ، عليها قباب الدر والياقوت ، معهم ملائكة يقال لهم : الروحانيون بأيديهم حراب من نور أن هنئوا محمدا بمولوده . 

وأخبره يا جبرائيل أني قد سميته الحسين وعزه وقل له : يا محمد يقتله شرار أمتك على شرار الدواب ، فويل للقاتل ، وويل للسائق ، وويل للقائد .

 قاتل الحسين : أنا منه برئ وهو مني برئ ، لأنه لا يأتي أحد يوم القيامة إلا وقاتل الحسين أعظم جرما منه .

قاتل الحسين : يدخل النار يوم القيامة مع الذين يزعمون أن مع الله إلها آخر ، والنار أشوق إلى قاتل الحسين ممن أطاع الله إلى الجنة . 

قال : فبينا جبرائيل يهبط من السماء إلى الأرض إذ مر بدردائيل ، فقال له  دردائيل : يا جبرائيل ما هذه الليلة في السماء هل قامت القيامة على أهل الدنيا ؟

قال : لا ، و لكن ولد لمحمد مولود في دار الدنيا ، وقد بعثتي الله عز وجل إليه لأهنئه بمولوده .

فقال الملك له : يا جبرائيل بالذي خلقك وخلقني إن هبطت إلى محمد فأقرئه مني السلام ، وقل له : بحق هذا المولود عليك إلا ما سألت الله ربك أن يرضى عني ويرد علي أجنحتي ومقامي من صفوف الملائكة .

فهبط جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم : وهنأه كما أمره الله عز وجل وعزاه  .فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : تقتله أمتي ؟ قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما هؤلاء بأمتي ، أنا برئ منهم والله برئ منهم .

 قال جبرائيل : وأنا برئ منهم يا محمد

فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة وهنأها .

وعزاها ، فبكت فاطمة عليه السلام ، وقالت :  يا ليتني لم ألده قاتل الحسين في النار . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنا أشهد بذلك يا فاطمة ، ولكنه لا يقتل حتى يكون منه إمام تكون منه الأئمة الهادية بعده . 

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : الأئمة بعدي :

 الهادي : علي . المهتدي : الحسن . الناصر : الحسين . المنصور : علي بن الحسين . الشافع : محمد بن علي . النفاع : جعفر بن محمد . الأمين : موسى بن جعفر . الرضا : علي بن موسى . الفعال : محمد بن علي . المؤتمن : علي بن  محمد . العلام : الحسن بن علي . ومن يصلي : خلفه عيسى بن مريم .

 فسكنت فاطمة من البكاء . 

ثم أخبر جبرائيل : النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقضية الملك وما أصيب به .

 قال ابن عباس : فأخذ النبي صلى الله عليه وآله