يا محب محمد وآله الطيبين الطاهرين إليك هدية
وهي البحث الثاني الموجود في كتاب
مودة أهل البيت عليهم السلام
وفضائلهم
في الكتاب والسُنّة
اصدار مركز الرسالة


المبحث الثاني : أهل البيت في آية التطهير

المراد بآية التطهير قوله تعالى : (... إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) سورة الأحزاب : 33 | 33 .
ولقد أكّدت مصادر الحديث والتفسير على أن المراد من أهل البيت الذين نزلت فيهم هذه الآية هم :
محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلي بن أبي طالب ، وفاطمة الزهراء ، والسبطان الحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) .
فقد أخرج مسلم في الصحيح بالاِسناد إلى عائشة ، قالت : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداةً وعليه مِرط مرجّل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) سورة الأحزاب : 33 | 33 صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة ـ 4 : 1883 | 2424 .
وذكر الفخر الرازي هذه الرواية في تفسيره وعقّب عليها بقوله : واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث ، التفسير الكبير 8 : 85 عند الآية 61 من سورة آل عمران .
وأخرج الترمذي في سننه حديث أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
قالت أمّ سلمة : وأنا معهم يا رسول الله ؟ فقال : إنك على خير» ،
سنن الترمذي 5 : 351 | 3205 كتاب التفسير ، و5 : 663 | 3787 ، و669 | 3871 كتاب المناقب .
وأخرج الحاكم في المستدرك عن أمّ سلمة ، قالت : في بيتي نزلت (إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) ، قالت : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : «هؤلاء أهل بيتي» .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ،
المستدرك على الصحيحين 3 : 146 .


وعن واثلة بن الاَسقع ، قال : أتيت علياً فلم أجده ، فقالت لي فاطمة : «انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه » فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخلا ودخلت معهما ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين ، فأقعد كل واحد منهما على فخذيه ، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ، ثم لفّ عليهم ثوباً وقال : ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) ، ثم قال : « هؤلاء أهل بيتي ، اللهم أهل بيتي أحق» .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، المستدرك 3 : 146 ـ 147.

حديث الكساء بين الرواة والمصادر :
رواة الحديث من الفريقين :
لقد روى حديث الكساء المبين لآية التطهير في كتب العامة جمع كبير من كبار الصحابة والتابعين ، مؤكدين نزول الآية في الخمسة أهل الكساء عليهم السلام .
كأنس بن مالك والبراء بن عازب وثوبان مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاِمام الحسن المجتبى عليه السلام وأبي الحمراء مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكيم بن سعد وحماد بن سلمة ودحية بن خليفة الكلبي وأبو الدرداء وزيد بن أرقم وزينب بنت أبي سلمة وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وشداد بن عمار وشهر بن حوشب وعائشة وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن معين مولى أم سلمة وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار وعطية العوفي والاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام والاِمام علي
ابن الحسين زين العابدين عليه السلام وعمر بن أبي سلمة وعمرة بنت أفعى وقتادة ومجاهد بن جبر المكي ومحمد بن سوقة وأبي المعدّل الطفاوي ومعقل ابن يسار وواثلة بن الاَسقع ،
راجع مسند أحمد 2 : 18 و3 : 285 ، 359 و6 : 292 ، 296 ، 298 ، 304 ، 323 . وتفسير الطبري 22 : 5 ـ 7 وقد رواه بأربعة عشر طريقاً . وتفسير القرطبي 14 : 182 . وتفسير ابن كثير 3 : 492 ـ 495 وقد رواه بتسعة عشر طريقاً . والبحر المحيط 7 : 228 . والدر المنثور 5 : 198 ـ 199 . وفتح القدير 4 : 349 ـ 350 وقال فيه : إنّ هذا القول قول الجمهور . وغيرهم .


ورواه مفسرو الشيعة ومحدّثوهم عن الاِمام أمير المؤمنين علي عليه السلام وولده الاِمام الحسن السبط والاِمام علي بن الحسين زين العابدين والاِمام محمد بن علي الباقر والاِمام جعفر بن محمد الصادق والاِمام علي بن موسى الرضا عليهم السلام .
ورووه أيضاً عن أبي الاَسود الدؤلي وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله الاَنصاري وأبي الحمراء مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وشهر بن حوشب وعائشة وعبد الله ابن عباس وعطاء بن يسار وعطية العوفي وعلي بن زيد وعمر بن ميمون الاَودي وواثلة بن الاَسقع وغيرهم .

راجع تفسير فرات الكوفي : 121 ، المطبعة الحيدرية ـ النجف الاَشرف . وتفسير الحبري : 297 ـ 311، مؤسسة آل البيت عليهم السلام ط1 . وتفسير التبيان 8 : 339 . وتفسير مجمع البيان | الطبرسي 8: 462 ـ 463 ، دار المعرفة ـ بيروت . وتفسير الميزان 16 : 311 . وأصول الكافي | الكليني 1 : 286 ـ 287 | 1 ، دار الاضواء ـ بيروت ط3 . وكمال الدين وتمام النعمة | الصدوق 1 : 278 | 25 ، مؤسسة النشر الاِسلامي ط3 . وسعد السعود | ابن طاووس : 106 ـ 107 ، منشورات الرضي ـ قم ، والعمدة | ابن البطريق : 31 ـ 46 . ونهج الحق وكشف الصدق | العلاّمة الحلي 1 :
88 ، مؤسسة النشر الاسلامي ط3 . والصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم | زين الدين العاملي النباطي 1 : 184 ـ 188 ، المكتبة المرتضوية ط1 . وغاية المرام في علم الكلام | الامدي : 259 ـ القاهرة .

----------------------
ومما تجدر الاشارة إليه هنا هو أن طرق العامة إلى حديث الكساء قد بلغت أربعين طريقاً ، وطرق الشيعة الامامية قد بلغت ثلاثين طريقاً ،راجع تفسير الميزان | العلاّمة الطباطبائي 16 : 311 ، مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت ط2 .

مصادر حديث الكساء :
أما المصادر التي دوّنت حديث الكساء ونصّت على نزول آية التطهير في الخمسة الذين شملهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بردائه فهي كثيرة جداً ، نقتصر على ذكر بعض مصادر العامة :
1 ـ
مسند أحمد بن حنبل 1 : 331 و3 : 259، 285 و4 : 107 و6 : 292 ، 296 ، 298 ، 304 ، دار الفكر ـ بيروت .
2 ـ
فضائل الصحابة | أحمد بن حنبل 2 : 66 ـ 67 | 102 وغيره ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت ط1 .
3 ـ
التاريخ الكبير | البخاري 1 : القسم الثاني : 69 ـ 70 و 110 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت .
4 ـ
صحيح مسلم 4 : 1883 | 2424 ، دار الفكر ـ بيروت ط2 .
5 ـ
الجامع الصحيح للترمذي 5 : 351 ، 352 ، 663 ، 699 ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
6 ـ
خصائص أمير المؤمنين عليه السلام | النسائي : 37 ، 49 وغيرها ، مكتبة المعلا ـ الكويت ط1 .
7 ـ
المعجم الكبير | الطبراني 3 : 46 | 2662 و3 : 47 | 2666 و3 : 49 | 2698 ، وغيرها كثير ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ط2 .
8 ـ
المعجم الصغير | الطبراني 1 : 135 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت .
9 ـ
أنساب الاَشراف | البلاذري 2 : 104 ، مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت ط1 .
10 ـ
مصابيح السُنّة | البغوي 4 : 183 | 3796 ، دار المعرفة ـ بيروت ط1 .
11 ـ
معالم التنزيل | البغوي 4 : 464 ، دار الفكر ـ بيروت .
12 ـ
الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 61 | 6937 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، ط1 .
13 ـ
مشكل الآثار | الطحاوي 1 : 332 ، دار صادر ـ بيروت ط1 .
14 ـ
العقد الفريد | ابن عبد ربه الاندلسي 4 : 311 ، دار الكتاب العربي ـ بيروت .
15 ـ
المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 2 : 416 و3 : 133، 146 ، 147 ، 158 ، 172 ، دار الفكر ، بيروت .
16 ـ
أسباب النزول| الواحدي: 203، دار الكتب العربية ـ بيروت ط1 .
17 ـ
الاستيعاب في معرفة الصحابة | ابن عبدالبر 3 : 1100 ، دار الجيل ، بيروت ط1 .
18 ـ
تاريخ بغداد | الخطيب البغدادي 10 : 278 | 5396 ، دار الكتاب العربي ـ بيروت .
19 ـ
تفسير الخازن 5 : 259 ، دار المعرفة ـ بيروت .
20 ـ
أُسد الغابة في معرفة الصحابة | ابن الاَثير 2 : 10 ، 13 ، 19 ، 21 و4 : 46 ـ 47 و4 : 110 و5 : 407 و6 : 78 ـ 79 ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
21 ـ
جامع الاصول | ابن الاَثير الجزري 9 : 155 | 6702 و6703 و6705 ، دار الفكر ـ بيروت ط2 .
22 ـ
أحكام القرآن | الجصاص 3 : 529 ، المكتبة التجارية ـ مكة المكرمة .
23 ـ
أحكام القرآن | ابن عربي 3 : 1538 ، دار المعرفة ـ بيروت .
24 ـ
تذكرة الخواص | سبط ابن الجوزي : 233 ، مؤسسة أهل البيت عليهم السلام ـ بيروت .
25 ـ
الكشّاف | الزمخشري 1 : 369 ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ط3.
26 ـ
مفاتيح الغيب | الرازي 8 : 71 .
27 ـ
ترجمة الاِمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق | ابن عساكر ، تحقيق محمد باقر المحمودي 1 : 273 ـ 274 | 322 ، دار التعارف ـ بيروت ط1 . وترجمة الاِمام الحسين عليه السلام : 61 ـ 77، مؤسسة المحمودي ـ بيروت ط1 .
28 ـ
منهاج السُنّة | ابن تيمية 3 : 4 و4 : 20 ، المكتبة العلمية ـ بيروت .
29 ـ
تاريخ الاِسلام | الذهبي 3 : 44 و 5 : 95 ـ 96 ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ط1 .
30 ـ
سير أعلام النبلاء | الذهبي 2 : 122 وصححه ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، ط1 .
31 ـ
البداية والنهاية | ابن كثير 7 : 338 ، دار الفكر ـ بيروت ط3 .
32 ـ
الاصابة في تمييز الصحابة | ابن حجر 4 : 270 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت .
33 ـ
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد | الهيثمي 7 : 91 و9 : 119 ، 121 ، 146 ، 167 ـ 169 ، 172 ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ط3 .
34 ـ
تهذيب التهذيب | ابن حجر العسقلاني 2 : 297 ، حيدرآباد ـ الهند ط1 .
35 ـ
الاتقان | السيوطي 4 : 277 ، منشورات الرضي ـ قم ط2 .
36 ـ
الدر المنثور | السيوطي 5 : 198 ، 199 ، مكتبة آية الله المرعشي النجفي ـ قم .
37 ـ
الصواعق المحرقة | ابن حجر الهيتمي : 139 ، 143، 144، 229، مكتبة القاهرة ـ مصر ط2 .
38 ـ
كنز العمال | المتقي الهندي 13 : 163 | 36496 وغيره ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت ط5 .
39 ـ
فتح القدير| الشوكاني 4 : 349 ـ 350 ، دار المعرفة ـ بيروت ط2 .
40 ـ
جميع كتب مناقب أهل البيت عليهم السلام في آية التطهير .
وهناك مصادر أخرى كثيرة يطول المقام بذكرها جميعاً ، وهي بمجموعها تؤكد أن أهل البيت هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاِمام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وهو ما أطبق على روايته الشيعة الامامية وأجمع عليه كافة علمائهم ( وقد أفرد الكثير من علماء الاِمامية آية التطهير بتأليف خاص ) ، ورواه العامة في صحاحهم وسننهم ومسانيدهم وأجمع عليه مفسروهم وأيدته الغالبية العظمى من علمائهم كما تقدم من ذكر رواة الحديث ومصادره .

صحة الحديث حديث الكساء :
لم يقتصر رواة حديث الكساء على روايته وحسب ، بل صرّح كثير منهم بصحته وعدم ترقي الشك إليه :

كأحمد بن حنبل في مسنده ، والحاكم النيسابوري في المستدرك ، والذهبي في تلخيص المستدرك ، والبيهقي في السنن وغيرهم .
وصرّح بعض العلماء بقوله : أجمع المفسرون ، وروى الجمهور
(راجع نهج الحق : 173).
وممن صرّح بصحة الحديث ابن تيمية المعروف بعدائه السافر لاَهل البيت عليهم السلام ومحاولاته في طمس فضائلهم ومناقبهم ، قال في حديث الكساء : (وأما حديث الكساء فهو صحيح ، رواه أحمد والترمذي من حديث أم سلمة ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة) ، منهاج السُنّة 3 : 4 و4 : 20 . وقال بعد أن ذكر طائفة من الروايات التي تؤكد على أن الآية خاصة في أهل البيت عليهم السلام : ( ولما بيّن سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيراً ، دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاَقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصاً به ، وهم : علي وفاطمة رضي الله عنهما وسيدا شباب أهل الجنة ، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) (رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم | ابن تيمية تعليق أبي تراب الظاهري : 22 ، دار القبلة للثقافة الاِسلامية ـ السعودية ط1).
وقال الذهبي في حديث الكساء : (وصحَّ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلَّل فاطمة وزوجها وأبنيهما بكساء ، وقال : « اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي ، اللهمَّ فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» ( سير أعلام النبلاء | الذهبي 2 : 122).
التشكيك في مفهوم أهل البيت :
ممّا تقدم من النصوص الصحيحة والتي فاقت حدّ التواتر يتضح بشكل جلي لا لبس فيه أن المراد بأهل البيت المذكورين في آية التطهير هم الخمسة أهل الكساء لا غيرهم .
ورغم الوضوح في تحديد مفهوم أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير المباركة وحَصَرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الكساء ليؤكد على اختصاصهم بالآية ويقطع الطريق لمن تسوّل له نفسه الادّعاء بشمولها لغيرهم ، فقد حاول البعض التشكيك والتعويم لهذا المفهوم متجاوزاً الصحيح من سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المنقول عن أئمة الهدى وجمع غفير من الصحابة والتابعين .



في هذا السياق تجد آراء وأقوال أخرى
في تحديد المراد بأهل البيت في آية التطهير ، وجميعها مناقضة لسبب نزول الآية المصرّح به في أغلب التفاسير وكتب الحديث ، ومعارضة للسُنّة الصحيحة المتمثلة في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره على ما سيأتي بيانه .
وأهم هذه الوجوه :
أولاً : أن المراد من أهل البيت : النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده ( الصواعق المحرقة : 143 ).
وهذا قول شاذ وغريب ومخالف لما صح وتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين أهل البيت في كتب الفريقين .
ثانياً : أن المراد من أهل البيت : من حرمت عليهم الصدقة من أقارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ، ومستند هذا القول رواية منسوبة إلى زيد بن أرقم (صحيح مسلم 4 : 1873 | 36 . وتفسير ابن كثير 3 : 486 . والجامع لاَحكام القرآن 14 : 183 . وفتح القدير 4 : 350 . والدر المنثور 5 : 198 ـ 199) .
وهذا القول مردود من عدّة وجوه منها :
1 ـ إنّ تفسير زيد للمراد من أهل البيت في آية التطهير اجتهاد منه في مقابل النصوص الصريحة والمتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين أهل البيت .
2 ـ إنّ هذا الحديث معارض بحديث آخر لزيد بن أرقم نفسه ، يثبّت فيه أن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير داخلات في أهل البيت ، فقد سُئل زيد : من
أهل بيته ، نساؤه ؟ فقال : لا وايم الله ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله
( صحيح مسلم 4 : 1874 | 37 . وفتح القدير 4 : 350 . وكنز العمال 13 : 641 . والصواعق المحرقة : 226 . والسنن الكبرى| البيهقي 2 : 148 . ومسند أحمد بن حنبل 2 : 114 و4 : 367 . والمستدرك 3 : 109).
3 ـ إن هذا الحديث يوحي باخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل البيت ، وهو خلاف المشهور والوارد عنه صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء في سبب نزول الآية .
4 ـ إنَّ حرمة الصدقة لا تنحصر بالمذكورين في حديث زيد ، فإن بني عبد المطلب بل وجميع بني هاشم يشاركونهم في التحريم أيضاً ، وهذا يعني دخولهم جميعاً في مفهوم أهل البيت ، الاَمر الذي يناقض الاَحاديث الصحيحة الواردة في تحديدهم من قبل مشرع الاسلام النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم .

ثالثاً : إنّ المراد من أهل البيت خصوص نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
لاَنّ سياق الآية في بيان حالهنّ ، وهذا الرأي منسوب إلى رواية عكرمة البربري ، وإلى عروة بن الزبير ، ومقاتل بن سليمان
( جامع البيان 22 : 7 . وتفسير ابن كثير 2 : 483 . والدر المنثور 5 : 198 . وفتح القدير 4 : 348 ـ 349 . وسير أعلام النبلاء 8 : 208 . وأسباب النزول : 204 . والصواعق المحرقة : 143. ونور الاَبصار : 110).
وهناك رأي آخر متفرع من هذا القول يذهب إلى أن أهل البيت هم علي وفاطمة والسبطان مع زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم
(السنن الكبرى 2 : 150 . وفتح القدير 4 : 350 . والجامع لاَحكام القرآن 14 : 183).
والرأي الثالث قد لاقى رواجاً كبيراً لدى بعض الكتّاب والباحثين الذين احتجوا بورود آية التطهير في سياق الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وفيما يلي أهم النقاط التي تؤكد بطلان هذا القول :

وفيما يلي أهم النقاط التي تؤكد بطلان هذا القول :
1 ـ إن هذا القول منسوب إلى عكرمة ومقاتل وعروة بن الزبير ، وهؤلاء مشهورون بالكذب والخلاف لاَهل البيت عليهم السلام .
أما عكرمة فهو من الخوارج الصفرية وقيل : الاَباضية ، ولا ينتظر من خارجي يكفّر الاِمام علياً عليه السلام أن يجعله من أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير ، فضلاً عن أن عكرمة مشهور بالكذب وخصوصاً على ابن عباس ، فعن عبد الله بن الحارث ، قال : دخلت على علي بن عبد الله بن عباس ، وعكرمة موثّق على باب الكنيف . فقلت أتفعلون هذا بمولاكم ؟! فقال : إن هذا الخبيث يكذب على أبي .
وعن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع : اتق الله ، لا تكذب عليّ كما كذّب عكرمة على ابن عباس .
وقال فيه ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك : كذَّاب .
وقال محمد بن سعد : ليس يُحتج بحديثه .
لذلك حرَّم مالك الرواية عنه ، وشهد معظم أهل العلم بكذبه .
أما من حيث عقيدته الفاسدة ، فقد عُرف عنه أنه يتهاون بالصلاة ، فقد ذُكر عند أيوب بأنّ عكرمة لا يحسن الصلاة ، فقال أيوب : أوكان يصلي ؟!
وعُرف عكرمة أيضاً بطعنه في الدين ، وذلك لمقولاته الباطلة ، منها :
قوله وقد وقف ذات يوم على باب مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما فيه إلاّ كافر !
وكان يحب الغناء ويستمعه ، ويلعب بالنرد ، وكان خفيف العقل ، ولهذا نراهم قد زهدوا فيه وتركوا جنازته ولم يشيّعه أحد ، فاكتروا له أربعة من السودان
(راجع : ميزان الاعتدال في نقد الرجال | الذهبي 3 : 93 ـ 96 ، دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة ط1 . وتهذيب التهذيب 7 : 263 ـ 273 . والطبقات الكبرى | ابن سعد 5 : 287 ـ 289 ، دار صادر ـ بيروت . وشذرات الذهب | أبو الفلاح الحنبلي 1 : 130 ، مكتبة القدسي ـ القاهرة . والضعفاء الكبير | العقيلي المكي 3 : 373 ـ 374 | 1413 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ط1 . ووفيات الاَعيان | ابن خلكان 3 : 265 ، منشورات الشريف الرضي ـ قم ط2 . والمغني في الضعفاء | الذهبي 2 : 438 ـ 439 ، دار المعارف ـ سورية ط1 ) .


وأما مقاتل بن سليمان فشأنه شأن عكرمة في عدائه لاَمير المؤمنين عليه السلام ، وكان من الكذابين والمتروكين ومن القائلين بالاِرجاء والتشبيه .
قال خارجة بن مصعب : كان جهم ومقاتل عندنا فاسقين فاجرين .
وقال : لم أستحلّ دم يهودي ولا ذمي ، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان في موضع لا يراني فيه أحد لقتلته .
وقال الجوزجاني : كان كذاباً جسوراً .
وقال عمرو بن علي : متروك الحديث ، كذاب .
وقال ابن حبّان : كان يكذب في الحديث .
وقال أبو حاتم : متروك الحديث .
وقال النسائي : كذاب ، ثم قال : الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة ، وعدّ مقاتلاً منهم .
وقال الذهبي : أجمعوا على تركه
( راجع : ميزان الاعتدال 4 : 173 . وسير أعلام النبلاء 7 : 201 . وشذرات الذهب 1 : 227 . وتهذيب التهذيب 10 : 279 ـ 285 . ووفيات الاَعيان 5 : 255 . ولسان الميزان | ابن حجر العسقلاني 6 : 82 ، مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت ط2 . والضعفاء والمتروكين | الدارقطني : 64 ، مكتبة المعارف ـ الرياض ط1 . والجرح والتعديل | ابن أبي حاتم 8 : 354 ، حيدر آباد ـ الهند ط1. والمغني في الضعفاء 20 : 675 . والضعفاء الكبير 4 : 238 ـ 241 | 1833 ) .
أما عروة بن الزبير ، فكان ممّن يحملون عداءً شديداً لاَمير المؤمنين علي عليه السلام حتى إنه إذا ذُكر علي عليه السلام نال منه .
وعدّه الاسكافي من التابعين الذين كانوا يضعون أخباراً قبيحة في الاِمام علي عليه السلام
( شرح ابن أبي الحديد 4 : 63 ، دار إحياء الكتب العلمية ط2 . والغارات | الثقفي 2 : 576 ).


2 ـ أما دعوى وحدة السياق باعتبار أن آية التطهير وردت ضمن آيات الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن اختلاف الضمائر بين آية التطهير والآيات السابقة عليها والآيات اللاحقة لها يدلّ على اختلاف المخاطب ، فالخطاب قبل آية التطهير كان موجّهاً لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضمير التأنيث (يانِسَاءَ النَّبيِّ لستُنَّ كأحدٍ مِن النِّساءِ ) ( سورة الاحزاب : 33 | 32 )، ثم جاء الخطاب في آية التطهير بضمير التذكير ، فلو كان المراد بها نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبقي الخطاب بضمير التأنيث (عنكنّ) و (يطهركنّ) ، وقد روي هذا الاستدلال عن زيد بن
علي بن الحسين عليهم السلام ( تفسير القمي 2 : 193 ).
وقال أبو حيان الاندلسي في تفسيره في معرض ردّه على من ذهب إلى اختصاص الآية بالاَزواج : ليس بجيّد ، إذ لو كان كما قالوا لكان التركيب : (عنكنّ) و (يطهركنّ)
( البحر المحيط | أبو حيّان الاَندلسي 7 : 231 ، دار الفكر ـ بيروت ط2 ).
ثم إن اختلاف المخاطب لا يقدح بوحدة سياق الآيات القرآنية ؛ لاَن الانتقال في سياق الضمائر وارد في القرآن الكريم في كثير من الآيات
( راجع : سورة يوسف : 12 | 28 ـ 29 . وسورة الواقعة : 56 | 76 . وسورة المنافقين : 63 | 7 )، ووارد في الفصيح من لسان العرب وأشعارهم وأقوالهم ، وهو أحد وجوه البديع في علم البلاغة العربية ، ويسمى الالتفات .

ومن خلال تتبع الروايات التي تحدّثت عن آية التطهير ، يبدو واضحاً أنها لم تنزل مع الآيات التي تخاطب نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل نزلت بصورة منفردة وفي واقعة معينة وقضية خاصة ، كما توحي بذلك روايات أمّ سلمة التي نزلت الآية في بيتها ( راجع : مشكل الآثار | الطحاوي 1 : 333 . ومستدرك الحاكم 3 : 146 ).
وذلك يدل على عدم صحة الاحتجاج بوحدة السياق التي روّج لها بعض من يهمهم التشكيك في كل فضيلة لعترة النبي المصطفى (صلوات الله عليهم أجمعين) .
3 ـ لقد صرّحت الكثير من الروايات التي جاءت على لسان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم شمول آية التطهير لهنّ ، وقد قدّمنا رواية الترمذي التي أخرجها عن أم سلمة ، أنها قالت : وأنا معهم يارسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنك على خير» .
وأخرج الطحاوي عن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) وفي البيت سبعة : جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ ورسول الله ـ وأنا على الباب ، قلتُ : ألست من أهل البيت ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي» (مشكل الآثار | الطحاوي 1 : 333 . والدر المنثور | السيوطي 5 : 198 .
2) مشكل الآثار 1 : 334 ).


وفي رواية أخرى : قالت أم سلمة : ألست من أهل البيت ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : «أنت إلى خير ، إنك من أزواج النبي ، وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين .
وفي رواية الحاكم : أنه صلى الله عليه وآله وسلم منع زينب من الدخول معهم ، وقال لها : «مكانك ، فانك إلى خير إن شاء الله»
(المستدرك على الصحيحين 2 : 415 . والروايات في هذا المعنى كثيرة ، راجع : أسباب النزول | الواحدي : 203 . والصواعق المحرقة : 143 ـ 144 . ومسند أحمد 6 : 292 و304 . والسنن الكبرى | البيهقي 5 : 112 | 8409 . وكفاية الطالب | الكنجي الشافعي : 212 ، دار إحياء تراث أهل البيت عليهم السلام ـ طهران ط 3) .
فهذه الروايات وغيرها كثير التي جاءت بألفاظ متقاربة قد أخرجت نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مفهوم أهل البيت ، ومن الروايات الاخرى التي جاءت من غير أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم ، ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم وقد سُئل : من أهل بيته ، نساؤه ؟ قال : لا وايم الله ، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله ( صحيح مسلم 4 : 1874 | 37 كتاب فضائل الصحابة ).
4 ـ لقد مارس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إجراءً عملياً في ضمّ علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بردائه ليؤكد نزول آية التطهير فيهم دون غيرهم من أهل بيته وأزواجه وسائر المسلمين ، ولم يكتف صلى الله عليه وآله وسلم بهذا القدر ، بل أكّد على تطبيق هذا المفهوم مراراً ليؤكد للناس أن هؤلاء هم أهل بيته دون غيرهم وليبيّن عظم منزلتهم .
فقد روي عن أبي الحمراء أنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية أشهر بالمدينة ، ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب ، ثم قال : « الصلاة الصلاة ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) » (الدر المنثور | السيوطي 5 : 199 ) ، وذلك بعد نزول قوله تعالى ( وأمُر أهلَكَ بالصَّلاةِ ) (سورة طه : 20 | 132 ) .
وفي رواية اخرى عن أبي الحمراء ، قال : شهدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول : «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) » ( مشكل الآثار | الطحاوي 1 : 338 ).
وروي نحوه عن ابن عباس (الدر المنثور 5 : 199 )، وفي رواية ستة أشهر ، وفي أخرى سبعة أشهر ، وفي ثالثة عشرة ، وفي رابعة سبعة عشر شهراً ، وفي خامسة تسعة عشر شهراً ، وقيل : استمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك إلى آخر عمره الشريف ؛ وذلك بحسب الفترة التي حفظها الراوي أو شاهدها ، وراجع مصادر اُخرى لهذه الاَحاديث : جامع البيان 22 : 5 و6 . وتفسير ابن كثير 3 : 483 . وكنز العمال 16 : 257 . ومجمع الزوائد 9 : 121 و168 . ومسند أحمد 3 : 259 و 285 . والجامع الصحيح 5 : 352 . والمستدرك 3 : 158 وصححه . ومسند الطيالسي 8 : 274 . وأُسد الغابة 5 : 407 و 6 : 78 ـ 79 . والبداية والنهاية 5 : 321 و 8 : 205 وغيرها كثير ) .
ولم يكن هذا الاجراء اعتباطياً من نبي الهدى صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، بل إنه قول وفعل وتقرير ينبىَ عن الارادة الالهية في تحديد المصداق الحقيقي لاَهل البيت في آية التطهير .
5 ـ إن آية التطهير تقضي بإذهاب الرجس الذي هو الذنوب والآثام عن أهل البيت ، وقد صدّر النص بأقوى أدواة الحصر (إنما) لاِرادة التطهير وإذهاب الرجس .
قال الزمخشري : تطهّر من الاثم : تنزّه منه
( أساس البلاغة | الزمخشري : 399 مادة طهر ، دار الفكر ـ بيروت ).


وقال الرازي : ( لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ ) أي يزيل عنكم الذنوب ( التفسير الكبير 25 : 29 ).
وقال الطبري : إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد ويطهّركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيراً .
وروى بسنده إلى سعيد بن قتادة أنه قال :
( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ
الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً )
فهم أهل بيتٍ طهّرهم الله من السوء وخصّهم برحمة منه ( تفسير الطبري 22 : 5 ).
وروي عن ابن عطية أنه قال : الرجس اسم يقع على الاثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص ، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت ( المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز | ابن عطية الاَندلسي 13 : 72 ، تحقيق المجلس العلمي بمكناس ).
فالآية حسب كلام هؤلاء الاَعلام تفيد عصمة أهل البيت عليهم السلام ، وأن الله تعالى أذهب عنهم الذنوب والآثام وطهّرهم من كل ألوان المعاصي ، وذلك مقتضى العصمة .
والسيرة الفعلية لبعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته الشريفة وبعد وفاته تنبىَ بخروجهن عن دائرة العصمة والطهارة من الذنوب والآثام ، فقوله تعالى في بعضهن :
( إن تَتُوبا إلى اللهِ ) (سورة التحريم : 66 | 4 ) يدلُّ على وقوع المعصية ؛ لاَنّ التوبة مترتبة على المعصية .
وقوله تعالى
( فَقَد صَغَت قُلُوبُكُما ) (سورة التحريم : 66 | 4 ) أي عدلت ومالت عن الحق ، وهو صريح بمخالفتهما .
وفي قوله تعالى :
( وإن تَظَاهَرا عَليهِ ) (سورة التحريم : 66 | 4 )، روى البخاري في الصحيح عن ابن عباس أنه سأل عمر بن الخطاب عن اللتين تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أزواجه ، فقال : هما حفصة وعائشة (صحيح البخاري 6 : 277 | 407 كتاب التفسير و 7 : 50 | 121 كتاب النكاح . وراجع مزيداً ) .
وقال الزمخشري في تفسيره لبعض الآيات التي ذكرت ونوّهت بنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (وفي طي هذين التمثيلين بأميّ المؤمنين ـ يعني عائشة وحفصة ـ وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ، لما في التمثيل من ذكر الكفر) (الكشاف 4 : 571) من الاَمثلة عن سيرة حفصة وعائشة التي تدل على خروجهما من آية التطهير في كتاب النص والاجتهاد | الاِمام شرف الدين العاملي : 413 ـ 428 ، وقد نقلها من أوثق كتب الجمهور
.


وأما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

فمعلوم في السيرة والتاريخ موقف عائشة من عثمان وتأليبها الناس على قتله وتسميته بنعثل ، ولما قتل وعلمت بمبايعة الناس الاِمام علياً عليه السلام ، ادّعت أن عثمان قُتل مظلوماً ، وفي ذلك يقول عبيدة بن أبي سلمة وهو ابن أمّ كلاب :
فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا إنه قد كفر
(تاريخ الطبري 3 : 12 حوادث سنة 36 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ط2 . والكامل في التاريخ| ابن الأثير 2 : 313 ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ط1 ) .
ومن ثمَّ خروجها بعد ذلك على الخليفة الشرعي وتجهيزها جيشاً لمحاربته ، وقتل نتيجة تلك الحرب ثلاثون ألفاً من المسلمين .
ومثل هذه الأعمال تخرج صاحبها عن حدّ الطهارة والعصمة من الآثام، سيّما وأن إرادة الطهارة في الآية لا يمكن تفسيرها بالإرادة التشريعية القاضية بإذهاب الرجس عن جميع المكلفين لا عن خصوص أهل البيت عليهم السلام بل هي إرادة التسديد والتوفيق اللذين يمدّ بهما سبحانه بعض عباده الذين يصطنعهم على عينه ، ويختارهم بعلمه ، ويراهم أهلاً لحمل مشعل دينه وهدايته ، ويؤيدهم بتسديده ولطفه بوسائل قد نعلمها وقد لانعلمها ، ومن هنا قال تعالى : ( اللهُ أعلمُ حيثُ يَجعلَ رِسَالَتهُ )
(راجع : روح التشيع | عبد الله نعمة : 424 ، دار الفكر اللبناني ـ بيروت ).
ويمكن القول إنّ الإرادة في آية التطهير إرادة تكوينية خصّ بها الله تعالى أهل البيت عليهم السلام دون سواهم من الناس وحصر ذلك بأقوى أدوات الحصر ، والارادة التكوينية متعلقها الامور الواقعية من أفعال المكلفين ، ومحال أن يتخلف فيها مراده تعالى عمّا يريد (راجع التشيع | الغريفي : 208 ، دار الصبّاغ ـ دمشق ط 6 ).

وقد ثبت من خلال هذه الاَدلة أن آية التطهير لا تشمل نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أنه لم تدّع واحدة من نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزول الآية فيهن مع ما فيها من شرف عظيم ومنزلة تمدّ إليها الاَعناق .
وعليه فالآية خاصة بالخمسة أهل الكساء : النبي وعلي والزهراء والسبطان الحسن والحسين عليهم السلام ، وهو ما ورد في صحيح الاَخبار وقام الدليل على إثباته وبالله التوفيق .



اللهم اغفر لمن اخذنا منه هذا البحث والعاملين معه
العبد المحتاج لرحمة ربه
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري