بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
 أحذر الغضب ممن يحملك عليه
فإنه مميت للخواطر مانع من التثبت
قال إمام علي عليه السلام : إحذر الغضب ممن يحملك عليه فإنه مميت للخواطر مانع من التثبت

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
أحذر الغضبَ ممّنْ يحمِلكَ عَليْهِ
فإنه مُميتٌ لِلخوَاطِرْ مَانِعٌ مِن التثبُت

شرح الحديث :

لوحة مليحة تشرح للمؤمن الحلم : وتمنع الغضب وتعلم للغض كظم ، فحقا بمعناها على كل طيب أن يلتزم ، ويتذكر أيام الأنس مع المسيء المعتدي ، لكي لا تنمحي ذكرياتنا الحسنة وتنسي ، فالغضب فيه فورة العجلة وهي ليس من خلق المؤمن المتقي .
كلام أمير المؤمنين عليه السلام : و
ما أحلاه وأجمله ، في كل يوم يطالعنا بلوحة طلعتها بهية ، فيها كلمات من الموعظة الحسنة الشجية .
 وكيف لا : وهي كلمات مولى الموحدين ، وسيد الوصيين ، وقائد الغر المحجلين ، والمصطفى المختار لهدانا من رب العالمين ، فهو أخو ووصي وخليفة سيد المرسلين صلى الله عليهم وعلى آلهم أجمعين .
فلذا حقا : ترينا ما فيه الصلاح من أخلاق الدين ، وتجعلنا نتخلى عن كل أمر مشين ، وبأحلى الآداب تحلي المؤمنين ، وأسأل الله تعالى أن يحققنا فيها أجمعين .

وأما أصل الحديث فهو ما قال عليه السلام :
احذروا الكلام : في مجالس الخوف ، فإن الخوف يذهل العقل الذي منه نستمد ، و يشغله بحراسة النفس عن حراسة المذهب الذي نروم نصرته .

و احذر : الغضب .
 ممن يحملك عليه .
 فإنه:  مميت للخواطر ، مانع من التثبت .
و احذر من تبغضه : فإن بغضك له يدعوك إلى الضجر به .
و قليل الغضب : كثير في أذى النفس و العقل ، و الضجر مضيق‏ للصدر ، مضعف لقوى العقل .

و احذر المحافل : التي لا إنصاف لأهلها في التسوية ، بينك و بين خصمك في الإقبال و الاستماع ، و لا أدب لهم يمنعهم من جور الحكم لك و عليك .
و احذر حين تظهر : العصبية لخصمك ، بالاعتراض عليك ، و تشييد قوله و حجته ، فإن ذلك يهيج العصبية ، و الاعتراض على هذا الوجه يخلق الكلام ، و يذهب بهجة المعاني .
و احذر كلام : من لا يفهم عنك ، فإنه يضجرك .
و احذر : استصغار الخصم ، فإنه يمنع من التحفظ ، و رب صغير غلب كبير .
شرح‏ نهج ‏البلاغة ج20ص282ح231 .
وهذا الكلام : كريم فيه بيان كثير من الحقائق ، وتكفينا منها في اللوحة ، وإن تعلمناه وطبقناه فهو الخير كله ، وأدب جميل من آداب الدين ، وخلق حسن للمسلمين أجمعين ، ولشرح إن شاء بقية تأتي .
وأسأل الله تعالى : لي ولكم أن يرزقنا الحلم وكظم الغيظ والتريث والصبر على بلاء من يحملنا على الغضب ، وأن لا نستعجل في رد من يهيج فينا سورة العجلة في الرد والانتقام ، حتى نتصرف بحكمة لرده وبأحسن أسلوب وموعظة ، وأن يجعلنا نتحلى بأحسن معاني الأخلاق الكريمة ، ويرفع عن الهوس والتهور ، وحب النفس والتظاهر ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : هذا الحديث هو من باب الحلم ، وكظم الغيظ والصبر على البلاء ، وفيه تعليم وإرشاد لأسباب عدم العجل في المؤاخذة .
كما وفيه تحذير : من العقوبة بسرعة بسبب أي أمر يغضنا ، أو لسبب إتيان أمر من أحد نكرهه حين يسفه علينا .
 لأنه في الغالب : يكون إما صديق أو أخ في الدين ، أو من ألأهل والأحبة ، وقد هفا هفوة أو زل زلة ، وقد عاشرناه  زمانا وكنا نأنس به ونحبه ويعتمد علينا ونعتمد عليه .
فبسرعة الجزاء : والعتاب الشديد والتوبيخ ، يكون قطع لكل خواطر المودة ، وتناسي لكل الذكريات الحلوة والأحوال الصالحة التي عشناها معه .
على أن : ردة الفعل بالعجلة خلاف الحلم ، وخلاف عمل المؤمن الذي لا يسوء الظن بسرعة بمن أخلص له المودة زمنا ما .
كما وإن : على المؤمن أن يكون وقور عند الشدائد ، في نفسه حليم ، كاظم للغيظ ، وأن يكون ثابت الجنان مربوط الجأش ، ويتثبت مما يريد أن يعمله ، وبالخصوص مجازات الصديق أو أحد الأحبة ممن أساء في حقه شيئا ما .

ثم إن الإمام عليه السلام : يبن علل أخرى لم تذكر في اللوحة :
وما ذكرنا من تمام الحديث أعلاه سابقا :
بأن الغضب : وسواء إظهاره أو كتمه في النفس بدون التجاوز عنه وتناسيه ، يدعو إلى الضجر ممن تغضب عليه ، ويكون عقدة في النفس .
فيكون الغضب : سبب لأذى النفس والعقل ويشغلهما بتشنج لا يرتاح الإنسان منه إلا أن ينفث همه وغمه ، وإن كان قادر في العقوبة والجزاء ، فقد يتجاوز على من يغضب عليه بما لا تحمد عقباه ، وتقطع كل علائق المودة وتفقد من نفس الإنسان الرحمة ، ولا يتصف بالعفو والمغفرة .
ثم قال الإمام : أن الغضب بالإضافة لدعوة لضجر لما عرفت ، أن الضجر موجب لقلق النفس ، وضيق أفق الروح ، وموجب للهم والغم .
كما أنه قال عليه السلام : أن الضجر والتسرع في الغضب يوجب ضيق الصدر ، ويؤثر على البدن والروح ويستهلكها بجهد شديد ، فيضعف القوى ويسلب الراحة .
فهذه يا أخي الكريم أسباب : كريمة في الحديث وعلل شريفة تعرفنا ، سبب التريث والبطء في عدم العجلة في مؤاخذة المسيء ، والتثبت لحل المسألة بأحسن صورة ممكنة ، والفكر لأحسن حالة ، وأفضلها العفو ، أو التنبيه والمعاتبة الخفيفة ، التي لا تجرح النفس ولا تؤثر بتمادي الغي في الغير  .
وفي ما ذكرنا من تتمة حديث اللوحة أمور أخلى ليست مذكورة فتجاوزنا عن شرحها لوقت آخر إن شاء الله .

وقد قال الله سبحانه في العفو والتريث وعدم السرعة في المؤاخذة لمن يسفه علينا ويفيضنا :
{ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)
 وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) } الأعراف .
وقال سبحانه وتعالى :
{ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22) } النور .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) } التغابن .

ويا أخوتي : لا يكون العفو إلا عن حق ، وبالخصوص عما يسفه على الإنسان ويغيظه ويغضبه ، وعلى المؤمن أن يصبر ويتجرع مرارته قربة إلى الله ، وبالخصوص من ذوي الأرحام والأخوة المؤمنين ، بل من الناس أجمعين ، حتى نكون دعاة للأخلاق والآداب الإسلامية بأنفسنا ، ويصلح العباد بما يرون من ثباتنا وإحساننا وعفونا ، وللبحث بقية إن شاء الله تأتي بذكر بعض الأحاديث في استحباب عدم الغضب .
وأسأل الله تعالى : يوفقنا لما يحب ويرضى ، ويجعلنا في طاعته أبدا ، وأن يرحمنا ويعفو عنا ويتجاوز عن سيئاتنا ويجعلنا من المحسنين العافين عن الناس ، المتجرعين للغيظ والغضب ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++

وأما الأحاديث التي : تذم الغضب وتحذر مه وتبين مساوئه وآثاره ، وتدعو إلى العفو والصبر وكظم الغيظ والحلم ، فهي كثيرة وهذه قسما منها .
وأسأل الله أن يهبنا الصر وعدم الغضب والحذر منه والحلم ، ويجعله خلاقا كريما لنا ، ويؤدبنا به في كل حين ، فإنه أرحم الراحمين . آمين يا رب العالمين .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
الغضب : يفسد الإيمان ، كما يفسد الخل العسل .

وعن ميسر قال : ذكر الغضب عند أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام فقال :
إن الرجل ليغضب : فما يرضى أبدا ، حتى يدخل النار .
فأيما رجل : غضب على قوم و هو قائم ، فليجلس من فوره ذلك ، فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان .
و أيما رجل : غضب على ذي رحم ، فليدن منه فليمسه ، فإن الرحم إذا مست سكنت .

قال أبو عبد الله عليه السلام :
الغضب : مفتاح كل شر .

الكافي ج2ص303ح1 ح2ح3ح4.


عن سعيد بن يسار عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
إذا وقع : بين رجلين منازعة ، نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما ، قلت و قلت ، و أنت أهل لما قلت ، ستجزى بما قلت .
و يقولان : للحليم منهما ، صبرت و حلمت ، سيغفر الله لك إن أتممت ذلك .
قال : فإن رد الحليم عليه ارتفع الملكان .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
ثلاث خصال : من كن فيه استكمل خصال الإيمان .
إذا رضي : لم يدخله رضاه في باطل .
و إذا غضب : لم يخرجه الغضب من الحق .
و إذا قدر : لم يتعاط ما ليس له .

وقال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم :
أ لا أخبركم : بأشبهكم بي ؟
قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : أحسنكم خلقا ، و ألينكم كنفا .
و أبركم : بقرابته ، و أشدكم حبا لإخوانه في دينه ، و أصبركم على الحق .
و أكظمكم :
للغيظ ، و أحسنكم عفوا .
و أشدكم : من نفسه إنصافا في الرضا و الغضب ؟
الكافي ج2ص112ح9. ص239ح29 .ص240ح35 .

كما ومر كلام في هذا المعنى في حديث قد مر شرحه :
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
 اقبل عذر من اعتذر إليك وأخر الشر ما استطعت .
وأسأل الله أن ويفقنا : للحلم وكظم الغيظ والعفو عن الناس وأن يجعلنا من المحسنين ويحلينا بكل الأخلاق الحسنة والآداب الفاضلة  ، وأن يجنبا الغضب والعصبية وكل الأخلاق المذمومة والرديئة ، بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين ، إنه  أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .


+++
ويا أخوتي الطيبين : هذه أحاديث كريمة ، فيها قصص لطيفة ، وآداب شريفة ، وعالية المعنى مفيدة ، وتشرح نص حديث اللوحة وفي المعنى تزيده ، وهي في ذم الغضب والتحلي بعدمه والتحذير منه ، والظهور بالعفو والحلم وكظم الغيظ .
 أسأل الله سبحانه : أن ينفعنا بها ، ويؤدبنا بآدابها :

عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله علمني ؟
قال : اذهب و لا تغضب ؟
فقال الرجل : قد اكتفيت بذاك .
فمضى إلى أهله : فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا ، و لبسوا السلاح .
فلما رأى ذلك : لبس سلاحه ، ثم قام معهم .
ثم ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تغضب .
فرمى السلاح : ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه .
فقال : يا هؤلاء ، ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر ، فعلي في مالي ، أنا أوفيكموه .
فقال القوم : فما كان ، فهو لكم ، نحن أولى بذلك منكم .
قال : فاصطلح القوم ، و ذهب الغضب .

وعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام أبي جعفر الصادق عليه السلام قال :
إن هذا الغضب‏ : جمرة من الشيطان ، توقد في قلب ابن آدم .
و إن أحدكم : إذا غضب ، احمرت عيناه ، و انتفخت أوداجه ، و دخل الشيطان فيه .
فإذا خاف : أحدكم ذلك من نفسه ، فليلزم الأرض ، فإن رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
الغضب : ممحقة لقلب الحكيم .
و قال : من لم يملك غضبه ، لم يملك عقله .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
من كف : نفسه عن أعراض الناس ، أقال الله : نفسه يوم القيامة .
و من كف : غضبه ، عن الناس .
كف : الله تبارك و تعالى عنه ، عذاب يوم القيامة .

وقال الإمام الباقر عليه السلام :
من كف غضبه : عن الناس .
كف الله : عنه عذاب يوم القيامة .
الكافي ج2ص304ح11 ، 12 ، 13 ، 14 ، 15 .

وأسأل الله سبحانه لي ولكم : العلم والحلم ، والصبر والثبات ، وعدم الغضب إلا لدينه ، وأن يحققنا بكل آداب الدين وما أنزل من الأخلاق للمؤمنين ، وأن يرزقنا نعيمه وبركاته ، ويكف عنا غضبة وعذابه الآن ويوم القيامة ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com