بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
إنما الدنيا فناء ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت
ولقد يكفيك منها أيها الطالب قوت

 

إنما الدنيا فناء ليس للدنيا ثبوت إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت ولقد يكفيك منها أيها الطالب قوت : من أطاع إمامه فقد أطاع ربه من يطع ربه يفز

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
إنما الدنيا : فناء ليس للدنيا ثبوت .
إنما الدنيا : كبيت نسجته العنكبوت .
ولقد يكفيك : منها أيها الطالب قوت .

شرح الحديث :

زينة الدنيا وجملها في لوحة خلابة : ينورها شعر لأمير البيان ينير الهدى طلابه ، فيتزن من يتبصر بها فلا تكون الدنيا لدينه سلابة ، أحسنتم التصوير وبأجمل هيئة وتقدير ، بارك الله فيكم .
دنيا : تزينت وأزهرت ، وتجملت وأسفرت ، وعن محاسنها كشفت : فعشقها طلابها ، وأستأنس بكل ما فيه من الخير والنعيم أحبابها ، وحرص عليها وبخل بها من لم يعرف كيف يكون كمالها ، فنسوا حظهم من الحياة الدنيا فضلا عن الآخرة من نظر إليها ، فجعلها أكبر همه وغايته ولم ينظر لعواقبها .
 فطلبها بالحرام : حريصا عليها وشح بها فعاش عيشة الفقراء ، وكان عند الله وعباده من الظالمين لأنفسهم بل من اللعناء ، وجد السعي فيها فلم يجعل لنفسه تنفس ولا لبدنه حقيقة الراحة والهناء ، وإن ملك زينتها بسعة لكنها صار غاية فكره وذكره جمعها والبخل بها فلم يصبه إلا العناء .
 أي لم يبصر بها : ليرى أحوالها ، وكيف يكون مصير سكنها ، وأين ذهبوا بعد ما ملكوا ، وما يصيبهم إن عاشوا ، وما تريهم فيها أمراضها وبلائها ، وشدة حودث تصيب طلابها .
وأما المتبصر بها : يراها زوال وفناء ، والركون إليها والتسليم لها غباء ، وإنما هي هاوية ليس بباقية ، ولا ثبوت لها ولا استقرار فيها بل هي فانية ، وإن تقلب الدهر فيها وبلاءها يجعلها أهون تمزقا من بيت العنكبوت ، ورأى بعين اليقين أنه يكفيه منها حلال القوت .
  فأجمل الطلب : وفي السعي أقتصد ،  فلا أفرط بالحصول عليها ولم يفرط فيما له اجتهد ، فأكلها وسكنها كما أكلها الأغنياء ولم تكن تمام الغرض ولا غاية والمقتصد ، بل نظر للدار الأخرى وقدمها لها ، ولم يأكل إلا من حلالها وطيبها وطاهرها .
فعفت نفسه : عن زينتها إن كانت حرام ، ولم يظلم أحد فيها فيكون من اللئام ، ولم يجعلها غاية أمله فعاش فيها عيشة الكرام ، فهذا على ما أعتقد كان قصد شعر الإمام عليه السلام .

وأما أصل الشعر وتمامه فهو في ديوان الإمام علي عليه السلام :
إنما   الدنيا  فناء - ليس للدنيا  ثـبـوت
إنما  الدنيا  كبيت  - نسجته  العنكبوت
و لقد يكفيك منها - أيها الطالب قوت
و لعمري عن قليل - كل من فيها يموت‏
ديوان الإمام علي عليه السلام ص 116 .

 وإن شعر الإمام عليه السلام : إحساس وعبرة وموعظة ، وجمال وفن لمن تذوقه ، وحقا ما جاء عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
إن من : البيان سحرا .
و من : العلم جهلا .
و من : الشعر حكما .
 و من : القول عيا .
الجعفريات ص230.
فهذا : حكيم العرب وسيد المؤمنين ، وأشعر أهل الأرض في بيان حقائق الدنيا والدين المبين ، تدبر شعره بجمال منظره وبمختصره ، تراه أفضل موعظة لمن تدبره ، فهو خلاصة الحكمة ، وأصل العلم وأجمل البيان ، وفيه الرشد والهدى لمن كان للدنيا له حنان ، فيبصره بها ويعرفه حقيقتها ومآلها ، وما يجب عليه العمل فيها وبها .
 وكأن هذا الشعر الكريم : يحكي قصة وحقائق أحاديث غراء في الحكم والموعظة سابقة ، صاغتها بكل روعة الفن والجمال الأخت سمير عربيد الأشمر ، في لوحات رائعة المنظر ، فكان هذا المنظر و الشعر الكريم ، خلاصة لهذه المناظر والحكم وغيرها ، والتي شرحنا قسم منها .
فتدبروا يا أخوتي الطيبين : في الشعر وفي هذه الأحاديث الآتية ، فترون فيه أفضل الحكمة وأحسن الموعظة ، وبحق إنها غرر الحديث ، ودرر الكلام ، فلا يصاب ولا يمكن الحصول عليها ، إلا من أقوال سادة الأنام عليهم السلام .
ولنتدبر الشعر : و  الأحاديث السابقة ، فنرها مختصر في الشعر حاضرة في معناه ، وكأنه فيه جمعها عليه السلام علما ومعنا وفن ، وهو يرشدنا لما فيه خيرنا وصلاحنا دنيا وآخرة   :

قال أمير المؤمنين عليه السلام :
 ليكن أحب الناس إليك : من هداك إلى مراشدك . وكشف لك عن معائبك  .
نال المنى : من عمل لدار الآخرة .
 ذكر الآخرة : ينسي مشقة الدنيا ، الدنيا معبرة الآخرة ، غاية الدنيا فناء .
لا تشمت : بالمصائب ، ولا تدخل في الباطل ، ولا تخرج من الحق .
عجبت للبخيل : يستعجل الفقر الذي منه هرب ، ويفوته الغنى الذي إياه طلب ، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء .
وقال عليه السلام :
ما أصف من دار ، أولها عناء ، وآخرها فناء ، في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، ومن استغنى بها فتن ، ومن افتقر فيها حزن .
من حذرك : كمن بشرك ، من تجرأ لك تجرأ عليك .
من رضي بالقضاء : استراح ، من رضى بالقضاء طاب عيشه ، نال الغنى من رضي بالقضاء .
من أطاع إمامه فقد أطاع ربه ، من يطع ربه يفز .
ما المجاهد : الشهيد في سبيل الله بأعظم أجرا ، ممن قدر فعف ، لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة .

وأسأل الله لي ولكم يا أخوتي الكرام : أن يبصرنا الله بالدنيا ، فلا نطلب منها إلا حلالها ، ولا نأكل إلا من طيبها وطاهرها ، ولا نبخل بالحق الواجب علينا مما ملكنا من زينتها ، ولا نحرص عليها فتكون أكبر همنا وغايتنا ، وأن يجعلنا سبحانه بما انعم علينا منها له به مطيعين ، وبما علمنا أهل الصراط المستقيم من أئمة الحق نبينا الأكرم وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم مخلصين له الدين ، وأن يتفضل علينا برحمته وبركاته ونعيمه في الدنيا والآخرة بسعة الفضل والرضا حتى نكون فيهما سالمين غانمين ، فإنه أرحم الراحمين ،  ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
+++
منظر رائع : يمثل الدنيا وزهرتها ، ومن أحوال الأرض أجمل زينتها ، و أحلى ما يبهر من زخرفها ، أنهار وخضار ، طيور وأنهار ، وسماء زرقاء صاحية ، وغيوم متفرقة في الأجواء متتالية ، وأنهار رقراقة صافية ، وأشجار وورود حمراء قانية ، وكلمات في الموعظة حسنة عالية ، وأمل يقيم العدل يتقدم بأناة ، يجعل المؤمن يتطلع لأحل حياة ، وكأنها دائمة ليس لها ممات .

ولكن هيهات : فإن الدنيا بكل ما فيها فانية ، وأيامها قصير لم تثبت على حال وتسير بالثانية ، والأحوال فيها متغيرة متوالية ، وتهدم أجمل اللحظات العالية ، فتجعلها سافلة دانية ، وتنغص أحسن الأحوال فتصير الحياة  مثل بيوت العنكبوت متهاوية .
فهنئا لمن : أجمل الطلب فيها بقوت ، ولم يحرص ولا يبخل فيها حتى يموت ، ويعيش فيها طيب النفس لم يهتم لما منها يفوت ، ولا يفرح بها إلا حين يقدم خيرها للآخرة ، ويشكر ربه على ما أكرمه من نعمه الفاخرة ، ويرجو بطاعته رضاه وثواب جنته العالية ، فيعش عيش السعداء في دارين ، ويكون مع الطيبين الطاهرين في الحالين .
وهذا المنظر الجميل : وما فيه من العبرة التي تجعلنا نعمل بالعدل في أحوال الشهوة والغضب والفكر بعقول متفتحة ، فنواجه زينة الحياة الدنيا بالعفة والشجاعة بحكمة ، فنعدل و نطلب فضل المنعم علينا ونشكره ليزيدنا رحمته ، ونبقى دائما أبدا بدون فناء في سعادة ونعيم في كل مراتب الآخرة .

ويا أخوتي الطيبين : فما ترون من هذا الجمال في المنظر والحديث ، عظة للمتعظ ، وحكمة لمن يطلبها ، وبيان معبر لمن يعتبر بها .
فإن ما بين أيديكم من المنظر : أجمل خلق الله ، وأعلى هدى الله ، بلسان مولى الموحدين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام ، يهذب أخلاقنا ، ويحذرنا ليرشدنا ، فتفكر فيه مليا ، ولا تهجره كليا .
فيا طيب  : إن تدبرت به وعرفت حكمته فبها ، وإلا إليك بالإضافة لما عرفت  بعض كلام مولى الموحدين يفسر اللوحة الجميلة والمنظر الرائع بما فيه من شعر ، فتابع البحث .
 واسأل الله أن يجعلنا معه ومع آله الطيبين الطاهرين في الدنيا والآخرة ، إنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++

 

 

 قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : في شرف ما في زينة الدنيا ، وحقيقته ، وليعتبر من يعتبر ، وليطلبه بالحلال ، وينفقه فيما يبقى له في الآخرة ، أي يصرفه ولا يريد به إلا التقرب لله تعالى ، فيأكل ويشرب ويتزين وينكح ويشم ، ليتنعم بنعم الله ويتقوى بها على طاعته وما ينشر هداه وليشكره بها .
إنما الدنيا ستة أشياء : مطعوم و مشروب ، و ملبوس و مركوب ، و منكوح و مشموم .
فأشرف المطعومات : العسل ، و هي مذقة ذبابة .
و أشرف المشروبات : الماء ، يستوي فيه البر و الفاجر .
و أشرف الملبوسات : الحرير ، و هو نسج دودة .
و أشرف المركوبات : الخيل ، و عليها يقتل الرجال .
و أشرف المنكوحات : النساء ، و هي مبال في مبال ، و أن المرأة : لتزين أحسن ما فيها ، و يراد أقبح ما فيها .
و أشرف المشمومات : هو المسك ، و هو بعض دم .
مجموعة ورام ج1ص140.

قال أمير المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام : و من كلام له في التزهيد من الدنيا و الترغيب في الآخرة :
أيها الناس : إنما الدنيا دار مجاز ، و الآخرة دار قرار .
فخذوا : من ممركم لمقركم ، و لا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم .
و أخرجوا : من الدنيا قلوبكم ، من قبل أن تخرج منها أبدانكم .
ففيها : اختبرتم ، و لغيرها خلقتم .
إن المرء : إذا هلك .
قال الناس : ما ترك‏.
و قالت الملائكة : ما قدم لله آباؤكم .
فقدموا : بعضا ، يكن لكم قرضا .
و لا تخلفوا : كلا فيكون فرضا عليكم .
نهج البلاغة ص321ح203 .

كان أمير المؤمنين عليه السلام : بالكوفة ، إذا صلى بالناس العشاء الآخرة ، ينادي بالناس ثلاث ، مرات حتى يسمع أهل المسجد :
أيها الناس : تجهزوا يرحمكم الله ، فقد نودي فيكم بالرحيل .
فما التعرج : على الدنيا بعد النداء فيها بالرحيل .
تجهزوا : رحمكم الله .
و انتقلوا : بأفضل ما بحضرتكم من الزاد و هو التقوى .
و اعلموا : أن طريقكم إلى المعاد ، و ممركم على الصراط .
و الهول الأعظم : أمامكم ، و على طريقكم عقبة كئود ، و منازل مهولة مخوفة ، لا بد لكم من الممر عليها و الوقوف عندها .
فإما : رحمة الله جل جلاله ، فنجاة : من هولها ، و عظم خطرها ، و فظاظة منظرها ، و شدة مخبرها .
و إما : مهلكة ، ليس بعدها انجبار.
الأمالي ‏للمفيد ص198م23ح32 .

فيا أخوتي الطيبين : فإن كانت الدنيا فانية ، وكل شيء فيها إلى فناء ، ويكفي منها قوت ، فالآخرة باقية ، وفيها المؤمن مكرما معززا في أفضل الأحوال وأحسن الأوقات ، لا ينغصه شيء .
وإن الآخرة : ليس مثل الدنيا كنسج العنكبوت ، تخرب بأبسط البلايا والمنغصات ، بل فيها يقال : كشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد ، ويبقى الإنسان المؤمن منعما مكرما برحمة الله ، وغيره في عذاب شديد ونار لا تنطفئ ولا تبيد بل تقول هل من مزيد  .
 قد مر الكلام : في فناء الدنيا وأحوالها في بحوث تشرح الأحاديث التي ذكرت في صور سابقة ، ونكتفي بهذا .
وأسأل الله : أن يجعلنا ممن طلب الحلال الطيب الطاهر ، وممن أدى الواجبات وانتهى عن المحرمات ، وفاز بالباقيات الصالحات ، فيترك الدنيا بعد عمر طويل في صحة وعافية وسعة من الرزق الكريم ، ويخرج من أفنائها وفنائها ، أحياء بنور الله ومكرمين بثواب الله ، وباقيين خالدين في نعيم الله ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com