بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
 مَنْهُومَانِ لاَ يَشْعَبَانِ :
طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا
قال أمير المؤمنين عليه السلام : منهومان لا يشعبان طالب علم  وطالب دنيا

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
مَنْهُومَانِ : لاَ يَشْعَبَانِ :
طَالِبُ عِلْم ، وَطَالِبُ دُنْيَا .

شرح الحديث :

منهوم ولع مشتاق متيم أنس فرح يا طيبين : محب مؤمل منتظرا كل يوم وصل لوحات من زينة الدنيا تسر الناظرين ، وأتقرب برؤيتها والتطلع إليها ومعرفة ما فيها بتفكر وتدبر إلى رب العالمين ، فإنها صور جمعت الدين والدنيا والعلم والعمل وفيها معارف كريمة خالصة الهدى للمؤمنين ، فهنيئا وطوبي لمن عشقها بقلبه وعانقها بعقله فجعلها عقيدة له حتى اليقين ، فيسلم نفسه لما تحله وتأمره ويمنع روحها عما تنهاه وتحرمه ليكون من عباد الله المخلصين ، وله رضا الله وثوابه وجنة عرضها السماء والأرض يرتع ويتمتع فيها وهو من الآمنين .

يا أخوتي الكرام الطيبين : المنهوم هو الذي لا يشبع من جمع الأشياء ، والولع الذي شغفه حب أمر وضاء ، وحريص وجشع في طلب العلم أو زينة الدنيا بكل الأحوال والزمان على السواء ، وهما عنده سب سعادته معارف تخصه في تخصصه ، أو أكل كان أو مال أو أثاث أو أسباب أو سائل لنفسه مباشرة ، أو لبدنه أو لما يحيط بها من حوائج حياته ومرافقه ، فيحب أن يرفه عن روحه ويروح عن بدنه ويسر بما حوله مما يكتسبه ، فيسعى مجدا لتحصيل ما تميل إليه روحه وما تحبه نفسه منهما ويعتقد أنه حسن فيقتنيه ويمجده .
فإن ولعت روحه ونهمت : بالعلم فهو المنهمك حقا لا يرى غيره ، ويشغل فكره ويوله عقله ، ويكون هو فرحه وسروره ومأكله وملبسه وأنسه ، وفي الغالب من هؤلاء تراهم هم الموفقون فيجمعون العلم في تخصصهم والدنيا لأنسهم ، فإن كان في علمهم وعملهم  نية رضا الله ويخرجون ما يملكون في شكره وطاعته ، فهم  في أعلى مقام في نعيم الدارين ولهم الكمال كله ، فهنيئا لكل عاقل طلب العلم و أكل الدنيا والآخرة ولم ينقص شيء من فرح روحه وسرور واطمئنان نفسه  .
وإن ولعت روحه ونهمت : بجمع زينة الحياة الدنيا ، ولم يفكر بالعلم ، وهمه وغاية زخرف الحياة الدنيا وما فيها ، فيكون كما قالوا : قيمته وحقيقة ما يخرج منه ، وتراه أجمل ملبسه وأحسنه حرير من مقابر دودة القز ، وأحلى أكله وألطفه عسل من فضلات زنبور النحل  ، وأوسع محله وأزينه حجارة تلمع تملك روحه ويخاف أن تخرب أو تسرق ، ولها يفرح إن حصل عليها وإن فقدها حزن عليها متأسف ولها في الحالين قد رق ، وبالخصوص إن صغرت نفسه فيرى كماله لا يتم إلا بفحم تغير فصار ماس أو ما يشابهه يمس جسمه ، فتكون روحه سجينة لا يطلقها أحد إلى عزرائيل أو جنده ، ثم إلى حساب شديد في حلالها وعقاب في حرامها ولا أحد له يشفع له وهو في رمسه ، إلا أن يكون قد كان كسبها بالحلال و شكر أنعم الله وأخرج حقوقها فهو من القلة الذي يأنس  بما قدم لآخرته من أمسه ، وهو في روضة من رياض الجنان قد فاز وقد يكون معه عرسه ، وإلا فإلى سجن لا خلاص منه في حفرة من حفر النيران ويصرخ ولا أحد يسمع حسه ، ويندم ويتأسف ويتحسر لما أضاع من عمره وخسر ما يملك كله ، ولا رجعت له ليصلح شيء مما أفسد من دينه ودنياه وآخرته وروحه وجسمه وماله وأصله وفطرته وأسه .
فيا أخوتي : ما في الحديث كلام حق ، يجب على كل مؤمنين بمعناه أن يتدبر ويتحقق ، ولا  ويفارقه كقراءة جرائد بما فيها قلما الإنسان قد أهتم أو صدق ، فإنه الجد ، والعلم والعمل ، وما تحيط به روحك وبدنك ، بل وفكرك ، فضلا عن ناظرك ومسمعك أو مشامك وذائقك ، يكون حقيقتك وأصلك ويصير سعادتك وأنسك .
ولا تجعل : أكبر همك ما تجمعه لمأكلك وملبسك ومسكنك ، ولا تفكر كيف أخذته  ولا ما يجب أن  تعمل فيه كأنه دائم لك ، فإنه في طول المدة لا ينفعك ، وفي الآخرة تسلمه ويسلمك ، ولا يفك الروح هناك ملئ الأرض فداء ، لأنه ما لم يقدم للآخرة ويشكر به الله يصير منثورا هباء ، وتحاسب عليه حساب شديدا وتجزى تفضلا أو وفاء ، أو عقاب شديدا لا تقوم له أنت ولا أرض ولا سماء .

ويا أخوتي الكرام الطيبين : الحديث جمع بين العلم وهو أس الروح وحقيقة الحياة ونور النفس ، والدنيا زينة تحيط بالبدن من قريب أو بعيد .
وشتان بين الأمرين ، ثم كلا منهما مع اختصاص كل منهم بما يخصه ، يكون إما حق وحلال وفي طاعة الله ، أو لا ليس له سبحانه به نصيب ولا يشكر عليه ، فيكون كلا منهما إما سبب لسعادة الإنسان أبدا ، أو لشقائه دائما .

والله سبحانه : عرفنا كل ما يقرب إليه أو يبعد عنه منهما ، وحقوقه في كسبه وصرفه وما يحسن به كلا منهما ، وما يجب علينا ومما يصلحه ويبقيه أبدا منهما ، أو ما يضيعه ويجعله وبالا على مالكه كلا منهما  .
وأسأل الله العزيز الحكيم والبر الرحيم : أن يرزقنا العلم وحلال زينة الدنيا ، ويوفقنا لأن نجعلهم في طاعته وعبادته ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
 

 

++

ويا أخوتي المؤمنين : حول أمور الدنيا وما يجب العمل بها سواء الجود أو البخل بها والعمل بالخيرات وغيرها من أمورها فقد تكلمنا في كثير من شرح اللوحات السابقة .
والآن نذكر : فضل العلم وأهميته في كتاب الله ،  ثم نذكر الأحاديث في أحوال العلم والدنيا بقدر ما يسمح به الوقت .
ونذكر أولا : أعلى مراتب العلم الإلهي ، ثم علم من علمه الله بعدما علم إخلاصهم وفضلهم فاجتباهم وأختارهم لتعليم عبادة ، وهم مصداق للحرص على العلم والتعلم بحق ، ونهمهم للعلم وشغفهم بالتحقق به بفضل الله ، وبولع لم يقع لإنسان غيرهم به مثله ، ولذا أن الله سبحانه طلب من كل العباد التعلم منهم ، وبنفس البحث نعرف شرف العلم وأهميته وما يجب علينا العلم به والظهور به من العلوم حتى يصل الإنسان المؤمن لأحسن غاية وأشرف غرض خلقته ، فيكون قد جميع بين خير الدنيا والآخرة ونعيمهما .
وإن الله سبحانه : هو  العالم العليم  و الحكيم الخبير ، والسميع البصير ، و الرقيب الحسيب  .
وهو تعالى : عالم الغيب والشهادة ، ولا يخفى عليه العلم بشيء خلقه أو ظهور فعله وحاله وشأنه ، وهو عالم السر والسرائر والضمائر،  وعالم وعلام بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض ، فهو : الشهيد ، والهادي ، وسريع الحساب ، وأسرع الحاسبين ، والحفي . وغيرها من الأسماء الحسنى التي تقع تحت اسم العليم من الأسماء الحسنى ، وهو سبحانه أكد بأنه محيط بكل شيء علما ، وأنه لا يحاط به ولا بعلمه علما ، وأنه من علمه هو العالم الحق ، ويمكن أن يقود الإنسانية بصراط مستقيم لكل نعيم .
والعلم الإلهي : بحثه واسع جدا في الحكمة وعلم الكلام ، والفلسفة والعرفان ، بل في معارف الهدى والتفسير والحديث ، ونذكر بعض الآيات في العلم الإلهي الواسع العظيم ، لنعرف أهمية العلم وسعته وعلوه ، وأن من الأسس التي يجب أن يهتم بها الإنسان في تعاليم الدين ، حتى يراقب حاله ويعلم علم الله ويظهر به بحق العلم الذي يرضاه ليسعد في الدارين .
قال الله سبحانه : يعلمنا علو علمه وعظمته وسعته وأحاطته بكل شيء :

{ إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى
 يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95)
 فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) } الأنعام .

وقال سبحانه وتعالى : يعرفنا علمه بكل شيء وأنه حكيم خبير وبكل شيء كبيره ودقيقة ولطيف :
{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ
يَقُولُ كُن فَيَكُونُ
قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) } الأنعام.

وقال من أحاط بكل شيء علما سبحانه :
{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) } الطلاق .

وقال السميع العليم أن يعلم قولنا :
{ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) } الأنبياء .
بل يعلم سبحانه ما تكن الصدور :
{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)
وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (75) } النمل .
وعلم الله بكل شيء : لخلقه ولهدايته لأحسن غايته توجد آيات كثيرة .
ولكن علمه سبحانه بنا : بل ما في نفوسنا ونياتنا ، ليحاسب من يتقرب له بطاعته ويخلص لوجه فيثيبه ، ومن لا يريد به وجه الله فهو له عذاب الحرمان من نعمه ، والله ليس بظلام للعبيد ، ولمعرفة هذا المعنى في العلم والجزاء ، وما يجب علينا أن نعلمه ونظهر به من العلم، نذكر قوله تعالى :
{ لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ
وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء
وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء
وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ
بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)
لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا
وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } البقرة .
فهذه : الآيات الكريمة الأخيرة من سورة البقرة يستحب حفظها وقراءتها بعد الصلاة وعند النوم ، وهي تعرفنا حكمة الخلق وما يجب عمله .
 وهذا مختصر : في سعة العلم الإلهي وعظمته وأحاطته .
ومن يعلم : أن الله عالم به يحاسبه على نيته وفكره فضلا عن عمله ، فلابد للمؤمن أن يؤمن بالله وعظمته وملائكته وكتبه ورسله ، وأن يسمع القول ويتبع أحسنه , ويعمل بما علمه الله تعالى وهداه ، ويطلب من الله تعالى أن يغفر له ما غاب عنه أو قصر فيه ، وأن يؤيده على كل كفر وضلال الكفار وأتباعهم ومن هم أمثالهم .
وهذا مختصر : في بعض معارف عظمة وعلو العلم الإلهي ودقته ، وما يجب علينا الإيمان به ، وما يجب أن نطلع عليه بولع وحرص ، بل وأن ننهم منه ونشتاق له ونشغف به ، لنفوز ونفلح ونسعد وننعم في الدارين  .
 وأسأل الله العليم الخبير : والحكيم الحسب ، أن يعلمنا ويهدينا لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا في طاعته وعبوديته بكل هداه ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++++

ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا معارف كريمة في عظمة وسعة العلم الإلهي وإحاطته بكل شيء ، وأنه سبحانه عليم وعلام الغيوب وعالم الغيب والشهادة ، ويعلم ما في النفوس ، وأنه كل شيء أحصاه وبالخصوص ما يخص كل عبد مكلف ليجازيه عليه ، فلابد أنه سبحانه أختار وأصطفى أكرم خلقه وأعلمهم فعلمهم هداه ، وخصهم بدينه وما يعبد به ، وما به صلاح العباد في كل أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم ، كما أنه سبحانه أمر العباد أن يتعلموا ممن جعلهم راسخون بعلمه وأحاطهم به ، حتى يستطيعوا أن يتقربوا له بما يحب ويرضى من الهدى .
وظهور علم الله : في كتابه القرآن الكريم ، وجعل أطيب خلقه وأطهرهم  راسخون به ، يعلمون محكمه ومتشابهه وتأويله ، وأمرهم بأن يظهروا به بكل كلامهم وفعلهم وسيرته وصفاتهم .
لهو من أجمل ظهور علم الله العليم الحكيم : في التكوين ، ويبين غاية الخلقة المحكمة الصنع والدقيقة الهدى ، وإن الله بحق علي عظيم ، وعليم قدير وسميع بصير ، وحكيم خيبر  ، وأنه قد أحسن كل شيء صنعا ، وإلا لو جعل أي كان يعلم هداه ويطالب عباده بدين واحد لا اختلاف فيه  ، لما عرفنا أنه بحق عليم حكيم ولا خبير بصير ، ولا غيرها مما يدل على شيء من شؤون عظمته ولا شيء من معارف هداه بالحق ، لأن كل إنسان يدعي أنه أعلم ويفهم ويعرف بما يراه فكره ويجتهد به ويستحسنه وقول هو هذا حق الهدى ، وما أكثر من يدعي العلم ويقيس ويعلم فكره دين ، ولذا أختلف المسلمون مذاهب وفرق .

ولذا يا أخوتي الكرام : لكي نعرف ضرورة ظهور علم الله فيمن أختارهم وعلمهم ، لنعرف أوسع العلم وأفضله وأهمه لنولع به ونحرص على طلبه ونتعلمه ، ونشتاق لتحقق به ونعشق الظهور والتجلي بمحاسنه .
 يجب : أن نعرف معرفة كريمة في تجلي علم الله بمن أختارهم من أفضل خلقه ، ثم كيف خصهم بعلم ، ثم نذكر ضرورة التعلم منهم لا من غيرهم لنسير بصراط مستقيم لهدى الله ، ووفق علم المنعم عليهم بالهدى لنفوز و ننجى ، ولكي لا نضل ولا نخزى .

قال الله سبحانه وتعالى : في تعريف أنه بعد أن خلق كل شيء ، وأنه محافظ عليه بقيومية ، جعل شفعاء أذن لهم بما يريد من علمه ، ويحيطون بما يشاء منه ، مما يخص هدى العباد ، حتى يتبين الرشد بهم ونخرج من الظلمات إلى النور ، وهو نور الهدى والعلم الإلهي الحق ، وحين نتمسك به ندخل تحت ولاية الله تعالى  ، ونخرج من الغي الذي يعلمه ممن يطغى على من علمهم الله سبحانه ، ونبتعد عن أولياء الطاغوت الذين يخرجون من نور الفطرة إلى ظلمات الغي وما لهم من عاقبة النار والخلود فيها.
 قال الله سبحانه .
{ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ
لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ
 مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ
إِلاَّ بِمَا شَاء
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) } البقرة .

آية الكرسي : آية كريمة وهي سيد آي القرآن وأعظم آياته ، وقد بينا فضلها ، وشرح جزءا مهم منها في :
صحيفة سيادة آية الكرسي من موسوعة صحف الطيبين .
وآية الكرسي : عظمتها وجلالها وسيادته ، هو لما تعرفنا من عظمة وكبرياء جلال الله  سبحانه ، وتجليه في التكوين كله وسعته ، وفضلا عن كلمة التوحيد وعلوها .
في آية الكرسي : أنه تعالى الحي القيوم ، والحي هو القادر العالم الفعال الذي يظهر تجليه في كل شيء ، والقيوم هو من يقوم بحفظ ما خلق تكوينا وهدى .
والله سبحانه بعد ما عرفنا هذا : علمنا بأنه سبحانه يعلم كل ما يخص خلقه وعباده سواء ما قبل الخلق أو ما بعده ، أو ما يعلمون ويعملون في ماضيهم ومستقبلهم ، فهو أحاط بكل شيء علما .
وإن العباد : لا يمكنهم أن يعلموا علمه ويشفعون به بتعليمه لغيرهم إلا بإذنه ، فمن يأذن له يمكن أن يشفع بعلمه  .
 وأنه سبحان أكد هذا المعنى : وهو أنه لا يحيط العباد بعلمه إلا بما شاء لم يشاء ويأذن له ، و أنه سبحانه يعلم ويعرف من يختارهم ويصطفيهم ،  وهذا الأمر يحفظ كل التكوين خلقا وهدى وغاية ، ولا يشذ منه شيء وهو العلي العظيم ، وهو فوق ما يمكن أن نتصور من علمه وحكمته .
والله سبحانه العليم : جعل ليلة القدر في كل سنة يوم ، وعظمها فجعلها خير من ألف شهر ، وأنه سبحانه ينزل علمه من كل أمر لمن يختاره ويخصه  بعلمه :.
وأن الروح : وهو الذي ينزل بالعلم على نبينا ، ينزل في ليلة القدر وتحفه الملائكة ، على ولي أمر الله الذي يحيطه الله العليم بعلمه ، وبأذنه .
فبين سبحانه أذنه في آية الكرسي : حين قال من ذا الذي يشفع بعلمه إلا بأذنه ، أن إذنه في ليلة القدر مختص بوليه ولي الأمر .
لأنه لا يستحق العلم : من كل أمر ، وهو علم عظيم ، وأن يكون عالم من كل أمر يهم العباد والهدى إلا ولي الأمر وإمام العباد وخليفة رسول الله .
ولا يكون كل أمر من علم الله : لكل أحد من العباد ، بل هو حقا واقعا وصادقا بكل يقين لآل محمد عليهم السلام ، وفي هذا المعنى روايات كثيرة .
 ولم يدعي هذا المقام : أحدا على طول تأريخ الإسلام إلا هم ، وهم الصادقون المصدقون في آية المباهلة والتطهير ومودة القربى والولاية والإمامة وغيرهن .
وتشهد لها آيات كثيرة : سواء ما يلحق  آية الكرسي ، من تبين الرشد كله وعلى طول الزمان ، ومن ظهور ولاية الله ونوره في أولي الأمر ، لأنه عرفنا أنه لابد من وجود ولي الأمر دائما على طول التأريخ ، لأنه قال :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
أَطِيعُواْ اللّهَ
 وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ (59) } النساء .
وأولي الأمر : منكم هو الذي ، ينزل عليه  كل أمر الله في ليلة القدر ، وهو كما في قوله تعالى :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( القدر3)
 تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا
 بِإِذْنِ رَبِّهِم
 مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4)
 سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5) } القدر .

فهذا حقيقة : تجلي علم الله وكل أمر من هداه لولي الأمر ، وهو أعلى علم وأحسن هدى .
وهذا العلم : يجب أن ينهم منه ، ويحسن أن نتعلمه ، وعلى المؤمن أن يولع به ، ويحبه كل طالب لحقائق علم الله بحق ، ويجب أن نشتاق لتعلمه والتحقق به ، وهذا فضل الله ورشده واضح لمن يحب أن يتحقق به .
وأن أولي أمر الله سبحانه : بعد نبي الرحمة هم آل محمد صلى الله عليهم وسلم  إمام بعد إمام وولي أمر بعد ولي أمر ، ولا أحد يعرف هذا ولا يحب تعلمه والإقرار به ، إلا من كان حقيقة قد طلب العلم الحق منهم ، وكان صادقا في طلب العلم الإلهي بدون تقليد لغيرهم ،  ولا خلطه ولا أخذ علم من ضل عنه وقاتلهم وحاربهم ولم يرضى بهم أئمة حق يقتدي بهم .
وهذه بعض المعرفة : في حقيقة تجلي علم الله وأعلاه ، وما يجب أن ننهم منه ونتعلمه ونتوق للتحقق به علما وعملا ، وبه نعبد الله بمعرفة لعظمته وهداه بما يحب ويرضى .
وأسأل الله تعالى : لي ولكم ، أن يحققنا به واقعا صادقا، ويقبله منها ويجعلنا مع نبي الرحمة وآله الكرام صلى الله عليهم وسلم ، وفي كل أمورنا دنيا وآخرة ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++++
ويا أخوتي الكرام : لكي نتيقن تجلي علم الله العليم الحكيم والخبير الحسيب ، عند أكرم خلقه وأفضلهم وأطيبهم ، والذين اجتباهم لتعليم دينه وهداه ، وإنه سبحانه يختار ويصطفي من يشاء ويشفعه بعلمه ويحيطه بما يشاء مما فيه صلاح العباد والبلاد والدين والدنيا والآخرة ، وإنه تعالى يظهر حياته وعلمه وقيوميته وربوبيته على العباد بالعناية بهم وتربيتهم وتأديبهم ، ليصلوا لأحسن غاية لهم ، ولأفضل غرض من وجودهم ، وإنه لم يخلقهم ويهملهم ويتركهم سدا ولم يعتني بهداهم ويجعلهم يختلفون ، وإن كل مدعي أنه يعلم هداه ، فيفترقون عن الحق والصدق ولا يعبد بما يحب من العبودية ، بل رعاهم بأئمة هدى وأوصياء لرسله صادقين مؤيدين منه ومن رسوله .
وإن العاقبة للمتقين : الذين شغفوا ونهلوا وتعلموا من أوصياء رسله بعد رسله لا من كل أحد ، وهم الباقين بنعيم دائم إلى الأبد .
وإن هذا العلم الحق : الذي جاء به المرسلون ، وشرحه أوصيائهم ، وحافظ عليه بهم الله سبحانه .
هو الذي يجب : أن ينهم ويتعلم ويشغف بحبه ، وهو الذي يستحسن أن يولع به الإنسان ويؤمن به ويقتنيه بجد ، لأنه فيه حسن العاقبة في الدنيا والآخرة ، والصلاح والفلاح والفوز والنجاح في الدارين .
فلذا نؤكد هذا المعنى : من تجلي علم الله سبحانه على أولياء دينه ، وأنه لم يهمل الخلق بعد رسله ، بل حافظ على هداه ودينه بالأوصياء من آل محمد صلى الله عليهم وسلم ، نذكر بعض الآيات والروايات ، حتى نعرفهم وننهم علمهم  ونتعلمه مؤمنين به حتى اليقين ، وحتى يظهر منا طاعة وعبودية لله العليم الحكيم ، والخبير الحسيب ، و بما يحب حتى يرضى عنا إن شاء الله .
قال الله سبحانه وتعالى : كتأكيد لمعنى آية الكرسي في أنه يختص بعلمه من يأذن له ، وأنه لمن يشاء من عباده ، وأنه لا كل أحد يوحي إليه ، وإنما يصطفي الطيبين الطاهرين والأبرار الأخيار ، فيخصهم بعلمه ويعرفهم للعباد ، ويأمرهم بأن ينهموا ويولعوا بما علموهم ، قال سبحانه :
{ عَالِمُ الْغَيْبِ
 فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26)
 إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ
 فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) } الجن .
فالله سبحانه : يوحي لمن يرتضي ويعلمه دينه ، وإنه الرقيب المحافظ عليهم ، ودقيق الحكمة والخبرة في تعليمهم ما يجب عليهم وكيف يعملوه،  ويسددهم ويؤيدهم حتى يوصلوا هداه لعباده بأفضل صراط مستقيم حتى يقودوهم لأفضل نعيم الدنيا والآخرة .
وإذا عرفنا : أن الله يختار الرسل ويرعاهم ليتم هداه ويوصل لكل العباد بما يريد حقا .
فلنتدبر : معنى أنه تعالى لم يهمل هداه ويتركه لكل أحد ، وإنما يختار الأوصياء للرسل والأئمة للناس يعلمهم كتابه ، ليعلموه للعباد كما يحب ، ولكي لا يختلفوا ، ولكي بهم يعتصم الناس من الضلال ، ومن دعوى المدعين للمعرفة بغير حق ، وإن هذا الصراط المستقيم مستمر إلى يوم القيامة .
 فهو العليم سبحانه : يختار أولياء الدين والهدى ، وإنه تعالى لم يترك كل أحد يدعي علم الرسول ، بل أختار أئمة وأوصياء وولاة أمر لدينه ، علمهم كما علم رسوله ، وإنهم يشرحون ويبينون ما علمه المرسلون ، وبهم يحافظ على علم هداه الذي قال في حقه :
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
 وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) }الحجر .
وقال سبحانه وتعالى :
{ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (الواقعة77)
فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78)
لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)
 تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) } الواقعة .
فعرفنا الله العليم سبحانه : أن كتابه محافظ عليه ، وهو طاهر من كل شك وشبه ، ولا يمسه ظاهرا لفظا بجمعه وتدوينه ، وباطنا معنى وتفسير إلا المطهرون ، وكذلك لفظا إلى على وضوء جميع العباد .
و إن الله العليم سبحانه : عرفنا أن المطهرون : الذين طهرهم تطهيرا ، فهم الذين يمسوه بالعلم والتفسير والشرح ، وإن خالفهم أحد يترك ويرجع للمطهرين يتعلم منهم وينهم علهم ويولع بمعارفهم ، فيعبد الله به .
 لأنهم طهرهم الله :  كما طهر كتابه ، وأنهم أهل الذكر كما أن القرآن ذكر لمن يدكر ،  وأنه ورثه لهم ، وأنهم الراسخون بعلمه ، وهم أهل الكتاب والحكمة ، ولا يستحق هذه الأوصاف الكريم إلا نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، وإن من خالفهم يجب أن يترك ، ولذا قال الله في حقهم :
{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } الأحزاب .
فتطهريهم : من الرجز والشك وكل ما يخالف علم الكتاب ، وهذا معنى حقيقة التطهير ، وأنه لا يمسه إلا المطهرون بالوضوء هذا ظاهر المعنى وللفظ ، ولكن معرفة علوم الكتاب ومحكمه ومتشابهه وتأويله بحق ، هو يحتاج لمطهر زكي لا يكذب ، ولا يفسر برأيه ولا بقياسه ، وأن ما يشرحه ويبينه هو  هدى الله الحق ، وقد رعاه الله تعالى وأيده الله لا كل أحد .

++++
ولذا قال سبحانه وتعالى: ليبين لنا أن علم القرآن علم كريم عظيم لا يمكنه أن يفسره كل أحد ، وإن فيه ما يصعب على العباد فهمه ، وأنه لابد من الرجوع به للراسخ بعلمه ، وهو الذي يعلم تأويله ويحل متشابهه ويرجعه لمحكمه ، وهو الزكي المطهر كما عرفنا ، قال سبحانه :
{ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
 مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7)} آل عمران.
فإنه كل المسلمين عالمهم وأجهلهم : يقول آمنا به كل من عند الله ، ولكن من يعرف تأويله كما يعرف محكمه ، وأن تأويله كما يريد الله ويرضى لا قياس فيه ولا استحسان ، ويفسر المتشابه بما يريد الله من المعرفة لا من اجتهادهم وفكرهم ، بل بما علمهم الله يعرفونا تأويله ومتشابهه كما يعلمون محكمه ونصه ،  وهو كله من تعليم الله .
هذا العالم بالمحكم وبالمتشابه وبتأويله : كما يريد الله ، ويقول كل من عند الله بتعليمه صادقا ، وشرحه وبتوفيقه حقا ، يجب أن يكون هو الإمام والخليفة لرسول الله ، وهذا معنى أنه آمنا به كل من عند ربنا سبحانه ، أي تفسير المتشابه والتأويل والمحكمة عنده واحد بعلم بتعليم الله ، وهذا هو لأئمة الحق المطهرون الراسخون بعلم وهم أهل الكتاب والحكمة ، والذين قال الله بحقهم :
{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً
قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَمَنْ عِندَهُ
عِلْمُ الْكِتَابِ (43) } الرعد .
ومن عنده علم الكتاب : هم نبي الرحمة  وبعده الذين يشهد لهم الله العليم الحكيم ، هم آل الطيبين الطاهرين ، ولذا كان علي بن أبي طالب شهيد على علم الكتاب وعنده علمه بعد رسول الله ، وقد بينا هذا المعنى بصورة مفصلة صحيفة سادة الوجود ، فمن أحب فليراجع ، وأنه الآن كل من يتلوه يرجع لأمير المؤمنين في معرفة ظاهره وباطنه وينتسب له ، فبعض محق وبعض كاذب ، والقراءة عن حفص عن عاصم عن أبو عبد الرحمن السلمي عن أمير المؤمنين عن رسول الله عن جبرائيل عن الله سبحانه ، وهكذا القراء الباقين والمفسرون الأوائل كل منهم يدعي أنه يتصل بأمير المؤمنين برسول الله ، ولذا جاء في معنى من عنده علم الكتاب :
 عن بريد بن معاوية قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام :
{ قل كفى‏ بالله شهيدا بيني و بينكم
و من عنده علم الكتاب (43)} الرعد .
قال : إيانا عنى .
 و علي : أولنا و أفضلنا .
 و خيرنا : بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الكافي ج1ص229ح6 .
وقد قال الله العليم سبحانه : عن علم آصف بن برخيا الذي جاء بكرسي بلقيس لنبي الله سليمان عليه السلام وهو كان وصي سليمان ، قال الله عند علم من الكتاب ، ولأئمتنا عنده علم الكتاب ، لا فقط من الكتاب وقسم منه ، أي عنده علمه كله محكمه ومتشابهه وتأويله وكل معارفه .
 ولمعرفة : هذا المعنى ، نتدبر الحديث الآتي :
عن سدير قال : أبو عبد الله الصادق عليه السلام : يا سدير أ لم تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى .
قال : فهل وجدت ، فيما قرأت من كتاب الله عز و جل : { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } .
قال قلت : جعلت فداك قد قرأته .
قال : فهل عرفت الرجل ، و هل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ؟
قال قلت : أخبرني به .
قال : قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر ، فما يكون ذلك من علم الكتاب .
قال قلت : جعلت فداك ما أقل هذا ؟
فقال : يا سدير ما أكثر هذا ، أن ينسبه الله عز و جل إلى العلم الذي أخبرك به .
يا سدير : فهل وجدت ؟ فيما قرأت من كتاب الله عز و جل أيضا :
{ قل كفى‏ بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب } .
قال قلت : قد قرأته جعلت فداك .
قال : أ فمن عنده علم الكتاب كله أفهم ، أم من عنده علم الكتاب بعضه .
قلت : لا بل من عنده علم الكتاب كله .
قال : فأومأ بيده إلى صدره .
و قال : علم الكتاب ، و الله كله عندنا علم الكتاب ، و الله كله عندنا .
الكافي ج1ص257ح3 .
والآن يا أخوتي الطيبين : من أحب أن ينهل وينهم ويولع بعلم هدى ودين ، فهذا علم أمير المؤمنين وآله الطيبين صلى الله عليهم وسلم ، فهو الحق والصدق ، وهو من عند الله ، ومن لا يحبهم حقيقة فيأخذ كل علوم هداه منهم ، فهو على نفسه بصيرة ولا دليل له محكم ولا برهان يقطع الشك .
وأسأل الله : أن يجعلنا نحب نبيه وآله الطيبين الطاهرين ، وأن ننهم علمهم ونشتاق لتعلمه كلما تطالعنا لوحة فيه من معارفهم ، أو في كتب تتحدث بحق عنهم ، أو موعظة من مؤمن يعرف هداهم، وأن يجعلنا مطيعين له وبكل هداه وبعبودية خالصة له ، حتى يرضى عنه ويجزينا أحسن الثواب ، فإنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++++

ويا أخوتي كرام الطيبين : يا من يحب أن ينهم من العلم الحق ، ويشغف بالمعرفة الصادقة ، ويطلب هدى الله واقعا بكل ولع .
 إن معنى اختصاص علم الله العليم الحكيم : بالمصطفين الأخيار والطيبين الطاهرين من آل محمد صلى الله عليهم وسلم ، وبهم الله حافظ على دينه وكتابه ، فجعلهم معلمون وهداة وأئمة وولاة لأمره في عباده بحق .
قد حكته : كثير من الآيات ، فمنها ما عرفنا .
ومنها قوله تعالى : يعرفنا أن كتابه ذكر ويجب أن نسأل أهل الذكر أي أهل القرآن الكريم ، وهم الشهداء عليه والحافظون له من تدنيس تعليم المجتهدين والمدعين للمعرفة بخلافهم ، ولذا قال سبحانه :

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ
فَاسْأَلُواْ
أَهْلَ الذِّكْرِ
إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43)
 بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
 لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) } النحل .
فالله العليم : أنزل الذكر على نبيه محمد صلى الله عليه وآله ، وآله أهل الذكر ، لأنهم مطهرون مثل كتاب الله ، وراسخون بعلمه وهم أهل ليلة القدر والذين أذن لهم بكل أمر من معارف هداه ، فهم يعلموه ، وقد جاءت روايات كثيرة في هذا المعنى ، منها :
 عن محمد بن مسلم : عن أبي جعفر عليه السلام قال :
إن من عندنا : يزعمون ، أن قول الله عز و جل :
 { فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ، أنهم اليهود و النصارى .
قال : إذا يدعونكم إلى دينهم .
قال قال : بيده إلى صدره ، نحن أهل الذكر ، و نحن المسئولون .
الكافي ج1ص211ح7 .

وكذلك جاء في تفسير قوله تعالى :
{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) }الزخرف .
عن عبد الله بن عجلان : عن أبي جعفر عليه السلام ، في قول الله عز و جل :
{ فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
الذكر : أنا ، و الأئمة أهل الذكر .
و قوله عز و جل : { و إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسئلون } .
قال أبو جعفر عليه السلام ، نحن قومه و نحن المسئولون .
الكافي ج1ص210ح1 .
ويؤكد هذا المعنى : بأن أهل الذكر هم نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، وهم عندهم علم الكتاب ومعارف هدى الله بحق .
وأنه لابد أن يكون أهل الذكر : هم من رسول الله صلى الله عليهم وسلم ، وهم شاهد الحق من أي من آله الكرام ، لا من غيرهم ، ومنهم يجب أن يطلب العلم ويشغف بمعارفه ، وينهم ولهين بهداه ، بالإضافة لما عرفت قوله تعالى :

{ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ
 وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ
وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً
أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
 وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ
فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (17) } هود .
ولذا جاء في تفسيرها : عن أحمد بن عمر الحلال قال :
 سألت : أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل :
{ أ فمن كان على‏ بينة من ربه و يتلوه شاهد منه (17) } هود.
فقال : أمير المؤمنين صلوات الله عليه الشاهد على رسول الله .
و رسول الله : على بينة من ربه .
الكافي ج1ص190ح3 .
وفي هذا المعنى روايات كثيرة : وكلها تعطي هذا المعنى الكريم الواجب على كل مؤمن أن يولع وينهل ويطلب علم هدى الله بحق ، وأن ينهم منه ويتحقق به في كل شيء يعبد الله به ، ويعرف به عظمته وجلاله ، ولا يتجاوزه لغيرهم وبالخصوص ممن خالفهم .
وأسأل الله العليم : أن يثبتنا على هداهم الحق ، حتى نطلبه بجد وصدق ، وننهم منه ونشغف به مولعين حتى يرضى عنا ، حين نحققه بالإيمان به وبالعمل به مخلصين له الدين ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : تأكيد ما يجب أن ننهمه من العلم ونولع به ، هو أس المعرفة التي يجب أن تعرف وأن نتحقق بها ، وإلا من ينهم من علم مخالف لما علمه الله في الهدى والدين ، يكون عبادته باطله و هو الكفر بالله ، لأنه يأمره بإطاعة أولي الأمر والدين ومن جعلهم راسخون بعلم وأهل الذكر والكتاب وطهرهم مثل ما طهر كتابه ، وهو يطلبه من غيرهم ، ويكون كل علمه ضلال وباطل ، ومخالف لهدى الصراط المستقيم للمنعم عليهم ، والمصطفين الأخيار .
ولتأكيد هذا المعنى : نذكر ما قال الله عليم الحكيم سبحانه :

{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ
 يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (151)
 فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُواْ لِي
وَلاَ تَكْفُرُونِ (152) } البقرة .
يا أخوتي : إن نعم الله سبحانه لا تحصى ، ولكنه لما علمنا من الكتاب والحكمة وزكانا ، بنبي مطهر وبآله المطهرين الذين زكاهم من الرجس ، طلب منا أن نذكره ونقيم هداه بما علموه ، ونشكره ولا نكفر نعمة الهداية .
فهذا فضل الله العلي العظيم والعليم الحكيم علينا ، الذي يجب أن نشتاق لتعلمه والإيمان به ، وننهم من معارفه ونولع بذكره ونذكر الله به .
وإن الرسول منا : في زمانه ، وآل في كل الزمان الآتي لأنهم منه ، كما عرفنا شاهد منه ، وأهله المطهرون بآية التطهير ، وباهل بهم وصدقهم بآية المباهلة ، وأمر بمودتهم بآية المودة ، وهنا علمهم الكتاب والحكمة ، وهي لرسول الله في زمانه ولآله بالشرح والبيان بعده ، فتدبر الآية أعلاه .
ثم أتلو قول الله العليم سبحانه :

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51)
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ
 فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54)
فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ
وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)
 وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57)
 إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ
إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) } النساء .

عن أبي الصباح الكناني قال : قال أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليه السلام :
نحن قوم : فرض الله عز و جل طاعتنا ، لنا الأنفال ، و لنا صفو المال .
و نحن : الراسخون في العلم .
و نحن : المحسودون ، الذين قال الله : { أم يحسدون الناس على‏ ما آتاهم الله من فضله‏} .
الكافي ج1ص186ح6 .

وعن بريد العجلي قال : سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن قول الله عز و جل : ّ{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ (59) } النساء . ؟
فكان جوابه : { أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت
 و يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى‏ من الذين آمنوا سبيلا } .
يقولون : لأئمة الضلالة ، و الدعاة إلى النار ، هؤلاء أهدى‏ من آل محمد سبيلا .
{ أولئك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا أم لهم نصيب من الملك } .
يعني الإمامة و الخلافة : فإذا لا يؤتون الناس نقيرا .
نحن الناس : الذين عنى الله .
و النقير : النقطة التي في وسط النواة .
{ أم يحسدون الناس على‏ ما آتاهم الله من فضله } .
نحن : الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة ، دون خلق الله أجمعين .
{ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكا عظيما } .
يقول : جعلنا منهم الرسل و الأنبياء و الأئمة .
فكيف : يقرون به في آل إبراهيم عليه السلام و ينكرونه في آل محمد عليهم السلام.
{ فمنهم من آمن به و منهم من صد عنه و كفى‏ بجهنم سعيرا إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما .
الكافي ج1ص205ح1 .

وقال الإمام علي الرضا : بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، في حديث طويل في الإمامة ومقامها العالي ، وهذا في أواخره ....:
فكيف لهم : باختيار الإمام .
و الإمام : عالم لا يجهل ، و راع لا ينكل ، معدن القدس و الطهارة ، و النسك و الزهادة.
و العلم و العبادة : مخصوص بدعوة الرسول .
و نسل المطهرة البتول : لا مغمز فيه في نسب و لا يدانيه ذو حسب ، في البيت من قريش ، و الذروة من هاشم ، و العترة من الرسول ، و الرضا من الله عز و جل .
شرف الأشراف : و الفرع من عبد مناف .
نامي العلم : كامل الحلم ، مضطلع بالإمامة ، عالم بالسياسة ، مفروض الطاعة قائم بأمر الله عز و جل ، ناصح لعباد الله ، حافظ لدين الله .
إن الأنبياء و الأئمة : يوفقهم الله .
و يؤتيهم : من مخزون علمه و حكمه ، ما لا يؤتيه غيرهم .
فيكون علمهم : فوق علم أهل الزمان .
في قوله تعالى : { أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى‏ فما لكم كيف تحكمون } .
و قوله تبارك و تعالى : { و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } .
و قوله في طالوت : { إن الله اصطفاه عليكم و زاده بسطة في العلم و الجسم و الله يؤتي ملكه من يشاء و الله واسع عليم } .
و قال لنبيه : { أنزل عليك الكتاب و الحكمة و علمك ما لم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما } .
و قال في الأئمة : من أهل بيت نبيه و عترته و ذريته :
{ أم يحسدون الناس على‏ ما آتاهم الله من فضله
فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة
و آتيناهم ملكا عظيما
فمنهم من آمن به
و منهم من صد عنه و كفى‏ بجهنم سعيرا } .
و إن العبد : إذا اختاره الله عز و جل لأمور عباده ، شرح صدره لذلك .
و أودع قلبه : ينابيع الحكمة .
و ألهمه العلم : إلهاما ، فلم يعي بعده بجواب ، و لا يحير فيه عن الصواب .
أصول الكافي ج1ص199ح1 .
وهذا كلام يصدقه القرآن كلام الله العليم : والوجدان وكل منصف من بين الإنسان ، فإن الله الذي أتقن التكوين أتقن هداه ، وبالخصوص أفضل خلقه حين فضلهم ، وجعل منهم أئمة يهدون إلى الحق ، فلا يحق لنا نذهب ونتعلم ممن لم يصطفيهم الله ولا آية تؤيد أنهم ممن أختص بعلم الله ، وبالخصوص وهو يخالف أئمة الحق ويحاربهم ، أو يأخذ علمه من أعدائهم .
والحمد لله العليم الحكيم : على ما عرفنا من الهدى ، وأسأله أن يثبتنا عليه ، ويجعل علمنا وعملنا في طاعته ، وأن ويفقنا لأن نولع به وننهل منه بحق ، وصلى لله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا حقائق كريمة عن علم الله العليم الحكيم الخبير البصير السميع الحسيب ، وأنه تعالى تجلى بالعلم ، وأنه علم من اصطفاهم بما يشاء وأذن لهم بعلمه ، وبين الرشد من الغي بتوسطهم ، فأمر العباد بالتعلم منهم ، وقد عرفنا هذا المعنى في كثير من الآيات ، وما ذكرنا إلا القليل ، والآن بعد أن عرفنا من يجب أن ننهم منهم العلم ونتعلمه بشوق وحب .
نذكر معاني أخرى : لظهور العلم ، وأهميته في كتاب الله وظهوره في أول التشريع بتوسط نبي الرحمة لكل البشر ، وأوجب عليهم التعلم منه .
فإن الله سبحانه وتعالى : أكد على العلم ما لم يؤكد عليه أحدا أبدا ، فقد جعل كلامه ومعارف هداه هو المعجزة الخالدة ، القرآن الكريم ، وهو كله علم .
وإن الله عز وجل : أول ما شرع في إنزال الهدى ، وهو العلم الإلهي لمعارف دينه الحنيف ، أمر نبيه بالقراءة والتعليم بالقلم ، وأنه قال له علم الإنسان ما لم يعلم ، ليشرع في تعليمهم الدين الذي يصلحهم دنيا وآخره وفي جميع مجالات الحياة والعبادة والدنيا والآخرة .
وقال سبحانه مما معناه : إليكم العلم كله بحقيقة الواقع صادقا ، وما به السعادة أبدا ، والخلود في نعيم البقاء دائما .
فقال الله القادر العليم الحي القيوم العزيز الحكيم :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)
عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) ... } العلق .
فهذه أول آيات : من كلام الله سبحانه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا بنفسه أمر معجز .
فإن الناس : في زمن البعثة كانوا جهله لا يقرءون ولا يكتبون ، وليس لهم نصيب في العلم يذكر .
فنبههم سبحانه : إلى أمر عظيم ، وكرمهم بأمر كريم جسيم ، وشرفهم بهدى ذو صراط مستقيم يقودهم إن أخذوا به بحقه لكل نعيم ، ولكنه سبحانه عرفنا أن الإنسان ليطغى إن استغنى ، وبما يستغني العبد بنعيم الله وما يفضله به من رزقه ، تراه لم يهتم بشكر بشيء مما فضله به ، بل الأغلب إن لم نقل كلهم إلا من ندر ، تراه يحرص على الدنيا بأي صورة صارت ، ويحاول الحصول عليها وكأنه خالدا فيها ، وبقي من أخذ بعلم ما أنزل الله سبحانه على أكرم خلقه يؤمن به ويعمل به ، فيسعد به في الدارين ويقدم دنياه لآخرته .
ولذا قال الله سبحانه في أهمية العلم والعمل به :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمَنُ (1)
 عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3)
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاء رَفَعَهَا
وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)
 أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8)
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) } الرحمن .
فقدم سبحان : علم الهدى على خلق الإنسان ، يعرفهم أهمية العلم وشأنه الكريم ، وكأنه قال إن الإنسان لولا العلم لم يكن له قيمة ، وقدم العلم وظهوره بالبيان ، على حقائق إتقانه لخلقه ، وحسن صنعه لكل شيء ، وعلمنا أنه قد قامت السماوات والأرض بالعدل والإحسان .
 ولذا يجب : على الإنسان العاقل ، أن يتصرف بالإنصاف ويعمل بالعدل ، وهو أن يقيم الميزان ، فيساوي الحق بما يأخذ ويعطي ، ولا يحق له أن يخسر نفسه ولا يغبن الآخرين ، ولا يغشهم ولا يظلمهم ، بل يقوم الإنسان فضلا عن السماوات والأرض بالعدل والإحسان ، وإلا كل شيء يخرب أو أحدهم يظلم ولا يسعد ، والآخر إن تصور بطغيانه سعد فهو إلى خسران مبين ، ولنتدبر بعد ما جاء في سورة الرحمن سبحانه .
ثم إن الله سبحانه وتعالى : عرفنا معارف كريمة ، في نعمه في التكوين التي يجب أن يتدبر بها كل إنسان ، ولا يمكنه أن يكذب بها ولا يصدق حسنها وكمالها ونعيمها الواسع الكريم الفاضل عليه ، فأمر الله العبد أن يتفكر في عجائب السماوات والأرض والنفس ، ليؤمن به ويتعلم معارفه ويعمل بهداه، ليسعد ويكون له كل خير ونعيم .
ثم عرفنا سبحانه في سورة الرحمن : حال الكافرين الذين لم يعدلوا ولم يقيموا الميزان بالإنصاف ، فلم يشكروا أحسانه وما نعمهم به سبحانه ، بل بما كرمهم عصوه ، فحق له بعد زمن أن يمنع عنهم فيضه ونعيمه لأنهم لم يطلبوه ولا رعوه .
 ثم يختم سبحانه السورة : بعدة آيات جميلة رائعة في وصف الجنة وما أعده للمؤمنين المتقين ، والذين هم عاملون بما علمهم ، فجمع العلم والعمل والدنيا والآخرة ، والهدى ومعارفه بأحسن علم وأوسعه ، و كيف يجب أن نسير بنوره في ظلمات مزاحمات الدنيا الفانية ، لنصل لنعيم دائم في جنة عالية لا ينغص سرورها شيء .
فعرفنا سبحانه : حكمة الوجود ، ويؤكد العليم القدير بين آية وآية .
 فيقول : بأي آلاء ربكم تكذبون ، أي آياته وعجائب الصنع وإتقانه في تكوينه وهداه ، تكذبون ولا تصدقون إن كنتم بحق تتدبرون وتتفكرون يما ترون .

++++

بل الله سبحانه وتعالى : جعل أكثر من ثلاثمائة آية في كتابه الكريم تدعوا للعلم والمعرفة والتفكر ، وحث على طلب العلم أهل العقول المؤمنة والألباب المنصفة والأرواح التي تطلب المعرفة .
فلن ترى كتاب : من أول الخليقة وإلى يوم القيامة ، مثله في حين أنه محكم ، وفيه تفصيل تشريع كل أمور الحياة ، وما يخص هدى الإنسان في كل مجالات العبودية ومعرفة عظمة الله العلي العظيم وهداه ، وما يرتبط بتنظيم أموره الاجتماعية والمالية والسياسية بل والعسكرية ، بل أحوال الإنسان وخصوصياته وكيف وأحوال نفسه وما يفرحه ويحزنه ، وما بحقيقته يطلبه وأنه حق ويصوبه ويحثه عليه ، أو باطل ينهاه عنه ويحرمه عليه .
ويدعوا : إلى العلم والتعلم والتفكر والتدبر مثله ، فتراه في كلها يدعوا إلى المعرفة والتحقق بمعانيها بما في الصلاح لكل شيء أبدا .

بل جعل سبحانه :  العلماء حقا هم عدل نفسه وملائكته ، فقال :
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)
 وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ
 وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29)
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ
وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) } فاطر .
فالله سبحانه وتعالى : بعد ما يصف جميل ما خلق وما فيه من النعيم والزينة للمتدبر في أحوال التكوين .
يعرفنا سبحانه : أنه من يتقي الله ويخشاه ويعرف عظمته وجلاله هم العلماء ، فلذا يقرون بحقيقتهم بوجوب شكره ، فيتلون كلامه ويقيمون الصلاة و ما أمرهم به ، وينفقون مما رزقهم الله سبحانه ، فيوفيهم أجورهم .
وهذا بعد عرفنا : أن العلماء ممن يقيم عبودية الله سبحانه ، عرف أن من يقيم هداه لهم مراتب في تعلم الدين المنزل في كتابه وتعليمه .
والأجمل : في الآيات أعلاه أنه سبحانه عرفنا أن كتابه الحق الصادق وهو العلم الحق ، قد ورثه العباد .
 وأن أفضلهم : هم السابق بالخيرات والعاملون بالصالحات ، وهذا فضل الله الكبير على العباد وهو الهدى الحق ، ومن ثم يوجد من كفر به فخسر نفسه ودينه ، ومن يكون عادل يتعلم ويطلب العلم من السابقين .
فيكون في آيات الوراثة : كما عرفنا الله أورث علمه للسباقين بالخيرات ، وثم المقتصد الذي يتبعهم ويتعلم منهم ، ومنهم أسلم لكنه لم يطع أئمة الحق فكان ظالم لنفسه لأنه لم يعبد بعلم علمه الله من اصطفاهم وأختارهم .
وهو عين المعنى : في سورة الفاتحة ، بعد أن علمنا عظمته وكيف ندعوه ونقر له بالملك والعبودية له ونطلب رحمته وفضله لأنه رب العالمين ، أدبنا أن نطلب صراطه المستقيم وهداه عند المنعم عليهم ، وحذرنا من القسم الثالث الذين ضلوا وغضب الله عليهم .
فهذا العلم : وكتاب الله يعرفنا أن العلماء لهم نور ويخشون الله ، وغيرهم في ظلمات .
فلذا : من يؤمن بحق ، ويطلب العلم بحق كما أعده الله له بصراط مستقيم من المنعم عليهم .
يكون قرين : لقربه من رحمة الله وعلمه ، وقريب من الملائكة في العلم الشهادة ، والشهادة لله بالحكمة والعدل ، ولذا قال في فضل العلماء :

{ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ
وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ
قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ
لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
 إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ
 وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ
وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) } آل عمران .

فمن يطع العلماء : الذين عرفهم الله فقد عبد الله وشهد بصدق ، فيتبع شاهد من رسول الله ليكون معه شهيد لله بالقسط، وعارف بالحق والهدى الصادق وشاهد لصادق المعرفة بعين اليقين وحقه .
وإن الله تعالى : عرف أن العلماء يجب أن يكونوا عابدين له بحق العبودية ، وبمعرفة حقيقة ، وفضلهم وفضل من يقتدي بهم على غيرهم .
فقال سبحانه وتعالى :
{ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي
الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ( 9) } الزمر.
عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز و جل :
{ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ } .
قال : نزلت في علي بن أبي طالب .
أخبر الله سبحانه : بفضله ، و عبادته .
و علمه : و عمله ، و عظيم منزلته عنده .
تأويل ‏الآيات ‏الظاهرة ص501 .

فهذا علم الله العليم سبحانه : وتجليه وظهوره بالتكوين ، في أكرم الخلق ثم لنا ، فمن يحب أن يعبد الله فلابد أن يتعلمه منهم ، ومن يريد أن ينهم العلم الديني فلابد أن يعرفه منهم ، ومن يولع بعلم هدى لا يحق له أن يتجاوزهم لمن خالفهم فضلا عمن حاربهم .
والحمد الله العليم الخبير الحكيم السميع البصير : الذي عرفنا أهل علمه ومعارفه وهداه ،  وجعلنا ننهل وننهم منهم ، وبالخصوص ما نطالع كل يوم في لوحة كريمة تعرف شيء من علومهم ، الواجب التحقق بها ، والعبودية لله بها .
وأسأل الله العليم الحكيم سبحانه : أن يثبتنا على الهدى ومعرفة الحق في دينه ممن طهرهم وجعلهم راسخون بعلمه ، وأن نعبده مخلصين له الدين بما علمونا ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++

ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا معرفة كريمة عن العلم الإلهي وتجليه ، وأنه يجب أن نأخذه ممن ظهر نوره فيه ، وأنه يجب نولع بعلمه وننهم مما ظهر من العارف والهدى ونهتم به ، فلنذكر أصل الحديث وما يهم في فضل العلم وشأنه الكريم وفضله في الحديث :

أما أصل حديث اللوحة : قال أمير المؤمنين عليه السلام :
مَنْهُومَانِ : لَا يَشْبَعَانِ .
طَالِبُ : عِلْمٍ .
وَ طَالِبُ : دُنْيَا .
نهج ‏البلاغة ص556ح457.
وهذا الحديث : صدر ممن أختص بعلم كتاب الله ومعارف عظمته ، وهو من عالي الكلام في العلم.
 وصادر ممن قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حقه :
أنا : مدينة العلم .
و علي : بابها .
نهج‏ الحق ص236 رواه عن الترمذي وأنه قد صححه .

وأما في فضل العلم وشأنه الكريم :
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم :
العالم : بين الجهال ، كالحي بين الأموات .
و إن طالب العلم : ليستغفر له كل شي‏ء ، حتى حيتان البحر ، و هوام الأرض ، و سباع البر و أنعامه .
فاطلبوا العلم : فإنه السبب بينكم و بين الله عز و جل .
و إن طلب العلم : فريضة على كل مسلم .
الأمالي‏ للمفيد ص28م4ح1 .

وعن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عن أبيه عن علي عليه السلام قال :
طالب العلم : يشيعه سبعون ألف ملك ، من مفرق السماء .
يقولون : رب صل على محمد و آل محمد .
بصائر الدرجات ج4ص2ح7 .
طبعا وفضل الصلاة على النبي عظيم : وثوابه لمن يطلب العلم ، وإنهم يصلون على النبي وآله لأنهم علمونا ، وطلبنا العلم منها والثواب لنا .

وعن علي بن الحسين عن أبيه عن علي عليه السلام قال
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
لا سهر : إلا في ثلاث ، متهجد بالقرآن ، أو طالب العلم ، أو عروس تهدى إلى زوجها .
الجعفريات ص94 .
فجعل طلب العلم : مساوي لتلاوة القرآن ، وكالعروس تدخل حجلة زواجها ، ويا شاب لا يحب هذا ، فالعلم الحق يجب أن ينهم ويحب أيضا .

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
جلوس ساعة : عند العالم في مذاكرة العلم .
أحب إلى الله تعالى : من مائة ألف ركعة تطوعا ، و مائة ألف تسبيحة ، و من عشرة آلاف فرس يغزو بها المؤمن في سبيل الله .
إرشاد القلوب ج1ص190ب52 .
فأي دعوة لطلب العلم والنهم منه أشد من هذا الحديث .
 

وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : بينما أنا جالس في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
إذ دخل أبو ذر رحمه الله فقال :
يا رسول الله : جنازة العابد أحب إليك ، أم مجلس العالم ؟
فقال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم :
يا أبا ذر : الجلوس ساعة عند مذاكرة العالم ، أحب إلى الله من ألف جنازة من جنازة الشهداء .
و الجلوس ساعة : عند مذاكرة العلم ، أحب إلى الله من قيام ألف ليلة يصلي في كل ليلة ألف ركعة .
و الجلوس ساعة : عند مذاكرة العلم ، أحب إلى الله من ألف غزوة ، و قراءة القرآن كله .
قال يا رسول الله : مذاكرة العلم خير من قراءة القرآن كله ؟
فقال رسول الله : يا أبا ذر :
الجلوس ساعة : عند مذاكرة العلم أحب إلي من قراءة القرآن كله ، اثني عشر ألف مرة .
عليكم : بمذاكرة العلم .
فإن بالعلم : تعرفون الحلال من الحرام .
و من خرج من بيته : ليلتمس بابا من العلم .
كتب الله عز و جل له : بكل قدم ، ثواب نبي من الأنبياء .
و أعطاه الله : بكل حرف يستمع أو يكتب ، مدينة في الجنة .
و طالب العلم : أحبه الله ، و أحبه الملائكة ، و أحبه النبيون .
و لا يحب العلم : إلا السعيد .
و طوبى : لطالب العلم ، يوم القيامة .
يا أبا ذر : و الجلوس ساعة عند مذاكرة العلم ، خير لك من عبادة سنة ، صيام نهارها و قيام ليلها .
و النظر إلى وجه العالم : خير لك من عتق ألف رقبة .
و من خرج من بيته : ليلتمس بابا من العلم كتب الله له بكل قدم ثواب ألف شهيد من شهداء بدر .
و طالب العلم : حبيب الله .
و من أحب العلم : وجبت له الجنة ، و يصبح و يمسي في رضا الله ، و لا يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر ، و يأكل من ثمرة الجنة ، و لا يأكل الدود جسده ، و يكون في الجنة رفيق الخضر .
و هذا كله : تحت هذه الآية ، قال الله تعالى :
{  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } المجادلة .
جامع‏ الأخبار ص37 ف20 .
ونهم العلم : هذا هو من أعالي معناه .

 و روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام :
يا طالب العلم : إن العلم ذو فضائل كثيرة .
فرأسه التواضع : و عينه البراءة من الحسد ، و أذنه الفهم ، و لسانه الصدق .
و حفظه الفحص : و قلبه حسن النية ، و عقله معرفة الأسباب و الأمور ، و يده الرحمة .
و رجله : زيارة العلماء ، و همته السلامة ، و حكمته الورع ، و مستقره النجاة ، و قائده العافية ، و مركبه الوفاء .
و سلاحه : لين الكلمة ، و سيفه الرضا ، و قوسه المداراة .
و جيشه : محاورة العلماء ، و ماله الأدب .
و ذخيرته : اجتناب الذنوب ، و رداؤه المعروف ، و مأواه الموادعة .
و دليله : الهدى ، و رفيقه محبة الأخيار .
منية المريد ص148م2 .

و عن ابن القداح عن أبي عبد الله عن أبيه عليه السلام قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
منهومان : لا يشبعان ، طالب المال .
و طالب العلم : من اقتصر على الدنيا على ما أحل الله له سلم .
و من تناولها : من غير حلها هلك ، إلا أن يتوب و يرجع .
و من أخذ العلم : عن أهله و عمل بها نجا ، و من أراد به الدنيا فهي حظه .
و العلماء رجلان : رجل آخذ بعلمه فهذا ناج ، و عالم تارك لعلمه فهذا هالك .
و إن أهل النار : ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه .
و إن أشد الناس : ندامة و حسرة ، رجل دعا عبدا إلى الله تبارك و تعالى ، فاستجاب له ، فأطاع الله ، فأدخله الله الجنة .
و أدخل الداعي : النار ، بترك عمله ، و اتباعه هواه .
إنما هما اثنان : اتباع الهوى ، و طول الأمل .
أما اتباع الهوى : فيصد عن الحق .
و طول الأمل : ينسي الآخرة .
مشكاة الأنوار ص141ف8 .

وحديث منهومان : روي عن كل الأئمة عليهم السلام وهو عن النبي معلمهم وسيدهم , وهم آل الكرام شراح لهداه ليس إلا ، ولذا روي :
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
منهومان : لا يشبعان ، طالب علم ، و طالب دنيا .
فأما طالب العلم : فيزداد رضا الرحمن .
و أما طالب الدنيا : فيتمادى في الطغيان .
بحار الأنوار ج1ص182ب1ح 75.

ويا أخوتي طلب العلم : عرفنا لابد أن نأخذ العلم والدين الحق ممن هداهم الله وبهداهم نقتدي ، ولمعرفة حقيقة فضل العلم أعلاه وأن إنسان يتحقق به حين يطلبه من أهله ، ولمعرفة هذا بالإضافة لما عرفنا ، نذكر الأحاديث الآتية ، لكي لا ننهل وننهم العلم من غير أهل الحق :

عن أبي مريم قال : قال أبو جعفر عليه السلام ، لسلمة بن كهيل ، و الحكم بن عتيبة :
شرقا و غربا : فلا تجدان علما صحيحا ، إلا شيئا خرج من عندنا أهل البيت .
الكافي ج1ص399ح3 .

و عن يونس عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
يغدو الناس : على ثلاثة أصناف ، عالم ، و متعلم ، و غثاء .
فنحن : العلماء .
و شيعتنا : المتعلمون .
و سائر الناس : غثاء .

وعن عميرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
أمر الناس : بمعرفتنا ، و الرد إلينا ، و التسليم لنا .
ثم قال : و إن صاموا و صلوا ، و شهدوا أن لا إله إلا الله .
و جعلوا : في أنفسهم أن لا يردوا إلينا ، كانوا بذلك مشركين .

و عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول :
ليس عند أحد : من الناس حق ، و لا صواب ، و لا أحد من الناس ، يقضي بقضاء حق .
إلا ما خرج‏ : من عندنا أهل البيت ، و إذا تشعبت بهم الأمور ، كان الخطأ منهم ، و الصواب من علي عليه السلام .

وعن زرارة قال : كنت عند أبي جعفر عليه السلام ، و عنده رجل من أهل الكوفة ، يسأله عن قول أمير المؤمنين عليه السلام :
سلوني : عما شئتم ، فلا تسألون عن شي‏ء إلا أنبأتكم به .
فقال : إنه ليس أحد عنده علم ، إلا شي‏ء خرج من عند أمير المؤمنين .
فليذهب الناس : حيث شاءوا ، فو الله ليس الأمر إلا من هاهنا ، و أشار بيده إلى بيته .
وسائل‏ الشيعة ج27ص69ح33220، 33221 ، 33222 ، 33223 .

فيا أخوتي الطيبين العلماء وطالبين العلم الكرام : هذا حق العلم وما يجب أن ننهم منه ، وحقيقة المعرفة ما يجب أن نولع بها ، لأنه معرفة من أهل الحق والهدى المصطفين الأخيار ، وفي رضا ربنا الرحمن الرحيم العليم الغفار ، وينجي في الدنيا برحمة الله وطاعته وعبوديته صدقا ، ويوصل لنعيم كله واقعا وحقا ، وإلا من لم يقبل هذا الصراط المستقيم لطلب العلم وتعلمه ، فليشرق وليغرب فليس على شيء من الهدى ولو جاء بألف مدعى .
ويا أخوتي : وإن كتب الحديث عندنا أول ما تبدأ في ترتيبها ، تبدأ ببحث العقل وأهميته ثم بحث العلم ثم التوحيد والعدل والمعاد والنبوة وتأريخ الأنبياء والإمامة وتأريخهم ، ثم الأحكام العملية .
وفي بحث العلم أبواب كثيرة : من فضل العالم والعلماء ، وفضل طلب العلم والتعلم ، وفضل نشره وتعليمه ، وآداب التعلم والتعليم ، وغيرها الكثير ، وقد ألف كتب كثيرة في فضيلة طلب العلم والتعلم وحسن النهم منه والولع به إن كان من أهل الحق ، ومن الكتب الكريمة : منية المريد في أدب المفيد و المستفيد، لزين الدين بن علي عاملي رحمه الله معروف به شهيد ثاني المستشهد سنة 966 هجري ، والكثير غيرها ، فمن أحب المزيد عليه بمراجعته ، أو مراجعة بحار الأنوار فإنه فيه جزأين ، وأول كتاب أصول الكافي وغيرها .
وأما طلب الدنيا : والنهم بها فالعياذ بالله منه ، وإن الدنيا بدون معرفة العلم والهدى تدخل النار ، إلا أن يكون طالب دنيا بالحلال ويطيع الله بها ، فله نصيب منها ، ولا يكون عمل بهدى حق إلا بعلم ، وذكرنا بحوث في أمور الدنيا سابقا كثيرة نتركها لأهلها ، ونكتفي بهذا .
وتقديم العلم : والتوسع به بعض التوسع في البحث لأهميته ، وإنه أس يجب أن يعرف المؤمن شأنه حتى يطلبه بحق ويتعلم معارف الدين بصدق واقع .

 وحتى العلوم العامة : في تطور الإنسان تعلمها واجب على الإنسان كفائي ، أي يجب أن يتعلم قسم من بني الإنسان حتى ترفع حاجتهم في تطورهم ، ومن ثم يجعل من تعلم علمه في طاعة الله ، وخدمة للبشرية ليتم الصلاح .
وهذه العلوم : تدخل في وجوب تعلم الصنائع بحد الكفاية ، أي يجب على كل مجموعة من الناس أن يقوموا بتعلم وعمل ما يقيم حاجاتهم الدنيوية حتى يعيشوا بسعادة ، وترتفع حاجتهم عمن يحاول أن يستغلهم بسبب العلم ، فيجب على قسم منهم أن يتعلموا حتى ترتفع حاجتهم .
والآن المدارس والجامعات والكليات : كثيرة بحمد الله ، ويحسن  التعلم والتخصص والحصول على شهادة عليا فيها ليخدم الإنسان نفسه ومجتمعه .

 ولكن يجب : على الإنسان من قبل ، أن يتعلم دينه ، وما يجب عليه من الطاعات ، ثم إن تعلم وتخرج وتخصص ، عليه أن يخدم المؤمنين ولا يستغلهم ، بل يساعدهم ويؤيدهم ويشاركهم في نجاح مشاريعهم وفق تخصصه ، ليكونوا يدا واحدة في التطور والتقدم ، فيكون علمه الدنيوي علم الخير والصلاح و يؤدي إلى طاعة الله ولا يؤدي للمعصية .
والحمد الله العليم الحكيم : أولا وأخرا ، وأسأله لي ولكم أن يؤيدنا بنور العلم والهدى ، ويجعلنا مقتدين بمن علمهم واصطفاهم ، وأن يوفقنا في تعلم كل ما نقيم به أفضل حياة وسعادة في طاعته ، وبأحسن تقدم وأفضله ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com