بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة / الأربعون حديث الثانية / الحديث الأول
العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل
والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل
قال الإمام علي عليه السلام : العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ
وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاَّ ارْتَحَلَ

شرح الحديث :

صورة فيها معارف كريمة بالعلم والعمل هاتفة : وتنادي كل إنسان لأن يعرف حقائق العلم ويؤدي واجبه ، وتندبه لأن يقرن العلم بالعمل وهذا حق على كل طالب وطالبة ، بأن يعلموا ليعملوا وإلا تكون أعمالهم  كاذبة ، لم توصله لغاية كريمة بحق وفي الواقع صائبة ، فإنه من يعمل و لم يتعلم لا يصل لهدفه وتكون أفعاله خاطئة قبيحة فاسدة ، ولا تنفعه ولا تنفع أحد وترينا حقيقة روحه بأنها حمقاء وجاهلة   .

وإن العالم الحق : والمتعلم بصدق يعمل بعلمه وهو يعرف محيطه وعالمه ، ويكون عمله بحق وفق مراده وطبق علمه قد رتبه ، وإن علمه يناشده لأن يظهر في كل صفاته وسيرته وسلوكه ومعالمه ، فلا يستقر فكرا ولا بالا حتى يصل لأجمل غاياته الفاضلة ، ويناشده علمه ليتجلى بأحلى أغراضه من طلب العلم وبصورة هادفة وكاملة .

وإن عاند العالم ولم يعمل وسوف مطالبه : فسوف يرحل العلم ويتركه متورط في مصائبه ، قد خسر نفسه وعلمه وعمله وكل وجوده وما تحسن به حقيقته ، فيكون عاطل باطل لا ينفع نفسه ولا أهله ولا مجتمعه ولا أقاربه ، والويل له إن عصى ولم يعمل الواجب وما به الله سبحانه أدبه ، فله الخسران المبين في الدارين وهذه أكبر ورطة وكارثة ، لا يسدها شيء ولا يستطيع أن ترفعها عنه أمه ولا أبوه ولا كل حبايبه ، بل يفرون ويهربون منه في يوم يشيب في الصغير ويهرم فيه الكبير ولا أحدا منهم نافعه ، بل له نار تتلظى وتشويه وجهه وجسمه ويحترق بجحيمها وتكون نفسه مؤنبة وعايبه ، وتقول له ولو قدمت  لهذا اليوم علمك لكنت في جنة عالية ، فعش بحسرة وحزن وغم وهم هذا جزاء نفس لم تعمل بما كانت عالمه .

كلمات من مولى الموحدين عليه السلام : رقيقة في حين ندائها ، وعالية في تعليم الهدى والعمل به وهذا لسان حالها ، ترنوا لها قلوب المؤمنين وتتأدب بها ، وتراها لازمه لمن عرف حقائق تعاليم أئمة الهدى وكن في قلبه الولاء لها ، لأنه بها يعرف أنه لا عمل بدون علم وإذا حصل فليس فيه للخير أمل ، وإن العلم ينادي بأعلى صوته حي على خير العمل ، فيعمل به المؤمن بالله ويطلب رضاه وكله رجاء ووجل ، ومن لم يسمع استغاثته العلم وما يطلبه من ضرورة التحقق العلم بالفعل ،  يتركه ويسافرا عنه وإلى غير رجعه عنه ولى وأرتحل ، وله الخسران المبين اليوم في الدنيا وحين حلول الأجل .
فيا أخوتي وأحبتي : تعلموا العلم ، وتحققوا بنوره خلقا وأدبا وتعليما وعمل ، لأنها وصية وتعليم حق من سيد الموحدين وأيدها في كتابه الله سبحانه عز وجل .

++++

يا أخوتي الكرام الطيبين : إن العلم أوجده الله في حقيقة الإنسان لكي يستطيع أن يعمل ، وبعد المعرفة والتعلم يستطيع أن يشخص مصالحه وما هو له نافع فيقدم عليه ، وإن من لم يعمل بما علم لا يصيب أهدافه في الحياة بصورة صحيحة تجلب له الخير والبركة دنيا وآخرة ، حتى لو كان العامل عالم مجتهد بل على ما نقول عنده دكتوراه أو بروفسور ، ولكن لم يستخدم علمه ويتصرف تصرف جاهل يخسر جهده ونسى علمه وعنه يرتحل فهمه .

والله سبحانه وتعالى : جعل خلقه في صراط العلم والتعلم من الصغر ، وطالبهم بالتعلم ثم العمل بكل هداه ، بل جعل تشريعه وما يتعبد له به وما يـتأدب به العباد ، كتاب كريم يحكي كلامه أسمه القرآن ويلقب بالمجيد والكريم ، لأنه حقيقة من يعمل به ينتسب لله سبحانه ولطاعته وعارف بعظمته ، وتكرم نفسه وتحسن خصاله وأفعاله حين العلم والعمل بهداه .

وقد مر يا أخوتي : بحث حول العلم وأهميته وحقائقه في لوحة سباقة فيها حديث : منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا .

والآن نذكر بعض الآيات الكريمة : من كلام الله سبحانه تعرفنا ضرورة التعلم بعد الإيمان والعمل بهدى الله سبحانه وتعالى ، وإن الله سبحانه في سورة الفاتحة أو جب علينا أن نطلب منه أن يهدينا لصراطه المستقيم عند المنعم عليهم ، لنكون معهم منعمين حين العمل بالهدى ، وإلا فقط العلم به بدون عمل به ، يكون وبال على صاحبه ، ويكون أشد العقاب في يوم القيامة للعالم التارك لعلمه ، ولوم الناس والله في الدنيا أيضا شديد .

وإن الله سبحانه : جعل الإنسان ناطقا متمكن من التعلم والكلام  ، وبهذا فضله على كثير من الخلق ، وأنه بمرور الأيام في احتكاكه بمن معه يتعلم وبتصرفه  معهم متفاهما متكلما ، ويفكر ويبدع في مجالات الحياة ، والآن العلم في أوج التطور وقد وصل لمراتب عالية في التقدم .

ولكن العلم الحق : الذي يجعل الإنسان إنسان ويخرج من الهمجية والمغالبة بدون حق ، ويجعله ذو خلق كريم ومؤدب حسن التصرف في كل شيء ، وفي كل مجالات الحياة دولية أو أسرية أو فرديه ، بل في طلب المزيد من فضله حين إقامة العبودية .
جعل الله سبحانه : طلب العلم الديني هو الأساس ، وبه تتم إنسانية الإنسان ، وعلى كل إنسان عالم أو جاهل يجب أن يتعلمه بمقدار ما يعرف ما يجب عليه من الهدى ومعارف الدين .

ولذا سيكون بحثنا : في ضرورة العلم الديني والهدى الرباني ، وبه يعرف أيضا حقائق كريمة عن مطلق العلم العام .

وإن العلم بنفسه : يدعو الإنسان لأن يظهر علمه بالعمل ، ولا يستقر الإنسان العالم إلا أن يلبي نداء العلم ويظهره بأفعاله وتصرفه ، ويكون مقدار شأن الإنسان بمقدار حظه من العلم ، وإن ظهوره بالعلم الحق يجل شأنه وتكرم نفسه وصفاته وأفعاله ويكن له التقدير من الله سبحانه ومن ملائكة ومن المؤمنين ، لأنه يكون المتحقق بالعلم الديني متقي عابد وكل أعماله في طاعة الله .

كما أن من تعلم : ولم يعمل بعلمه ينساه ، والعلم يتملص منه ويشرد عنه ويتركه ، فلا يقدر عليه بعدها إلا بمشقة ، ولكن إن عمل العالم بما علم يكون دائما علمه حاضر عنده ، ويمكن أن يتجلى به بأحسن صورة ، بل يكون متمكنا منه عن تجربة ويكون قادر على الفعل الحسن إذا كان علمه حق دائما ويكون مؤيدا ، هذا ، وأما الآيات فسيأتي ذكرها إن شاء الله .
وأسأل الله : أن ينفعنا وإياكم بعلمنا ، ويعلمنا ما لم نعلم ، حتى نعمل بكل ما يحب ويرضى ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين  .

++++

ويا أخوتي لكي نعرف : معنى الحديث وما عرفنا من الشرح مؤيدا بكتاب الله تعالى ، نذكر آيات كريمة تعرفنا معنى ضرورة اقتران العلم بالعمل ، واستحباب التقارن والتتابع بينهم و وجوبه .
 وأما أنه يرتحل العلم : لمن لم يعمل به ولا ينفعه ، فهو مسلم وجدانا ، وفي الواقع تحققا ، ويقر به كل متعلم يتعلم شيء ويتركه فتره ، فيرى إن ما ترك من العلم فلم يعمل به ، قد رحل عنه فلا يتذكره ، أو بصعوبة يمكن أن يسترجعه في ذاكرته ، وقد يكون مع بعض التشويش ، ولكن العامل بعلمه تراه يسترسل به من غير توقف سواء بتعليمه أو بالعمل وفقه :
وهذه بعض حقائق العلم والتعلم : وضرورة العمل به ، وبالخصوص هدى الله سبحانه :
قال الله تعالى :
{ وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ
لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)  }  النحل .
ثم سبحانه : علمنا بما جعل لنا من القدرة على السمع والبصر والتفكر المسمى بالقلب ، أن نتعلم هداه ونشكره على هذه النعمة الكريمة التي بها فضلنا على كثير من الخلق ، وإن نعم الله سبحانه لا تحصى ، لكنه طلب شكره وذكره على ما علمنا من الهدى والكتاب والحكمة :
 تدبر يا طيب قوله تعالى :
{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ
يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا
 وَيُزَكِّيكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (151)
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (152)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (154)  } البقرة .
فالله سبحانه : نعمه لا تحصى ، ولكن لأحسن نعمه وهو تعليم الهدى ، طلب منا أن نتعلم ونذكره ونشكره ، ثم طلب منا عمل أعمال عبادية أخرى ذكر أهما في الآتين أعلاه وهو الصبر وإن أهم أفراده الصوم ، والصلاة والجهاد ، وسيأتي ذكر باقي الأعمال العبادية الأخرى التي حبب الله تعالى لنا عملها ، لكي تستقيم أنفسنا وتطمئن أروحنا ، ونكون صابرين ذكرين ، ونعمل بعلم بأحسن وجه وتفكر مطمئنين النفس مرتاحين البال بما يجعلنا في النعيم خالدين .

 

+++
ويا أخوتي الطيبين : إن مسالة ضرورة تعانق العلم بالعمل واتحادهم في الوجود الديني ، كثير في كتاب الله سواء في تعلمه وتعليمه عملا ، أو  النية وحضور القلب في الأعمال العبادية ، وقد عرفنا أنه في تلاوة سورة الفاتحة في الصلاة مع أن الصلاة فعل ، نذكر فيها طلب العلم وتعلم الهدى ، وهي أول سور القرآن الكريم ، كما يجب في أول الصلاة النية وحضور القلب .
وكذلك في سورة البقرة : وهي ثاني سور القرآن الكريم ، في أولها بل في أغلب مباحثها تتكلم عن العلم ، مثل تعليم آدم والملائكة وموسى وإبراهيم وباقي الأنبياء عليهم السلام ، وفي آية الكرسي تعلمنا شفاعة العلم لأولياء الله وإذنه لهم بالإحاطة بما شاء منه ، وأنه قد تبين الرشد والهدى من الغي و الضلال ، وكذلك تختم السورة بالعلم ، وفي كلها ترى أيضا وجوب تقارن العمل بالعلم ، و يكون هو أساس للتعليم وإنزال الكتاب وهداه ،  فنذكر أولها وما يقارب وسطها وآخرها :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ
 هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)
 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)
والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } البقرة .
فالله سبحانه جعل : المتقين هم العالمون العاملون بكتابه ، وعن إيمان به و بتعاليمه يعملون ويقيمون الصلاة بل وينفقون ويوقنون وحينها يفلحون ، وثم بعد الآيات أعلاه ، يأتي ذكر الكفار والمنافقين وأنهم لا يؤمنون ولا يتعلمون الهدى ولا يعملون به فخسروا الدنيا والاطمئنان بها وراحة البال فيها ، وفي الآخرة لهم أشد العذاب .
والمؤمن : إن تعلم عليه أن يعمل بما علمه الله بقدر الاستطاعة .
 وهذا نداء وهتاف : كلام الله يدعون لأن نتحقق بهداه ، لكي نسعد في الدنيا والآخرة .
وهذه آيات : تقريبا وسط سورة البقرة تعرفنا هذا التقارن بين العلم والعمل :
{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ
وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا
وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
 رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129)  }  البقرة .
فإن إبراهيم عليه السلام : يطلب من الله أن يتعلم مناسكه ليعمل في طاعة الله سبحانه .
 بل طلب من الله سبحانه : أن يبعث في ذرية حين أسكنهم مكة المكرمة ، رسول يعلمهم الهدى لعملوا بعد أن يتعلموا .
 بل ليجعل منهم : أئمة في آيات أخرى قبلها :
{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا
 قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي
قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) }  البقرة .
وهذا تعليم رباني : كريم بأن العلم الديني يختص بالطاهرين الذين لم يخالطهم شرك ولا شك ، ولم يسجدوا لصنم ، لأن الشرك ظلم عظيم ، فلا يكون إمام من ذرية إبراهيم من سجد لصنم حتى في أول عمره ، لأن أمر الإمامة مهم وهو تعليم الدين ، فلا يبقى لم يظلم نفسه إلا نبي الرحمة وسيد الأوصياء وآلهم الطيبين الطاهرين بعدهم صلى الله عليهم وسلم ، ومنهم يجب نتعلم هدى الله الحق ونعمل بطاعة الله بما يحب ويرضى ، لا من كل أحد يصح تعلم للهدى ما لم يكن له شاهد من الله ورسوله ، ومر بحث هذا المعنى في حديث سابق .
وأما آخر آيات سورة البقرة فهي قوله تعالى :
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ
 وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)
لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
 رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا
رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ
أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } البقرة .
فهذا حقيقة : العلم والعمل به ، وهو قدر الوسع والطاقة ، لا تكلفة فوق الاستطاعة ، وهو إيمان بكل الهدى وتحقيقه بفعل الطاعة وعن إيمان به ، والكافر والظالم لا يتعلم ولا يعمل ، نعم إن عمل له أعمال دنيوية بعلمه ، لكنها فانية ليس لها بقاء في الآخرة ، لأنه لا يصح منه أن يتقرب بها لله سبحانه وهو لم يؤمن به .
وإنما المؤمن : إن تعلم هداه وعمل به ، فيكون حتى تعلمه العلوم العامة في كل مجالات الحياة عباده ، لأنه يمكنه أن يتقرب بها لله سبحانه وتعالى .
وأسأل الله سبحانه : لي ولكم يا طيبين أن ويوفقنا ، لأن نتعلم علم هداه الحق من أئمة الحق ونعمل به ، ويجعل كل ما نتعلمه مما ينفعها في الحياة الطبيعية والعلوم العامة ، نفعها وفائدتها في طاعته سبحانه ، لتبقى نورا لنا دائما أبدا ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .



++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : بعد أن عرفنا صراط العلم بكلام الله سواء في الخلقة والتكوين ، أو في معلمي الهدى وتعلمه ، ونذكر الآن بعض الآيات التي تعرفنا ، بعض من يدعي أنه آمن ولكنه لم يعمل بعلمه ، لنعرف ذم الله سبحانه وتعالى له ولكل تارك لعلمه فلم يعمل به .
قال الله سبحانه وتعالى :
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ
وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ
وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ
رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61)
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64)
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65) } النساء .
فهؤلاء يدعون أنهم آمنوا : ولكنهم بحق لم يكونوا صادقين ، فهم لظلمهم يحبون الرجوع في حل مسائل خلافهم للطواغيت وغير المؤمنين ، فحين أنهم أمروا أن يكفروا بمن لم يؤمن ، وهؤلاء قد استولى عليهم الشيطان الرجيم ، وضلوا ضلالا بعيدا .
والله ورسوله : يأمرهم بالتعاون ، ولكنهم يصدون ويثبطون الناس عنه ، فالله لو أراد أن يصب عليهم المصائب لفعل ولكنه يؤجلهم ، وهم في كل أحوالهم ينافقون فيظهرون الإيمان عند نبي الرحمة ، ولكنهم كاذبون ، فأمر الله رسوله أن يعرض عنهم أو يحكم لهم إن جاءوه .
والله يأمر أن نسلم للنبي : بكل ما أمرنا به لأنه عن الله سبحانه ، ومن يظلم نفسه لابد أن يستغفر الله ، ويأتي النبي سواء من قريب أو من بعيد فيسلم عليه ويصلي عليه وعلى آله كما علمنا ، ونقر له بالولاية والإمامة والطاعة حتى نظهر حقيقة اعتقادنا قولا وعملا بولايته وأنها ولاية الله .
فيظهرون : حين يقرون له بالصلاة والتسليم عليه ، علما وعملا طاعة الله حسب ما أمرهم به ، وبالصراط المستقيم ممن اصطفاه وأختاره الله سبحانه لهداية عباده ، فيقترن ويتحد العلم والعمل ، سواء في القضاء والحكم ، أو في باقي العبادات كلها .

ويا أخوتي : هذا العلم الإلهي في كتابه ، بعض العباد يعلم به ويعمل فهو شفاء له ، وبعضهم يعلم به ولا يؤمن به أو لا يعمل فهو له الخسران ، وفي هذه الآيات يعرفنا الله سبحانه ، إنه كلا يعمل على شاكلته وحسب اعتقاده ، ولكن بعض بعلم حق فيفوزا ، وقسم بعلم باطل فيخسر .
قال الله سبحانه وتعالى :
{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ
مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (82)
وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا (83)
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ
فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (84) } الإسراء .

وهذه آيات كريمة تعرفنا : قصة الدين ومعارف الهدى وعلومه ، وأنه يجب العلم به ، ووفق ما شرع الله سبحانه في أول الخلق إلى يوم القيامة ، وطبعا يجب تعلمه ممن اصطفاهم وأختارهم الله سبحانه وتعالى لا من كل أحد ، ليصح العمل وفق علم حق ، وتقام الطاعة والعبودية لله واقعا :
قال الله سبحانه وتعالى :
{ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ
مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13)
 وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ( 14)
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ
وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ
لَنَا أَعْمَالُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ
لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) } الشورى.
ثم تستمر الآيات الكريمة : في سورة الشورى ، تعرف من أمن بحق وعمل بما آمن ففاز ، ومن خسر لعدم عمله بما علم أو بعضهم لم يؤمن به أصلا .
ثم الله سبحانه وتعالى : عرف العباد أن أمر دينه وتعاليم هداه ، من يعمل به يقترف الحسنة والله سبحانه يشكر سعيه ويغفر له .
ولكن بشرط : أن يتعلم من نبي الرحمة وآله وقرباه بعده صلى الله عليهم وسلم ، لا كل قربى ممن لم يشهد الله بالتطهير بآية التطهير ولا بالتصديق في آية المباهلة .

فقال سبحانه وتعالى :
{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا
إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى
وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) } الشورى .
فعرفنا الله سبحانه : إن من يحب أن يعمل الصالحات والعبادات ممن آمن بحق ، عليه أن يعرف رسالة الله لرسوله ، وأن أجرها هو مودة قرباه وآله الطيبين الطاهرين ، ومن ثم العمل حتى تقترف الحسنات ويشكر السعي ، وهذا هو حق العلم والعمل به مخلصين الدين لله به ، وإلا فلا .

والآيات الكريمة : التي تعرفنا أنه يجب أن يكون العمل بالهدى وفق علم حق حتى يصلح ويقبل كثيرة منها :
ما قال الله سبحانه وتعالى :
{ لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ
وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) } النساء .
وقال الله سبحانه وتعالى :
{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم
فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) } المائدة .
فهذه الآيات الكريمة : تعرفنا أن لا يجوز العمل وفق الهوى ، بل وفق ما أنزل الله وسبحانه وتعالى  وعلمه أولياءه المصطفين الأخيار ، وبهذا يتم للعامل أجر عظيم ، وبالعلم الحق ومنهاج الصدق تستبق الخيرات ويصح ويصلح العمل بهدى حق .
وأسأل الله سبحانه : أن يرزقنا العلم بالعمل ، وأن يهتف بنا هداه في كل أحوالنا لأن نطيعه بما يحب ويرضى سبحانه من هداه الحق واقعا ، وأن لا يجعل علمه يرحل عنها أو نهجره فنكون من الآثمين ، بل نقرن العلم الحق بالعمل المخلص له سبحانه ، إنه ولي التوفيق وهو سبحانه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
 

 

++++

ويا أخوتي الطيبين: بعد أن عرفنا معرفة كريمة في ضرورة اقتران العلم بالعمل ، ولا يجوز العمل وفق الهوى بدون علم حق ، وبآيات كريمة من كتاب الله القرآن المجيد ، حان الآن أن نذكر أصل الحديث ، وما يناسبه من المعاني في وجوب أقتران العلم بالعمل ، لأن العلم يدعو إلى العمل وينادي الإنسان من داخل وجوده لأن يعمل بما علم ، ليظهر حسنه الكريم وتبين آثاره الجميلة ، طبعا إن كان حق ، وإلا يكون ظهوره ظهور خبيث تشمئز النفوس الطيبة منه ، وبالخصوص إن طلب به الدنيا ، ولم يطلب به الله سبحانه وتعالى .

وأما أصل حديث اللوحة فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام :
العلم : مقرون بالعمل ، فمن علم عمل .
العلم : يهتف بالعمل ، فإن أجابه و إلا ارتحل .
غرر الحكم ص45ح 142، 143 .
وإليكم أخوتي أحاديث تعرف هذا الحديث وتشرحه ، وبالخصوص قسمه الأول :

قال الإمام موسى بن بجعفر الكاظم عليه السلام :
يا هشام :
نصب الحق لطاعة الله ، و لا نجاة إلا بالطاعة .
و الطاعة : بالعلم .
و العلم : بالتعلم .
و التعلم : بالعقل يعتقد .
و لا علم : إلا من عالم رباني .
و معرفة العلم : بالعقل .
يا هشام :
قليل العمل : من العالم ، مقبول مضاعف .
و كثير العمل : من أهل الهوى و الجهل ، مردود .
يا هشام : إن العاقل :
رضي بالدون : من الدنيا ، مع الحكمة .
و لم يرض بالدون ، من الحكمة ، مع الدنيا .
فلذلك : ربحت تجارتهم ....
الكافي ج1ص17ح12 .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
أيها الناس : اعلموا .
أن كمال الدين : طلب العلم ، و العمل به .
ألا و إن : طلب العلم ، أوجب عليكم من طلب المال .
إن المال : مقسوم مضمون لكم ، قد قسمه عادل بينكم ، و ضمنه ، و سيفي لكم .
و العلم : مخزون عند أهله ، و قد أمرتم بطلبه من أهله ، فاطلبوه .
الكافي ج1ص30ح4 .

قال الإمام علي بن الحسين عليه السلام : في وجوب المعرفة والعلم ثم العمل :
فالحذر الحذر : من قبل الندامة و الحسرة ، و القدوم على الله ، و الوقوف بين يديه .
و تالله : ما صدر قوم قط عن معصية الله ، إلا إلى عذابه .
و ما آثر : قوم قط الدنيا على الآخرة ، إلا ساء منقلبهم ، و ساء مصيرهم .
و ما العلم بالله : و العمل ، إلا إلفان مؤتلفان .
فمن عرف الله : خافه ، و حثه الخوف على العمل بطاعة الله .
و إن أرباب العلم : و أتباعهم الذين عرفوا الله ، فعملوا له ، و رغبوا إليه .
و قد قال الله : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } .
فلا تلتمسوا شيئا : مما في هذه الدنيا بمعصية الله .
و اشتغلوا : في هذه الدنيا بطاعة الله ، و اغتنموا أيامها ، و اسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله .
فإن ذلك : أقل للتبعة و أدنى من العذر ، و أرجى للنجاة .
فقدموا أمر الله : و طاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها .
و لا تقدموا : الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت ، من زهرة الدنيا بين يدي الله .
و طاعته : و طاعة أولي الأمر منكم .
و اعلموا ك أنكم عبيد الله ، و نحن معكم ، يحكم علينا و عليكم سيد حاكم غدا .
و هو موقفكم و مسائلكم : فأعدوا الجواب ، قبل الوقوف و المساءلة و العرض على رب العالمين .
يومئذ : لا تكلم نفس إلا بإذنه .
و اعلموا : أن الله لا يصدق يومئذ كاذبا ، و لا يكذب صادقا ، و لا يرد عذر مستحق ، و لا يعذر غير معذور له .
الحجة على خلقه : بالرسل ، و الأوصياء بعد الرسل .
فاتقوا الله : عباد الله ، و استقبلوا في إصلاح أنفسكم .
و طاعة الله : و طاعة من تولونه فيها ....
الكافي ج8ص16 ح2 .

فهذا الحديث الأخير : وما قبله يعرفنا حقيقة العلم الحق وما يجب أن يظهر بالعمل واقعا فيكون فيه رضا الله سبحانه .
وأسأل الله لي ولكم أن يرزقنا طاعته بما يحب ويرضى ، وأن نقرن العلم الحق والهدى الصادق كما علمه أولياءه في طاعته مخلصين له الدين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++

وأما أهل العلم : فقد عرفناهم في بحوث سابقة وهذه أحاديث أخرى تعرفهم :

وهذا حديث يعرفنا حقيقية العلم :
عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال :
دخل رسول الله صلى الله عليه وآله : المسجد ، فإذا جماعة قد أطافوا برجل .
فقال : ما هذا ؟ فقيل : علامة .
فقال : و ما العلامة ؟
فقالوا له : أعلم الناس ، بأنساب العرب و وقائعها ، و أيام الجاهلية و الأشعار العربية .
قال فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
ذاك علم : لا يضر من جهله ، و لا ينفع من علمه .
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
إنما العلم ثلاثة : آية محكمة ، أو فريضة عادلة ، أو سنة قائمة ، و ما خلاهن فهو فضل .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
إذا أراد الله : بعبد خيرا ، فقهه في الدين .

وقال الإمام الباقر عليه السلام :
الكمال : كل الكمال ، التفقه في الدين ، و الصبر على النائبة ، و تقدير المعيشة .

الكافي ج1ص32ح1 ، 3 ، 4 .

 

++

فضل العالم العامل بالعلم بالتعليم :
عن أبي البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
إن العلماء : ورثة الأنبياء ، و ذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا .
و إنما أورثوا : أحاديث من أحاديثهم ، فمن أخذ بشي‏ء منها فقد أخذ حظا وافرا .
فانظروا علمكم هذا : عمن تأخذونه .
فإن فينا أهل البيت : في كل خلف عدولا ، ينفون عنه تحريف الغالين ، و انتحال المبطلين ، و تأويل الجاهلين .
الكافي ج1ص32ح2 .
قال الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين :
عالم : ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد .
وعن معاوية بن عمار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام :
رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ، و يشدده في قلوبهم و قلوب شيعتكم ، و لعل عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية ، أيهما أفضل .
قال الراوية : لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا ، أفضل من ألف عابد .
الكافي ج1ص33ح8 ، 9 .


فضل تعلم العلم والعمل به :
عن حفص بن غياث قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام :
من : تعلم العلم ، و عمل به ، و علم لله .
دعي : في ملكوت السماوات عظيما .
فقيل : تعلم لله ، و عمل لله ، و علم لله .
الكافي ج1ص35ح6 .


فضائل العلم ومكارمه ومناقبه :

عن شعيب عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول :
يا طالب العلم : إن العلم ذو فضائل كثيرة :
فرأسه التواضع : و عينه البراءة من الحسد ، و أذنه الفهم ، و لسانه الصدق ، و حفظه الفحص .
و قلبه حسن النية : و عقله معرفة الأشياء و الأمور ، و يده الرحمة ، و رجله زيارة العلماء .
و همته السلامة : و حكمته الورع ، و مستقره النجاة ، و قائده العافية ، و مركبه الوفاء .
و سلاحه : لين الكلمة ، و سيفه الرضا ، و قوسه المداراة .
و جيشه : محاورة العلماء ، و ماله الأدب .
و ذخيرته : اجتناب الذنوب ، و زاده المعروف ، و ماؤه الموادعة ، و دليله الهدى ، و رفيقه محبة الأخيار .
الكافي ج1ص48ح2 .

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال :
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :
يا رسول الله : ما العلم ؟ قال : الإنصات .
قال : ثم مه ؟ قال : الاستماع .
قال : ثم مه ؟ قال : الحفظ .
قال : ثم مه ؟ قال : العمل به .
قال : ثم مه يا رسول الله ؟ قال : نشره .
الكافي ج1ص48ح4 .

+++

عمل بعلمه لكنه للدنيا لا حسب ما أمره الله :
باب المستأكل بعلمه و المباهي به .:.
قال الإمام الباقر عليه السلام :
من طلب العلم : ليباهي به العلماء ، أو يماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه .
فليتبوأ : مقعده من النار .
إن الرئاسة : لا تصلح ، إلا لأهلها .
الكافي ج1ص47ح6 .

وقال الكليني رحمه الله في الكافي : باب المستأكل بعلمه و المباهي به :
عن سليم بن قيس قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
منهومان : لا يشبعان ، طالب دنيا ، و طالب علم .
فمن اقتصر : من الدنيا على ما أحل الله له سلم .
و من تناولها : من غير حلها هلك إلا أن يتوب أو يراجع .
و من أخذ العلم : من أهله .
و عمل بعلمه : نجا .
و من أراد به : الدنيا، فهي حظه .
الكافي ج1ص46ح1 ح2 .
عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال عيسى ابن مريم عليه السلام :
تعملون للدنيا : و أنتم ترزقون فيها بغير عمل .
و لا تعملون للآخرة : و أنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل .
ويلكم : علماء سوء ، الأجر تأخذون ، و العمل تضيعون .
يوشك رب العمل : أن يقبل عمله .
و يوشك : أن يخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر .
كيف يكون : من أهل العلم ، من هو في مسيره إلى آخرته ، و هو مقبل على دنياه ، و ما يضره أحب إليه مما ينفعه .
الكافي ج2ص319ح13 .

 

++++
ترك العمل بالعلم وعقابه :

عن سليم بن قيس الهلالي قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : في كلام له .
العلماء رجلان : رجل عالم آخذ بعلمه ، فهذا ناج .
و عالم : تارك لعلمه ، فهذا هالك .
و إن أهل النار : ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه .
و إن أشد أهل النار : ندامة و حسرة .
رجل : دعا عبدا إلى الله فاستجاب له ، و قبل منه ، فأطاع الله ، فأدخله الله الجنة .
و أدخل الداعي : النار ، بتركه علمه ، و اتباعه الهوى ، و طول الأمل .
أما اتباع الهوى : فيصد عن الحق ، و طول الأمل ينسي الآخرة .
 

قال الإمام الصادق عليه السلام :
العلم : مقرون إلى العمل ، فمن علم عمل .
و من عمل علم و العلم يهتف بالعمل فإن أجابه و إلا ارتحل عنه
وقال عليه السلام :
إن العالم : إذا لم يعمل بعلمه .
زلت : موعظته عن القلوب ، كما يزل المطر عن الصفا .

وعن علي بن هاشم بن البريد عن أبيه قال : جاء رجل إلى علي بن الحسين عليه السلام :
فسأله : عن مسائل ، فأجاب ، ثم عاد ليسأل عن مثلها .
فقال علي بن الحسين عليه السلام :
مكتوب في الإنجيل : لا تطلبوا علم ما لا تعلمون .
و لما تعملوا : بما علمتم .
فإن العلم : إذا لم يعمل به ، لم يزدد صاحبه إلا كفرا ، و لم يزدد من الله إلا بعدا .

و عن المفضل بن عمر : عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
قلت له : بم يعرف الناجي ؟
قال : من كان فعله لقوله موافقا ، فأثبت له الشهادة .
و من : لم يكن فعله لقوله موافقا ، فإنما ذلك مستودع .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : في كلام له خطب به على المنبر :
أيها الناس : إذا علمتم فاعملوا بما علمتم ، لعلكم تهتدون .
إن العالم : العامل بغيره ، كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله .
بل قد رأيت : أن الحجة عليه أعظم .
و الحسرة : أدوم على هذا العالم ، المنسلخ من علمه منها ، على هذا الجاهل المتحير في جهله ، و كلاهما : حائر بائر .
لا ترتابوا : فتشكوا ، و لا تشكوا فتكفروا .
و لا ترخصوا لأنفسكم : فتدهنوا ، و لا تدهنوا في الحق فتخسروا .
و إن من الحق : أن تفقهوا .
و من الفقه : أن لا تغتروا .
و إن أنصحكم لنفسه : أطوعكم لربه .
و أغشكم لنفسه : أعصاكم لربه .
و من يطع الله : يأمن و يستبشر ، و من يعص الله يخب و يندم .

وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال : سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول إ:
ذا سمعتم العلم : فاستعملوه ، و لتتسع قلوبكم .
فإن العلم : إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله ، قدر الشيطان عليه .
فإذا خاصمكم : الشيطان ، فأقبلوا عليه بما تعرفون ، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا .
فقلت : و ما الذي نعرفه ؟
قال : خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عز و جل .
الكافي ج1ص45ح1 _ 7 .

 

.

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com