بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة / الأربعون حديث الثانية / الحديث
 


قال أمير المؤمنين عليه السلام : من نصح نفسه  كان جديراً بنصح غيره

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
 من : نصح نفسه .
كان : جديراً ، بنصح غيره .

 

شرح الحديث :

لوحة خيرة لطيفة : توعظ عباد الله وهي لهم بحق معلمة واعظة ناصحة ، بعد أن زينت نفسها بجمال الفن وتخلت عن التشويش والتشويه وكل قبائحه ، فقد نصحت نفسها أولا وعلمت كيف تكون النفس بآدابها ومكارم أخلاقها رابحة ، وهكذا كل مؤمن ليستحق أن يكون ناصح عليه إن يتخلى عن الأخلاق الرذيلة والآداب المشينة لتكون نفسه شريفة ولرضا الله وكرامات نوره مستعدة متهيئة صالحة ، فمن تزين وتحلى بجمال هدى الدين وحسن تعاليم رب العالمين وحب طاعة الله والعلم النافع وعمل الخير واخلص لله سبحانه تكون روحه فائزة ناجحة ، وتكون روحه في الدنيا كريمة شريفة صالحة عفيفة طائعة لطيفة وحين تتكلم بالموعظة الحسنة وتتحدث بالنصيحة الخيرة مؤثرة في القلوب وللأرواح بالهدى فاتحة ، ولنعيم الخلد ولجنان أعدها الله وما فيها من الأنهار والقصور والحور والولدان المخلدين وجمال المنظر وبكل خير وبركة وحسنة مستعدة وفالحة ، وبين الأشجار والعيون والطيور وكل ما تتمنى الروح وتشتهي الأنفس وكل نعيم أعده الله للمؤمنين يكون هناك مبيحا له سبحانه ومانحه .

وإما إن كان الناصح : مشوش الفكر مشغول عن الأخلاق الكريمة والآداب الحسنة والطاعات وحب أن ينصح تكون نصيحته قالحة كاشحة ، لا تؤثر ولا تنفع ولا تسمع ومن يراه يتكلم بنصح يتصور أنه غير مجد ويمازحه ، وإن أصر على التظاهر بالنصح والكلام الطيب يكون لمن ينصحه كأنه صارخ به و نابحة ، لأنه لا يرى كلامه جد ولا مفيد فضلا من أن يكون مغرض ويريد شر وضر لا يعلنه ومخفي وراء قصده ولا يبينه ولا به يصارحه ،  لأنه لو كان صادقا لكانت نفسه عن الشين والقبيح والرذائل مفارقة و عن وجودها المعاصي نازحة ، ولما كان مرتكب لما يزري به ويجب أن يبتعد عنه من الشر وأعمال أهل الذنوب والمحرم وفضائحه ، فكلام المذنب المرتكب للأعمال الخبيثة والأفعال السيئة لا يؤثر لأن نفسه نفسها طالحة ، فلا يتصور منه حقيقة الموعظة الحسنة ولا علم مفيد ولا عنده عمل خير نافع لما يرون من شره والأمور المضرة والتي بشخص وجوده مخلة وقادحة  .

ولهذا كان المعنى الصريح لحديث مولى الموحدين : بأنه من نصح نفسه وحلاها بالآداب الفاضلة والأخلاق الكريمة وبهدى الدين  أولا ،  كان جديرا وأهلا لأن ينصح ويوعظ عباد الله الآخرين ثانيا .

++++

فيا أخوتي الكرام الطيبين : كلام كريم من أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام من رب العالمين ، يعرف حقيقة صادقة لكل من يحب أن ينصح أو يأمر بالمعروف وينهى عنى المنكر ويقوم بأمور الدين ، فأنه لابد أن يبدأ بنفسه فيصلحها  ثم يصلح الآخرين ، ليكون كلامه خارج من القلب الطيب فيدخل الأرواح الصالحة للمؤمنين ، وإلا النصيحة والموعظة لا تنفع لمن كان هو من الذين يرتكبون القبائح والمحرمات وكل شيء فاسد ولنفسه مهين ، فإن الإنسان السامع له يقول لو كان محقا لبدأ بنفسه ورفع عنها كل سيئة وخبث وشين ، ولا يكون مرتكب لأعمال مخلة بالأخلاق الحسنة والآداب الطيبة وهو لنفسه ليس  بأمين ولا من الناصحين ، هذا إذا لم يرى أنه غير صادق في نصحه ويتوقع أن وراء كلامه أمر مخفي شره وضره دفين ، يظهره حين ما تمتثل نصيحته ويجعل لكل مستقيم مائل وهذا هو ديدن عمل المنافقين ، والذين ظاهرهم صلاح وباطنهم خبث وشر ومعصية وليس لهم اعتناء بأمر الدين ، ولا يعيرون أهمية ولا يعتقدون حق بعذاب رب العالمين والمعد والمتوعد به للطاغين والظلمة العاصين والمفسدين .

فيا أخوتي الطيبين : حق الموعظة الحسنة والنصيحة الطيبة من عباد الله لأفرد الأنام ، هي أن تخرج من القلب الطاهر من الغل والغش والنظيف من الخداع والفساد والمتخلي عن الشر والحرام ، والمتزين بعلم الهدى والمتحلي بأعمال الخير والصلاح ويظهر تجلي كريم من سيرته وسلوكه ويرى في آثار البركة وتلمح الطاعة بأفعاله وواضح كل أمر من سيرته وسلوكه أنه من المؤمنين ، فحينها  يراه العباد جدير بالإرشاد وبأنه أهلا لأن يكون من أهل النصح ويستحق أن يسمع منه لأنه بنفسه صالح أمين ، والطاعة وعمل الخير في وجوده وسيرته وسلوكه متحقق وبه عارف وظهوره منه بالنصح بحق واقع مكين ، فيسمع منه النصح ويستأنس برأيه ويستشار ويقدم ويحترم علمه وعمله ويصدق بحق في مواعظه إن أبداها ويقبل منه بجد ويعمل بها لأنه يقطع بتعليمه ورأيه بأنه خير فالح وأنه واقعا من الناصحين .

++

يا أخوتي الطيبين : مر ذكر بحوث كثيرة في لوحات تنورت بأحاديث عزيزة شريفة في معنى النصيحة وشروطها ، وأصل الموعظة وفوائدها ، وممن يجب أن تصدر النصيحة والموعظة ، وكيف تؤثر في المؤمنين ، وذكرنا بعض البيان لها لمن يحب الشرح يراجعها ، منها ما :

قال أمير المؤمنين عليه السلام :
لا تكن : ممن ينهى ولا ينتهي .
ويأمر ، بما لا يأتي .
يصف : العبر ، ولا يعتبر  .
فهو : على الناس طاعن ، ولنفسه مداهن.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
ليكن : أحب الناس إليك .
من هداك : إلى مراشدك . وكشف لك عن معائبك .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
من حذرك : كمن بشرك ، من تجرأ لك تجرأ عليك .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
من وعظ : أخاه سرا فقد زانه .
ومن وعظه : علانية ، فقد شانه .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
أحصد : الشر من صدر غيرك .
بقلعه : من صدرك.

قال أمير المؤمنين عليه السلام :
من صحّت : ديانته ، قويت أمانته .
من صدقت : لهجته ، صحّت حجّته.

وكل هذه الأحاديث الكريمة : قريبة المعنى من قوله عليه السلام :
من : نصح نفسه .
كان : جديراً بنصح غيره.
غرر الحكم ص225ح 4564 .
ومر البحث : في كل حديث بما يناسبه وذكرنا مصدره .
ونذكر أولا : روايات المناسبة لضرورة تخلق المؤمن بآداب الدين فينصح نفسه ، ويكون بسيرته وسلوكه ناصحا لغيره ، ومنها ما :

قال الإمام الصادق عليه السلام :
أحسنوا النظر : فيما لا يسعكم جهله .
و انصحوا : لأنفسكم ، و جاهدوا في طلب ما لا عذر لكم في جهله .
فإن لدين الله : أركانا .
لا ينفع : من جهلها ، شدة اجتهاده ، في طلب ظاهر عبادته .
و لا يضر : من عرفها ، فدان به حسن اقتصار .
و لا سبيل : لأحد إلى ذلك ، إلا بعون من الله عز و جل .
كنز الفوائد ج2ص33 .
 

وعن سليمان بن مهران قال : دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام : و عنده نفر من الشيعة .
فسمعته و هو يقول :
معاشر الشيعة : كونوا لنا زينا ، و لا تكونوا علينا شينا .
قولوا للناس : حسنا ، أحفظوا ألسنتكم .
و كفوها : عن الفضول ، و قبيح القول .
الأمالي ‏للصدوق ص400م62ح17 .

وقال الشيخ المفيد رحمه الله : بالإسناد عن كثير بن علقمة قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أوصني ؟
فقال : أوصيك بتقوى الله و الورع ، و العبادة و طول السجود ، و أداء الأمانة و صدق الحديث ، و حسن الجوار .
فبهذا جاءنا : محمد صلى الله عليه وآله :
صلوا : عشائركم ، و عودوا مرضاكم ، و احضروا جنائزكم .
و كونوا : لنا زينا ، و لا تكونوا علينا شينا .
حببونا : إلى الناس ، و لا تبغضونا إليهم .
جروا إلينا : كل مودة ، و ادفعوا عنا كل قبيح .
فما قيل : فينا من خير ، فنحن أهله .
و ما قيل : فينا من شر ، فو الله ما نحن كذلك .
لنا حق : في كتاب الله ، و قرابة من رسول الله ، و ولادة طيبة ، فهكذا فقولوا.
الحكايات ص93 .
 

ور عن سيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في رسالة الحقوق وهي طويلة منها قال :
حق الله الأكبر : عليك أن تعبده ، و لا تشرك به شيئا ، فإذا فعلت ذلك‏ بإخلاص ، جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا و الآخرة .
و حق نفسك : عليك أن تستعملها بطاعة الله عز و جل .
و حق اللسان : إكرامه عن الخنا ، و تعويده الخير ، و ترك الفضول .....

و أما حق المستشير : فإن علمت أن له رأيا حسنا أشرت عليه ، و إن لم تعلم له أرشدته إلى من يعلم .
و حق المشير عليك : أن لا تتهمه فيما لا يوافقك من رأيه ، و إن وافقك حمدت الله عز و جل .
و حق المستنصح :
أن تؤدي : إليه النصيحة .
و ليكن مذهبك : الرحمة له ، و الرفق به .
و حق الناصح :
أن تلين له : جناحك ، و تصغي إليه بسمعك .
فإن أتى : بالصواب ، حمدت الله عز و جل .
و إن لم يوافق : رحمته ، و لم تتهمه و إن علمت أنه أخطأ ، و لم تؤاخذه بذلك إلا أن يكون مستحقا للتهمة ، فلا تعبأ بشي‏ء من أمره على حال ، و لا قوة إلا بالله ..
من‏ لا يحضره ‏الفقيه ج2ص619ح3214.
فهذه : أحاديث كريمة في بيان أهمية نصح الإنسان نفسه ، ويكون إنسانا خيرا فاضلا صالحا ليمكن أن يشير على غيره بما فيه الخير والصلاح ، وينصح المؤمنين بحقيقة وجوده وتصرفه وسلوكه ، وإن نصح أحد أو ستنصحه ، يظن به خيرا لما فيه من خصال الخير والصلاح والطاعة لله ، فيقبل منه ، بل يكون هو له خير الدنيا والآخرة ونعيمها بحق ، لأنه في رضا الله ، وبهذا المعنى في نصيحة النفس وهي أجدر بالإنسان لنفسه ولغيره :

قال أمير المؤمنين عليه السلام :
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ :
وَ بَادِرُوا : آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، وَ ابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ .
وَ تَرَحَّلُوا : فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ ، وَ اسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ ، فَقَدْ أَظَلَّكُمْ ، وَ كُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا .
وَ عَلِمُوا : أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا .
فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ : لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ، وَ لَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى .
وَ مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ : وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، إِلَّا الْمَوْتُ ، أَنْ يَنْزِلَ بِهِ .
وَ إِنَّ غَايَةً : تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ ، وَ تَهْدِمُهَا السَّاعَةُ ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ .
وَ إِنَّ غَائِباً : يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ .
وَ إِنَّ قَادِماً : يَقْدُمُ بِالْفَوْزِ أَوِ الشِّقْوَةِ ، لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ .
فَتَزَوَّدُوا : فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا .
مَا تَحْرُزُونَ بِهِ : أَنْفُسَكُمْ غَداً .
فَاتَّقَى : عَبْدٌ رَبَّهُ .
نَصَحَ : نَفْسَهُ .
وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ : وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ .
فَإِنَّ أَجَلَهُ : مَسْتُورٌ عَنْهُ ، وَ أَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ .
وَ الشَّيْطَانُ :
مُوَكَّلٌ بِهِ : يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ ، لِيَرْكَبَهَا وَ يُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا .
إِذَا هَجَمَتْ : مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ ، أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا .
فَيَا لَهَا حَسْرَةً : عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ ، أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً ، وَ أَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ .
نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ : أَنْ يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ ، وَ لَا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ ، وَ لَا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَ لَا كَآبَةٌ .
نهج‏ البلاغة ص95ح64.

فمن لم يستعد : لعمل الخير والطاعات ، يسطر عليه الشيطان ، ويستحوذ على فكره ، فلا ينجو من حبائله ، ويكون في حسرة أبديه ، وحينها من لا ينصح نفسه فينجو كيف ينصح الآخرين ، ومن لم يرشد نفسه لهدى الدين كيف يفلح غيره بمشورته ونصحه ، وهو لنفسه غاش مخادع فكيف يكون لغيره ناصح وواعظ ، فلا يقبل منه أحد من النصح ما لم يرضاه لنفسه فيعمل به ، نعم من نصح نفسه يمكن أن ينصح الآخرين .
وأسأل الله أن يجعلنا : ممن تخلق بأخلاق الدين وهدى الإسلام ، وأن يرزقنا الكمال في العلم والإخلاص في العمل [طاعته ، حتى نكون ناصحين بسيرتنا وسلوكنا فضلا عن قولنا وفعلنا .

 

+++

ويا أخوتي الطيبين : من نصح نفسه كان جديرا بأن ينصح غيره .
فإما إن كان : ممن لم ينصح نفسه ، فليس جديرا بأن ينصح غيره ، بل لا يصح أن نصدق نصحه .
وقد قال الله سبحانه وتعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ
لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) } المائدة .
فمن نصح نفسه : فتعلم هدى الله وأطاعه مخلصا نجا وفاز ، ولا يضره من ضل سواء نصحه أم لم ينصحه ، أو نصحه قبل نصحه أم لم يقبل .
ومن لم ينصح نفسه :  هلك وأهلك غيره ممن يطيعه ويماشيه ويماثله .

والآن يا أخوتي الطيبين : أحب أن أذكر قصة لمن غش نفسه ولم ينصحها ، فهلك وأرد أن يهلك غيره ، ولكن أنجى الله المخلصين المتقين ، و لعنه إلى يوم الدين ، لما أصر على المعصية ولم يتب ولم ينصح نفسه مع أن يعيش آلاف السنين ، ومع أنه يعرف الهدى كله والضلال كله ، ولكنه يعاند نفسه وعلمه وما يعرف من عذاب الله له إن لم يتب ، بل هو من يرى من المهتدين يضله ، وإن كان من الضالين يمنعه من سماع الهدى .

ثم قبل قراءة القصة : إن آدم عليه السلام لم يكن يصدق أن الله خلق من يكذب ، لأنه خلاف الفطرة السليمة وآداب الله ، فلذا وهو في الجنة وليس له تكليف ، سمع نصيحة إبليس ، لأنه قال له ولزوجه أني لكما من الناصحين ، ولم يصدق عليه السلام  أنه كاذب لم ينصح فنسه ، فضلا من أن يغش غيره ، ولكنه لما سمع نصح خرج وهبط من الجنة إلى الدنيا .
ولكن الله سبحانه : قبل عذر آدم في الدنيا ، وبعد هذا لم يطع إبليس أبدا لما عرف  من كذبه ، فاجتباه وجعله أول الأنبياء وهو أبو البشر كلهم .
والآن كل العباد : يعرفون هذه القصة ، أن المعصية وعدم الطاعة من أخلاق إبليس والشياطين ، فعليهم أن لا يطيعونه ، وعليهم أن يقتدوا بأبيهم آدم لما عرفه لم ينصح نفسه لم يطعه بعد ذلك أبدا حتى أجنباه الله ، لا بعدوه ، لكي ينجوا ويدخلوا الجنة ، وإلا فلهم النار .

واللطيفة الأخرى : ونكتة دقيقة ظريفة ، إن إبليس قال لآدم وحواء عليهم السلام وهو في الجنة :
أني لكما من الناصحين .
ولنا نحن أبناء آدم : أقسم بالله سبحانه فقال لعنه الله :
 وعزتك لأغوينهم أجمعين .
من قسم الشيطان : له أنه ناصح أخرجه من الجنة ، فكيف بنا وقد أقسم أنه ليغوينا .
فإنه إن أخرجنا : من الدنيا وهو مسيطر علينا بأخلاقه ونقتدي به في المعصية ، فلا ندخل الجنة أبدا .
فالحذر الحذر : من إهلاك النفس وعدم نصحها ، وقد نؤثر على غيرنا فيقتدي بنا فنتحمل وزره لأنه علمناه قبيح فعل المعصية .

ولمعرفة : قصة أبينا آدم عليه السلام ، مع إبليس لعنه الله ، وما نصحه ، وما أقسم لأن يغوينا ، فلنتدبر كلام الله تعالى :
قال الله سبحانه وتعالى :
{ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا
 وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
 فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)
فَوَسْوَسَ لَهُمَا
الشَّيْطَانُ
لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا
لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ
فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ
بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ
وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (الأعراف22)
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا
 وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)
قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)
 قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)
يَا بَنِي آدَمَ
قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)
يَا بَنِي آدَمَ
لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ
 يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا
إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ
إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ
أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)
وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا
قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء
 أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (28)
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)
فَرِيقًا هَدَى
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء
مِن دُونِ اللّهِ
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (30) } الأعراف .
وهذه قصة اللعين : إبليس وولده وجنوده من الشياطين ، وكيف فعل فعلته الأولى ، وكيف حذرنا الله منه .
وإن أكثر فعل الشيطان : من ناحية عدم العفة والشهوات ، ينزع لباس الناس ويجعلهم يعملون الفاحشة ويظهرون عوراتهم بالحرام ، أنظر تأكيد الله على وجوب التحلي بلباس التقوى في الآيات أعلاه ، وكيف قال إني لكما لمن الناصحين .

وأما قصة اللعين الغاش لنفسه ولم ينصحها : بل توعدنا حالفا بالله بأن يغوينا ، وله قدرة الوسوسة وتزيين الدنيا لنا وبحرامها كله وهو عارف بكل ما يضل :{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)
إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (74)
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75)
قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76)
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78)
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79)
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)
قَالَ
فَبِعِزَّتِكَ
لَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ (82)
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ (83)
قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)
قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) } ص .
فتدبر : قال لأبينا آدم عليه السلام ، أني لكما من الناصحين ، أخرجه وزوجه من الجنة.
 وقوله لنا : بعزتك لأغوينهم أجمعين ، يحلف بالله لغوايتنا ، فكيف سيفعل بنا .
فرحم الله امرأ نصح نفسه : فأطاع ربه وأخلص له العبودية ، قبل منه غيره نصحه أم لا ، وخلص نفسه من شرور الشيطان وحبائله وشرور النفس وكل ما يجعله بعيد الله سبحانه .
 فهذا إبليس : عرف الله سبحانه ، وعبده دهرا طويلا ، و كان له سجدة واحدة لله طولها ستمائة ألف سنة ، لكن الحسد لآدم أخرجه من الجنة ومن طاعة الله ، إلى اللعنة الأبدية ، بل أضل غيره ، فلم ينصح نفسه مع علمه بضلال نفسه .
 فمن لم : ينصح نفسه ، ضل وأضل غيره ، ومن نصح نفسه نجا وفاز به غيره .

وبعد هذا هذه : قصة :
من كذبوا : وقالوا إنا من الناصحين ، لكنه فعلوا فعل الشياطين في الغش والخديعة :
قصة نصيحة أخوة يوسف عليه السلام :
{ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ
وَإِنَّا   لَهُ
لَنَاصِحُونَ (11)
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ
 وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)
قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)
قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (يوسف14)
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (15)
وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (16) قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)
 وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } يوسف .
فأخوة يوسف : لم ينصحوا أنفسهم ، وغشوا أبوهم وأخوهم ، وهم أولاد الأنبياء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، فكيف بالآخرين ممن يحب الظهور والجاه وليس له واعظ من ربه ولا من أصله ولا من نفسه .

فمن لم ينصح نفسه : خسر وضل وأفسد الآخرين ممن قبل نصحه ولم يتحقق مواعظه .
 ومن نصح نفسه : يحق له نصح الآخرين ، وجدير بأن نسمع نصحه ، بعد أن نتحقق بأنه من الصادقين.

وإن مواعظ الله في كتابه : كلها نصيحة للبشر وعبرة وقصص ، يعرفنا أنه على الإنسان أن ينصح نفسه ويطيع ربه ويتوب من ذنبه ، فيرجع لله مخلصا له الدين ، وهكذا ما نرى من مواعظ ونصائح نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، وكل يوم نرى لوحة فيها نصيحة حسنة وموعظة كريمة .
فهنيئا وطوبى : لمن عرف دين الله الحق وهداه ومواعظه الحسنة ونصائحه الجميلة  الكريمة ، فعلم وعمل بها .

ويجب بحق : أن نبحث عن أئمة الحق وأولياء دين الله المصطفين الأخيار الذين اجتباهم الله ، فنعرف دين الله منهم لأنا نعلم بحق أنهم المخلصين الطيبين الطاهرين  ، وننصح أنفسنا بطاعتهم وتعلم دين الله منهم .
ولا نتبع : من لم ينصح نفسه ، فغش روحه وخدعها ، وسولت له نفسه بأن يجتهد ويقيس ويستحسن ويفسر ويفتي حسب فكره ، وهو مخالف لأئمة الحق ودين الله الصادق الذي جعل صراطه المستقيم بيد المنعم عليهم ، لكي لا يضل العباد ويغضب عليهم سبحانه .
وصل الله على محمد وآل محمد الطيبين : أهل الذكر  المطهرين الذين أمر الله بمودتهم وجعلهم صادقين مصدقين ، ولعن أعدائهم ومن يكذبهم كما لعن إبليس ، حيث باهل بهم نبي الرحمة ، لما جاءه من العلم بصدقه وحق هداه ، ومن بعد هم لهم العلم الحق والنصح به :
فقال سبحانه :
{ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا
جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ
فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ
أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ
وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ
وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ
ثُمَّ نَبْتَهِلْ
فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ
عَلَى الْكَاذِبِينَ (آل عمران61)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)
 فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) } آل عمران .
فمن يكذب : نبي الرحمة وآله الكرام في أي زمان ولم يتعلم منهم ، فقد تولى عنهم ، وصار مفسدا ولم ينصح نفسه ، وإن علم وأفتى بغير هداهم بعد ما جاءهم من العلم فعليه اللعنة .
وآيات تطهير لآل محمد : والصلاة عليهم مع النبي  صلى الله عليهم وسلم  ، والأمر بمودتهم ، وجعلهم ورثة الكتاب ، وأهل الذكر ، والراسخون بعلمه ، وإن نبي الرحمة منذر ولكل قوم هاد ، ويوم يدعو الله كل أناس بإمامهم ، وأنهم عندهم علم الكتاب لأنه شهود منه ، وغيرها من الآيات الكثيرة ، وحديث الثقلين والسفينة وباب حطة وإنهم سادة أهل الدنيا والجنة وغيرها الكثير ، لشاهد لهم .
 فمن لم ينصح نفسه : بإطاعتهم ، وأطاع غيرهم من الناصحين الكاذبين ، فهو لم ينصح نفسه أبدا ، وله ما لإبليس وحزبه .
وأسأل الله لي ولكم : أن يجعلنا ممن نصح نفسه وتبع نبي الرحمة وآله الكرام ، وأطاعه سبحانه بهداهم ، وأن يوفقنا للإخلاص له بما علمونا من دينه الحق ، وما نصحونا به و أوعظونا به من تعاليمه بكل وجودهم وحديثهم وسيرتهم وسلوكهم ، فإنه أرحم الراحمين ، وهو ولي التوفيق ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 



+++++

ويا أخوتي الكرام : نصائح الله سبحانه في كتابه في كل كلمة وآية ، ويعرفنا ما به الهدى لكل البشر وفي كل شؤون الحياة ، فمن أطاع وقبل النصح وأخلص لله علمه وعمله ، فقد فاز ونجا وأفلح ولهم النعيم الأبدي .
ونصائح نبي الرحمة : وآله الكرام ، في خطبهم ووصاياهم وأحاديثهم كثيرة جدا ، راجع كتاب الكافي من أوله إلى أخره أو التهذيب أو الاستبصار ، بل كتب الصدوق والشيخ المفيد وغيرهم من أتباع آل محمد عليهم السلام ، ترى هداهم ونصحهم ومواعظهم الكثيرة ، في كل حديث لهم تعليم دين ، فمن صدق الناصحين لأنفسهم من أئمة الهدى فله الحسنى ونصح نفسه ، ومن خالفهم وأطاع من خالفهم فقد غش نفسه وكل من تبعه .
وفما تمر علينا من اللوحات : والأحاديث فيها كلها نصائح ومواعظ من الناصحين المخلصين عليهم السلام ، فتبعوا يا أخوتي نصها وشرحها ، أقبلوا معارف علمها وتحلو وتجلوا بها تسعدوا .
ولنذكر بعد ما عرفنا : من الناصح المخلص الجدير بالنصح والقبول منه وسماعه وطاعته ، والناصح الغاش وفعله الخبيث .
فنذكر نصائح أنبياء الله عليهم السلام : وهي نصائح كريمة من أفضل عباد المخلصين لله ، وما ينصحون به قومهم ، وكان الجدير بهم أن يسمعون منهم ، ولكن قليل من عباد الله شكور ، وإن الشيطان يمنع الناس من استماع النصيحة ،  ولمعرفة هذا المعنى نتلو قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام :


قال الله سبحانه في نصح نوح عليه السلام :
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ
فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)
قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60)
قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61)
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي
وَأَنصَحُ لَكُمْ
وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ (64) } الأعراف .
وذكر الله قصة نصائح نوح لقومة في سورة هود أيضا وفصلها من آية 25 حتى 49 .
ومنها قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ( هود25) أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (هود26) ....
قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (هود32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ( هود33)
وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي
إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ
إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) .. } هود .
وإن قوم نوح لم يقبلوا : نصح الله ونبيه الحق ، فأنظر عاقبتهم في الدنيا ولهم في الآخرة الخزي والعذاب الشديد ، ومن قبل نصح الناصح الجدير بالنصح ممن نصح نفسه وزكاه الله ، فاز ونجا وفلح وسعد في الدنيا والآخرة .

==
وقال الله سبحانه في قصة نصح نبي الله صالح عليه السلام لقومه :
{ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا
قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي
وَنَصَحْتُ لَكُمْ
وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) } الأعراف
نعم : من لم ينصح نفسه ووطنها على قبول الحق والهدى الصادق ، لا يحب الناصحين وقد أهلكها .
 

وقال الله سبحانه في قصة شعيب عليه السلام ونصحه لقومه :
{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا
قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85) وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)
قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)
الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ
يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي
وَنَصَحْتُ لَكُمْ
فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (95)
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96) } الأعراف .

وكل كتاب الله سبحانه : وأحاديث نبي الرحمة وآله الكرام صلى الله عليهم وسلم نصح وشرح النصح وموعظة وبيان لها ، راجعها في الكتب المختصة تعرف ذلك ، فمن أطاع الله والمصطفين الأخيار ونصحهم الحق ، نصح نفسه وجدير بأن ينصح غيره ، ومن لم يقبل نصح الله الحق ومن اجتباهم واختارهم فلم ينصح نفسه ، والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره .

وأسأل الله سبحانه : أن يجعلنا ممن نصحوا أنفسهم وقبلوا الهدى الحق ممن اصطفاهم بنعيم هداه الحق من جعلهم بفضله ورحمته أهلا للنصح وأجدر العباد وأفضلهم وأحسنهم لتعليم هداه بكل وجودهم وسيرتهم وسلوكهم وحديثهم ، وأطاعه مخلصا له الدين ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

.

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com