هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحف الظهور والتجلي  /  صحيفة  سادة الوجود / الجزء الأول
 معنى السيادة وملاكها وتأريخها وظهورها بنور واهب السيادة
في مراتب التدوين
في سيد الكتب وآياته وعلومه والتكوين سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين سادة المتقين
الباب الأول /
سفينة نجاة / المجلس الثاني

الذكر الرابع

سادة الكائنات أول من قال لا إله إلا الله لأنهم أول نور مخلوق لله

يا طيب : قد ذكرنا كثير من الآيات التي عرّفتنا حقائق الإخلاص لله سبحانه وتعالى والثبات عليه ، بل وأثر تعليمها والظهور بها في سيادة أول القائلين لها والظاهرين بها ، وحان الآن نتعرف على أثرها في كل مراتب الوجود ، وبعد أن عرفنا هناك عوالم عالية تفوق العرش والكرسي وحجب النور ، حان الآن أن نعرف أول مخلوق لله سبحانه وتعالى ، وما هي أثر كلمة الإخلاص في العوالم العالية ، فنقدم كلاما في حقائق كلمة لا إله إلا الله في تحقيقها معنى السيادة بصورة عامة ، ثم نتعرف على كيفية الخلقة لسيد الكائنات وآله سادة الوجود في كل المراتب .

 

الإشراق الأول :

كلمة لا إله إلا الله سيد التسابيح في كل مراتب الوجود وفضلها وحدودها :

كلمة : لا إله إلا الله : سيد الكلام والتسبيح وسيد القول وسيد في سيد آيات كتاب الله سيد الكتب والكلام ، وهي في الحقيقة معنى يعرفنا أن الخالق وولي النعمة التامة وهو على كل شيء قدير ، و الذي يجب أن يتوله به ويعبد وحده هو الله لا شريك له ولا وزير ولا لأحد من خلقه يستشير وكلت الألسن عن غاية صفته وانحسرت عن كنه معرفته ، ولكن نعلم أن كل شيء منه وحده فنطلب منه كل خير ونفر منه إليه من نقمته وغضبه إلى نعمته ورحمته وكرمه وجوده ، ولذا كان أول من تحقق بهذه المعاني هو أول ظهور لنعمة الخلق والتجلي لنوره في الوجود ، وهو العارف والمعلم لـ لا إله إلا الله في عالم الوجود ، فهو سيد أهل التكوين وهكذا من تجلى نور فيه بفضل الله وحده ، ولمعرفة هذا المعنى نتدبر الأحاديث التالية لنعرف ظهور ملك الله في سادة الوجود لما تحققوا بالعبودية بأول معناه وأعلاه وهو قول سيد الكلام والذكر والتسبيح كملة التوحيد والإخلاص : لا إله إلا الله بكل وجودهم وعلمهم وعملهم وسيرتهم وسلوكهم وبأعلى ثبات .

 

الإشعاع الأول :

كلمة : لا إله إلا الله سيد التسابيح :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر .

ســــيـد التســــابـيـح .

فمن قال : في يوم ثلاثين مرة ، كان خيرا له من عتق رقبة ، و كان خيرا له من عشرة آلاف فرس يوجهها في سبيل الله ، و ما يقوم من مقامه إلا مغفورا له الذنوب ، و أعطاه الله بكل حرف مدينة في الجنة[65] .

وعَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ :

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم :

سَـيِّـدُ الْقَوْلِ : لا إله إلا الله .

وَ عنه قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام :

سَـيِّـدُ كَلَامِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ :  لا إله إلا الله [66].

وقال أبو عبد الله عليه السلام : إن العبد لتكون له الحاجة إلى الله ، فيبدأ بالثناء على الله ، والصلاة على محمد وآله ، حتى ينسى حاجته ، فيقضيها من غير أن يسأله إياها  ، وقول :

لا إله إلاالله  ،  ســـيـد الأذكار[67] .

فـ لا إله إلا الله سيد سيد الأذكار والتسابيح والأقوال والكلام .

وكون : لا إله إلا الله ، سيد في سيد التسابيح وسيد قول الأولين والآخرين بل في كل مراتب الوجود ، بل حقيقة الظهور في الكائنات وما يتصف به من الأسماء الحسنى وتجلي نورها في الخلق الأول وما بعده ، ولكي نتعرف على هذا المعنى نتدبر في ظهور معناه وأهميته وثوابه في عالم الشهادة والآخرة ، ولنترقى في معرفته وأهميته في الخلق الأعلى قبل عالم الدنيا .

 

الإشعاع الثاني :

أفضل العبادة لا إله إلا الله وثواب قائلها وفضله :

عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

ما قلت ولا قال القائلون قبلي مثل لا إله إلا الله .

وعن إسماعيل بن مسلم السكوني ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

خير العبادة قول : لا إله إلا الله  [68] .

 عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : سمعته يقول :

ما من شيء أعظم ثوابا من : شهادة أن لا إله إلا الله ، لأن الله عز وجل لا يعدله شيء ولا يشركه في الأمر أحد [69].

الطبرسي في الاحتجاج : عن أصبغ بن نباتة ، قال : سأل ابن الكوا : أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : كم بين موضع قدمك إلى عرش ربك ؟

قال عليه السلام : ثكلتك أمك يا ابن الكوا ، سل متعلما ولا تسأل متعنتا ، من موضع قدمي إلى موضع عرش ربي :

أن يقول قائل مخلصا :  لا إله إلا الله .

 قال يا أمير المؤمنين ، فما ثواب من قال : لا اله إلا الله ؟

قال : من قال : لا إله إلا الله ، مخلصا .

 طمست ذنوبه ، كما يطمس الحرف الأسود من الرق الأبيض .

فإذا قال ثانية : لا إلا إلا الله ، مخلصا .

 خرقت أبواب السماء  وصفوف الملائكة ، حتى تقول الملائكة بعضها لبعض : اخشعوا لعظمة الله .

فإذا قال ثالثة مخلصا : لا اله الا الله ، لم تنهنه دون العرش .

فيقول الجليل : اسكني ، فوعزتي وجلالي ، لأغفرن لقائلك بما كان فيه ، ثم تلا هذه الآية :

 ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) يعني إذا كان عمله خالصا ارتفع قوله وكلامه [70]...

وعن محمد بن أبي عمير ، عن هشام بن سالم و أبي أيوب ، قالا : قال أبو عبد الله عليه السلام : من قال :

 لا أله إلا الله : مائة مرة كان أفضل الناس ذلك اليوم عملا إلا من زاد .

وعن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وآله قال : قال الله جل جلاله لموسى : يا موسى :

لو أن السماوات وعامريهن والأرضين السبع في كفة .

ولا إله إلا الله : في كفة ، مالت بهن : لا إله إلا الله  .

 وعن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول :

 من قال في يوم : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إلها واحدا أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولد، كتب الله عز وجل له خمسة وأربعين ألف ألف حسنة ، ومح عنه خمسة وأربعين ألف ألف سيئة ، ورفع له في الجنة خمسة وأربعين ألف ألف درجة ، وكان كمن قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة ، وبنى الله بيتا في الجنة [71].

و عن أبي الطفيل ، عن علي عليه السلام قال :

 ما من عبد مسلم يقول : لا إله إلا الله إلا صعدت تخرق كل سقف ، لا تمر بشيء من سيئاته إلا طلستها حتى تنتهي إلى مثلها من الحسنات فتقف .

عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال :

من قال في كل يوم ثلاثين مرة : لا إله إلا الله الحق المبين ، استقبل الغنى ، واستدبر الفقر ، وآنس وحشته في القبر ، وقرع باب الجنة[72] .

وعن أحمد بن عامر عن الرضا : عن آبائه صلوات الله عليهم قال : قال النبي صلى الله عليه واله :

 من قال في كل يوم مائـة مرة : لا إله إلا الله الحق المبين .

 استجلب به الغناء ، واستدفع به الفقر، وسد عنه باب النار ، واستفتح به باب الجنة[73].

وعن جابر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : من قال :

لا إله إلاالله من غير تعجب .

 خلق الله منها طايرا يرفرف على رأس صاحبها إلى أن تقوم الساعة ويذكر قائلها[74].

وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 لقنـوا موتاكـم : لا إله إلا الله ، فإنها تهدم الذنوب .

 فقالوا : يا رسول الله فمن قال في صحته ؟  فقال : ذاك أهدم وأهدم .

 إن لا إله إلا الله ، انس للمؤمن في حياته ، وعند موته وحين يبعث .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : قال جبرائيل عليه السلام :

يا محمد لو تراهم حين يبعثون هذا مبيض وجهه ينادي :

لا إله إلاالله والله أكبر.

 وهذا مسود وجهه ينادي يا ويلاه يا ثبوراه[75] .

عن ابن فضال ، عن الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله :

شـــعار المسلمين على الصــراط يوم القيامة :

لا إله إلا الله ، وعلى الله فليتـوكل المتوكلـون [76].

 

نعم : هو أول نداء لرسول الله في العالم الأول وفي أول دعوة للدين ، وهو على رايته في الدنيا والآخرة ، لأنه بيان للتوحيد والإخلاص ونفي الشريك وكل ما يبعد عن الله سبحانه ، ومن تحقق به بكل سيرته وعلمه وعمله وأخلص لله يكون شعاره .

 

 

الإشعاع الثالث :

من قال لا إله إلا الله دخل الجنة :

وعن الإمام الرضا علي بن موسى ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن علي عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

ما جزاء من أنعم الله عز وجل عليه بالتوحيد إلا الجنة[77] .

عن أبي جعفر عليه السلام قال : جاء جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :

يا محمد طوبى لمن قال من أمتك : لا إله إلا الله وحده وحده وحده .

عن أبي عبد الله جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتاني جبرائيل بين الصفا والمروة ، فقال :

يا محمد طوبى لمن قال من أمتك : لا إله إلا الله وحده ، مخلصا .

وعن عبيد بن زرارة ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : قول :

لا إله إلا الله ثمن الجنة .

عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

 ما من الكلام  كلمة أحب إلى الله عز وجل من : لا إله إلا الله .

 وما من عبد يقول : لا إله إلا الله يمد بها صوته فيفرغ ، إلا تناثرت ذنوبه تحت قدميه كما يتناثر ورق الشجر تحتها  .

وعن أبي حرب بن زيد بن خالد الجهني ، قال : أشهد على أبي زيد بن خالد لسمعته يقول :

 أرسلني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال لي :

 بشر الناس أنه من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له فله الجنة [78].

وعن أبي بصير ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :

إن الله تبارك وتعالى حرم أجساد الموحدين على النار .

عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :

 الموجبتان من مات يشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ؛ دخل الجنة . ومن مات يشرك بالله دخل النار [79].  

عن أبي بصيرة ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، في قول الله عز وجل :

( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) قال : قال الله تبارك وتعالى :

 أنا أهل أن اتقى ولا يشرك بى عبدي شيئا ، وأنا أهل أن لم يشرك بي عبدي شيئا أن ادخله الجنة .

 وقال عليه السلام :

إن الله تبارك وتعالى أقسم بعزته وجلاله أن لا يعذب أهل توحيده بالنار أبد [80].

عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال :

 كل جبار عنيد من أبى أن يقول لا إله إلا الله[81]    .

عن معاذ بن جبل ، قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال :

يا معاذ هل تدري ما حق الله عز وجل على العباد ؟  يقولها ثلاثا .

 قال : قلت : الله ورسوله أعلم ، فقال رسول الله :

حق الله عز وجل على العباد أن لا يشركوا به شيئ .

 ثم قال صلى الله عليه وآله : هل تدري ما حق العباد على الله عز وجل إذا فعلوا ذلك ؟

قال : قلت : الله ورسوله اعلم ، قال : أن لا يعذبهم ، أو قال : أن لا يدخلهم النار .

و عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام في قول الله عز وجل :

( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) قال علي عليه السلام :

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الله عز وجل قال :

ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة [82].

وعن زيد بن أرقم ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، قال : من قال :

لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ، وإخلاصه أن تحجزه لا إله الا الله عما حرم الله عز وجل [83].

أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أكثروا من :

سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .

فانهن يأتين يوم القيامة لهن مقدمات ومؤخرات ومعقبات وهن الباقيات الصالحات [84].

وعن بشر الاوزاعي عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال : من قال في كل يوم خمس عشرة مرة :

لا إله إلا الله حقا حقا .

لا إله إلا الله ايمانا وتصديقا .

لا إله إلا الله عبودية ورقا .

أقبل الله عليه بوجهه فلم يصرف عنه وجهه حتى يدخل الجنة [85].

وعن لا يحضره الفقيه قد روى أنه يقول في سجدة العزايم :

لا اله الا الله حقا حقا .

لا اله الا الله ايمانا وتصديقا .

لا اله الا الله عبودية ورقا .

سجدت لك يا رب تعبدا ورقا ، لا مستنكفا ولا مستكبرا .

بل أنا عبد ذليل خائف مستجير ، ثم يرفع رأسه ثم يكبر [86].

ويا طيب : هذا الحديث الأخير يعرفنا أنه لكلمة التوحيد شروط وأسس ، وهو الطاعة والإخلاص لله ولكل ما شرفنا به من تعاليم وسيأتي بيان لبعض ما تدخل فيه ، والآن نحن في هذا الإشراق نحن في بيان ثوابها وعظمتها وأنها سيد الكلام الذي من تكون ملازمة له في كل أحواله تدخله الجنة بغير حساب .

ولكن : هناك روايات تعرفنا بأن بعض أهل التوحيد يحاسبون لأنهم ينافون شرطها ولا يلتزمون بما تشرفهم به من تعاليم الله ، ولا تدخل في بعض أعمالهم المشترط بها القربة لله أو يخالفون نفس تعاليم الله ، ولنتعرف هذا تدبر :

 

 

 

الإشعاع الرابع :

من يحاسب لتقصيره تنجيه كلمة التوحيد إن قالها مخلصا ويدخله الجنة :

يا طيب : عرفت عظمة كلمة التوحيد وأنها سيد الكلام ولها ثواب عظيم لا يكون دون الجنة ، فالموحد حقا يدخل الجنة بل له ثواب عظيم ، وسترى لها شروطا وعرفت أن الإخلاص من أسس أركانها ، و أن من يخلص التوحيد يجب أن تعصمه كلمة التوحيد عما حرم الله تعالى كما عرفت ، لأنه ركن دين الله الإخلاص .

وروي عن زيد بن أرقم وهو حديث أيضا مروي عن أهل البيت عليهم السلام :

عن محمد بن أبي عمير ، عن محمد بن حمران ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

من قال : " لا آله إلا الله " مخـلصــا دخل الجنة .

وإخلاصه أن يحجزه " لا إله إلا الله " عما حرم الله عز وجل [87].

عن زيد بن أرقم ، عن النبي صلى الله عليه واله قال : من قال :

" لا إله إلا الله " مخلصا ، دخل الجنة .

وإخلاصه أن يحجزه " لا إله إلا الله " عما حرم الله عز وجل [88].

وكلمة التوحيد : حتى لو يقصر العبد إن آمن بها ، تنجيه وتدخله الجنة ، فإنها كما جاء في الحديث :

عن إبراهيم بن زياد الكرخي عن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

من مات ولا يشرك بالله شيئا ، أحسن أو أساء دخل الجنة [89].

وعن زيد بن وهب أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال قال لي جبرائيل : بشر أمتك :

أنه من مات لا يشرك بالله عز وجل شيئا دخل الجنة .

قال : قلت : يا جبرائيل وإن زنى وإن سرق ؟ قال : نعم وإن شرب الخمر [90].

و قال الصدوق : يعني يوفق للتوبة حتى يدخل الجنة . والحديث ليس بسند عن أهل البيت .

ولكن يا طيب : عرفت أن الموحدين يدخلون الجنة ، ولكن إن كان مقصرا لا يقف في أول أمره مع سادة الوجود ولا يحف بهم في المقام المحمود .

 فإن المؤمن المخلص : والذي حجبته لا إله إلا الله عما حرم الله وحجزته عن المعاصي يكون في الجنة من أول لحظات موته ، وفي الجنة في أول ما ينزل قبره ، فضلا عن أيام البرزخ في جنة البرزخ ، والبرزخ قد يطول ملايين السنين فليس معلوم أنه بعد فناء الدنيا مباشرة تقوم القيامة ، لأنه قد يطول وزمان البرزخ ما شاء الله أن يطول واليوم عنده سبحانه خمسين ألف سنة مما تعدون والمؤمن المخلص فيه متنعم ، والمؤمن المخلص في جنة القيامة من أول الحشر والنشر والحساب ، أي في كل مواقف القيامة يكون مع أهل المقام المحمود وسادة الوجود في نور يأكل ويشرب ويتمتع .

والناس المسلمون المقصرون : الذين لم تحجزهم كلمة لا إله إلا الله عن المعاصي وما حرم الله سبحانه يقفون في مواقف من له تبعات ليحاسب ، وقد ذكروا من حوسب عُذب ، وإن مقام الشفاعة أخر الخمسين ألف سنة من يوم القيامة ، أي آخر مواقف القيامة الشفاعة ، أي إما المؤمنون لمخلصون بكلمة التوحيد يشفعون لمن أحسن إليهم من المقصرين ، أو نبي الرحمة يشفع له ، أو كلمة التوحيد تشفع له ، أو من أذن له الرحمان وقال صوابا يشفع له .

 

ولكن أعلم يا طيب : أن الشفاعة بعد آخر موقف من مواقف القيامة ، والإنسان مرهون بعمله إن قصر ، وإن دخل بالشفاعة للجنة ، ولكن بعد مواقف صعبة في كل أدوار تأريخ البرزخ والقبر والحشر والنشر وكل يوم القيامة ، ولا يرضى عاقل بهذا العذاب وهو مؤمن وعرف عظمة كلمة التوحيد ولم ينيب ويرجع لله ، حتى ينتظر الشافعة سواء بكلمة التوحيد أو غيرها من الشفعاء ، وأنه الموحد لا يدخل النار لكنه أنظر هذا الحديث ، فإنه يبين في آخر موقف القيامة بعد أمد طويل جدا جدا ، أي حين يأمر بأهل الجنة للجنة وأهل النار للنار تشفع كلمة التوحيد :

عن عكرمة  عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

 والذي بعثني بالحق بشيرا لا يعذب الله بالنار موحدا أبدا ، وإن أهل التوحيد ليشفعون فيشفعون ، ثم قال :

 إنه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقوم ساءت أعمالهم في دار الدنيا إلى النار . فيقولون : يا ربنا :

كيف تدخلنا النار وقد كنا نوحدك في دار الدني ؟

وكيف تحرق بالنار ألسنتنا وقد نطقت بتوحيدك في دار الدني ؟

وكيف تحرق قلوبنا وقد عقدت على أن لا إله إلا أنت ؟

أم كيف تحرق وجوهنا وقد عفرناها لك في التراب ؟

 أم كيف تحرق أيدينا وقد رفعناها بالدعاء إليك ؟

فيقول الله جل جلاله : عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنم .

 فيقولون : يا ربنا عفوك أعظم أم خطيئتنا ؟ فيقول عز وجل : بل عفوي .

 فيقولون : رحمتك أوسع أم ذنوبنا ؟ فيقول عز وجل : بل رحمتي .

 فيقولون : إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا ؟ فيقول عز وجل : بل أقراركم بتوحيدي أعظم .

فيقولون : يا ربنا فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كل شيء .

فيقول الله جل جلاله : ملائكتي وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلى من المقرين لي بتوحيدي وأن لا إله غيري ، وحق علي أن لا أصلي بالنار أهل توحيدي ادخلوا عبادي الجنة [91].

فإنه المؤمن الموحد : في الحديث صائم ومصلي ذو دعاء ، ولكنه كان مقصر ولم يتب ولم يرجع لله ولم يحاول أن يخلص من تبعات أعماله ، وإن كان تناله الشفاعة في أخر موقف ، ولكن توجد كثير من الأحاديث أن من بقي في المواقف الصعبة كل أدوار الموت والقبر والبرزخ والحساب ، ثم في أخر أيام القيامة بعد خمسين ألف سنة حتى يشفع له لهـــالك كما جاء في هذا الحديث عن أهل البيت عليهم السلام :

عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

بينما موسى عليه السلام جالسا إذ أقبل إبليس وعليه برنس ذو ألوان ، فلما دنى من موسى عليه السلام خلع البرنس ، وقام إلى موسى فسلم عليه .

فقال له موسى : من أنت ؟ فقال : أنا إبليس . قال : أنت فلا قرب الله دارك .

 قال : إني إنما جئت لأسلم عليك لمكانك من الله .

 قال : فقال له موسى عليه السلام : فما هذا البرنس ؟

 قال : به أختطف قلوب بني آدم .

فقال موسى : فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ؟

قال : إذا أعجبته نفسه ، واستكثر عمله ، وصغر في عينه ذنبه .

وقال : قال الله عز وجل لداود عليه السلام :

يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين .

قال : كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟

قال : يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب .

وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم :

فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك [92].

فيا طيب : الحديث أعلاه فيه فقرة عجيبة أنه من نصب للحساب هلك ، وعرفت أن الموحدين المقصرين ، الذين لم يتوبوا يُقفون للحساب ، ومن يصغر في عينه الذنب وإن كان موحدا هالك ويستحوذ عليه الشيطان لأنه إما يعجب أو يصغر الذنب في عينه فيبقى مرهون به في مواقف صعبة شديدة مذهول فيها ، وهذا ما كان في حديث الشفاعة للموحدين ، لم يكونوا مخلصين بكلمة التوحيد ، بل فيه كانوا مؤمنين عاقدين قلوبهم على الإيمان بالله ، لكنهم لم يتوبوا من ذنوب ، فبقوا أيام القيامة ومن قبلها البرزخ مرهونين بذنوبهم، ومع العصاة والمجرمين، ولعل قرب الكفرة والمشركين في أصعب مواقف البرزخ والقيامة ، لأنه بعض الذنوب تنزع الإيمان كالزنا والسرقة وشرب الخمر وإن سمي مسلم وأدعى الإيمان وحب الله ودينه ، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة راجع ما كتبنا في شرح الأسماء الحسنى في اسم الله التواب والغفور .

فإنه كلمة التوحيد : تنجي وتشفع الآن ، فيجب أن نُخلص لله الدين لكي ندخل الجنة من الآن قبل الموت ، والإنسان إن قصر يجب أن ينيب ويتوب من ذنبه ويتوب توبة نصوح أي يخلص في كلمة التوحيد ، وهذا المعنى عين ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام إذ :

 صعد أمير المؤمنين عليه السلام  بالكوفة المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

أيها الناس إن الذنوب ثلاثة .. :

فذنب مغفور ، وذنب غير مغفور ، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه ..

 أما الذنب المغفور : فعبد عاقبه الله على ذنبه في الدنيا ، فالله أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرتين .

 وأما الذنب الذي لا يغفر : فمظالم العباد بعضهم لبعض ، إن الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسما على نفسه ، فقال :

وعزتي و جلالي لا يجوزني ظلم ظالم : ولو كف بكف ، ولو مسحة بكف ، ولو نطحة ما بين القرنا إلى الجماء ، فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا تبقى لأحد على أحد مظلمة ، ثم يبعثهم للحساب .

وأما الذنب الثالث : فذنب ستره الله على خلقه ورزقه التوبة منه ، فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربه ، فنحن له كما هو لنفسه، نرجو له الرحمة ونخاف عليه العذاب [93].

 

فالمؤمن : يجب أن يخلص بكلمة التوحيد ويتوب من كل الذنوب ولا يحتاج للشفاعة حتى لكلمة التوحيد في أخر المواقف يوم القيامة ، بل يجعلها تشفع له الآن ويتوب لله حقا توبة نصوحة يخلص بها لله العودة ويخلص من تبعات الذنوب ، فيُرجع حقوق الناس إذا كانت عليه ، ويقضي ما فاته من صلاة وصوم وحقوق الله ، ويأتي بالواجبات فيخلص لله دينه فيكون في جنة من الآن أليس :

{ الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ

أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)

الَّذِينَ آمَنُـواْ وَعَمِلُـواْ الصَّالِحَاتِ طُـوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ

(29) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ

 قُلْ هُوَ رَبِّي

لا إله إلا هو

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ

وَإِلَيْـهِ مَتَــابِ 

 (30) } الرعد .

المؤمن : المطمئن قلبه بذكر الله في جنة في أي ظرف كان ، ومخلص وإن قصر ينيب ويرجع رأسا ، ويقضي حق التوبة بما يناسبها ، فيخلص من تبعاتها ، ولا يفرح بذنب عمله ، بل تسوئه سيئته متى ذكرها ، وتسره حسنته .

ولذا جاء عن السكوني ، عن أبي عبد الله ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

أفضل العبادة قول : لا اله إلا الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وخير الدعاء الاستغفار .

 ثم تلا النبي صلى الله عليه وآله :

 { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْـتَـغْـفِـرْ لِذَنبِكَ

[94]ـ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) } محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

و عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

الاســـتغفار ، وقـول : لا إلــه إلا الله ، خير العبادة .

 قال الله العزيز الجبار : { فَاعْلَمْ  أَنَّهُ لا إله إلا الله  وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [95] .

يا طيب : الاستغفار هو التوبة النصوحة ومعناه الرجوع والإنابة لله وحده لا شريك له ، والاعتراف له بالتقصير والعزم جدا على عدم الرجوع للذنوب والخلاص من تبعاتها كلها ، وهو عين الإخلاص في كلمة التوحيد ، ولذا كان نبي الرحمة ينذر بهذا عشيرة الأقربين وصحبه المخلصين فإنه جاء :

عن على بن رئاب عن أبي عبيده الحذاء قال سمعت أبا عبد عليه السلام يقول :

لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة ، قام على الصفا فقال :

يا بني هاشم يا بني عبد المطلب إني رسول الله إليكم ، وإني شفيق عليكم ، لا تقولوا إن محمدا منا ، فو الله ما أوليائي منكم ولا من غيركم  إلا المتقـون .

 ألا فلا أعرفكم : تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم ، ويأتي الناس يحملون الآخرة ، إلا و أني قد أعذرت فيما بيني وبينكم وفيما بين الله عز وجل وبينكم ، وأن لي عملي و لكم عملكم .

 وعن أبى جعفر محمد بن على الباقر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام :

 مجالسة : الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار .

ومجالسة : الأخيار تلحق الأشرار بالأخيار .

و مجالسة : الفجار للأبرار تلحق الفجار بالأبرار ، فمن اشتبه عليكم أمره ولم تعرفوا دينه ، فانظروا إلى خلطائه ، فإن كانوا أهل دين الله فهو على دين الله ، وإن كانوا على غير دين الله فلا حظ له في دين الله .

وإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول :

من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يواخين كافرا ولا يخالطن فاجرا ، ومن آخى كافرا أو خالط فاجرا كان كافرا فاجر [96].

ويا طيب : قد عرفت في حديث مفصل إن :

 

مجالس الشيعة : سيد المجالس :

فعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خرجت أنا و أبي ذات يوم فإذا هو بأناس من أصحابنا بين المنبر و القبر ، فسلم عليهم ثم قال : أما و الله إني لأحب ريحكم و أرواحكم

 فأعينوني على ذلك بورع و اجتهاد، من ائتم بعبد فليعمل بعمله.

أنتم : شيعة آل محمد ، و أنتم شرط الله ، و أنتم أنصار الله ، و أنتم السابقون الأولون ، و السابقون الآخرون في الدنيا ، و السابقون في الآخرة إلى الجنة ، قد ضمنا لكم الجنة بضمان الله تبارك و تعالى و ضمان رسول الله  و أهل بيته .

أنتم : الطيبون ، ونساؤكم الطيبات. كل مؤمنة حوراء ، وكل مؤمن صديق.

 كم مرة قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب‏ لقنبر : يا قنبر أبشر و بشر و استبشر ، و الله لقد قبض رسول الله ، و هو ساخط على جميع أمته إلا الشيعة .

ألا و إن لكل شي‏ء شرفا : و إن شرف الدين الشيعة .

ألا و إن لكل شي‏ء عروة : و إن عروة الدين الشيعة .

ألا و إن لكل شي‏ء إماما : و إمام الأرض أرض يسكن فيها الشيعة .

ألا و إن لكل شي‏ء ســــيـدا : و ســيـد المجالس مجالس الشيعة .

ألا و إن لكل شي‏ء شهوة : و إن شهوة الدنيا سكنى شيعتنا فيها .

و الله : لو لا ما في الأرض منكم ما استكمل أهل خلافكم طيبات مالهم ، و ما لهم في الآخرة من نصيب ، كل ناصب و إن تعبد و اجتهد منسوب إلى هذه الآية :

{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ }

و من دع : من مخالف لكم ، فإجابة دعائه لكم ، و من طلب منكم إلى الله حاجة فلزمته ، و من سأل مسألة فلزمته ، و من دعا بدعوة فلزمته ، و من عمل منكم حسنة فلا يحصى تضاعيفها ، و من أساء سيئة فمحمد حجيجه يعني يحاج عنه . قال أبو جعفر عليه السلام : حجيجه من تبعتها . و الله : إن صائمكم ليرعى في رياض الجنة ، تدعو له الملائكة بالعون حتى يفطر ، و إن حاجكم و معتمركم لخاص الله تبارك و تعالى ، و إنكم جميعا لأهل دعوة الله ، و أهل إجابته ، و أهل ولايته ، لا خوف عليكم و لا حزن ، كلكم في الجنة ، فتنافسوا في فضائل الدرجات .

 و الله : ما من أحد أقرب من عرش الله تبارك و تعالى تقربا بعدنا يوم القيامة من شيعتنا ، ما أحسن صنع الله تبارك و تعالى إليكم ، و لو لا أن تفتنوا فيشمت بكم عدوكم ، و يعلم الناس ذلك ، لسلمت عليكم الملائكة قبلا .

و قد قال أمير المؤمنين عليه السلام : يخرج يعني أهل ولايتنا من قبورهم يوم القيامة مشرقة وجوههم ، قرت أعينهم ، قد أعطوا الأمان ، يخاف الناس و لا يخافون ، و يحزن الناس و لا يحزنون ، و الله ما من عبد منكم يقوم إلى صلاته إلا و قد اكتنفته الملائكة من خلفه يصلون عليه ، و يدعون له حتى يفرغ من صلاته .

ألا و إن لكل شي‏ء جوهرا : و جوهر ولد آدم عليه السلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم و نحن و شيعتن [97].

فيا طيب : الحديث ذكرناه في أول المصباح وكم مرة فكرت أن لا أعيده وأنقل منه فقرة ، ولكن لأهمية وما فيه من عظمة الشيعة عدته ولم أحول عليه لأنه قد لا تقرأه بتمعن ، فتدبر به بنص المعنى وبالمفهوم أيضا ، فإنه يا أخي يحكي الحديث :

 عن مجالس الشيعة : الذين هم أهل ورع واجتهاد وفيها ناس طيبين صديقين ونساء في دنيا من الحور العين ، وأنهم يحفون بأهل البيت ويدخلون الجنة معهم ، ولم يكن في مجالسهم منكر ولا عصيان ولا يتناجون بالإثم والعدوان ولا يأتون بناديهم المنكر ، ولا مؤامرة على فسق وفجور وظلم وعدوان ، ولا كذب وزور وافتراء ، ولا غيبة ونميمة وشحناء ، ولا غل وظلم وتعدي على حقوق الناس .

فمجالس الشيعة : سيد المجالس لأنهم كما وصوفهم أئمة وعرفوهم ، وراجع ما ذكرنا في صحيفة الطيبين من بعض مواصفاتهم ، وهذا ملخص بأحاديث يسيرة :

عن جابر الجعفي قال قال أبو جعفر عليه السلام :

يا جابر : يُكتفى من اتخذ التشيع يقول بحبنا أهل البيت ، فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون : إلا بالتواضع و التخشع و أداء الأمانة ، و كثره ذكر الله والصوم والصلاة ، والبر بالوالدين و التعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام ، وصدق الحديث وتلاوة القرآن ، وكف الألسن عن الناس إلا من خير ، و كانوا أمناء عشائرهم في الأشياء .

قال جابر : يا بن رسول الله ما نعرف أحدا بهذه الصفة .

فقال لي يا جابر : لا تذهبن بك المذاهب ، حسب أن يقول أحب عليا صلوات الله عليه وأتولاه ، فلو قال أني أحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله خير من علي ، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا ، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة.

وعن أحمد بن محمد بن الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

إن شيعة علي صلوات الله عليه ، كانوا : خمص البطون ، ذبل الشفاه ، وأهل رأفة وعلم وحلم ، يعرفون بالرهبانية ، فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع و الاجتهاد[98].

وعن عبد الله عمرو ابن أبي المقدام عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال :

يا أبا المقدام : إنما شيعة علي صلوات الله عليه : الشاحبون الناحلون الذابلون ، ذابلة شفاههم من القيام ، خميصة بطونهم مصفرة ألوانهم متغيرة وجوههم ، إذا جنهم الليل اتخذوا الأرض فراشا واستقبلوها بجباههم باكية عيونهم ، كثيرة دموعهم ، صلاتهم كثيرة ، ودعاؤهم كثير ، تلاوتهم كتاب الله ، يفرحون الناس و هم يحزنون .

وعن احمد بن محمد عن السندي بن محمد قال : قوم تبع أمير المؤمنين عليه السلام ، فالتفت إليهم قال : ما أنتم عليه ؟ قالوا : شيعتك أمير المؤمنين . قال عليه السلام : مالي لا أرى عليكم سيماء الشيعة ؟ قالوا : و ما سيماء الشيعة ؟

قال عليه السلام : صفر الوجوه السهر ، خمص البطون من الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، عليهم غبرة الخاشعين .

 وفيه قال أبو عبد الله عليه السلام :

إنما شيعة جعفر : من عف بطنه وفرجه ، واشتد جهاده ، وعمل لخالقه ، و رجا ثوابه ، وخاف عقابه ، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر [99].

 وهؤلاء الشيعة ومجالسهم :

وعلى كل حال لم يكن أحد معصوما فقد يهفوا .

ولكن عليه بهذا الحديث عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

رحم الله عبدا : لم يرض من نفسه أن يكون إبليس نظيرا له في دينه .

وفي كتاب الله نجاة من الردى ، وبصيرة من العمى ، ودليل إلى الهدى ، وشفاء لما في الصدور ، فيما أمركم الله به من الاستغفار مع التوبة قال الله :

 { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ

ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ

 وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) } آل عمران .

وقال : { وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ

 ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) } النساء

 فهذا ما أمر الله به من الاستغفار .

واشترط معه : بالتوبة والاقلاع عما حرم الله .

 فإنه يقول :

 { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10) } فاطر .

 وهذه الآية تدل على أن الاستغفار

 لا يرفعه إلى الله إلا العمل الصالح والتوبة .

وعن أبي جعفر عليه السلام في قول الله :

{ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) } آل عمران  قال :

الإصرار : أن يذنب العبد ولا يستغفر ولا يحدث نفسه بالتوبة ، فذلك الإصرار [100].

ويا طيب : المؤمن سيد في نفسه ومجلسه لأنه يحجزه الإخلاص بـ لا إله إلا الله ، فعرف شروطها وإنه من شيعة علي وجعفر ، وتابع ما سنعرف عن سادة الوجود في :

 

 

 

 

الإشراق الثاني :

شرط سيد القول لا إله إلا الله إطاعة الله بتعاليم سادة الوجود :

يا طيب : عرفت أن سيد الكلام والذكر والقول والتسبيح كلمة التوحيد :

لا إله إلا الله .

وعرفت : أنه شرطها الإخلاص وثوابها الجنة من الآن فضلا عن الموت والقبر والبرزخ والقيامة ، ودخول الجنة بتمام كمالها بعد القيامة ، فإنه للجنة مراتب وحقائق ظهور ، ولا يدخلها إلا موحد مخلص ، ثم مطيع لكل ما تشرفه به من تعاليم ، يعني أنه يجب أن يعتقد بها حقيقة وبكل ما توجبه بأن الله وحده الخالق والهادي والمنعم .

فالإخلاص بكلمة التوحيد : هو الإيمان والاعتقاد والعمل بكل ما توجبه من حق الطاعة لمن علمه الله سبحانه وهم سادة الوجود ، ومعرفة سيد الأديان منهم والسير على صراطهم المستقيم :

فأول : معرفة أنه كل شيء من الله وحده لا شريك له ، وهو المنعم الفرد الواحد الأحد الذي خلق كل شيء ثم هدى .

وثانيا : أنه أختار من خلقه أفضل أهل الكائنات وخصهم بتعليم هداه لعباده ، ولم يباشر الناس ولم يوحي لكل أحد ، بل أصطفى في كل زمان أنبياء ورسل وجعل لهم أوصياء يعلمون خلقه معارف توحيد عظمته وهداه الحق .

وثالثا : إن مَن عرف المنعم عليهم بهدى الله يطيعهم ويسير على صراطهم المستقيم ، أي يتعلم الكتاب والحكمة وكل تعاليم الله سبحانه منهم .

ورابعا : بكل دين الله الذي تعلم من أولي النعيم يخلص العبودية لله لا رياء ولا شرك ، بل عن حب لله ولكل من شرفه الله بدينه ، لا غل ولا مكر ولا حيلة ولا كذب وخداع ، فضلا عن النفاق والكفر والشرك بشيء من تعاليم العبادة ونعم الله ، فضلا عن الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى ، وحينها تنفع كلمة الإخلاص :

 لا إله إلا الله ويدخل بها العبد الجنة بدون حساب .

وإلا أي تقصير بما عرفت : يكون له آثار تؤخره عن معاني العبودية وتبعده عن حقائق الطاعة لله ، بل قد يدخله تقصيره إن كان كبيرا وموجب للشرك أو النفاق النار فضلا عن التأخر من دخول الجنة وعذاب البرزخ والقبر .

فمن يفقد الإخلاص في عبودية الله : يجعل الله الدنيا أكبر همه ونهمته التي لا يشبع منها أبدا ، فيكون مكموش القلب ضيق النفس مشوش الفكر فاقد للعقل والتعقل في طلبها حتى موته ، فيرى المنكر معروفا والمعروف منكرا ، فلا يوفقه الله لعمل يرضاه سبحانه ، بل يكون مشرك في كل عمله حتى لو عبد الله ، فيكون مرائي ويحب الفخر ومتكبر متعالي على عباد الله ، ويحزن على فقد شيء من الجاه أو المنصب أو المال أكثر من فقده لحب الله وما يرضى به الله سبحانه وتعالى ، فيكون إلهه هواه ودينه فكره وحبه شكله وهيئته وما يحيطه من زينة الحياة الدنيا .

فيا طيب : أن أهم أمر في قول : لا إله إلا الله ، هو الإخلاص والرضا بها وقبولها بكل ما تشرفنا به من معرفة عظمة الله ودينه الحق ، ومن السير على الصراط المستقيم للمنعم عليهم بهدى الله سبحانه ، لأنهم أهل الكتاب والحكمة وأخلص من قالها ، وإلا تفقد معناها من يهجر حقيقتها ويدعيها من غير علما وعملا بها ، ولا تؤثر أثرها ولا يحصل على ثوابها ولا يتحقق بنور حقيقتها من يقولها غير موقن ولا حاب لما تشرفه به من هدى الله ومعرفة سبيله ، فإنه من يقول :

لا إله إلا الله ، لابد أن يهجر هوى النفس والتقليد ويتبع الحق والعدل والإنصاف ، ويكون أمين نفسه بتطبيق كل تعاليم وشعائر الله ، وتكون : لا إله إلا الله ، في حقيقة كل عبادة صحيحة أخذها من سادة الوجود ، أهل سادة العلم والحكمة وسيد الكتب والكلام وهم معلميه ، وهذا ما عرفنا في الذكر الثاني والثالث ، ولذا جاء :

عن الإمام الرضا علي بن موسى ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن علي عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

  إن لا إله إلا الله : كلمة عظيمة كريمة على الله عز وجل .

 من قالها مخلصا استوجب الجنة .

 ومن قالها كاذب عصمت ماله ودمه ، وكان مصيره إلى النار [101].

وعن زر بن حبيش قال سمعت حذيفة يقول :

لا يزال لا إله إلا الله : ترد غضب الرب جل جلاله عن العباد

 ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم .

 فإذا كانوا :  لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم .

 ثم قالوها : ردت عليهم وقيل كذبتم ولستم بها صادقين[102]   .

 

وعن المفضل بن عمر ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :

إن الله تبارك وتعالى ضمن للمؤمن ضمانا ، قال قلت : وما هو ؟

قال عليه السلام : ضمن له :

إن هو أقر له بالربوبية ، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة .

 ولعلي عليه السلام بالإمامة، وأدى ما افترض عليه ؛ أن يسكنه في جواره .

 قال : قلت : فهذه والله الكرامة التي لا يشبهها كرامة الآدميين .

قال : ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : اعملوا قليلا تتنعموا كثير [103].

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله  فقال :

 يا رسول الله ، هل للجنة من ثمن ؟ قال : نعم . قال : ما ثمنه ؟ قال :

 لا إله إلا الله  يقولها العبد الصالح مخلصا بها .

قال : وما إخلاصه ؟

قال : العمل بما بعثت به في حقه ، وحب أهل بيتي .

 قال : وحب أهل بيتك لمن حقه ؟

قال : أجل ، إن حبهم لأعظم حقه [104].

يا طيب : لأنهم سبيل معرفة عظمة الله ودينه سيد الأديان بحق ، بل يتعلم منهم الإخلاص والصبر والرضا بقضاء الله وقضائها ، ولا يهمه تقلب الأحوال .

وعن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال :

يا أبان ، إذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث :

مَن شهد : أن لا اله الا الله ، مخلصا ، وجبت له الجنة .

 قال قلت له : انه يأتيني من كل صنف من الأصناف فأروى لهم هذا الحديث ؟

 قال : نعم يا أبان ، انه إذا كان يوم القيامة .

 وجمع الله الأولين والآخرين .

فيســلب منهم " لا اله الا الله "

 إلا من كان على هذا الأمـــر [105].

أمر معرفة تجلي وظهور : لا إله إلا الله سيد الكلام ، وهو معرفة تعاليم سيد العلم النازل به الروح من كل أمر في ليلة القدر على سادة العباد إلى يوم القيامة ، ولم يكن معاندا لهم أو يتبع من يصر على قتلهم وتعليم معارف بعيدة عن حقائق تجلي علم ومعارف لا إله إلا الله التي علمها سادة العباد ، وذلك إما لتقليد المجتمع أو لإتباع الآباء ومَن كان معاندا ومنحرفا لتعاليم الله يدري أو لا يدري بأن تعاليمه مخالفة لتعاليم أهل سادة الوجود ، ويتبع من ضل عنهم وعلم فكره دين وتبعه وقلده من أضلهم فيكون تابع لتابع ضال ، فيأتيه يوم فيقول : تبعنا ساداتنا وكبرائنا فأضلونا السبيل ، ولذا كان الدعاء في سورة الفاتحة بعد تمجيد الله بأسمائه الحسنى أن يهدينا الصراط المستقيم للمنعم عليهم بهدى الله الحق ، لكي لا نكون من المغضوب عليهم والضالين .

 فإن الضالين : حتى ولو قالوا لا إله إلا الله هنا ينسوها في الآخرة ، لأنهم يقولوها بحقيقة منافية لآداب الإخلاص وشكر المنعم الله وما أمر به من طاعة المنعم عليهم بهداه وخصهم بصراطه المستقيم وتعليم الكتاب والحكمة وعلمهم معارف الدين الحق والعظمة في الإخلاص في تمجيده ، وإن أعلى نعم الله وأفضلها الهداية ، والضال لم يتعلم دينه الحق سيد الأديان وما يحب الله أن يُعبد به ويطاع من سادة الوجود ، ولذا جاء عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

إذا كان يوم القيامة نادى مناد :

 من شهد أن لا اله إلا الله ، فليدخل الجنة .

قال قلت : فعلام تخاصم الناس ، إذا كان من شهد أن لا اله إلا الله دخل الجنة ؟

فقال عليه السلام : إنه إذا كان يوم القيامة نسوه [106].

وعن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالسا وعنده نفر من أصحابه فيهم علي بن أبي طالب عليه السلام إذ قال :

 من قال : لا إله إلا الله ، دخل الجنة .

فقال رجلان من أصحابه : فنحن نقول : لا إله إلا الله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

إنما تقبل شهادة أن لا إله إلا الله من هذا ، ومن شيعته الذين أخذ ربنا ميثاقهم .

 فقال الرجلان فنحن نقول : لا إله إلا الله .

 فوضع : رسول الله صلى الله عليه وآله يده على رأس علي عليه السلام .

 ثم قال : علامة ذلك أن لا تحلا عقده .

ولا تجلســـا مجلســـه ، ولا تكذبا حديثـــه [107]...

بل يجلسون : كما يجلس شيعته ليكونوا في سيد المجالس ويكونوا سادة يتحدثون بأمر سيدهم ، ويعُرفون دينه سيد الأديان وشأنه الكريم بأنه من معارف سيد الأوصياء وسيد المؤمنين والمسلمين والعرب وكل البشر بعد رسول الله سيد المرسلين ، لأنه له ملاك السيادة في تعليم حقائق لا إله إلا الله وله الكتاب والحكمة وبه يتزكى المؤمنون حقا ، وأنه هو أول من اسلم وقد ضرب خراطيم العرب حتى قالوا لا إله إلا الله ، ويتعلمون الكتاب والحكمة منه بعد سيد المرسلين وسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد عرفت أن أول من قال كلمة التوحيد مخلصا سبع سنين بعد سيد المرسلين ، فهو حقا سيد الوصيين والناس كانوا كلها في ضلال بل كفار عباد صنم ولذا قال :

الإمام سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام كما عرفت في حديث مفصل أخر المصباح لهذا الباب :

أنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى .

 أَنَا ابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى .

 أَنَا ابْنُ مَنْ ضَـرَبَ خَرَاطِيمَ الْخَلْقِ حَتَّى قَالُـوا :

لا إله إلا الله [108].

فمن علَّم سيد الكلام هو السيد الحق يسبق من تعلم منه ، ومن قالها وحده كان سيد من بعده ممن لحق به ، وقد عرفت في حديث أن لكل شيء سيد :

 بأن بلال كان سيد الحبش ، وسلمان سيد الفرس ، وصهيب سيد الروم ، لأنهم سبقوا قومهم للإسلام وقالوا كلمة التوحيد لا إله إلا الله .

 والإمام علي عليه السلام : سبع سنوات سبق كل المسلمين وقال مع رسول الله : لا إله إلا الله فهو سيدهم ، وسيد الكونين سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هم أول من قال لا إله إلا الله قبل هذا العالم ، في أول التكوين إذ جاء :

 عن اصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

أفضل الكلام قول :

لا إله إلا الله .  

فقيل : يا رسول الله ، ومن أول من قال لا إله إلا الله ؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم :

 أنا ، وأنا نور بين يدي الله جل جلاله [109]  .

وسيأتي يا طيب : الكلام عن سيادتهم في العالم الأعلى وبعده نعرف سيادتهم هنا والجنة ، وإن عرفت شيئا كريما عنهم ، فهم سادة الأقوام وآلهم سادة معهم : لأنهم لهم ملاك يفوق كل ملاك للسيادة ليس فقط سبق في قول بل الإخلاص بـ:

لا إله إله الله ، وإنه ملاك شريف ، وكان ملاك في تطبيق الكتاب والحكمة وبذل معارف عظمة الله والجهاد في نشرها ، فهذا ما خصهم به الله سيد السادة من السيادة وهو أعلى ملاك متكامل لنشر هدى الله وتعريف حقائق : لا إله إلا الله :

ولنعرف سادة الوجود : لنوحد الله بإخلاص نذكر هذا الحديث الشريف وسيد الأحاديث الصادرة عن أهل البيت عليهم السلام عن السيد الإمام الحسن العسكري والد الإمام الحجة المنتظر المحجوب عن الخلق حتى يظهره الله فيصلح عبادة ويورثه الأرض ، عن آبائه السادة الكرام حسب ما مذكور في سند الرواية الكريمة هذه :

ذكر الصدوق رحمه الله : حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي قال : حدثنا أبو القاسم محمد بن عبيد بن بابويه الرجل الصالح قال : حدثنا أبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هاشم قال :

حدثنا الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر ، أبو السيد المحجوب إمام عصره ، بمكة ، قال :

حدثني أبي علي بن محمد التقي قال : حدثني أبي محمد بن علي النقي قال : حدثني أبي علي بن موسى الرضا قال حدثني أبي موسى بن جعفر الكاظم قال : حدثني أبي جعفر بن محمد الصادق قال : حدثني أبي محمد بن على الباقر قال :

 حدثني أبي علي بن الحسين السجاد زين العابدين قال :

 حدثني أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة قال :

 حدثني أبي علي بن أبي طالب سيد الأوصياء قال :

 حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء قال :

 حدثني جبرائيل سيد الملائكة قال :

 قال الله سيد السادات عز وجل :

إني أنا الله لا إلا أنا

 فمن أقر لي بالتوحيد دخل حصني ، ومن دخل حصني أمن من عذابي   [110].

وفي الحديث الرابع بعده بسند آخر : وأضاف في أخره :

 قال : فلما مرت الراحلة ، نادانا : بشروطها وأنا من شروطه  [111].

يا طيب : إن الله سبحانه هو السيد المطلق وحده لا شريك له ، فمن يخلص له ويعرف عظمته وتجلي نوره فيخلص له حقا ، يأمن العذاب بل يكون كريما وسيدا في نفسه وبكل ما يتصف به ، بل بملكه ومحيطه الأبدي فضلا عن الدنيوي ، وإن سند الرواية سواء بذكر كلمة سيد للأئمة أو لا ، نعرف أنهم هم سادة الوجود المتجلي فيهم أعلى نور الله سبحانه وتعالى ، لأنهم هم معلمي دين الله الحق سيد الأديان ، وإن سيد المرسلين عرفنا بهم بأنهم سادة الوجود وأئمته وولاته .

 وفي روية الشيخ الطوسي : بسنده عن الإمام الرضا عليه السلام أخرها :

قال : إني أنا الله، لا إله إلا أنا وحدي .

عبادي فاعبدوني ، و ليعلم من لقيني منكم بشهادة : أن لا إله إلا الله , مخلصا بها .

 أنه قد دخل حصني ، و من دخل حصني أمن عذابي .

 قالوا : يا ابن رسول الله و ما إخلاص الشهادة لله .

 قال : طاعة الله و رسوله ، و ولاية أهل بيته [112].

 

يا طيب : إن الحديث أعلاه حديث السيادة ، وهو من سيد السادات وواهب السيادة إلى سيد الملائكة وسيد المرسلين وسادة الأوصياء والمتقين وأئمة الحق إلى يوم الدين ، ويسمى بحديث سلسلة الذهب عن الإمام الرضا عليه السلام وروايته بسنده شفاء ورحمة، وهو حديث السيادة والإخلاص من سادة الوجود المخلصين لسيدهم.

 

 

الإشراق الثالث :

سيد القول لا إله إلا الله و سادة الوجود أول من تحقق به ونشره :

يا طيب : عرفنا في هذا الباب معرفة كريمة في معنى السيادة في اللغة والتأريخ ، وأن السيد يطلق على كل كريم واجب الطاعة في قومه وهو رئيسهم وسيدهم ، ثم ترقينا في معرفة كريمة حتى عرفنا أن لكل شيء سيد في كل مراتب الوجود وعرفنا سيد السادة ، وعرفنا لها أصلا كريما أعلى من مجرد بذل المعروف ، بل السيد في الإسلام له حقيقة تجلي اسم الله السيد سبحانه وتعالى في سادة الوجود في كل مراتبه ، وذلك بما خصهم بنور هداه وجعله يتجلى منهم بأعلى معارف الدين وسيد الأديان وخصهم بالكتاب والحكمة ولهم سيد الكتب ، وسيد العلم في ليلة القدر ، وأن وحي الله مستمر يلهمهم معارف عظمة الله ويتجلون بها حسب حاجة الخلق لهم .

وإن حقيقة السيادة في الإسلام : هو الإخلاص في معرفة عظمة الله ودينه والتحقق به ونشر هداه الذي هو أفضل النعم ، وأنه يجب أن يدخل في حقيقته وكل تعاليمه علما وعلما وسيرة وسلوكا الظهور بدين الله كله ، وفيه متجلي الإخلاص بكلمة سيد الأقوال والتسابيح والذكر والكلام  : لا إله إلا الله .

فسادات الوجود : أول من قال كلمة التوحيد ولإخلاص وأخلص له فيها وثبتوا عليها ونشروها ، وأنها لها عظمة فوق حد التصور حتى لكانت تدخل الجنة كل من مؤمن بها وينال بها عباد الله نعيم الله الأبدي .

فكانت : شعار المسلمين يوم الحشر والقيامة وعلى الصراط كلمة :

لا إله إلا الله ، حتى تدخلهم الجنة .

وإنه عرفنا : في كل الأدوار التي فيها ملاك السيادة من أول معناه حتى أخره ، هو أن سادات الوجود نبينا الأكرم وآله الطيبين الطاهرين وبالخصوص سيد الوصيين رفيق سيد المرسلين ، وأنه أول من قالها بعده ونشرها وثبت في بيان حقائقها ، ولمعرفة كلماته في بيان عظمة الله وتوحيده راجع ما كتبنا في صحيفة التوحيد من موسوعة صحف الطيبين  الباب الثاني الذكر التاسع معارف إلهية للإمام علي تنورنا الإيمان بالله وحده صفحة مائتان وتسعة عشرون ، بل كل معارف التوحيد بعد كتاب الله سيد الكتب وسيد المرسلين هي من سيد المرسلين ، ومعارفه في بيان عظمة الله سبحانه من أعلى المعارف في الدين وشرح حقيقي لما يرينا عظمة الله سبحانه بما يحب ويرضى أن يعبد به ويعرف عنه ، ومن يخالفها يخالف الله ورسوله وكتابه ، فلا نعيد ما ذكرنا هناك ، ولمعرفة سيرته وإخلاصه وعلمه راجع صحيفته ذكر علي عبادة أو ما أُلف في حياته من الموسوعات الكريمة الكبيرة .

والآن يا طيب : في هذا الإشراق نتعرف على بيان حقائق مجملة وكافية لكل منصف ليرى أن أصل سيادة أهل البيت نبينا الأكرم سيد المرسلين وأوصياءه سادة الوجود وبالخصوص سيد الوصيين ، وإن سيادتهم في كل مراتب الوجود حقيقة نورانية نازلة وإن حلت عالم الشهادة ، فهي لها وحدة تنزل في بيان عظمة الله ، فنذكر طرفا من بيان عظمة نزول نور الله الواحد الأحد في كل مراتب الوجود ، وما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالظهور بكلمة التوحيد ونشرها ، وأنه أول ناصر ومتحقق بسيد الكلام والتسبيح والذكر هو سيد المرسلين وبعده سيد الوصيين وآله سادة والوجود وبعدهم شيعتهم بحق ، وليكن هذا الإشراق طي وخلاصة بأعلى معاني التحقق بكلمة التوحيد ونشرها وبذل النفس والروح في تعليمها وبيانها .

 

 

الإشعاع الأول :

سيد الكلام لا إله إلا الله وسيد الكائنات أول من قاله في كل المراتب :

يا طيب : هنا بيان لظهور وتجلي سيد السادات سبحانه بأعلى نور ظهور لأسمائه الحسنى كلها ، وبأعظم تجلي وتحقق في الكائنات في كل مراتبها ، ولذا جاء :

عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال :

إن الله تبارك وتعالى : خلق نور محمد صلى الله عليه وآله .

 قبل أن خلق السماوات والأرض

والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار .

 وقبل أن خلق آدم ونوحا وإبراهيم وإسماعيل .

وإسحاق ويعقوب وموسى و عيسى وداود وسيلمان .

وكل من قال الله عز وجل في قوله : { ووهبنا له إسحاق و يعقوب - إلى قوله - وهديناهم إلى صراط مستقيم } .

 وقبل : أن خلق الأنبياء كلهم بأربع مائة ألف وأربع وعشرين ألف سنة .

 وخلق الله عز وجل معه اثني عشر حجابا :

 حجاب القدرة ، وحجاب العظمة ، وحجاب المنة ، وحجاب الرحمة ، وحجاب السعادة وحجاب الكرامة ، وحجاب المنزلة ، وحجاب الهداية ، وحجاب النبوة ، وحجاب الرفعة ، وحجاب الهيبة ، وحجاب الشفاعة .

 ثم حبس نور محمد صلى الله عليه وآله :

 في حجاب القدرة اثني عشر ألف سنة وهو يقول : سبحان ربي الأعلى .

وفي حجاب العظمة أحد عشر ألف سنة و هو يقول : سبحان عالم السر .

وفي حجاب المنة عشرة آلاف سنة وهو يقول : سبحان من هو قائم لا يلهو .

وفي حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة وهو يقول : سبحان الرفيع الأعلى .

وفي حجاب السعادة ثمانية آلاف سنة وهو يقول: سبحان من هو قائم لا يسهو.

وفي حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة وهو يقول : سبحان من هو غني لا يفتقر .

وفي حجاب المنزلة ستة آلاف سنة وهو يقول : سبحان ربي العلي الكريم .

وفي حجاب الهداية خمسة آلاف سنة وهو يقول : سبحان رب العرش العظيم .

وفي حجاب النبوة أربعة آلاف سنة وهو يقول: سبحان رب العزة عما يصفون.

وفي حجاب الرفعة ثلاثة آلاف سنة وهو يقول : سبحان ذي الملك والملكوت .

وفي حجاب الهيبة ألفي سنة ، وهو يقول : سبحان الله وبحمده .

وفي حجاب الشفاعة ألف سنة ، وهو يقول : سبحان ربي العظيم وبحمده .

ثم أظهر عز وجل اسمه على اللوح وكان على اللوح منورا أربعة آلاف سنة .

ثم أظهره على العرش فكان على ساق العرش مثبتا سبعة آلاف سنة .

إلى أن وضعه الله عز وجل : في صلب آدم ، ثم نقله من صلب آدم إلى صلب نوح ، ثم جعل يخرجه من صلب إلى صلب حتى أخرجه من صلب عبد الله بن عبد المطلب .

فأكرمه بست كرامات : ألبسه قميص الرض ، ورداه رداء الهيبة ، وتوجه تاج الهداية ، وألبسه سراويل المعرفة ، و جعل تكته تكة المحبة يشد بها سراويله ، وجعل نعله الخوف ، وناوله عصا المنزلة ، ثم قال عز وجل له :

يا محمــد اذهب إلى الناس فقل لهـم :

قولـوا : لا إلـه إلا الله ، محمد رسـول الله .

 وكان أصل ذلك القميص : في ستة أشياء قامته من الياقوت ، وكماه من اللؤلؤ ، ودخريصه من البلور الأصفر ، وإبطاه من الزبرجد ، وجربانه من المرجان الأحمر ، وجيبه من نور الرب جل جلاله ، فقبل الله توبة آدم عليه السلام بذلك القميص ، ورد خاتم سليمان به ، ورد يوسف إلى يعقوب به ، ونجا يونس من بطن الحوت به ، وكذلك ساير الأنبياء عليهم السلام نجاهم من المحن به ، ولم يكن ذلك القميص إلا قميص محمد صلى الله عليه وآله [113].

 قال مصنف التوحيد رضي الله عنه : أرواح جميع الأئمة عليهم السلام والمؤمنين خلقت مع روح محمد صلى الله عليه وآله .

يا طيب : هذا الإشراق لبيان ظهور نور الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له ، وظهوره هو تجلي نور : لا إله إلا الله ، وفيه الكلام عن مراحل مجملة من الظهور ، وقبلها وبعدها وبينها مراحل من ظهور النور طواها الحديث ، ولكنه كان شافيا في بيان غرض الخلقة حتى تجلت ضرورة أن يتحقق الخلق بكلمة التوحيد والإخلاص لا إله إلا الله ، وأنه نبي الرحمة رسوله ، وعرفت أهميتها فهي سيد الكلام ، وإن قائلها لابد أن يكون سيد المرسلين لأنه له سيد الأديان هو أول الخلق وقبله ، وهو أول من قالها وعلمها في كل المراتب العالية .

كما أنه مر عن اصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

 أفضل الكلام قول : لا إله إلا الله .

 فقيل : يا رسول الله ، ومن أول من قال : لا إله إلا الله ؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم : أنا ، وأنا نور بين يدي الله جل جلاله [114].

يا طيب : بعد أن عرفنا أن نور سيد الأنبياء والمرسلين نزل للأرض في زمان حدده له لآخر الأديان وتمام كمال الإنسان ، ليعبد بهذا الدين لآخر الزمان ، وإن أصل المعارف مأخوذا فيها الإخلاص لله ، أي ظهور لا إله إلا الله ، أي لا يقبل غير دينه ولابد أن يعرف عن سيد رسله ، فهو سيد البشر والمرسلين بلا منازع لأنها أول من ظهرت فيه فقالها وعرفها لغيره في كل مراتب الوجود ، وهذه مرحلة قبل الدنيا ، ونتكلم عن مراحل ظهورها هنا في عالمنا والآخرة .

 

 

 

الإشعاع الثاني :

سيد الأوصياء أول من قال سيد الكلام لا إله إلا الله بعد سيد المرسلين:

يا طيب : حان الآن أن نتعرف على سيد الأوصياء ، والذي قال سيد الكلام بعد سيد المرسلين ، وقد عرفنا في كلام مفصل في كلمات متعدد لسيد المرسلين والأنبياء يعرفنا بها شأن وصيه سيد الأوصياء الإمام علي عليه السلام ، ويعرفنا أنه أول من قال كلمة التوحيد بعده وظهر بالإسلام ونشرها ، وأخلص في بيانها ، وقالها قبل سبع سنوات من قبل أن يقولها أحد غيره وغير خديجة أم المؤمنين وجدة ولده وأم زوجته المباركة سيدة النساء .

والآن : نتكلم عن ظهور كلمة التوحيد لكل المسلمين ، وأنه سيد المرسلين أول ما أنذر عشيرة الأقربين بأمر الله تعالى ، ثم صدع بالأمر يعلم قريش بعد أن أتخذ منهم وصي ، وسترى أن أول من أيده ونصره سيد الأوصياء علي بن أبي طالب عليه السلام ، ظاهرا كما كان معه وحده ، والآن الدعوة علنية بين بني عبد المطلب ، وهذا أو كلام لدعوة رسول الله لعشيرة الأقربين قبل أن يصدع بالأمر لكل قريش :

فقد ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد : وذلك في حديث الدار ، الذي اجمع على صحته نفاذ الآثار ، حين جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب في دار أبي طالب ، وهم أربعون رجلا يومئذ ، يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيما ذكره الرواة ، وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ، ويعد لهم صاع من اللبن ، وقد كان الرجل منهم معروفا بأكل الجذعة في مقام واحد ، ويشرب الفرق من الشراب في ذلك المقام ، وأراد عليه السلام بإعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم ، إظهار الآية لهم في شبعهم وريهم مما كان لا يشبع الواحد منهم ولا يرويه .

ثم أمر بتقديمه لهم : فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى تملئوا منه ، فلم يبن ما أكلوه منه وشربوه فيه ، فبهرهم بذلك ، وبين لهم آية نبوته ، وعلامة صدقه ببرهان الله تعالى فيه .  ثم قال لهم : بعد أن شبعوا من الطعام ورووا من الشراب :

 يا بني عبد المطلب : إن الله بعثني إلى الخلق كافة ، وبعثني إليكم خاصة ، فقال عز وجل :

 { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) } الشعراء .

 وأنا أدعوكم : إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان .

 تملكون بهما العرب والعجم ، وتنقاد لكم بهما الأمم .

 وتدخلون بهما الجنة ، وتنجون بهما من النار .

 شــهادة : أن لا إلــه إلا الله ، وأني رسـول الله .

 فمن يجيبني إلى هذا الأمر : ويؤازرني عليه وعلى القيام به .

 يكن أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي .

فلم يجب أحد منهم .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام :  فقمت بين يديه من بينهم .

 وأنا إذ ذاك أصغرهم سنا ، وأحمشهم ساقا ، وأرمضهم  عينا.

فقلت : أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر .

 فقال . : اجلس ، ثم أعاد القول على القوم ثانية فاصمتوا .

 وقمت فقلت مثل مقالتي الأولى ، فقال : اجلس . ثم أعاد على القوم مقالته ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف .

فقلت : أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر .

فقال : اجلس ، فأنت أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي .

 فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب : يا أبا طالب ، ليهنئك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك .

 فقد جعل ابنك أميرا عليك [115].

وبهذا : نعرف في الدعوة السرية والعلنية أن أول من نصره وقالها وأيده هو علي بن أبي طالب ، فهو سيد الأوصياء ناصر سيد المرسلين وخليفة وإمام المسلمين وأمير المؤمنين وقائد المتقين حقا ، فهو وليهم وسيدهم كما اعترفوا له بوجوب الطاعة لكل من يسلم بعده ، أنظر آخر كلامهم وما فهموا من قبول أخيه وزيرا ووصيا له ، فقالوا لأبي طالب : يا أبا طالب ليهنئك أي ليسرك اليوم إن دخلت فيدين بن أخيك فقد جعل أبنك أميرا عليك ، والأمير هو السيد المطاع في القوم .

ويا طيب : بعد أن أختار الله بما علمه من إنذار عشيرته الأقربين أن يختار السيد المطاع بعده ويجعله أخ ووصي ووزير ووارث وخليفة بعده ، صدع بالأمر لكل قريش ، فجاء في هذا المعنى أحاديث : فعن طارق المحاربي : رأيت النبي صلى الله عليه وآله في سويقة ؟ ذي المجاز عليه حلة حمراء ، وهو يقول :

يا أيها الناس : قولوا : لا إله إلا الله ، تفلحـــوا .

 وأبو لهب يتبعه ويرميه بالحجارة وقد ادمي كعبة وعرقوبيه ، وهو يقول : يا أيها الناس لا تطيعوه فانه كذاب[116] .

 

وفي مناقب آل أبي طالب : في تاريخ الطبري والبلاذري : انه لما نزل :

{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) } الحجر .

 صدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ونادى قومه بالإسلام ، فلما نزل :

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) }الأنبياء.

أجمعوا على خلافه : فحدب عليه أبو طالب ومنعه ( منهم ) ، فقام عتبة والوليد وأبو جهل والعاص إلى أبي طالب  فقالوا :

إن ابن أخيك : قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه .

 فقال لهم أبو طالب : قولا رقيقا ، وردهم ردا جميلا .

 فمضى : رسول الله صلى الله عليه وآله على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه ، وأسلم بعض الناس .

فانهمشوا : أي مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى .

فقالوا : إن لك سنا وشرفا ومنزلة ، وإنا قد اشتهيناك إن تنهى ابن أخيك فلم ينته ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا ، أو ننازله في ذلك حتى يهلك احد الفريقين .

فقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وآله : ما بال أقوامك يشكونك ؟

فقال صلى الله عليه وآله : إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية .

 فقالوا : كلمة واحدة ؟ . قال : نعم . قالوا : وأبيك عشرا .

قال أبو طالب : وأي كلمة هي يا بن أخي ؟

قـال : لا إلـه إلا الله .

 فقاموا ينفضوا ثيابهم ويقولون : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب .

قال ابن إسحاق : إن أبا طالب قال له في السر : لا تحملني مالا أطيق .

 فظن رسول الله : أنه قد بدا لعمه وإنه خاذله وإنه قد ضعف عن نصرته .

 فقال : يا عماه لو وضعت الشمس في يميني ، والقمر في شمالي ما تركت هذا القول .

 حتى أنفذه أو اقتل دونه ، ثم استعبر فبكى ، ثم قام يولي .

 فقال أبو طالب : امض لأمرك فو الله ما أخذلك أبد [117].

 

في مجمع البيان : في تفسير قوله تعالى : { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)

 بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (