بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
ولعنة
الله
على
أعدائهم
إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في
أصول الدين وسيرة المعصومين
صحف
الظهور
والتجلي
/
صحيفة
سادة
الوجود
/ الجزء الأول
معنى
السيادة
وملاكها وتأريخها
وظهورها بنور
واهب السيادة
في مراتب
التدوين
في سيد الكتب
وآياته وعلومه والتكوين
سيد المرسلين وآله
الطيبين الطاهرين سادة المتقين
الباب الأول /
سفينة نجاة
/ المجلس الثالث
المجلس الثالث
تجلي واهب السيادة بالقرآن وسيد آياته وعلومه لسادة الكون
تذكرة : تجلي السيد الصمد في التدوين و التكوين بآي سيد الكتب :
يا طيب : أن سورة التوحيد والإخلاص تعرفنا إن الله سبحانه هو الأحد الصمد الذي لا شريك له ولا ولد ولا كفوا له أحد ، ولتوله خلقه بحقيقتهم وحالهم طالبين منه وحده ما به بقائهم وكمالهم ونعمه التي لا تحصى ، هو حقيقة معنى السيد الذي يصمد له والمقصود من خلقه لطلب فضله وبره ، وهو المتجلي بأسمائه الحسنى والمظهر أعلى نوره في سادة التكوين بل كله بعدهم حسب مراتب الوجود وتنزل ظهوره .
وهذا عين : بذل المعروف الذي ينير الوجود ، فيهبهم الخيرات ونعم لا تحصى وبأعلى كمال ، وهذا كان أعلى معنى لحقيقة لفظ السيد كاسم حسن لله ، ولذا فسر الصمد بعدة معاني ترجع لكلمة السيد فيكوّن روح معنى الصمد واس حقيقته .
كما وعرفنا : أن سيد الكلام العربية وسيده القرآن المجيد ، وسيد القرآن سورة البقرة وسيد آياتها الكرسي ، ومر أن سيد علمه سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر لأنه فيها ينزل كل أمر بسلام ، وإن القرآن فيه تبيان لكل شيء ، وهذا أعلى معاني تجلي اسم الله السيد الصمد وحده في الكتاب التدويني ، والذي هو خلاصة معارف الكتاب التكويني بحقيقته الظاهرة سيادته في حقائق سادة الوجود الحق.
فنحن في بحث السيادة : وملاكها
ومعارفها ، لابد لنا من بحث حقيقة تجلي السيد الصمد في كتابه وأنه بأعلى مظهر يكون
لمن ، وأن خصائص سورة سيد
العلم و سيد آي القرآن
وسوره ، قد تجلت لمن وفيمن ، فيكون هو
سيد أهل التكوين ، ويكون بيانا بل
مصدقا علمي وعملي أخر لما عرفنا سابقا من تجلي الله السيد الصمد سبحانه في
سيد
المرسلين وسيد الوصيين
وسيدة نساء العالمين وسيدا شباب أهل الجنة
وسادة المتقين
وأهل العلم المحكم وورثة الكتاب وأهل سيدة الليالي
القدر وسورتها سيد العلم ،
، وأنهم
هم المؤذون لهم بالشفاعة بما شاء من علمه وبالولاية النورانية في آيات
سيد آي
القرآن الكرسي ،
ويكون عدوهم ومخالفهم ولي لطاغوت وسيد للباطل .
وقد عرفت يا طيب : في أول الصحيفة أن لكل شيء سيد وكان سيد التسبيح سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وسيد الكلام في سيد التسبيح هو لا إله إلا الله ، ومر كلام في المجلس السابق يعرفنا فضل لا إله إلا الله ، ولذا هنا نقدم فضل سورة التوحيد وارتباطها بسورة القدر وآية الكرسي ، ولا نتعرض لشرحها مفصلا لما مر من معرفة الصمد بأنه السيد المقصود ، بل نقدم بحوث أخرى تفصلها ، وإن السورة بيان لنسبة معرفة الله تعالى وتوحيده والإخلاص له بل وتجليه بالسيادة.
وقد عرفنا يا طيب : أن السيد هو الباذل للمعروف والخيرات وعن علم بالمصلحة والكرامة لمن يتجلى له إحسانه ، والله سبحانه في سورة التوحيد بل في كتابه التكويني والتدويني عرفنا عظمته وأنه السيد المقصود ، فنتعرف على ظهور نوره بمعنى آخر في التدوين والتكوين وبأعلى معانية ، وهو العلم الذي به شرف الإنسان ، وأول ما نزل به كتاب الله القرآن ، ولذا كتُب الحديث تبدأ بتعريف أهمية العلم ثم تعرفنا أن العلم موجب للتوحيد ، فيكون بالعلم والتعقل نعرف عظمة الله ، وهذه أعلى كرامة لبني الإنسان ، ولذا لكي نعرف تجلي عظمة الله سبحانه ، نتدبر تجليه في العلم في عالم الدين وبكل أمر يخص الوجود ، ثم فنتعرف بعد التوحيد على آية إنا أنزلناه في ليلة القدر ، ثم على مراتب التكوين وتجليه بخصوص التكوين ككل فنتدبر آية الكرسي .
ولذا لا غرو أن نعرف : بعد التوحيد لله السيد الصمد وسورة الإخلاص وسيد الكلام ككل ، توجد سورة تكون هي سيد العلم ومنتهاه خاصة ، وآية تعرفنا بأنها سيد آية القرآن وخلاصة معارفه، ولا مناع لهذا التمييز بينها لأنه لكل شيء سيد، وقد كان يوم الجمعة سيد الأيام ، وليلة القدر سيد الليالي ، وشهر رمضان سيد الشهور.
فهيا نتدبر : تجلي ظهور نور الله سبحانه في عالم التدوين بسيد الكتب، ونعرف السيد الصمد: في سورة الإخلاص والتوحيد، ثم سورة سيد العلم إنا أنزلناه، ثم سيدة آيات كتابه التدويني الكرسي، فنعرف تجلي عظمة الله الحي القيوم وحده في التكوين وما خص به من العلم والشفاعة والولاية لسادة الوجود صلى الله عليهم وسلم .
الذكر الأول
سيد الكلام والكتب جمعه سادة التكوين باللفظ والمعنى
الإشراق الأول :
عظمة وفضل كتاب الله وكلامه سيد الكلام والكتب وأهميته :
يا طيب : في هذا الإشراق نتعرف على سيد الكتب وهو كلام الله سيد السادة وواهب السيادة لمن يشاء ، وهو من أفضل نعم الله وإحسانه وبذل معروفه لهداية البشر ، وبه نجاتهم وخيرهم وكل ما يحتاجوه في شؤون عبوديتهم لله وحياتهم الخاصة والعامة والاقتصاد وأحكام المعاملات والأموال وفيه أحكام سياسة الأسرة والمجتمع والدولة والفرد ، وفيه معارف الخلق العظيم والأحكام وأحسن القصص ، و فيه معارف التوحيد وأدلته والعبودية وعدله وإحسانه ، والنبوة بنعمة الهداية ، والإمامة ليتم الدين بأعلى حجة وكمال ، والمعاد وأحوال مواقفه والجنة للمتقين والنار للمنحرفين .
فهذا كلام الله سيد الكلام والكتب : هدى للعالمين ورحمة للمؤمنين وكتاب مبين فيه بيان كل شيء ونور لمن يستضيء به، ودليل لكل خير وبيان لكل عمل صالح وخُلق حسن وكلمة طيبة وإيمان حق ، فهو كلام الله لنا ودليله يُعرفنا كل فضيلة ونبل وكرامة ، ويرفعنا للتحقق بتلاوة كلام الله ومناجاته ونزول رحمته وبره وإحسانه .
وقد ألف : في فضل كتاب الله وتفسيره كثيرا من الكتب فتجاوزت أجزاء بعضها الثلاثين والعشرين جزء وهي تعد بالمئات ، وما بينها حتى التفسير بالكلمة وجزء واحد يعد بأكثر من ألف تفسير ، وليس غرضنا بيان فضله بما هو فهو معروف لنا ، ولكن نبين أنه سيد الكلام وأتم بيانه لسادة الوجود ، وقبل هذا هذه أحاديث في فضله :
عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
إن البيت إذا كان فيه المرء المسلم يتلو القرآن .
يتراءاه أهل السماء كما يتراءى أهل الدنيا الكوكب الدري في السماء .
و عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام :
البيت : الذي يُقرأ فيه القرآن ، ويذكر الله عز وجل فيه ، تكثر بركته ، وتحضره الملائكة ، وتهجره الشياطين ، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض .
وإن البيت : الذي لا يقرأ فيه القرآن ، ولا يذكر الله عز وجل فيه ، تقل بركته ، وتهجره الملائكة ، وتحضره الشياطين [1].
وقال سيد الوصيين في خطبة له عليه السلام : انتفعوا ببيان الله ، واتعظوا بمواعظ الله ، واقبلوا نصيحة الله . فإن الله قد أعذر إليكم بالجلية . واتخذ عليكم الحجة . وبين لكم محابه من الأعمال ومكارهه منها ، لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه ..
واعلموا : أن هذا القرآن : هو الناصح الذي لا يغش ، والهادي الذي لا يضل ، والمحدث الذي لا يكذب . وما جالس هذا القرآن أحد ، إلا قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى ، أو نقصان في عمى .
واعلموا : أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم ، واستعينو به على لاوائكم ، فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال . فاسألوا الله به ، وتوجهوا إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله .
واعلموا : أنه شافع مشفع ، وقائل مصدق . وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه ، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنه ينادي مناد يوم القيامة : ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه ، وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن .
فكونوا من حرثته : وأتباعه ، واستدلوه على ربكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه أهواءكم . العمل العمل ، ثم النهاية النهاية . والاستقامة الاستقامة ، ثم الصبر الصبر ، والورع الورع . إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم . وإن لكم علما فاهتدوا بعلمكم . وإن للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته . واخرجوا إلى الله بما افترض عليكم من حقه ، وبين لكم من وظائفه .
أنا شاهد لكم : وحجيج يوم القيامة عنكم ، ألا وإن القدر السابق قد وقع ، والقضاء الماضي قد تورد . وإني متكلم بعدة الله وحجته، قال الله تعالى :
{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) }فصلت.
وقد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته. ثم عبادته.
ثم لا تمرقوا منها ولا تبتدعوا فيها ولا تخالفوا عنها . فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة[2].
وفي كتاب نفخات الأزهار عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال :
سمعت حبيبي رسول الله ص يقول :هبط علي جبرائيل فقال : يا محمـــد :
إن لكــل شــيء ســيـدا .
فسـيد : البشر آدم . و سـيد ولد آدم أنت .
و سيد الروم صهيب . و سـيد فارس سلمان . و سـيد الحبش بلال .
و سيد الشجر السدر . و سيد الطير النسر .
و سـيد الشهور رمضان . و سـيد الأيام يوم الجمعة .
و سيد الكلام العربية . و سيد العربية القرآن . و سيد القرآن سورة البقرة [3].
وسيأتي: إن الكرسي سيد آية البقرة وسيد علمه إنا أنزلناه، وأعلم أن فضل القرآن وعلومه كثيرة وألفت كتب كثيرة في علوم القرآن وتفسيره ، ويكفي لأن نعرف أنه سيد الكتب لأنه كلام الله وهدى رسوله وعلم أوصياءه، وأنه أكثر مقروء في الوجود وله أعلى ثواب وفيه تبيان لكل شيء لا يمسه إلا المطهرون فينفعون به وهو شفاء ورحمة للمؤمنين وهدى للمتقين ، رزقنا الله نوره وثبتنا على منهج أهله سادة الوجود .
الإشراق الثاني :
جمع سيد كلام واهب السيادة أعلمهم سيد الوصيين بأمر سيد المرسلين :
يا طيب : إن وجود كُتاب الوحي وما ستعرف من الأحاديث الآتية ، تعرف أن كتاب الله كان مكتوبا في زمن رسول الله ، وإنه كان في زمانه عدة من حفظت كتاب الله وأولهم أمير المؤمنين عليه السلام ، ولنعرف أهمية الكلام في حفظ سيد الكلام من سيد المرسلين وتعاليم سيد الأوصياء ، ننظر الأحاديث الآتية لنرى حقائق معجزة في حفظ الكتاب علما وعملا ولفظا ومعنى ، ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ومجمل ومفصل ، وإنه كما جمعه سيد الوصيين لفظا فقد حفظه معنى وتلاوة ، وحفّظه لكل المؤمنين بعده وأن القراءة التامة والمعتمدة الآن هي ما وصل للمؤمنين منه .
وقبل أن نذكر أن كتاب الله جمعه سيد الوصيين ، نتعرف على أنه كتاب ينبض في العلم وأن أعلم الناس بعد رسول الله وهو الذي جمعه ، فتدبر :
الإشعاع الأول :
اعلم الناس بسيد الكتب سيد الوصيين بتعليم الله وسيد المرسلين :
يا طيب : كل المسلمين والمفسرين ذكروا أن أول ما نزل من كتاب الله هو الأمر بالقراءة والعلم :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) .. } العلق .
ولأهمية العلم ذكر سبحانه أنه علم القرآن قبل خلق الإنسان ثم علمه بيانه :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ
(3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) ... } الرحمن .
ولم يساوي سبحانه من يطلب العلم وعالم بمن لم يكن عالم وخص العلم بمن أختار سبحانه وأصطفى ورفعهم درجات فقال :
{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (9) } الزمر .
وإن أعلى علم الله المنزل : هو الكتاب والحكمة وخصه بسيد المرسلين وآله سادة الوجود ، ولم يعر أهمية سبحانه لملك الدنيا وداوله بين الناس كما عرفت ، ولكن ملك الكتاب والحكمة وتزكية النفس وهداه فهو عند المنعم عليهم أبد ، وبه يتفاضل الناس حقا ويعرف من يملك نعيم الله بأعلى منزلة خالدا كما قال سبحانه يعرفنا هذا :
{ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (32)
وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) } الزخرف .
فملك الدنيا : لكي يختبر الله عباده به ، فمن يطيعه بنعمه يسعد ، ومن يعصي بنعمه يشقى ، ولا أهمية له عنده تملك كل زينة الدنيا لظالم سعى لها ، وإن العاقبة والآخرة ونعيمها الأبدي هو للمتقين ، وبالإيمان والعلم بمعارف عظمة الله وهداه يرتفعون في درجاتهم ويعظم شأنهم عند الله سبحانه ، ولذا قال :
{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُـوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُـوا الْعِلْـمَ
دَرَجَــاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } المجادلة .
وإن أعلى الدرجات : هي لسيد المرسلين وبعده لمن يكون شاهد منه وآله سادة الوصيين ، وقد قال الله سبحانه :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ
يَتْلُـو عَلَيْهِمْ آيَاتِـهِ وَيُزَكِّيهِـمْ وَيُعَلِّمُهُـمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَـةَ
وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)} الجمعة .
{ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269) } البقرة .
فخير الله الكثير : هو المختص بنبي الرحمة وآله الذين أمر بودهم بآية المودة ، وجعله كأجر للرسالة ، وصدقهم في آية المباهلة بما يعلمون ولعن من يكذبهم ولا يعتني بهداهم ، وطهرهم كما كتاب الله مطهر ، وجعلهم أهل الذكر والعلم فيه ، فلذا حسد من تنزل عن الإنسانية بظلمه وطغيانه ، الناس لعلمهم أن الخير الكثير والملك العظيم هو معارف الله وقد جعلها عند ناس هم سادة الوجود ، وهم ليس إلا نبينا وآله وهم آل إبراهيم الذين وهبهم الإمامة والولاية والسيادة والملك العظم ، وكما يجب أن نصدق أن ملك الله العظيم هو الكتاب والحكمة ، يجب أن نصدق بأنها لآل النبي الذين هم كامتداد لآل إبراهيم صلى الله عليهم وسلم أجمعين ، ولا يجوز أن نحسدهم أو نعاديهم ونعمل بغير علمهم ، وقد قال الله سبحانه :
{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ
فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) } النساء .
ويا طيب : كتاب الله كتاب علم يأمر بالتفكر في آياته والتدبر بها ، وخص علوم كتابه سيد الكتب بمن وهبهم ملكه العظيم وخيره الكثير فجعلهم كوثر البركة والمطهرون الواجب ودهم لنتعلم منهم نعيمه الحق التام الذي يهدي لصراطه المستقيم .
وإن كتاب الله : كما قال سبحانه فيه المحكم والمتشابه ولا يعرفه إلا أهل العلم ، والذين خصهم الله بعلومه وهم سادة الوجود ، ولنعرف هذا نتدبر الأحاديث الآتية :
عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول :
إن القرآن : زاجر و آمر ، يأمر بالجنة ، و يزجر عن النار ، و فيه محكم و متشابه .
فأما المحكم : فيؤمن به ، و يُعمل به ، و يُدبر به .
و أما المتشابه : فيؤمن به ، و لا يعمل به ، و هو قول الله :
{ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْـهُ
آيَـاتٌ مُّحْكَمَـاتٌ هُـنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ
وَمَا يَعْـلَـمُ تَـأْوِيلَــهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِـخُونَ فِي الْعِـلْـمِ .
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7) } آل عمران .
و آل محمد الراسخون في العلم صلى الله عليهم وسلم [4].
فالعلم به معنى : وإرجاع متشابهه لمحكمه وتفسيره بحقه كما يرضى الله به سبحانه سيد السادة ، فضلا عن جمعه لفظا هو لسيد الوصيين ، وكما قال وشهد له كل من عرف سيرته وعلمه بكتاب الله سيد الكتب بعد رسول الله سيد المرسلين :
وكل من كتب في العلم : وأعلم الناس ، في زمن رسول الله وبعده ، ذكر أنه سيد الأوصياء كان أعلمهم ، راجع كتاب الغدير وإحقاق الحق وكتب التفسير وسيرته، ويكفي لأن نعرف أن أعلم الناس سيد الأوصياء هو ما شهد له رسول الله بالعلم :
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : علي عيبة علمي ، وقوله : علي أعلمكم علما وأقدمكم سلما ، وقوله : اعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب ، رواه علي بن هاشم وابن شيرويه الديلمي باسنادهما إلى سلمان .
وقال النبي صلى الله عليه وآله : أعطى الله عليا من الفضل جزءا لو قسم على أهل الأرض لوسعهم .
وفي حلية الأولياء سئل النبي عن علي بن أبي طالب فقال :
قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي علي تسعة أجزاء، والناس جزء واحد.
عن سيد الأوصياء علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال :
سلوني عن كتاب الله عز وجل .
فوالله ما نزلت آية منه في ليل أو نهار ، ولا مسير ولا مقام .
إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعلمني تأويلها .
فقال ابن الكواء : يا أمير المؤمنين ، فما كان ينزل عليه وأنت غائب عنه ؟
قال عليه السلام : كان يحفظ على رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا عنه غائب.
حتى أقدم عليه فيقرئنيه ، ويقول لي :
يا علي : أنزل الله علي بعدك كذا وكذا ، وتأويله كذا وكذا .
فيعلمني : تـنـزيـلــه وتـأويـلــه [5].
وعن الأصبغ بن نباته قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام :
لو كسرت لي وسادة :
فقعدت عليها ، لقضيت بين أهل التورية بتوريتهم ، وأهل الإنجيل بإنجيلهم ، وأهل الزبور بزبورهم .
وأهل الفرقان بفرقانهم .
بقضاء يصعد إلى الله يزهر .
والله ما نزلت آية : في كتاب الله ، في ليل أو نهار .
إلا وقد علمت فيمن أنزلت .
ولا ممن مر على رأسه المواسى من قريش ، إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله تسوقه إلى الجنة أو إلى النار .
فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ما الآية التي نزلت فيك ؟
قال له عليه السلام : أما سمعت الله يقول :
{ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَـةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُـوهُ شَاهِـدٌ مِّنْــهُ (17) }هود.
رسول الله صلى الله عليه وآله : على بينة من ربه .
وأنـا شـاهـد لـه فيـه واتلـوه معـه[6].
الإشعاع الثاني :
جمع سيد الوصيين بأمر سيد المرسلين سيد الكتب والكلام :
يا طيب : إن سيد السادات وواهب السيادة لمن يشاء ، خصها في كتابه التدويني كتابة وعلما فجعله سيد الكتب ، وعلمه سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين سادة المتقين ، فجعلهم سادة الوجود ، وما عرفته عرّفنا حقائق كريمة في هذا المعنى .
وإنه بأمـر : سيد المرسلين الذي هو ما ينطق عن الهوى وإنما بوحي يوحى ، أمر سيد الوصيين بجمعه ، أمره بجمعه لأنه أعلمهم به كما عرفت وستعرف ، والله خصه به كما في آية الكتاب والحكمة وملكه العظيم الذي وهبه لهم ، ولكي نتعرف على كيفية جمع كتاب الله لفظا وكتابة ، نتدبر الأحاديث الآتية ، ويأتي بعده بالإضافة لما عرفنا أحاديث تعرفنا جمعه عليه السلام له علما ومعنى وتعلم الناس منه :
عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام :
يا علي : القرآن خلف فراشي في الصحف و الحرير و القراطيس .
فخذوه و اجمعوه .
و لا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة .
فانطلق علي عليه السلام : فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه في بيته .
و قال : لا أرتدي حتى أجمعه .
فإنه كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه .
قال و قال رسول الله : لو أن الناس قرءوا القرآن كما أنزل الله ما اختلف اثنان [7].
و عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال :
ما أحد من هذه الأمة : جمــع القـــرآن .
إلا وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [8].
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال :
خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله .
وذلك حين فرغ من جمــع القـرآن ، وتـأليـفـه .
فقال : الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبة والتشاكل ، بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله ، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ، ويكون فيها لا على وجه الممازجة ، وعلمه لا بأداة ، لا يكون العلم إلا بها ، وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه .
إن قيل : كان ، فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل : لم يزل ، فعلى تأويل نفي العدم ، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا .....[9].
وفي مناظرة سيد الأوصياء لطلحة في جمع أمير المؤمنين عليه السلام للقرآن قالوا :
فقال طلحة : يا أبا الحسن ، شيء أريد أن أسألك عنه ، رأيتك خرجت بثوب مختوم عليه فقلت : يا أيها الناس : إني لم أزل مشغولا برسول الله صلى الله عليه وآله ، بغسله وتكفينه ودفنه .
ثم شغلت بكتاب الله حتى جمعتـــه .
فهذا كتاب الله مجموعــا لم يسقط منه حرف .
فلم أر ذلك الكتاب الذي كتبت وألفت .
جمع : عمر وعثمان للقرآن ، ولقد رأيت عمر بعث إليك - حين استخلف - أن ابعث به إلي ، فأبيت أن تفعل .
فدع عمر الناس ، فإذا شهد اثنان على آية قرآن كتبها ، وما لم يشهد عليها غير رجل واحد رماها ولم يكتبه .
وقد : قال عمر وأنا أسمع : إنه قد قتل يوم اليمامة رجال كانوا يقرؤون قرآنا لا يقرأه غيرهم فذهب ، وقد جاءت شاة إلى صحيفة - وكتاب عمر يكتبون - فأكلتها وذهب ما فيها ، والكاتب يومئذ عثمان فما تقولون ؟
وسمعت عمر يقول وأصحابه الذين ألفوا ما كتبوا على عهد عثمان :
( إن الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة ، والنور ستون ومائة آية ، والحجرات تسعون آية ) فما هذا ؟
وما يمنعك - يرحمك الله - أن تخرج إليهم ما قد ألفت للناس ؟
وقد شهدت : عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكتاب ، وحمل الناس على قراءة واحدة ، ومزق مصحف أبي بن كعب وابن مسعود وأحرقهما بالنار .
فما هذا إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله للقرآن على أمير المؤمنين ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا طلحة .
إن كل آية : أنزلها الله في كتابه على محمد صلى الله عليه وآله ، عندي .
بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخطي بيدي .
وتأويل كل آية : أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وآله .
وكل حلال أو حرام ، أو حد أو حكم .
أو أي شيء تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة عندي مكتوب .
بإملاء رسول الله وخط يدي حتى أرش الخدش .
قال طلحة : كل شيء من صغير أو كبير أو خاص أو عام ، كان أو يكون إلى يوم القيامة ، فهو مكتوب عندك ؟
قال : نعم ، وسوى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله :
أســر إلي في مرضه : مفتاح ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب.
ولو أن الأمة : منذ قبض الله نبيه اتبعوني وأطاعوني .
لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم رغدا إلى يوم القيامة .
ما كتب في الكتف : بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله يا طلحة .
ألست قد شهدت : رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة ولا تختلف .
فقال صاحبك ما قال : إن نبي الله يهجر .
فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله : ثم تركها ؟
قال : بلى ، قد شهدت ذاك .
قال : فإنكم لما خرجتم أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله.
وبالذي أراد أن يكتب فيها وأن يشهد عليها العامة .
فأخبره جبرائيل : أن الله عز وجل قد علم من الأمة الاختلاف والفرقة .
ثم دعا بصحيفة : فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف .
وأشهد على ذلك ثلاثة رهط : سلمان وأبا ذر والمقداد .
وسمى : من يكون من أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة .
فسماني أولهم : ثم ابني هذا ، وأدنى بيده إلى الحسن ، ثم الحسين .
ثم تسعة من ولد ابني هذا ، يعني الحسين .
كذلك كان : يا أبا ذر وأنت يا مقداد ؟
فقاموا وقالوا : نشهد بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله .
فقال طلحة : والله لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لأبي ذر :
ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ولا أبر عند الله .
وأنا أشهد أنهما لم يشهدا إلا على حق ، ولأنت أصدق وآثر عندي منهما .
ثم أقبل عليه السلام على طلحة فقال :
اتق الله يا طلحة ، وأنت يا زبير ، وأنت يا سعد ، وأنت يابن عوف .
اتقوا الله : وآثروا رضاه ، واختاروا ما عنده ، ولا تخافوا في الله لومة لائم .
قال طلحة : ما أراك - يا أبا الحسن - أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن ألا تظهره للناس ؟
قال عليه السلام : يا طلحة ، عمدا كففت عن جوابك .
قال : فأخبرني عما كتب عمر وعثمان ، أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن ؟
قال عليه السلام :
بل هو قرآن كله .
إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ، ودخلتم الجنة .
فإن فيه : حجتنا ، وبيان أمرنا ، وحقنا وفرض ، طاعتنا .
فقال طلحة : حسبي ، أما إذا كان قرآنا فحسبي .
ثم قال طلحة : فأخبرني عما في يديك من القرآن وتأويله وعلم الحلال والحرام ، إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك ؟
قال عليه السلام: إلى الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أدفعه إليه.
قال : من هو ؟
قال : وصيي وأولى الناس بالناس بعدي ، ابني هذا الحسن .
ثم يدفعه ابني الحسن عند موته إلى ابني هذا الحسين .
ثم يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين .
حتى يرد آخرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله حوضه .
وهم مع القـرآن والقـرآن معهم ، لا يفارقونه ولا يفارقهم ...
اثنا عشر : إمام ضلالة من قبائل قريش ، أما إن معاوية وابنه سيليان بعد عثمان ، ثم يليهما سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص ، واحدا بعد واحد تكملة اثني عشر إمام ضلالة ، وهم الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله على منبره يردون أمته على أدبارهم القهقرى ، عشرة منهم من بني أمية ورجلان أسسا ذلك لهم ، وعليهما مثل أوزار هذه الأمة .
فقالوا : يرحمك الله يا أبا الحسن وغفر لك ، وجزاك الله أفضل الجزاء عنا بنصحك وحسن قولك [10].
ولكن يا طيب : لم يثبتوا وأنهم بعد فترة من أجل الدنيا وزينتها حاربوا الإمام علي وسيد الوصيين مع معرفتهم فضله، ولله في خلقه شؤون وعرفت أنه يداول الأيام.
ثم يا طيب : في جمع كلام الله وسيد الكتب وصيانته من التحريف ألفت كتب كثيرة ، وتم بحث هذا المعنى في أغلب التفاسير حين البحث عن إعجاز كتاب الله أو في مقدمات الكتب معاني القرآن ، وكتبت مقالات كثيرة في بيان حقيقة قول الله :
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } الحجر .
ولم يشك أحد من المؤمنين : بكون ما أنزل الله سبحانه هو ما في أيدي المؤمنين ، ويعرفنا معجزة عظيمة حيث إن القرآن كما أراد الله سبحانه حُفظ عند المسلمين ، وحتى مع تداول الأيام لم يُحرف ، فإنه صحيح في زمن الأولين جمع القرآن المجيد مع الشواهد ، ولكن كان من يحفظ القرآن المجيد كأبي وابن مسعود وزيد من المولين والمحبين الثابتين لأهل البيت عليهم السلام ، وهم كانوا ممن كتب كتاب الله وجمعه للحكام وكان الإمام علي عليه السلام سيدهم ومعلمهم كما سترى ، وإن لم يقبلوا الحكام من الإمام علي عليه السلام ما جمع مباشرة ، ولكنه لم يغب عنه جمعهم وما كانوا يكتبون وهو باب بيته داخل المسجد ومفتوح للمسجد وكلهم في مرأى منه وأمام ناظره ، وإن هؤلاء الذين كلفوا بجمع كتاب الله ، كانوا من المخلصين وكانوا حافظين لنص كتاب الله ، وكانوا لهم مجالس مع سيد الوصيين ويعرفون فضله ، ويعترفون له بالتقدم ، وإن أكثر من تفسير آيات الإمامة والسيادة والولاية المفسرة في حقه تراهم في سندها ، بل تروى عنهم عن رسول الله ، ولذا بعد فترة من جمع كتاب الله رفضهم الحكام ولم يرضوا كتبهم وتلاوتهم ، وبالخصوص في زمن عثمان .
ولكن بعد جمع القرآن : كانت قراءة رفضوها ، ولم تؤثر على نص القرآن المجيد الذي كتبوه ، وإن رعاية الله تمت لكتاب الله في ولاية الإمام علي عليه السلام ، فإنه لا تجد قراءة معتبرة إلا ويرجع تحفيظها وأستاذها إلا وكان تلميذا مجدا مخلصا للإمام علي عليه السلام ، وبالخصوص الآن القراءة المشهور عن حفص عن عاصم وبها تم المصحف المجيد المطبوع في كل البلاد الإسلامية الآن ، وبه يعقد القراء محافل تلاوة القرآن الكريم ، وتتم بهذه القراءة المسابقة بينهم ، وجاء في كتاب الكنى والألقاب :
أبو عبد الرحمن السلمى : عبد الله بن حبيب احد أعلام التابعين وثقاتهم .
صحب أمير المؤمنين وسمع منه ، وعده البرقي من خواصه من مضر .
وكان عاصم احد القراء السبع قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي .
وقال أبو عبد الرحمن : قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب عليه السلام .
فقال أفصح القراءات قراءة عاصم لأنه أتى بالأصل[11] .
وإن الحفظ ليس : باللفظ فقط ، وإن كان هذا من المعجزات العظيمة ، إن الحفظ لكتاب الله بالتأكيد بـ إن ونحن ونزلنا وحافظون وكل كلمات الآية ، فهو تأكيد حفظ الكتاب بالمعنى والتأويل والشرح والبيان بالإضافة للفظ ، وهو مختص بالراسخين بالعلم وهم سادة الوجود عليهم السلام .
فإن كتاب الله : سيد الكلام والكتب المطبوع مما في أيدي المسلمين ، هو الذي علمه سيد الأوصياء في زمن ولايته وحكومته وقبله ، وإنه برواية صحيحة :
عن حفص : عن عاصم ، عن أبو عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب سيد الأوصياء ، عن رسول الله سيد المرسلين ، عن جبرائيل سيد الملائكة ، عن الله واهب السيادة لهم ، ولكل من تعلم منهم وعمل بما عرفوه حقا ولم ينحرف عنهم ، فيكون سيدا في الجنة تخاطبه الحور العين والولدان المخلدين يا سيدي .
وقبل التكلم : عن علم سيد الأوصياء الإمام علي وآله عليهم السلام ، بالإضافة لما عرفت نذكر ما اخترناه مما جمعه العلامة المجلسي رحمه الله في جمع القرآن بتوسط الإمام علي عليه السلام فتدبر :
الإشعاع الثالث :
كل من يقرأ سيد الكتب ويفسره ينتسب بسنده لسيد الوصيين :
يا طيب : قد كتبت كتب كريمة في أن كل العلماء من المسلمين يفتخرون ، بأن علمهم متصل بسيد الأوصياء ، ثم بسيد المرسلين عن الله سبحانه واهب السيد وسيد السادة ، وهذا الفضل والاتصال يعرفنا بأنهم يقرون له بالسيادة ، سواء حقا تبعوا أهله أم أنهم خلطوا معهم غيرهم ، فهم يقرون ويعترفون بسيد الأوصياء وأنه أعلمهم ، و لمعرفة المزيد حول هذا الموضوع راجع الكتب التي تبحث في علوم الشيعة ، والشيعة في التأريخ ونشاء الشيعة أو التي تعرفنا فضل الإمام علي عليه السلام وعلمه ، فترى أنه أس العلوم التي تخص الدين والإنسانية .
وهنا نختصر بحثا كريما : يعرفنا ما اخترناه مما جمعه العلامة المجلسي رحمه الله في كتاب بحار الأنوار ، حول جمع القرآن بتوسط سيد الوصيين و الرواة عنه :
قال الله تعالى : { تِـبْـيَـانًا لِّكُـلِّ شَــيْءٍ (89)} النحل .
وقال : { وَكُلَّ شَـيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَـامٍ مُبِينٍ (12) } يس .
وقال : { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59) } الأنعام .
فإذا كان : لا يوجد في ظاهره ، فهل يكون موجودا إلا في تأويله ؟
كما قال : { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7) } آل عمران .
وهو الذي عنى عليه السلام : سلوني قبل أن تفقدوني .
ولو كان : إنما عنى به ظاهره ، فكان في الأمة كثير يعلم ذلك ولا يخطئ فيه حرفا ، ولم يكن عليه السلام ليقول من ذلك على رؤوس الأشهاد ما يعلم أنه لا يصح من قوله ، وإن غيره يساويه فيه ، أو يدعي على شيء منه معه .
فإذا ثبت : أنه لا نظير له في العلم صح أنه أولى بالإمامة .
ومن عجب أمره في هذا الباب :
أنه لا شيء من العلوم إلا .
وأهله يجعلون عليا قدوة .
فصار قوله قبلة في الشريعة ، فمنه سُمع القرآن .
ذكر : الشيرازي في نزول القرآن ، وأبو يوسف يعقوب في تفسيره عن ابن عباس في قوله :
{ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ } كان النبي صلى الله عليه وآله يحرك شفتيه عند الوحي ليحفظه .
فقيل له : لا تحرك به لسانك يعني بالقرآن { لِتَعْجَلَ بِهِ (16)} من قبل أن يفرغ به من قراءته عليك :
{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) }[12].
قال : ضمن الله محمدا أن يجمع القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب صلوات الله عليه .
قال ابن عباس : فجمع الله القرآن في قلب علي ، وجمعه علي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله بستة أشهر .
وفي أخبار أبي رافع : أن النبي صلى الله عليه وآله قال في مرضه الذي توفي فيه لعلي بن أبي طالب عليه السلام :
يا علي : هذا كتاب الله خذه إليك .
فجمعه : علي عليه السلام في ثوب فمضى إلى منزله .
فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جلس علي فألفه كما أنزل الله ، وكان به عالما .
وحدثني : أبو العلاء العطار والموفق خطيب خوارزم في كتابيهما بالإسناد عن علي بن رباح :
أن النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا بتأليف القرآن فألفه وكتبه .
ولهذا قرأ ابن مسعود : إن عليـا جمعه وقرآنه * فإذا قرأه فاتبعوا قرآنه .
-ولهذا حرق عثمان مصحفه وضربه ومنعه من حضور مجلسه كما في محاورة طلحة-
والقراء السبعة إلى قراءته يرجعون :
فأما حمزة والكسائي : فيعولان إنما يرجعان إلى علي ، ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الإعراب .
وقد قال ابن مسعود : ما رأيت أحدا أقرأ من علي بن أبي طالب عليه السلام للقرآن .
فأما نافع وابن كثير وأبو عمرو : فمعظم قراءتهم ترجع إلى ابن عباس ، وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وعلي عليه السلام ، والذي قرأه هؤلاء القراء يخالف قراءة أبي ، فهو إذا مأخوذ عن علي عليه السلام .
وأما عاصم : فقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي ، وقال أبو عبد الرحمن : قـرأت القـرآن كلـه على علـي بن أبي طالب عليه السلام .
فقالوا : أفصح القراءات قراءة عاصم ، لأنه أتى بالأصل ، وذلك أنه يظهر ما أدغمه غيره ، ويحقق من الهمز مالينه غيره ، ويفتح من الألفات ما أماله غيره .
والعدد الكوفي في القرآن :
منسوب إلى علي عليه السلام ليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره ، وإنما كتب عدد ذلك كل مصر عن بعض التابعين .
ومنهم المفسرون : كعبد الله بن العباس ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ، وهم معترفـون له بالتقـدم .
وفي تفسير النقاش قال ابن عباس : جل ما تعلمت من التفسير من علي بن أبي طالب عليه السلام وابن مسعود ، إن القرآن انزل على سبعة أحرف ، ما منها إلا وله ظهر وبطن ، وإن علي بن أبي طالب عليه السلام علم الظاهر والباطن .
وفي فضائل العكبري : قال الشعبي :
ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبي الله من علي ابن أبي طالب عليه السلام .
وفي تاريخ البلاذري وحلية الأولياء :
قال علي عليه السلام : والله ما نزلت آية ، إلا وقد علمت فيما نزلت ، وأين نزلت ، أبليل نزلت أم بنهار ، نزلت في سهل أو جبل .
إن ربي وهب لي : قلبا عقولا ، ولسانا سؤولا .
وفي قوت القلوب : قال علي عليه السلام :
لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب ، ولما وجد المفسرون قوله لا يأخذون إلا به .
وقال أحمد في المسند : لما توفي النبي صلى الله عليه وآله ، كان ابن عباس ابن عشر سنين ، وكان قرأ المحكم يعني المفصل .
و منهم الفقهاء : وهو أفقههم ، فإنه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر منه ، ثم إن جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون ، ومن بحره يغترفون .
أما أهل الكوفة : ففقهاؤهم سفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك بن عبد الله وابن أبي ليلى ، و هؤلاء يفرعون المسائل ويقولون هذا قياس قول علي ، ويترجمون الأبواب بذلك .
وأما أهل البصرة : ففقهاؤهم الحسن وابن سيرين ، وكلاهما كانا يأخذان عمن أخذ عن علي ، وابن سيرين يفصح بأنه أخذ عن الكوفيين وعن عبيدة السلماني و هو أخص الناس بعلي .
وأما أهل مكة : فإنهم أخذوا عن ابن عباس وعن علي عليه السلام ، وقد أخذ عبد الله ( بن عباس ) معظم علمه عنه .
وأما أهل المدينة : فعنه أخذوا ، وقد صنف الشافعي كتابا مفردا في الدلالة على إتباع أهل المدينة لعلي عليه السلام وعبد الله [13].
ويا طيب : فبعد الذي عرفت ، تعرف حقا أنه سيدهم لأنه معلمهم ، وعرفت أن معلم معارف الله سيد من يتعلم منه ، وسيده رسول الله ، فتدبر تعليمه له :
الإشعاع الرابع :
سيد الأوصياء علمه بسيد الكتب بتعليم واهب السيادة وسيد المرسلين :
إن الله سبحانه : واهب السيادة في التكوين كله ، وعرفنا كلاما طيبا في نشر كلمة التوحيد سيد الكلام والتسبيح منه بعد أن أمره رسول الله في المجلس السابق ، ولآن نعرف سيد الكتب أنه هو الذي جمعه كتابة ولفظا وقراءة وتلاوة وتعليما و تفسيرا ، وعلى المؤمن أن يتبع كلامه ومن ينقل منه حقا ، وحين لا يخلطه بغيره ينجى حقا ويكون له كتبا الله هدى وشفاء ورحمة ونور وعلم حق يقيم به طاعة الله .
وبعد أن عرفنا كلامه عليه السلام : ومن أقر له بجمع كتاب الله لفظا وكتابة وتدريس وتلاوة وقراءه ، فلنتدبر كلامه عليه السلام في معارف كتاب الله علما وتعليما وتفسيرا ومعنى وبينانا وحقا يوصل لرضا الله ، لأنه بتعليم الله ورسوله ، فجعله الحافظ لسيد الكتب وبآله بعده صلى الله عليهم وسلم فجعلهم سادة الوجود واقعا :
عن أبان عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام قال :
كنت إذا سئلت : رسول الله صلى الله عليه وآله أجابني .
وإن فنيت مسائلي ابتدأني .
فما نزلت عليه آية : في ليل ولا نهار ، ولا سماء ولا ارض.
ولا دنيا ولا آخرة ، ولا جنة ولا نار.
ولا سهل ولا جبل ، ولا ضياء ولا ظلمة .
إلا أقرأنيها وأملاءها عليَّ وكتبتها بيدي .
وعلمني : تأويلها وتفسيرها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصها وعامها.
وكيف نزلت وأين نزلت ، وفين أنزلت إلى يوم القيمة .
دعا الله لي : أن يعطيني فهما وحفظا .
فما نسيت آية من كتاب الله ، ولا على من أنزلت إلا أملاه عليّ [14].
وعن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس الهلالي قال :
قلت لأمير المؤمنين عليه السلام : إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن ، وأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس ، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم .
ورأيت في أيدي الناس : أشياء كثيرة من تفسير القرآن ، ومن الأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أن ذلك كله باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين ، ويفسرون القرآن بآرائهم ؟
قال : فأقبل عليَّ فقال :
قد سألت فافهم الجواب :
إن في أيدي الناس : حق وباطلا ، وصدق وكذبا ، وناسخ ومنسوخا ، وعام وخاصا ، ومحكم ومتشابها ، وحفظ ووهما .
وقد كُذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده ، حتى قام خطيبا ، فقال :
أيها الناس : قد كثرت عليَّ الكذابة ، فمن كذب عليَّ متعمدا ، فليتبوأ مقعده من النار ، ثم كذب عليه من بعده .
وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :
رجل منافق : يظهر الإيمان ، متصنع بالإسلام ، لا يتأثم ، ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمد ، فلو علم الناس أنه منافق كذاب ، لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ، ولكنهم قالو : هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورآه وسمع منه ، وأخذوا عنه ، وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبره ، ووصفهم بما وصفهم ، فقال عز وجل :
{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ (4) } المنافقون .
ثم بقوا بعده : فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان ، فولوهم الإعمال ، وحملوهم على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا .
وإنما الناس مع الملوك والدنيا ، إلا من عصم الله ، فهذا أحد الأربعـة .
ورجل سمع من رسول الله شيئا : لم يحمله على وجهه ، ووهم فيه ، ولم يتعمد كذبا ، فهو في يده ، يقول به ويعمل به ويرويه .
فيقول : أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه ، ولو علم هو أنه وهَم لرفضه .
ورجل ثالث : سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا أمر به ، ثم نهى عنه ، وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ، ثم أمر به ، وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه ، ولم علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه .
وآخر رابع : لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ، مبغض للكذب ، خوفا من الله ، وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله ، لم ينسه ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به كما سمع ، لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ .
فإن أمر النبي صلى الله عليه وآله : مثل القرآن ، ناسخ ومنسوخ ، وخاص وعام ، ومحكم ومتشابه ، قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان : كلام عام ، وكلام خاص ، مثل القرآن ، وقال الله عز جل في كتابه :
{ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (7) } الحشر .
فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله صلى الله عليه وآله .
وليس كل أصحاب : رسول الله صلى الله عليه وآله ، كان يسأله عن الشيء فيفهم ، وكان منهم من لا يسأله ولا يستفهمه ، حتى أن كانوا ليحبون أن يجيء الإعرابي والطاري فيسأل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يسمعوا .
وقد كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله :
كل يوم دخلة . وكل ليلة دخلة .
فيخليني فيها ، أدور معه حيث دار .
وقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري .
فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله صلى الله عليه وآله ، أكثر ذلك في بيتي .
وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله ، أخلاني وأقام عني نسائه ، فلا يبقى عنده غيري .
وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني .
وكنت إذا سألته : أجابني ، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني .
فما نزلت : على رسول الله صلى الله عليه وآله آية من القرآن .
إلا أ قرأنيها وأملاها عليّ ، فكتبتها بخطي .
وعلمني :
تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصها وعامها .
ودعا الله : أن يعطيني فهمها ، وحفظها .
فما نسيت آية من كتاب الله ، ولا علما أملاه علي وكتبته .
منذ دعا الله لي بما دعا ، وما ترك شيئا علمه الله من حلال ولا حرام.
ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية .
إلا علمنيه وحفظته ، فلم أنس حرفا واحدا .
ثم وضع يده على صدري: ودعا الله لي أن يملا قلبي علما وفهما وحكما ونورا.
فقلت : يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت .
لم أنس شيئا ، ولم يفتني شيء لم أكتبه ، أ فتتخوف علي النسيان فيما بعد ؟
فقال : يا أخي لست أتخوف عليك النسيان و لا الجهل .
وقد أخبرني الله أنه قد استجاب لي فيك .
وفي شركائك الذين يكونون من بعدك .
قلت : يا نبي الله و من شركائي ؟
قال : الذين قرنهم الله بنفسه و بي ، الذين قال في حقهم :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِـي الأَمْـرِ مِنكُــمْ (59) } النساء .
فإن خفتم التنازع في شيء
فأرجعـوه إلى الله وإلى الرسـول وإلى أولي الأمـر منكم .
قلت : يا نبي الله و من هم ؟
قال : الأوصياء ، إلى أن يردوا عليّ حوضي كلهم هاد مهتد ، لا يضرهم كيد من كادهم ، و لا خذلان من خذلهم .
هم مـع القـرآن ، و القـرآن معهـم .
لا يـفـارقـونـه ، و لا يـفـارقـهـم .
بهم ينصر الله أمتي ، و بهم يمطرون ، و يدفع عنهم بمستجاب دعوتهم .
فقلت : يا رسول الله سمهم لي ؟
فقال : ابني هذا و وضع يده على رأس الحسن .
ثم ابني هذا و وضع يده على رأس الحسين .
ثم ابن ابني هذا و وضع يده على رأس الحسين .
ثم ابن له على اسمي اسمه محمد ، باقر علمي و خازن وحي الله ، و سيولد عليّ في حياتك .
يا أخي : فأقرئه مني السلام ، ثم تكملة ألاثني عشر إماما من ولدك .
فقلت : يا نبي الله سمهم لي ؟ فسماهم لي رجلا رجلا منهم .
و الله يا أخا بني هلال :
مهدي هذه الأمة : الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا ، كما ملئت ظلما و جورا، و الله إني لأعرف جميع من يبايعه بين الركن و المقام ، وأعرف أسماء الجميع و قبائلهم[15].
يا طيب : لو لم يكن في الأحاديث كلها إلا الحديث أعلاه لكان يجب علينا أن نقر لسيد الأوصياء بأنه أعلم الناس بسيد الكتب ، وكما علمه سيد المرسلين الذي تجلى به عليهم بالسيادة سيد السادة وواهبها سبحانه :
وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام انه قال :
ما يستطيع احد أن يدعى انه جمع القرآن كله
ظاهره وباطنه غير الأوصياء .
وعن جابر قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ما من احد من الناس يقول :
انه جمع القرآن كله كما انزل الله إلا كذاب .
وما جمعه وما حفظه كما انزل الله
إلا على بن أبي طالب و الأئمـة من بعده .
وعن عبد الأعلى مولى آل سام قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
والله : إني لا علم كتاب الله من أوله إلى آخره ، كأنه في كفي .
فيه خبر السماء وخبر الأرض ، وخبر ما يكون وخبر ما هو كائن ، قال الله :
فيه تبيان كل شيء [16].
وهذا عرفته : و ما سنعرف أسسه في الذكر الآتي ، لبيان سورة التوحيد ، وسورة سيد العلم إنا أنزلناه ، وسيدة آية القرآن المجيد الكرسي .
وعن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
{ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ (40) } لنمل .
قال : ففرج أبو عبد الله عليه السلام بين أصابعه فوضعها في صدره ، ثم قال :
وعندنا والله علم الكتاب كله .
وعن بريد بن معاوية قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام :
{ قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) } الرعد ؟
قال :
إيـانـا عـنـى
وعلي : أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله [17].
يا طيب : إن بعض الناس حين تذكر بعض الكرامات والمعجزات لأنبياء وأوصياء الأمم السابقة ، يستصعب أن يكون مثلها لنبينا وآله صلى الله عليهم وسلم ، مع أقراره لهم بأنهم أكرم خلق الله وأفضلهم ، وأنه دينهم سيد الأديان ، وهم المطهرون بأمر الله ، وهم المأمور بمودتهم ، وأن الله خصهم ما لم يخص غيرهم من الناس .
وقد قال الله تعالى :
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ
فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43)
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْــرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) } النحل.
فيا للعجب : ترى بعض المسلمين يرى أهل الذكر في أهل الملل والكتب السابقة ، ولم يرى أهل ذكر وكتاب الله من المسلمين ، ولا أنه شاهد من أهل القرآن له ، مع أن الآية الثاني تعرفنا أن القرآن المجيد هو ذكر نزل على سيد المرسلين ، ولابد أن كون أهل الذكر أهل سيد المرسلين ، وإنه المختص بتفسيره وتأويله كما يحب ويرضى سبحانه هم الراسخون بعلمه ، وهم ورثة الكتاب المصطفون ، لا عموم المسلمين فضلا عمن عدل عنه وحب الدنيا ولم يعمل به ولم يرضى بما فيه من تفضيل مَن صدقهم الله في آية المباهلة وأمر بودهم في آية المودة وجعلهم ولاة دينه في آيات الولاية ، والمنعم عليهم بهداه بصراط مستقيم كما عرفت في سورة الفاتحة ، ولكن تراهم تبعوا من غلب وعلّم ما يشاء من فكره وفكر مَن نصّبه وقياسهم واستحسانهم ، وتركوا الحق وسادة الحق ومعلمي الحق المصطفين الأخيار والأبرار المطهرين ، الذين أورثهم سبحانه كتابه كما قال :
{ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الحق
مُصَدِّقً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)
ثُمَّ أَوْرَثْنَــا الْكِتَـابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)} فاطر.
وقد عرفت يا طيب : أن أمير المؤمنين كان سيد السابقين للإسلام والإيمان ، وهذا سيد الخير والمعرفة والتقدم في فضل الله وبذله ، ويكفي أنه القرآن طاهر وسيد المرسلين وآله هم الطاهرون ليكونوا سادة الوجود وأئمة العباد كما قال الله سبحانه :
{ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78)
لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) } الواقعة .
{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} الأحزاب .
وقال سيد الوصيين الإمام علي عليه السلام في مناظرة مع طلحة :
الجواب الرابع : حديث الثقلين وقوله صلى الله عليه وآله :
إني تركت فيكم أمرين : لن تضلوا ما تمسكتم بهما .
كتــاب الله وعتــرتـي .
لا تتقدموهم ولا تتخلفوا عنهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم .
فينبغي أن لا يكون الخليفة على الأمة إلا أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه .
وقد قال الله :
{ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)} يونس .
وقال : { قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } البقرة .
وقال : { أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (4)} الأحقاف .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما ولت أمة قط أمرها رجلا وفيهم أعلم ، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا ، حتى يرجعوا إلى ما تركوا .
فما الولاية غير الأمارة على الأمة ؟
فقال طلحة : فرجت عني ، ما كنت أدري ما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك حتى فسرته لي . فجزاك الله يا أبا الحسن خيرا عن جميع الأمة [18].
وإن حديث الثقلين : أشهر حديث متواتر تناقلته كتب الحديث ، وسيأتي بعض الكلام عنه وراجع ما كتبنا حوله في صحيفة الثقلين ، وتجده مفسرا مفصلا في الغدير وكتاب إحقاق الحق وعبقات الأنوار وغيرها ، وقد جعلوا له جزء أو ما يقاربه ، يعرف تواتره ومعناه وتلازم سيد الكلام كلام واهب السيادة وسادة التكوين إلى يوم القيامة وأنهم لا يفترقون أبدا .
{ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)} الرعد .
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ
فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمً (54) } النساء .
وإن ملك الله سبحانه : هو العلم وهو ملك الله العظيم ، وهو الكتاب والحكمة ، و الله فضل سيد المرسلين وسيد الوصيين وآلهم وزادهم بسطة في العلم والجسم ، وقد عرفت ما فتح الله عليهم من العلم ، وفي خيبر وحنين وأحد وبدر والخندق وغيرها ، حيث كان الفتح لهم وبمؤزرة سيد الوصيين حامل لواء :
لا إله إلا الله ،.
وناشر راية الهدى بأمر سيد المرسلين .
كما أن علمهم عرفته وقد أيده الله وكلامهم وسيرتهم وسُنة المعرفة والتأريخ والدين ، ويكفي بعد النظر لفتوحات المسلمين لتنظر قائدها سيد الوصيين ، أنظر كتاب نهج البلاغة وغرر الحكم والموسوعات المؤلفة في كلامه وحياته ، وتدبر زهده وعلمه و تقواه وحكمته وعدله وعبادته ، تعرف أنه كان مصداقا لها كما كان نبي الله داود وغيره عليهم السلام .
الإشراق الثالث :
أحاديث السيادة الجامعة بين سيد الكتب وسادة المتقين إلى يوم الدين :
يا طيب : بعض الأحاديث تواتر نقلها واشتهرت معرفتها لكل المسلمين ، فضلا عن شيعة سيد الوصيين ، وذلك لكثرة ما أوردها في المواقف المتنوعة والمواطن الكثير سيد المرسلين ، وإن حديث الحق : علي مع الحق والحق مع علي .
وحديث القرآن الناطق : علي مع القرآن والقرآن مع علي .
وحديث القرآن الصادق المسمى بالثقلين :
يا أيها
الناس : إني تركت فيكم ما أن أخذتم به
لن
تضلوا
.
كتاب الله
وعترتي أهل بيتي .
وأحاديث: تعرفنا فضل سيد الوصيين وآله آل سيد المرسلين وهم سادة المتقين من أهل البيت عليهم السلام ، لكثيرة جدا ، وألفت فيها كتب قيمة ، وبعضها جامعة كالمراجعات لشرف الدين وما أستدرك وخرج من أحاديثه في سبيل النجاة في تتمة المراجعات لحسين الراضي ، ومسند الرضا لداود بن سليمان الغازي وما خرج من أحاديثه محققه محمد جواد الحسيني الجلالي ، أو الكتب المفصلة في تعريف أحاديث الولاية والإمامة لأهل البيت عليهم السلام كإحقاق الحق للمرعشي النجفي الذي قارب الستون جزء ، وعبقات الأنوار الذي حققه الميلاني والذي تجاوز العشرون ، وقد خصصا جزاء في حديث الثقلين ، وغيرها ، ونقلوا من كتب الخاصة والعامة ، وفصلوا عبارته بكثرة ، ونحن هنا نختار من مستدرك المراجعات أحاديث في خصوصه وخصوص حديث القرآن الناطق ، وقبله نذكر نص حديث الثقلين مفصلا من مصادر تجدها مرفقة مع الحديث ، وإن أحببت المزيد والتفصيل راجع ما ذكرنا من كتب وغيرها المختصة في الإمامة والولاية ، وقد عرفت أن روح الإمامة والولاية هو أنه الإمام والولي الحق هو السيد الباذل للمعروف الحق مع التقى لكونها تقرن بينهم:
الإشعاع الأول :
سيد الكتب حقا مع سادة الوجود الحق ولن يفترقا :
يا طيب : إن الأحاديث التي تجميع بين القرآن سيد الكتب والكلام مع سادة الوجود الحق فلنسميها :
أحاديث السيادة :
وقد رووا : عن أبي سعيد التيمي قال : سمعت أبا ثابت مولى أبي ذر رحمه الله يقول : سمعت أم سلمة رضي الله عنها تقول : سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه يقول وقد امتلأت الحجرة من أصحابه :
أيها الناس : يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ، ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وحل وعتـرتي أهل بيتي .
ثم أخذ بيد علي عليه السلام فرفعها فقال : هذا :
علي مع القـرآن ، والقـرآن مع علي .
خليفتان بصيران لا يفترقان حتى يردا علي الحوض، فأسألهما ماذا خلفت فيهما[19].
وذكر في سفينة النجاة في تتمة المراجعات :
رقم ( 611 )قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
علي مع القرآن
، والقرآن مع علي .
لن يفترقا حتى يردا علي الحوض [20].
ويا طيب : توجد أحاديث كثيرة في فضل الإمام علي خاصة ، كما أنه توجد أحاديث له مع كل أهل البيت عليهم السلام ، والحديث أعلاه كان من الأحاديث الخاص وقد فصلنا كلاما بأسلوب أخر في صحيفة ذكر علي عبادة وذكرنا فيه كثير من الأحاديث الخاصة به وبآله ، فإن أحببت المزيد فراجع ، ويوجد حديث مشابه للحديث أعلاه هو حديث : علي مع الحق والحق مع علي ، وهو ذكر بعدة أساليب ، وإن كتاب الله سيد الكتب هو الحق وعلمه وتفسيره لسادة الوجود الحق :
{ اللّهُ لا إله إلا هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَـابَ بِالحق مُصَـدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (3) } آل عمران .
{ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحق وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)} البقرة.
وإن الله سبحانه عرف رسوله أن أرسله بالحق يعلم الحق وهو على الحق :
{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالحق بَشِيرًا وَنَذِيرً (119) } البقرة .
والله خص النبي وآله سادة الوجود بالحق وصدقهم كما في الآيات أعلاه إذ قال:
{ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ (60)
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَـاءكَ مِـنَ الْعِلْـمِ
فَقُـلْ تَعَالَـوْاْ نَــدْعُ
أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ
ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الحق
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)} آل عمران .
نعم آية المباهلة عرفت شأن نزولها وأنها في سادة الوجود الحق .
فيا طيب : فما سمعت من أن : علي مع القرآن والقرآن مع علي ، أو ، علي مع الحق والحق معه ، فهو الحق ، أيده الله في كتابه وبينه رسوله في كلامه هو سيد الكتب والكلام ومن خالف علي وآله خالف القرآن الحق ، لأنه جمعه وعلمه لهم وقد قال :
{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالحق
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)} البقرة .
ويا طيب : إن الحديث سواء علي مع الحق أو مع القرآن ، والقرآن والحق مع علي لواحد في المعنى ، وهكذا ما يرفقه من بيان حقه وشأنه الكريم ، كما جاء :
عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، أنه قال : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :
في علي خصالا ، لو كانت واحدة منها في جميع الناس لاكتفوا بها فضلا :
قوله صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه .
وقوله صلى الله عليه وآله : علي مني كهارون من موسى .
وقوله صلى الله عليه وآله : علي مني وأنا منه .
وقوله صلى الله عليه وآله : علي مني كنفسي، طاعته طاعتي، ومعصيته معصيتي.
وقوله صلى الله عليه وآله : حرب علي حرب الله ، وسلم علي سلم الله .
وقوله صلى الله